تقترح القراءة على النصوص أفكاراً بعد-نصية. إنها تستنتج وتؤول لتضع للنصوص سياقات ليست على لائحة الكتابة الشعرية بالضرورة. إنها تلك الفجوات المتروكة ليملأ القارئ فراغها ويرمم جسد النص الذي تنهكه اشتراطات الكتابة، وأعراف النوع لكنه يخفي بناه العميقة ليلتذ القارئ بجمع أشتاتها وبناء هياكل جديدة لها.

هكذا اقترحت أن يكون ما يقدمه ناجي رحيم هنا (عملاً) وليس ديوانا.إنني لا أسترد الان مفهوم رولان بارت للعمل والنص، بل أجد وشيجة بين نصوص الكتاب الشعري تحفز على قراءته كله بكونه عملا يبث رؤية واحدة في مجموع جزئيات تنبني لتكمل بعضها وتؤلف ذلك الملفوظ الشعري، وليس ديوانا يجمع نصوصا متفرقة تحت مسمى واحد: أفراد وآحادا لا يتشابهون الا بالعائدية التي تتيحها التسمية.

الكائنات هي ذاتها في نصوص العمل أو فقراته رغم ما اتخذت من عناوين أو موضوعات: رثاء الرسام زياد حيدر مثلا، أو استذكار الناصرية –الحاضنة ، أو ايام الأسر والنفي في مخيمات رفحا والأرطاوية، او في اقتراح خريطة كونية جديدة وإعادة صياغة قصة الخلق في يومه العاشر ، أو في جلسة تأمل للعالم والكائنات واللغة في مغتربه (في مطعم هولندي).

الكائنات هي ذاتها: مسننة الأنياب ضاجة مخترقة لوحدة الشاعر وعزلته وصمته (تضج في رأسي)، متزاحمة تتدافع وتتهالك جريا بلا ملامح. ليس الموضوع كثيمة مضمونية الهوية بجديد. منذ القديم ثمة الواحد والجماعة، او الشاعر والحشد كما يقترح ناجي رحيم. لكن كائناته موجودة في النصوص كلها. تكاد لا تخلو منها قطعة من العمل او واحدة من جزئياته . كائنات ليست من البشر حصرا، فهي مجموع نمال في الزحام تحاور الإنسان وتبادله الفكرة.وهي طبيعة تضج في الخارج وتجعل الشاعر يتساءل ( أية قوانين تسيّر هذه الكائنات، وأية قوة تمد السيقان بالمسير؟). بمقابلها يختار الشاعر وصف نفسه بالغريب بين الحشد .العبارة المتوترة القصيرة منبنية من ست كلمات لكنها تلخص كل شيء:: “أنت في الحشد غريب لن تكون” بمقطعين كمقدمة ونتيجة. مستلب الكينونة ( لن تكون) محيلا لهاملت ربما في لا وعي النص: تكون او لاتكون. وبسبب (الجوق) كما يسميه يكون الاستلاب. هنا (جمع متكور على نفسه) يتبرأ منه. ويرضى بدور المراقب.العالم في الخارج مشهد وهو يطل عليه من الضيّق دوما: من نافذة او زاوية ويلم اشلاء هذا العالم والجمع او الجوق الذي فيه ليرميهم إلى النسيان.

الشاعر راوٍ خارجي كلي العلم .هكذا اختار لنفسه موضعا في العمل كله. بما أن العمل المنتمي للأعراف النوعية لقصيدة النثر لا يزهد بالسرد بل يتكئ عليه منذ استهلاله، فالقراءة أيضا تستنفر الجهاز السردي لمتابعة إجراءاتها، وتعقّب الجزئيات النصية.اول ابيات (كائنات) يموضع الشاعر ويرينا الزاوية التي اتخذها ليراقب ويسجل (من زاوية لا يرمقني فيها أحد) وسيحافظ ناجي رحيم على موضع الراوي وصلته بما يسرد . يمتد السرد على أجزاء العمل كلها ويتماهى أحدها ليغدو سطورا. ليست هنا بنية بيتية: أبيات تلي بعضها بل هنا سطور تكتمل بهيئة النثر(قصيدة ليست حكاية) وكأن عنوان الجزء هذا يستفز القارئ ويريد ان

يقول له : هذا الذي تقرأ سرد لامحكي متخيل.الهدوء الذي في المفتتح سيتهدم مباشرة أو يتفجر بعد تلك العبارة (أستبيح المشهد كله). من الزاوية التي اختارها للمراقبة بحيث لا يُرى سيقوم بـ (استباحة المشهد كله) وهي عبارة تشي طبيعتها الصياغية القائمة على عنف لغوي يسم العمل كله باحتدام داخلي رهيب يطفو ليفيض على اللغة والصور ايضا، ولا سيما في جملة انحرافات، او انزياحات واضحة الدلالة من قبيل (شخير الفكرة، شاحنة الروح، رئة الأبجدية، جسد الورقة، أرداف الكلمات، مشجب الترقب، مهبل اللحظة، مهب الصمت،لحم الأيام، بغال الحزن ، بخار الأحلام) .

إنه احتدام يعادل تلك الضجة التي تثيرها الكائنات في الخارج ،وتدخل لتقتحم رأس الشاعر وغرفته وقصيدته؛ فيقابلها بهذا العنف الصياغي (كومت الليل في منفضة السجائر).النافذة للمراقبة والمنفضة لرمي بقايا الليل . ليس في الخارج سوى ( أرصفة تضج،الضجيج يتكور،عين تصرخ، رجة الأرض) لذا يبحث الشاعر عن عشبة ليست عشبة الخلود التي من أجلها غاص جلجامش في مياه الاعماق وخاطر بحياته ولم يجدها.ليست عشبة تعيد الشيخ صبيا كما تقول الملحمة العراقية ،بل هي ببساطة (عشبة الهدوء)

والحل الآخر هو في استدعاء الماضي بكتابة تذكارية (تمطر في شتاء قديم/أحلم وأحلم دون هوادة/وأنا أمشي بين رفوف من تماثيل) هي الكائنات تطارده حتى في الحلم كما هي في المكتب والمطعم الهولندي والغرفة. وتبقى الأسئلة ( فأنت ماض إليك إلى بحيرة تتلاطم فيها أسماك الأسئلة) الفعل تتلاطم بحركيته وعنفه المضموني وصخب الصورة يؤكد الاحتدام الذي صار هوية للعمل يعكس طبيعة صلة الشاعر بالعالم ومن فيه من الكائنات. ( بيني وبيني حرب/أتقرّى محيطات من بشر) (يتقاطر العالم في أاسي) و(يتقاطر) في الدلالة مثل (تتلاطم).مواجهة

باللغة لعالم يستلب روح الشاعر. ينعكس ذلك في إسقاط معرفي على تخيل الشاعر للكينونة.تكون الحياة على الأرض محاكاة لقصص الخليقة (لم يكن للوجع من اسم بعد/

لم يُعرفْ خواءُ الأبعاد/ لم تلد المسافات سرابا/لم تأت الآلات/ ولم ينخر عبابا زيف/نشوان كان الكل).

هكذا تبدأ قصة الكينونة. لكـن الوجع ابتدأ ببداية الخلق. فلما كان اليوم العاشر اكتمل العناء

لقد شفّت نصوص العمل بمعاناة الشعر الواضحة والمتسقة في ثنايا العمل بوحدة مدهشة أنتجتها الرؤية التي نراها ضرورية لضبط شطحات الشعر وتهويماته والنأي عن غنائياته الرتيبة.وهذا ما انجزه ببراعة ناجي رحيم مؤلفا هذا النشيج العذب، ومحققا لشعرية متقدمة بسبب تقدم رؤية الشاعر نفسه وتجربته الحياتية والشعرية. الغربة تعمق هذا الإحساس.ليس كما يقترح سارتر:الآخرون هم الجحيم.الشاعر لا يعنيه مآل أو مصير بل هو منشغل الان بهذا الضجيج والجوق وجمع الكائنات الذي يرمقه ويرقبه ويمثله شعريا بحداثة تعضدها هيئة قصيدة النثر وعناصرها البنائية التي استثمر الشاعر حريتها الموسيقية ليخلق هذه المناحات الشجية والشكوى الصارخة رغم هدوئها الظاهري.

 

*ناقد من العراق مقيم في أميركا.

( عن جريدة العالم العراقية)