• تختلف قراءة الكتب حسب عمق وسطحية إدراك القارئ، وحسب موقفه الفكري أو العقائدي، ومثلما يندر وجود الباحث أو الكاتب المحايد، يندر كذلك القارئ المحايد، لأن الحياد بالأساس لا وجود له على أرض الواقع. لذا كم يثير الانتباهَ باحثٌ قرأ كبريات المؤلفات الفكرية، التي وجّهت أفكار شباب الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي، عن التّراث والمعاصرة، قرأها بمسؤولية النّاقد المحايد، كما فعل الكاتب زهير توفيق.

 (رسمة الفنان خالد الساعي)

يكفيك كتاب زهير توفيق، المنشور بعنوان “إشكالية التراث في الفكر العربي المعاصر” عن قراءة لستة عشر كاتبا، تباينت عقائدهم، التي كتبوا في ضوئها، بين اليسار واليمين، بين الماركسية اللينينية والقومية والإسلامية، وكل منهم استخدم رافعة البناء وآلة حرثه في التّراث، معتقدا أنه بنى ثقافة ونهجا على أساس التراث، يوم شاعت المقابلة والممازجة بين التراث والمعاصرة، أو الحداثة، التي عبر عنها البعض بعبارة “حداثة لم تحدث”.

أصدرت الكتاب دار “العرب للنشر والتّوزيع”، ومع أن العنوان لا يُثير الانتباه، لكثرة ما نُشر تحته مِن مؤلفات، ولكثرة استخدام مفردة “إشكالية” في أكثر من مجال، من الثقافي إلى الاجتماعي والاقتصادي والتّاريخي، لكن ما إن تبدأ بتصفح الكتاب حتى تكون أمام ست عشرة نظرية في دراسة التّراث وكيفية التعامل معه، لخلق نهضة فكرية حداثية، إذا كانت الأفكار المطروحة تعطي معنى “النظريات”.

التشتت البحثي

أخذ الباحث زهير توفيق ما صنفه مِن الماركسيين: حسين مروة، ومهدي عامل، والطيب تيزيني، وهشام غصيب، وسلامة كيله، وغالي شكري، وعبدالله العروي. وما صنفه في هذا المجال من العروبيين الإسلاميين وما يُعبر عن بعضهم بالتنويريين: طه عبدالرّحمن، ومحمد عمارة، وعبدالله عبدالدايم، وحسن حنفي.

وأخذ المؤلف ما صنفه من العقلانيين النقديين، حسب تصنيفه لهم: فهمي جدعان، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون، ونصر حامد أبوزيد، وأخيرا برهان غليون.

بطبيعة الحال، هناك العديد مِن الباحثين الآخرين، الذين لا يقلون شأنا عن المتقدمة أسماؤهم، ولعل البارز بينهم جورج طرابيشي، فبحوثه وأفكاره في مجال التراث الإسلامي عبرت بعض المنقودين في الكتاب. لكن ليس لنا لوم المؤلف على ذلك فهو اختار نماذج بعينها.

على سبيل المثال، ما قام به المؤرخ العراقي جواد علي في “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام” قلب الطاولة على من تمسك بجاهلية ما قبل الإسلام، ومَن تعامل مع تراث تلك الفترة على أنه لا وجود له، وهنا نقصد كتاب طه حسين “الشعر الجاهلي”.

غير أن المؤلف معذورا لأنه خصّ، على ما يبدو، التراث الإسلامي، مع أنه لم يُحدده في العنوان، فقد أبقاه مفتوحاً، وها هي الثورات في مجال الآثار تكشف يوماً بعد يوم صحة ما توصل إليه جواد علي، بسِفره الفريد الذي واجه به، من دون أن يُحدّد مصطلح الجاهلية، الذي أخذته الأعمال الفنية الدرامية وأضافت إليه المهازل، حتى قُدم كثقافة تافهة. مع علمنا أن التراث المؤثر، والذي يُراد التعامل معه، في ثنائية الأصالة والمعاصرة، لا يقف عند بداية الإسلام، وأن هذا التراث خرج من العدم، بلا إسناد من الماضي.

كم صُرف على الأحبار والأوراق، وعلى ما تبنته الدّول والمراكز الثقافية الخاصة، لدراسة التّراث، كي يولد المولود الجديد، الذي يحمل الماضي والحاضر والمستقبل. غير أن اختلاف التوجهات أضاع الهدف، وصار كلّ باحث ينظر إلى تأكيد عقيدته أو أيديولوجيته.

بحث في أفكار 16 مفكرا عربيا

فمنهم مَن اعتقد، وكتب أن التاريخ ما هو إلا صراع بين الطبقات، حتى ظهر لنا أن القرامطة ما هم إلا حزب اشتراكي، بينما آخرون تناولوا التراث على أنه عروبي بحت، وأن الصراع في الماضي، وبالتالي في الحاضر ما هو إلا صراع العرب مع أعدائهم، ولا اعتراف بلغة أخرى في المنطقة، وآخرون جعلوا التراث دينيا فقط، وليس هناك وجود لعلم أو ثقافة غير الدين، وبهذا يكون التراث قد بدأ ببداية الدعوة الإسلامية.

الطريق إلى التنوير

إن الحلول لدى مَن بُحثت نظرياتهم في هذا الكتاب جاءت خيالية إلى حدٍ بعيد، حتى صار القرب والبُعد من التجربة الأوروبية مقياساً، وقد خضع هذا لتأثر هذا الباحث أو ذلك نظرياً، وقد وصله التأثر من معايشة بلدان أوروبية وجامعاتها، أو تأثراً بنظرية فكرية. كأن الأفكار ثورية في الغالب منها، سواء الإسلامية منها أو الماركسية أو القومية، أتت لإسناد حزبي أو سلطة، وبالتالي خُلع عن العديد من المشاريع قربها من الناس، فظلت بل قُدمت للنخبة الثقافية أو السياسية.

أقول لو نظرنا إلى مصائر تلك النظريات، التي بُثت في المجلدات، فإننا لا نجدها قد عوضت القارئ عن كُتب الجاحظ أو أبوحيان التوحيدي أو رسائل إخوان الصفا، ظل ذلك الماضي بألقه، وربَّما بعض تلك المؤلفات ساهمت بالتنفير منه، وذلك لأنها ظلت صفحات في التنظير، ومنها ما كان يوصي مباشرة بالبعد عن ذلك الماضي بكل عناصره، وآخر اختار منه دون غيره. حتى من بينهم مَن جعل سبب عدم وجود نهضة هو “التّراث” نفسه.

على أي حال، كان الكتاب عرضاً ونقداً دقيقاً لمؤلفات، يصعب على الكثيرين قراءتها، ناهيك عن نقدها واتخاذ موقف ثقافي أو فكري منها، وأرى أن مؤلف الكتاب، مِن دون أن يذكر ذلك، أنه بكتابه هذا أوقف ذلك النزاع المفتعل بين “الأصالة والمعاصرة”، وكشف مَن لعب على تلك الثنائية، مِن دون أن يهز للماضي شعرة، فما أن تحرك الوضع السياسي، حتى عادت مجتمعاتنا إلى ما قبل الجاحظ والتوحيدي، وليس هناك وقت نخسره للبدء بإعادة النزاع بين هذه الثنائية. فيبدو لنا أن إشكالية التراث ليست فيه بقدر ما هي إشكالية الباحثين أنفسهم.

مع كل ما تقدم به مؤلف الكتاب من نقد فمِن بين هذه الأسماء مَن لا يُنسى فضلهم في الثقافة المعاصرة، وأنهم فتحوا أبواباً ونوافذ لقراءة التُّراث. ومعلوم أن مَن اجتهد وأصاب فله حسنتان، ومَن اجتهد ولم يصب فله حَسنة واحدة. يبقى كتاب “النَّزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية”، وما تقدم به طيب تيزيني مِن مشروع لتثوير التراث، وما عاناه نصر حامد أبوزيد بسبب مؤلفاته وغيرها كلها أسفار مهدت الطريق لحركة تنويرية ستتحقق عاجلاً أم آجلاً.

http://www.alarab.co.uk/article