توفيق صايغ (1971-1923) الفلسطينيّ الكافكاوي، قبطان قصيدة النثر، سندباد المنافي والغربة، من أضنته وعثاء التشرّيد والنفي، ومن عاش مسكونا بالقلق والأرق والفقدان والاغتراب، يعود إلى وطنه طبريا ـ بحر الجليل، باحثا عن طفولته وذكرياته، بسبع عشرة قصيدة مجهولة ومخطوطة صدرت عن منشورات الجمل (2017)، أعدّها وقدّم لها محمود شريح.
توفيق صايغ المغيّب عن المشهد الشعريّ العربيّ رغم ريادته، لغرابة شعره وتعقيداته المفرطة وتجريبه المغامر، يعتبر الصوت الصارخ في البرية للحداثة الشعرية المنفتحة على الشعر الغربي، وهو محبّر «ثلاثون قصيدة» 1954، و«القصيدة ك» 1960، و«معلّقة توفيق صايغ» 1963.
«بحر الجليل» إضمامة شعرية مرّة مجدولة بمدن فلسطينية بعيدة عن عيون الشاعر، سكبها توفيق صايغ موزونة في محرابه الشعريّ الأوّل بين 1943- 1946، فيها يحجّ إلى طبريا التي شكّلت مدارج طفولته حتى النكبة، والقدس التي درس المرحلة الثانوية في كليتها العربية بين 1937-1941، وعمل فيها مدرّسا في مدرسة «الروضة» بين 1946-1947، والناصرة التي زارها وكتب فيها قصيدة «سامية» صديقته الطالبة في الجامعة الأمريكية التي أصبحت في ما بعد سكرتيرته في مجلة «حوار»، وبيروت التي درس في جامعتها الأمريكية وتخرّج فيها بشهادة بكالوريوس في الأدب الإنكليزي (1945) ثمّ درّس فيها، كما أصدر فيها عام 1962 مجلة «حوار» .
قصيدة «بحر الجليل» عتبة الكتاب تهدهد الديوان بأسلوبها الرومانسيّ الجبرانيّ وتشكّل مرايا بلورية عاكسة لبحيرة فلسطين ـ طبريا المقدّسة، التي تسمّى في الكتاب المقدّس «بحر الجليل»، نحتها الشاعر بتفاؤلية وصورها بسمة امرأة ترتسم على شفاه معسولة ليّنة، وفيها يتكئ على القصص الإنجيليّ والرموز المسيحية والتاريخ العربيّ:
بحر الجليل
بسمة، حلو شذاها
شاهد الناس الإلها
في مسا، رطب، عليل
قائما يفترّ عنها، فإذا بعض النجاد
تمتصها، نشوى، وتمتصّ الشفاها
وإذا في البسمة بحر الجليل
والشفاه الرود أرجاء بلادي
*
يوم علّمنا الغريب
أن يوما لن يطيب
وهو فينا،
يوم قال ابن الوليد
– فخر ماضينا-
لشمس الروم: «بيدي»
فاستخارت في كسوف
يوم رحنا بالسيوف
نطرد الغرب المعادي

في بعض القصائد غزل جريء بوهيميّ ممسوح بالإيروتيكا، مموسق، منثال بلغة عذبة سلسة وبصور بيانية كلاسيكية، كما «في صدرك» ـ المكتوبة عام 1945:
في الصبح
في موطن من صدرك المزهر
ينفضّ عنه
عبير
طيّب العنبر
كأسان
بهما رحيق
سائغ الكوثر
قاما
يراق اللبن الحلو من الأيسر
والأيمن
منه فيض الشهد
إن يعصر
ينساب
في وسطهما
وادي الهوى الأحمر
وفي تاريخ 9 سبتمبر/ أيلول 1945 كتب من مدينة الناصرة قصيدة غزلية بعنوان «سامية» وأهداها إليها، وقد حباها بآيات السحر والجمال بأسلوب بشارة الخوري ورشيد سليم الخوري وإيليا أبي ماضي، صبغ توفيق الله فيها بالشاعرية والإعجاب:
وكلّ ما فيها جمال-
حلّت ـ شذى- فيه فراح في تيه
رحب، وقال
أسطورة الشّعر – شقّت من السحر-
وصاغها في «سامية»
وفي هذه المجموعة يبرز تأثر توفيق صايغ بالتوراة خاصّة «نشيد الأنشاد» و«المزامير» كما في قصيدة «حبيبي»، التي يخط تحتها «عن نشيد الإنشاد» فهو يتماهى فيها مع نشيد الإنشاد في جمال الحبيب والتشبيهات الجسدية الملموسة والإيقاع الموسيقيّ، والقاموس الغزلي الفريد:
والبطن عاجّ أبيض قد غاّفا
بالأزرق الياقوت، وهّاج، صفا
مثل العمود من رخام
ساقاه إذ تتّكئان
حول القعاد من عظام
كأنها صفر الجمان
طلعة مثل لبنان
قامة مثل أرز
رونق مثل نيسان
حسنه حسن رمز
شهوات حسّ ناعسه
وروعة في خلقه
حلاوة في حلقه:
هذا حبيبي، يا نسا
ولا غرابة في ذلك، فثقافته وخلفيته في الكتاب المقدّس واسعة، لأنّه نشأ في بيئة مسيحية فوالده عبدالله كان قسّيسا في مدينة طبريا حتى النكبة عام 1948.
معظم قصائد الديوان تدور في فلك جسد المرأة واللذة والحب، ويتقاطع الشاعر مع رومانسية إلياس أبي شبكة صاحب «أفاعي الفردوس» في نظرته السوداوية للمرأة ومع بودلير صاحب «أزهار الشر». اتّبع توفيق صايغ في باكورة أشعاره «بحر الجليل» التفعيلة والقافية المتنوّعة، بينما بقية أشعاره عبارة عن نثيرات شعرية بلا وزن.

توفيق صايغ مجنون كاي

على غرار الشعراء العرب القدامى والغربيين الكبار أمثال الشاعر الفرنسي لويس (لوي) أراغون المعروف بمجنون إلزا (إلسا) العشيقة والزوجة ورفيقة دربه وملهمته التي كتب فيها عدة مجموعات شعرية، عاش توفيق صايغ تجربة عشق أسطورية مع صاحبة ديوانه «القصيدة ك»، وهي كما يشير جبرا إبراهيم جبرا ورياض الريّس فنّانة إنكليزية تدعى كاي شو من كامبريدج، تعرّف إليها عام 1957 في لندن وهي في العشرينيات، تيّم فيها وتعلّق بها بشكل جنونيّ وجعلها جذوة أشعاره ورمز إليها بالحرف «ك» على غرار فرانتس كافكا و «يوسف ك» في رواية «المحاكمة». أصبح الشعر عند توفيق صايغ يختزل بمؤرقته كاي، شيفرة أشعاره التي صلبته على مسامير القصيدة وأشواك الحروف في زنزانة جدرانها «القصيدة ك» وعلّقته على صليب «معلّقة توفيق صايغ». هذه العشيقة الملهمة والمؤلمة كانت شرسة تجاهه أوقعته في شباكها مثل عذراء الكركدن، وروّضته وهصرته، كما يقول رياض الريّس في كتابه «ثلاثة شعراء وصحافيّ»:
« لكن كاي كانت الهاجس الذي كان يأخذ توفيق صايغ منا كل جمعة في كامبريدج ولا يعيده إلينا من لندن إلا ليل الاثنين. وكان يعود متعبا منها، حتى قضت على وتر الحيوية فيه، فأعطى كل هذا الألم والكثير من ذلك الشعر. وعندما انتقل إلى لندن أستاذا في جامعتها، كانت كاي بدأت تختفي من حياته، إلا أنّ عذابه بغرامها تصاعد حتى استوى على وتيرة واحدة من الألم، اعتادها».
وفي نظر جبرا إبراهيم جبرا في «النار والجوهر»: «كانت كاي تغويه وتعذّبه معا، وتتقن كلا الفنين وتتمتّع بهما. ما رأيته في أواخر الخمسينيات، إلا وهو في تباريح غريبة من هذه الفتاة ـ وهي فنانة تقيم في لندن، تتشبّث به وتغار عليه، وتعقد عليه لذائذ الحب بلذائذ من قسوتها السادية لا يستطيع منها فكاكا. تغار عليه حتى من أصدقائه، فلا تريده أن يراهم، ولا تريد هي أن تراهم». ويضيف جبرا أن توفيق صايغ أخبره عام 1960 بعد صدور «القصيدة ك»، بأنه اجتاز أزمتين في حياته، بسببهما حاول الانتحار، في عام 1950 حين أقصي عن النعيم بسبب وفاة أمّه، وفي عام 1960 حين أقصي عن الجحيم، إشارة إلى تركه «كاي» .
«القصيدة ك» ثيمتها لوعة الفقدان وتمجيد الموت، تنزرع بين ثلاثة أثاف مفقودة، الأم والوطن والحبيبة المدمّرة « كاي» وتتألف من 25 جزءا، والغريب بالطبعة الأولى (مجلة شعر 1960 ) أنّ صفحاتها بلا ترقيم، وهي مرايا لحياته وسيرته الذاتية المليئة بالعذاب والقلق، فيها يخاطب ويعاتب السيد المسيح من خلال الباروديا الدينية، رفضا للواقع والخيانات، وثورة وبحثا عن خلاص وطنه وشعبه، وحينا يخاطب «كاي» متّهما إياها بنكء جراحه:
جئتني تعيدين عليّ
مأساة بلادي
واحدة تقطّر الدمّ تنشّف الماء:
اثنتان؟
أين أجلو الآن عنّي؟
وما غدي
غد الصراع المدمّر
لساحه»

وهو يتماهى مع تمجيد الموت المشتهى في خاتمة القصيدة (من الأعماق صرخت إليك يا موت) مشبّها إياه بالمهرة البيضاء الفتية التي اختارها من بين الخيول، والتي يأمرها طوال الوقت بالركض والإسراع به ليحقّق مشتهاه:
أركضي بي
هدفنا واحد والطريق قصير،
واعبري بي المجرى الأخير،
وإما رمتك اللذعة في الإصطبل الفسيح
رمتني معك
وكلانا
منهك متكامل مستريح
أسلوبه رمزي غامض، وشيفراته عصية على الفهم، الميتانص عنده هائل وشائك . وقاموسه الشعري مفردات مضطربة وهائجة وصور نافرة من الحياة وموغلة في السريالية، وتشكّل مطوّلاته نقلة نوعية في الشعر المنثور المغلّف بثوب كلاسيكي من معلّقات ومطوّلات. وقد نعته سعيد عقل في تقديمه لمجموعته الشعرية الأولى «ثلاثون قصيدة» 1954 بأنه «مزيج من شبق ولاهوت، من كشف علمي وخطيئة وبرارة ملائكية أولى» وقال فيه «أجرأ الأقلام المشرقية هذا الفتى المضطرب، المحرور العينين».

توفيق صايغ يدخل غرفة جبران المغلقة

في كتابه المثير «أضواء جديدة على جبران» 1966، عالج توفيق صايغ رسائل جبران خليل جبران وماري هاسكل، 325 رسالة من جبران وزهاء 300 رسالة من هاسكل، إضافة إلى مذكّرات ويوميات ماري هاسكل وكميات هائلة من أوراق ومخطوطات ووثائق كانت قد أودعتها هاسكل في مكتبة جامعة نورث كارولينا عام 1953.
في هذه الدراسة يزيل توفيق صايغ الغيوم والضبابية حول حياة جبران وعلاقته بالمرأة والسياسة، فيتحدث صايغ عن علاقة جبران بماري هاسكل التي أمدته بالعون المادي والعون الأدبي الخلاق، فقد كانت له القارئ الأوّل والمشذّب لكتاباته الإنكليزية في البدايات، والموجّه لرسوماته ولوحاته. ويكشف صايغ نفور جبران من الجنس لأنّه آمن أن الجنس في الروح، ويسفح علاقته بالفرنسية ميشلين التي درّست في مدرسة ماري هاسكل، واللغط حول ما قيل إنّها حملت من جبران وأنّ جبران أرغمها على الإجهاض. كما أنّ ماري هاسكل التي عملت مدرسة، عرض عليها جبران الزواج منه فرفضت، كما يشير إلى المد والجزر في علاقتهما، حيث الخصامات والقطيعة واتهام جبران لها بإيذائه. ويشير الكتاب إلى اهتمامات جبران السياسية والوطنية ومبالغاته في رسائله لماري، في دوره الوطنيّ والسياسي لدى السوريين.

صاعدا نحو الموت
من بيركلي

توفيق صايغ من عاش طائرا يغنّي خارج السرب، الشاعرالرافض المشاكس، الذي سكن القصيدة النثرية ونحتها وطنا في تغريباته الكثيرة، استبدل مهرته البيضاء المحبّبة في نهاية «القصيدة»، بمصعد كهربائيّ لم يستطع حمل عذاباته وجروحاته والصعود به إلى الموت المشتهى. مات بعيدا وحيدا في الغربة، في 1971/1/3 في مصعد البناية التي كان يسكنها في بيركلي (كاليفورنيا) التي درّس في جامعتها، وهو عائد إلى غرفته، ودفن هناك في مقبرة الغروب المطلّة على المحيط الهادئ. هدأت ناره وبقي جوهره هذا الفلسطينيّ المعذّب، وكما قال فيه جبرا «النار والجوهر»:
«وفي خروجه من أرضه كان بؤسه لا بؤس الاقتلاع من الأرض وحسب، بل الاقتلاع من المسيح أيضا. والفتاة ك، بعد عشر سنوات من هذا الاقتلاع، تصبح ضربا من عنصر إضافي في كيميائية هذا الألم المعقد، بحيث يقول لها:
أجئت تعيدين علي
مأساة بلادي؟
ولذا فإن بؤسه في من يحب، هو بؤسه في الله والوطن. تجربة فذة للإيمان والقطيعة، للتوق والرعب – تجربة تتجدد ولا تنتهي. ولكن في القلب منها جوهرا صلبا يتحمل الضغوط المتزايدة، يبلغ حافة التهشم ولا يتهشم».

٭ كاتب فلسطيني

((القدس العربي))