القدس العربي-ما كتبه الشاعر الرومانسي كيتس عن كون الإنسان عابرا في هذا العالم عبّر عنه بدر شاكر السياب على نحو مباشر، حين قال بأنه ليس براغب في كتابة اسمه على الماء، ثم ما أضافه الرحابنة في أغنية لفيروز عن كتابة الاسم على الرمل، استكمالا لقصيدة جبران عن سطور الماء، وقد نجد كثيرا من الشعراء الذين عبّروا عن كون الإنسان طارئا، وأن فكرة الخلود تقتصر على منجزاتهم، رغم أن الطبيعة أحيانا لا تكترث بهذه المنجزات، وهذا ما عبّر عنه لورنس داريل في «رباعية الإسكندرية» حين سمع طفلة تعبث بأوراق مخطوط روايته في الغرفة المجاورة، ولم يتحرك لكي يوقفها عن ذلك العبث لأنها تشارك الطبيعة جنونها ولامبالاتها بالبشر. وقد لاحظ ناقد إنكليزي أن اعمال شكسبير كلها تخلو مما يدل على شهوته للخلود، رغم أن تلك الأعمال عبرت الأزمنة.

إن هذا الهاجس الذي ينتاب المبدع بين وقت وآخر حول جدواه وبقائه على قيد التاريخ والذاكرة، نادرا ما ينتاب الموهومين الذين يعتقدون بضرورتهم وبأنهم ملح الأرض الذي إذا فسد انتهى كل شيء، ومن عاشوا في زمن المتنبي أو شكسبير أو دانتي وغيرهم، لم يطوهم النسيان لمجرد أنهم أقل موهبة أو جدارة بالبقاء، بل لأسباب أخرى ذات صلة بكونهم أقل وعيا وأدنى حساسية بعصرهم، لهذا يعتبر بعض النقاد بودلير أبا للحداثة بسبب التقاطه الذكي لتحولات في عصره، بدءا من إضـــاءة الليل بالمصابيح الغازية، وكذلك أليوت في التقاطه لما طرأ على الإنسان في الربع الأول من القرن العشرين من عدمية، خصوصا وهو يقارن بين الحب في العصر الرومانسي والحب في زمنه، من خلال ما يتركه العشاق وراءهم على ضفاف نهر التايمز، فما كان مناديل حريرية وقوارير عطر فارغة وباقات زهور، أصبح أوراقا ملوثة، وعلب صفيح وبقايا أطعمة سريعة يحط عليها الذباب.
وقد يكون من التبسيط والاختزال تصنيف شعراء شغلهم هاجس الوجود بأنهم ميتافيزيقيون، كالشاعر جون دن، أو حتى أليوت ورينر ريلكة، لأن سؤال الوجود من صميم كل شعر عظيم، والمعادل الموضوعي لغيابه هو التسليم بالواقع باعتباره قدرا لا فكاك منه.
وعلى سبيل المثال استقى حتى الفلاسفة ومنهم هايدغر أفكارا من الشاعر رينر ريلكة، الذي قال بأن بذرة الموت تولد مع الثمرة، وهي في طور البراعم، وكذلك الأمر بالنسبة للإنسان، وتساءل لماذا نموت قبل أن نتقن عادات تعلمناها، وبهذا المعنى أيضا تساءل اليوت، أين هي الحياة التي أضعناها في العيش؟ وعبّر عن ذلك بصورة بالغة الإيحاء والدلالة حين قال: لقد فسخ الحر الطلاء ودمّر الثلج مقدمة السفينة، وكأن هذا التناوب بين الصيف والشتاء والسرّاء والضراء هو ما يبدد الأعمار ويقضم حياة البشر، وأذكر أن الناقد الراحل يوسف اليوسف أصدر كتابا تحت عنوان «ما الشعر العظيم؟» وحاول قدر المستطاع أن يقيم فاصلا بين شعر قصير العمر وقابل للنسيان وشعر خالد، لكن هذه الثنائية الحاسمة تحرم الشعر من ظلال، أو من منطقة لمبو، كما في «كوميديا دانتي»، هي ما بين الجنة والنار، أو ما بين الشعر الباقي والشعر الزائل، فثمة قصائد تبدو لدى قراءتها الأولى مجرد رصد لتفاصيل لكنها تحيل المتلقي إلى ما هو أبدي ومطلق، وهذا ما عبّر عنه الشاعر لوركا حين تحدث عن الراية، التي هي مجرد قطعة قماش ملونة، لكنها ترمز إلى أوطان، وقد يموت في سبيلها ملايين البشر، وهو يذكّرنا بما قاله شاعر عربي عن البعوضة التي تدمي مقلة الأسد محذّرا سامعيه وقارئيه من احتقار الصغائر!
إن الكتابة على الماء أشبه بتماثيل الثلج التي ما أن توشك على الاكتمال حتى تبدأ بالذوبان، أو بأجنحة الشمع التي حلّق بها أيكاروس، وما أن أشرقت الشمس حتى ذابت. ولا نظن أن هناك مبدعا عظيما لم تساوره في لحظة ما نوازع الشك في جدوى عمله، لكنه يحاول إعطاء معنى لوجود لا معنى له ولا غاية، وبذلك يكون قد اجترح ضرورته، ولو أخذنا مثالا كاتبا كان سؤال العبث واللامعقول أصيلا في كل أعماله كالبير كامو، فهو لم ينصرف إلى الإقامة في برميل تحت ضوء الشمس، كما فعل ديوجين ولم يستسلم للعبث، بل أعلن الحرب عليه، وحين كتب عن سيزيف الذي يحمل الصخرة على كتفيه صاعدا وهابطا عن الجبل، لم يفرغ الأسطورة من شحنتها العقلانية الإغريقية!
وقال على الرغم من هذا العبث، فالحياة جديرة بأن تُعاش، وكانت روايته «الطاعون» بمثابة حرب أخرى لا على الفئران، بل على ما ترمز إليه من كوارث تحل بالبشر، ومنها احتلال بلاده للجزائر، وإن كان ناقد أيرلندي هو القس أوبراين قال إن جرثومة الطاعون في الرواية أصابت المؤلف بعدواها، لأن اسماء الشخوص في الرواية فرنسية تقليدية، رغم أنها تدور في مدينة وهران الجزائرية ، والمفارقة هي أن من كانت لديهم شكوك بخلودهم هم الذين مكثوا في الذاكرة البشرية، بعكس ذلك الزّبد الذي أفرزته نرجسيات مُتورمة، لأن القلق والشك والتساؤل الذي يصل حدّ المساءلة لدى المبدع هو الحصانة ضد صدأ اليقين أو الإقامة في زجاجة خلّ!
٭ كاتب أردني