شعرية القلق عند بدر شاكر السيّاب

تحمل هذه الرسالةُ عنوان (شعرية القلق عند بدر شاكر السيّاب)، الذي عاش بين [1344ـ 1384م]، [1926ـ 1964م]، وتسعى لمعرفة أثر الأمور النفسية في الجمالية، وأثر المشاعر في الفنّ والأدب، والتعرف على شعرية القلق في شعر السيّاب، وتقع في مقدّمة وتمهيد وثلاثة فصول:


المقدّمة:
تناولت المقدّمة خطوات البحث العلمي، من موضوع الرسالة وأهميته، ومشكلة البحث وأهدافه، والدراسات السابقة، وفرضيات البحث وتساؤلاته، ومنهج البحث.
فقد وجد الباحث أنّ الدراسات النقدية التي تبحث أثر الجانب النفسي من وجهة شعرية فنية ـ أي أثره في جماليات النصّ ـ قليلة في أدبنا العربي مع أهميتها في إنتاج الدلالة، ومن ذلك: الأثر الفني لظاهرة القلق، كما وجد أنّ هناك آثاراً بارزة في شعر السيّاب خلـّفها القلق منعكسة عن المكوّن الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فضلاً عن انعكاسها على وضعه الشخصي وتجربته الشعرية في جانبي الشكل والمضمون، ومع غناها وعمقها في ديوانه إلا أنّه لم يتمّ تناولها في دراسة نقدية جامعية مستقلة، وهذا ما يشكل شيئاً من أهمية سبر هذا الموضوع لدى السيّاب، كما يشكل شيئاً من مشكلات البحث التي ستجعله مع شعر السيّاب مباشرة لتلمّس تلك الظواهر، وستوقفه مع صعوبة الفرز بين الظواهر النفسية المتشابكة لتتبع القلق.
وإذا كان ثمة دراسات سابقة للتعرف على الأثر الفني للقلق يتكئ عليها البحث، فإنّما هي دراسات عن شعراء آخرين غير السيّاب، كبعض الشعراء الجاهليين، وأبي القاسم الشابي.
وراحت الدراسة تتساءل عن آثار القلق: الموضوعية والفنية في شعر السيّاب، فما دوافع القلق في شعره؟، وما أنواعه ومظاهره؟، وكيف ظهر على أساليب أدائه الشعري وموسيقاه الشعرية؟
وقد أخذ الباحث بالمناهج التي تعينه في ذلك، فاستفاد من: (المنهج الوصفي) في قراءة شعر السيّاب، والتقاط المناطق التي يتجلى فيها القلق أو آثاره، ومحاولة شرحها، واستفاد من (المنهج التحليلي) في تحليل النصّ الشعري بما يكشف من شعريته عن ظواهر القلق فيه، واستفاد من (المنهج النفسي) في معالجة النصوص وفق معطيات الدراسات النفسية والاجتماعية المتعلقة بموضوع القلق، والاستفادة من كتب علم النفس الأدبي؛ لتلمس آثار القلق الجمالية، بالإضافة إلى الاستفادة من (المنهج الفني) فيما يتصل بالجمالية والأدبية في النصّ، لاسيما فيما تؤثر فيه الأمور النفسية.

التمهيد:
وجاء التمهيد؛ ليتناول المفردات الثلاث الواردة في عنوان الرسالة وهي: (الشعرية/ والقلق/ وبدر شاكر السيّاب).
وقد تبنت الدراسة “أنّ (الشعرية) تعني: فاعلية اللغة، واكتناه النصّ الأدبي بكلّ مكوّناته: اللغوية والصوتية والدلالية، فالشعرية هي التي تميّز بين الشعر واللاشعر، وبين العمل الإبداعي الجمالي وبين غيره من الأعمال، ولأنّ النصّ الأدبي هو نسيج من العلاقات المعقدة من حيث المجالات اللغوية والصوتية والدلالية فهو موضع عناية الشعرية بكلّ معناها، فالنصّ الأدبي مجال واسع من الدلالات، والإشارات اللغوية، والصور الفنية، والإيقاعات الموسيقية، وهذه الطاقات الفنية في النصّ تدلّ على الشعرية”.
وبرّر الباحث تبنيه لهذا المفهوم للشعرية بأنّه مفهوم خاصّ يتعلق بفاعلية اللغة، ويحدّد موضوعها في النصّ الأدبي، ولا يجعل مفهومها وموضوعها عامّين لسائر الفنون الجميلة وموضوعات علم الجمال، كالرسم والنحت والموسيقى والرقص، بل.. ولا يجعلهما عامّين حتى لمستوى الأداء اللغوي التواصلي العادي (غير الفني)، وبأنّه تعريف يحمل مجالات واضحة يمكن تلمس الشعرية فيها، ومنها: المكوّنات الصوتية المكتنزة في النصّ، والإشارات اللغوية، والدلالات، والصور الفنية، والإيقاعات الموسيقية.
كما أخذت الدراسة بمفهوم القلق عند (كارين هورني) التي ترى أنّه “ردّ فعل لخطر غامض غير معروف، حيث يكون الخطر ذاتياً أو متوهماً”، وردت سبب تبنيها له للآتي:
1ـ أنّه من بين التعريفات التي عرضتها الدراسة كان التعريف الأجمع لمواصفات القلق، فقد أشار إلى أنّه رد فعل تقوم به (الأنا) في وجه الأخطار، وأنّ سببه (خطر غامض) غير محدّد، ومجهول غير معروف، وأنّ مثيره قد يكون ذاتياً داخلياً، وقد يكون متوهماً لا حقيقة له.
2ـ أنّه بتلك الصفات استطاع أن يفرّق بين القلق وبين أقرب مصطلح يلتبس معه.. وهو (الخوف)، فالخوف مثيره أمر خارجي ماثل متحقق، والقلق سببه داخلي، أو خارجي متوهم، أي أنّ له نوعين من المثيرات، هما: الخطر الذاتي، والخطر المتوهم المتوقع ولو كان خارجياً، لأنّه ليس ماثلاً في الخارج، لكن.. يُتوهم حصوله.
ثم قدّم الباحث شيئاً من التعريف عن شخصية الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب، عرض فيه لمنشئه، وتعليمه، وانتمائه السياسي، وعدد قصائده، وشعره غير المنشور، ومرضه، ووفاته.

الفصل الأول:
وجاء الفصل الأول؛ ليتحدّث عن (أسباب القلق في شعر السيّاب)، فناقش الدوافع الذاتية (الشخصية) من شكل يخلو من الوسامة، ويتم مبكر، وفقر مدقع، وبحث دائب مخفق عن الحبّ، وشعور بالنقص، وريبة وشكّ فاعلين، وتمزّق داخلي وتناقض في الرؤى والمواقف، وبساطة وانقياد للآخرين، وحِدّة في الانفعال، ومرض مزمن متمادي، وحضور ضخم لهاجس الموت.
وتحدث عن بعض ملامح حبّ السيّاب الذي اتصف بكونه وهماً، وتعويضاً عن الجفاف العاطفي الذي انتابه منذ زمن الطفولة، وكونه حباً نفعياً مصلحياً، تذبذبت فيه المشاعر  بين حبّ ساخط، وكره جامح، وارتطمت عجلته بعقبات الفشل والإحباط؛ مما جعله حباً منكمشاً منسحباً.
وتحدث عن وجوه التقلب والتبدل التي انتابت آراء السيّاب ومواقفه، ومنها: اختلاف مذهبه الشعري بين الرومانسية والواقعية ـ بفرعيها الماركسي والقومي ـ، والتموزية أو الواقعية الجديدة، ثم الارتداد مرة أخرى للرومانسية والذاتية. فضلاً عن اختلاف تقييم السيّاب لشعره ودواوينه ومراحله الشعرية، واختلاف تقييمه للشعراء، وتضارب مواقفه من الشيوعية ومن عبد الكريم قاسم.
وإلى جانب الدوافع الذاتية (الشخصية) ناقش الباحث البواعث الخارجية (الموضوعية) من ثقافية ـ كالمرجعية الفكرية المتقلبة، والمرجعية الأدبية غير المستقرة ـ. واقتصادية ـ كالطبقية المرخاة على المستوى الاجتماعي العراقي آنذاك، والفقر العميم الذي غرس مخالبه في حشاشة السيّاب، وسلطان المال الذي أركع الضمائر واشترى المواقف. واجتماعية  ـ كالأعراف والتقاليد الاجتماعية المستحكمة، وضغط المدينة الذي لم يتأقلم السيّاب الرّيفي معه، والسجن والنفي والتشرد الذي كابد آلامه، والسفر وراء العلاج الذي لم ينبلج له فيه خيط من النور يناغي روحه المرهقة. وسياسية جرت في العراق، كالانتداب البريطاني الذي سامه الذلّ، وسرق خيراته، والتحولات السياسية الكثيفة في الحكومات المتعاقبة غير المستقرة في العراق إبان الحكمين الملكي والجمهوري، وثورة رشيد عالي الكيلاني التي أُعدم بعض قادتها الذين عشقهم السيّاب، وتجرّع بعضٌ آخر منهم مرارة العيش في المنفى، أو جرت في العالم العربي كاحتلال الصهاينة لفلسطين وتهجير أهلها، وويلات الاستعمار في شمال أفريقيا، أو جرت في العالم بشكل عام، كالحرب العالمية الثانية، وسحق المثل الأخلاقية الذي تركته بما أزهقت من أرواح، وما أحدثته من دمار هائل.

الفصل الثاني :
وحمل الفصل الثاني عنوان (مظاهر القلق عند السيّاب.. دراسة موضوعية)، وتكلم عن أربعة محاور:
1ـ ناقش المحور الأول (أنواع القلق عند السيّاب)، فتناول قلق الامتحان، والقلق الزماني الوجودي، والقلق المكاني، وقلق الغربة، وقلق الجنس، والقلق الديني والإيديولوجي، وقلق المصير، وقلق الموت، وقلق الدلالة، وقلق التأثير.
كما درس مؤسِّسات قلق الموت عند السيّاب مما حفلت به بيئته، ومن توفر عنصر القابلية النفسية عند السيّاب لاحتضان نوازع الموت والقلق الحاد منه والتفاعل النفسي المرضي والفني معه، ومن استفحال المرض المبرّح لديه.
كما درس ملامح قلق الموت عند السيّاب، ومنها: الهروب لعالم الطفولة الفتان، والتركيز على فكرة التضحية والفداء، والانسجام مع الطبيعة، ودرس تذبذب موقف السيّاب من الموت وتأرجحه بين الانتصار والانهزام، وبين التشبث بالحياة والتسليم والرضا بالموت.
2ـ وناقش المحور الثاني: (مظاهر القلق في شعر السيّاب)، ومنها: (التشاؤم، والسوداوية، والاغتراب، والخوف، والشكّ والحيرة والاضطراب، والكآبة، والحزن والأسى، والسأم والملل والضجر، والوحدة، والشحوب، والحنين، والألم، والأوهام، والحسرة، والسهر والأرق، والبؤس والشقاء، واليأس، والتمركز حول الذات).
ومن قلق المكان تفرّع موضوعان ناقشهما هذا الفصل ـ كذلك ـ، وهما: ملامح الصراع الدرامي بين المدينة والقرية في شعر السيّاب، والمقارنة بين (جَيكور) ريف السيّاب الخاصّ/ والمدينة.
3ـ وجاء المحور الثالث من هذا الفصل مكرَّساً لعرض (ملامح الصراع الدرامي بين المدينة والقرية)، وتباين رؤية السيّاب بين الثناء على الرّيف وذمه، والثناء على المدينة وذمها. وكيف بدا الرّيف ـ في الرؤية العامة لدى السيّاب ـ معلماً للجمال، والإلهام، والطهر، والبساطة، والأم، والطفولة البريئة، والحكايات العبقة، والحبّ العفيف.
وعلى الطرف المقابل عملت أسباب شخصية واجتماعية وسياسية وثقافية في إضفاء صورة قاتمة للمدينة عند السيّاب، بدت فيها مذبحاً ضُرِّجت عليه الدماء القانية، يضرب فيها الظلم والجور بأطنابه، وتقوم على تجارة الجنس الرخيص وامتهان الضعفاء.
وقد جعلته تلك النظرة ينفر من المدينة، وأبرزت في شعره مظاهر عدة لذاك النفور، فصار يُكثر من الحنين للعودة إلى الرّيف بوصفه البديل الخارجي للمدينة، ويكثر من الحنين للماضي الذهبي الطفولي الذي قضاه في الرّيف بوصفه بديلاً نفسياً، والتشوف للمدينة الفاضلة (اليوتوبيا)، والشوق للمدن المسحورة، بوصفهما بديلين سحريين أسطوريين يقاومان طغيان المدينة وشراستها.
4ـ وجاء المحور الرابع ليقارن بين (جَيكور والمدينة) عند السيّاب، وتسليط الضوء على المقارنات الكثيرة التي يعقدها السيّاب بين قريته التي ولد بها في ريف الجنوب العراقي (جَيكور)، وبين المدينة بشكل عام بما يحوي داخله من مدن عربية كبغداد وبيروت، وغير عربية كـ (لندن، ودرم، وباريس)، وقد ظهرت جيكور والمدينة في تلك المقارنات بوصفهما ضرّتين متضادتي الصفات: تتقابل فيهما القيمية والمادية، واللين والقسوة، والوداعة والصراع، والسكينة والضوضاء، والحيوية والسكون، والعفة والابتذال، والجمال الطبيعي والجمال الصناعي، والإلهام والعقم.

الفصل الثالث:
وجاء الفصل الثالث؛ ليدرس (شعرية القلق عند السيّاب.. دراسة فنية)، فتناول أربعة مباحث، هي:

أولاً: أثر القلق في اللغة:
وتناول أثره في مستوى (المفردة) من حيث وفرة استعمال ألفاظ معجم القلق، وتباين المعجم اللغوي بين كلمات قاموسية ومعرّبة ومحدثة ومخالفة للقياس وعامية وأجنبية، ومن حيث العناية بالقيمة الإيحائية للأصوات، كحروف المدّ، وياء المتكلم، والهمس والجهر، وصيغ التكرار، ومن حيث العناية بالقيمة الإيحائية للألفاظ، كالكلمات المضعّفة، والكلمات المحكية المعبّرة عن صوت أو ترحيب؛ بما يذكي لديه مشاعر الألم والحزن.
كما تناول أثر القلق في مستوى (تركيب الجملة)، فوقف على بعض ملامح صياغة الجملة لدى السيّاب، كالوصل والفصل بين التراكيب، والتقديم والتأخير بين أجزائها، والذكر والحذف، وظاهرة الإضافة، والتعبير بالجملة الاسمية والجملة الفعلية، والجمل القصيرة والجمل الممتدة، والجمل الاعتراضية، والصياغة الفنية أو التقريرية للجمل، والحذف والتغيير في كلمات القصيدة وجملها وأبياتها، مما طال ـ في بعض صوره ـ قصائد كاملة.

ثانياً: أثر القلق في الصورة الفنية:
ودرس معنى الصورة الشعرية، وأهميتها الشعرية، وأثر القلق في تشكيل الصورة الشعرية لدى السيّاب، ثمّ تناول مجموعة من الفنيّات الحديثة لتشكيل الصورة، وهي :

1ـ التمثيل:
وتكلم عن تقانة (حلول الحسي مكان حسي آخر)، ثم قسّم التمثيل إلى قسمين هما: تمثيل المحسوسات غير البشرية، وتمثيل الإنسان.

2ـ التجسيد:
وتناول إلباس المعنوي صفات المادي، و(تقديم المعنى في جسد شيئي)، ودرس تجسيد المعاني، وتجسيد المشاعر.

3ـ التشخيص:
وعرض لنسبة صفات البشر إلى الأفكار المجردة والأشياء التي لا توصف بالحياة، وفرّق بين التجسيد والتشخيص، ثم تناول تشخيص المحسوسات، وتشخيص المعنويات كالأفكار والمعاني المجردة، والمشاعر والأحاسيس.

4ـ التجريد (تجريد الحسي):
وتناول (تصوير المحسوس بالمجرّد)، وكيف أعمل السيّاب التجريد لأهداف منها: تحويل الأشياء الحسية إلى معان ذهنية ومشاعر نفسية؛ لكي يستطيع التعامل معها كما يتعامل مع المعاني المجرّدة، فيشكلها لا كما يستدعي التعامل مع المحسوسات ذات الأبعاد، وإنّما بسهولة التعامل مع المعاني الذهنية، فهي عملية تحويلية تقوم بها النفس لابتغاء هدف كالإعلاء والتسامي، أو الرغبة في الانفلات من ربقة الواقع الخارجي وقيوده، أو الرغبة في تشكيل الأمور المحسوسة بحريّة تتغلب على عوائقها المجتلبة من عالم المحسوسات كالوزن والكثافة والحجم.

5ـ المعادل الموضوعي:
وهو من مصطلحات (ت. س. إليوت)، وفي هذه التقانة يتمّ إسقاط المشاعر النفسية الداخلية على الأشياء الخارجية الموضوعية، وجعلها حاكية عن ذلك الشعور، فتصبح الأشياء الخارجية موازية تعبيرياً للمشاعر النفسية.
ومن الأشياء التي اتخذها السيّاب معادلاً موضوعياً، وقناعاً يبث من خلاله أفكاره وخواطره: الطبيعة وكائناتها، والشخصيات التراثية (الدينية، والصوفية، والتاريخية، والأدبية، والشعبية، والأسطورية)، وخلق شخصيات تاريخية مبتدعة.

6ـ تكثيف الصور:
ففي بعض المواقع كان القلق الشعوري والتعبيري لدى السيّاب يدفعه إلى الشعور بأنّ مجيء الصورة عبر لمحة خاطفة لا يعبِّر عن ضخامة الإحساس بها في نفسه؛ لتفويته بعض التفاصيل الضرورية في المشهد، وهنا يرفد السيّاب القصيدة بالكثير من الصور عبر قيامه بأمور كثيرة، منها: المقدمة التصويرية، والكنايات والصور الجزئية، والصور الكئيبة.

7ـ الحركة:
فمن التقانات الحديثة في القصيدة الشعرية المعاصرة، والتي عني بها السيّاب كثيراً: الحركة؛ إذ “للحركة والحدث تأثير دراميّ كبير في القصيدة الشعرية، ويحتفل الشاعر المعاصر بهذه الظاهرة….، والقصيدة السكونية التي تقرؤها بصمت وسلبية لم تعد تروق القارئ في عصر الحركة والسرعة، عصر فقدت فيه الأشياء مسمياتها، وأصبح على الشعر أن يكون فعلاً ضد الصمت، وحركة ضد الجمود، وتغييراً ضد السكون والسلبية”.
ومن ثمّ يضفي الشاعر على الأشياء ـ حتى السكونية ـ حركة، ويجعلها تفعل وتمتنع، وتقوم وتمشي وتجلس، إلى غير ذلك من أنواع الحركة شأنها شأن الأشياء المتحرّكة حقيقة في الواقع الخارجي، وذاك يخدم واقعه النفسي الذي تتماوج فيه الأشياء وتصطخب.
ومن الأشياء التي أكسبها السيّاب الحركة في شعره: المجردات، والجوامد، والضد والتضاد والحالة الثالثة ـ حسب مصطلح الدكتور محمد رحومة ـ.

8ـ تراسل الحواس:
وبهذه التقانة يتمّ “وصف مدركات حاسة من الحواس بصفات مدركات حاسة أخرى، فنعطي للأشياء التي ندركها بحاسة السمع صفات الأشياء التي ندركها بحاسة البصر، ونصف الأشياء التي ندركها بحاسة الذوق بصفات الأشياء التي ندركها بحاسة الشمّ، وهكذا.. حتى تصبح الأصوات ألواناً، والطعوم عطوراً”، “وعن طريق هذا التراسل تتجرّد هذه المحسوسات عن حسيّتها وماديّتها، وتتحوّل إلى مشاعر وأحاسيس خاصة….، فنقل صفات بعضها إلى بعض يساعد على نقل الأثر النفسي كما هو أو قريباً مما هو، وبذا تكتمل أداة التعبير بنفوذها إلى نقل الأحاسيس الدقيقة”.
أي أنّ الذات هنا هي التي تخلق تلك العلاقات الجديدة، وهي علاقات تعود صدقيتها إلى معيار الشعور النفسي، لا معيار الصدق الخارجي الكامن في طبيعة الأشياء ونظامها في عالم التكوين: ومن ثمّ فالعين تسمع وتشمّ وتتذوق وتلمس!!، وتأخذ دور الأذن والأنف واللسان واليد.

9ـ مزج المتناقضات:
فالمتناقضات لا يمكن أن تمتزج في الواقع الخارجي، ولكن.. في الفنّ حيث يمتزج العقل بالخيال، وينصهر الواقع في الأسطورة “ينفجر الخيال الشعري باطشاً بالمنطق العقلي، خالقاً منطقاً مغايراً يتجاوز فيه العقل نفسه؛ إذ يتجاوز حدوده الثابتة”، فتمتزج المتناقضات؛ “تعبيراً عن الحالات  النفسية والأحاسيس الغامضة المبهمة التي تتعانق فيها المشاعر المتضادة وتتفاعل”.
فالأشياء في رؤية السيّاب القلقة مضطربة غير واضحة، تتخذ الشيء وضده في الوقت نفسه، تبعاً للمشاعر المتناقضة التي تمور في داخله. كما أنّه حريص على أن يجعل لشعره تأثيراً جدلياً (ديالكتيكياً) في نفسية قارئه، فيتوفر في الأثر الفني تناقض بين الأنا والنحن، بين الفردية والجماعية، بين ذات الفنان وذات المجتمع؛ لأنّ أعظم الأساليب الفنية وأكثرها روعة وجاذبية هو الأسلوب الذي يوفر أكبر عدد ممكن من التناقضات، ومعنى هذا أنّ ثمة بُعداً نفسياً داخلياً في السيّاب وآخر جمالياً لديه يدفعانه للقيام بمزج المتناقضات.

10ـ المفارقة التصويرية:
وهي “فكرة تقوم على استنكار الاختلاف والتفاوت بين أوضاع كان من شأنها أن تتفق وتتماثل، أو بتعبير مقابل: تقوم على افتراض ضرورة الاتفاق فيما واقعه الاختلاف”، وذلك لـ “تجلية معنى كلّ منهما في أكمل صورة”.
ومن أشكالها: وضع المتناقضات إلى جنب بعضها لإبصار التناقض بينها، أو قلب دلالات الأشياء، فتتخذ صورة مغايرة للصورة التي كانت تمثّلها في زمانها، كما كان “يعمد إليوت في الغالب إلى الصور التي كانت رموزاً للجمال والنقاء من أجل الكشف عمّا آلت إليه من قبح وجفاف في عالم شرير يطبق عليه شبح الموت”.
وعلى ذلك سار السيّاب، فراح يقارن بين الأشياء؛ ليقف عند نقطة ما كان ينبغي أن تحصل، ولكنّها حصلت، فهي (مفارقة) غريبة بناء على المعطيات التي تقع هي ضمن جوّها، وسعى أن يعقد الكثير من المقارنات؛ ليستثمرها في النقد الاجتماعي والسياسي، وأنتج ذاك لديه مفارقات تتكئ على عنصر الزمن، أو الوضع، أو القيم، كما أنتج مقارنات ذكية، وأخرى خاوية.

11ـ الارتداد (الفلاش باك):
نفسية السيّاب كانت قلقة مضطربة لا على مستوى السلوك والموقف فحسب، بل.. على المستوى النفسي الداخلي أيضاً، ولذلك تنازعتها حالات نفسية متباينة: مسِرَّة ومحزِنة، وتجاذبت آناتها أزمنة مختلفة تطوِّح بها بين حاضر وذكريات، وتكاثفت المواقف المتناقضة في مشاعره، وهكذا أمسينا نشهد في شعره ارتداداً من حالة نفسية إلى حالة نفسية مغايرة، وحركات ارتدادية تنطلق من الحاضر نحو الماضي، وحركات تتنقل بين أحقاب الماضي نفسه؛ مما يكشف عن وجود حالة اغتراب وعدم انسجام عنده مع الحاضر، أو يكشف عن أبراز الحركة الذهنية التي تتمّ في الذاكرة المثقلة بأحداث الزمان التي تأبى أن تستتر وتزول، أو طلب المسلي من الماضي لمقاومة بؤس الحاضر، أو توالي الأحداث المعمِّقة للجرح الناغر في الضمير، أو غير ذلك..

12ـ المونولوج الداخلي:
و(المونولوج الداخلي) هو: “ذلك التكنيك المستخدم في القصص بُغية تقديم المحتوى النفسي للشخصية، والعمليات النفسية لديها ـ دون التكلّم بذلك على نحو كليّ أو جزئيّ ـ، وذلك في اللحظة التي توجد فيها هذه العمليات في المستويات المختلفة للانضباط الواعي قبل أن تتشكّل للتعبير عنها بالكلام على نحو مقصود”، وهو تكنيك من أبرز تكنيكات اتجاه (تيار الوعي) في الرواية الحديثة.
وقد استخدم السيّاب تقانة (المونولوج الداخلي)؛ ليبرز المحتوى النفسي لشخصيات قصائده، وما يدور داخلها من هواجس وأفكار يحكيها اللاوعي حيث لا رقيب، ويخفيها العقل الواعي عن البروز إلى العلن أمام الناس لمخالفتها لقيمة دينية أو اجتماعية أو عرفية، ولأنّ الذات تحبّ أن تبرز في صورة لا تثير عليها الرقيب الخارجي، الأمر الذي يدعوها لتحوير رغباتها الباطنة بما يتلاءم مع ذلك عبر التسامي أو الإبدال.
ولا يقتصر السيّاب في جعل المونولوج الداخلي كاشفاً عن شخصيات قصائده، بل يجعله ـ كذلك ـ كاشفاً عمّا يدور في نفسه هو أيضاً؛ ليكون في القصيدة نمطاً من استرسال الذات في مكنوناتها، أو نمطاً من تعرية الذات بالكشف عن نوازعها الدفينة، أو التنفيس عنها بتحرير الطاقة المضغوطة فيها، أو الإصغاء لحديث النفس الداخلي.

13ـ تعدّد الأصوات والأشخاص:
لقد تعدّدت الأبعاد في الرؤية الشعرية الحديثة، وأخذت بعض هذه الأبعاد أصواتاً مستقلة ضمن ما يُسمى بـ (تعدّد الأصوات) و(الحوارية)، التي تبدو في صورة تعدد المتكلم في جوّ القصيدة، وتظهر في صورة أشخاص تتصارع وتتحاور، ومن خلال تصارعها ينمو بناء القصيدة وتبرز دراميتها، والغالب أن تكون هذه الأشخاص المتصارعة معبّرة عن أبعاد فكرية وشعورية متصارعة من أبعاد رؤية الشاعر، فهي بمثابة رموز لأفكار الشاعر وأحاسيسه.

14ـ الحوار:
من الأمور التي تقترن ـ أحياناً ـ مع تعدّد الأصوات: ظاهرة الحوار بين شخوص القصيدة؛ فهناك قصائد تتجاذب فيها شخصياتها أطراف الحوار، ويتخالفون أو يتكاملون، وقد اعتمد السيّاب في بعض قصائده على إذكاء روح الحوار فيها؛ لإبراز المشاعر القلقة المتصارعة في داخله، وبثّ الحركة في القصيدة عبر تصوير الاختلاف الفكري والقيمي وغيرهما فيها، وكشف مكنونات شخوصها، وعرض الآراء المتضادة متجاورة متراصة في عملية تستهدف نقلها وخلق الصراع بينها، ومن ثمّ تقييمها وإقناع المتلقي بأحدها.

15ـ السيناريو:
(السيناريو السينمائي) يعني: “عملية إعداد القصة لتصبح فيلماً، وتحويلها إلى مناظر ولقطات وتحديد التفاصيل بكلّ دقة من ديكورات وتوقيت وغير ذلك.. مما تستلزمه عملية تحويل القصة من عمل مقروء إلى عمل مشاهَد”.
والشاعر الحديث يصيّر قصيدته إلى سيناريو عبر تحويلها إلى مجموعة من المشاهد واللقطات أو اللوحات بحيث يمكن تحويلها إلى سيناريو سينمائي، وقد بنى السيّاب على هذا الأسلوب الحديث المجتلب من السينما قصائده (اللعنات)، و(فجر السلام)، و(المومس العمياء)، و(حفار القبور).

16ـ المونتاج السينمائي:
و(المونتاج السينمائي) هو: “ترتيب مجموعة من اللقطات السينمائية على نحو معيّن بحيث تعطي هذه اللقطات ـ من خلال هذا الترتيب ـ معنى خاصاً لم تكن لتعطيه فيما لو رُتبت بطريقة مختلفة، أو قُدِّمت منفردة”، وهو بهذا المعنى يمثّل القوة الخلاقة في الحقيقة السينمائية.
وتتمّ عملية المونتاج بإعادة ترتيب المادة الخام، وتركيبها بحيث يصبح لها دلالة خاصة، وهو ترتيب لا يتمّ وفقاً للتسلسل الطبيعي للحدث عبر تواليه الزمني كما حصل في الخارج، وإنّما وفقاً للأثر الذي يريد المخرج أن يحدثه في المتفرّج.
وقد ذكر الدكتور علي عشري زايد أنّ هناك أساليب كثيرة لتنفيذ المونتاج السينمائي، منها:
أـ أساس التناقض: (تركيب لقطة مع لقطة أخرى مناقضة لها).
ب ـ أساس التماثل: (تقديم حدثين متماثلين وإن لم يكن بينهما علاقة).
ج ـ أساس التكرار: (تكرار لقطة معيّنة؛ للإلحاح على الفكرة التي تحملها).
د ـ أساس الترابط: (ترتيب الصور أو العناصر أو اللقطات في القصيدة على نحو معيّن؛ ليحدث تأثيره المطلوب الذي لا يحدثه تقديمها منفصلة أو مرتبة على نحو آخر).
هـ ـ أساس التوازي: (تقديم حدثين متوازيين متداخلين بحيث يتمّ تقديم لقطة من هذا ولقطة من ذاك على التبادل).
والمفارقة التصويرية في القصيدة تؤدي ما يؤديه المونتاج القائم على التناقض، والصورة التشبيهية فيها تؤدي ما يؤديه المونتاج القائم على التماثل، والتكرار اللغوي يؤدي ما يؤديه المونتاج القائم على التكرار، ولم يتردد الشاعر في الاستعانة بالأسلوبين الباقيين من أساليب المونتاج اللذين ليس لديه من وسائله الشعرية ما يؤديهما، وهما: الترابط والتوازي. ومن قصائد السيّاب التي أشادها على أسلوب المونتاج السينمائي: مطوّلته (حفار القبور).

17ـ الكورس:
الكورس أو الجوقة: هم جماعة المنشدين والمغنين في المسرحية الإغريقية القديمة، وكانت مهمة الكورس: شرح الأحداث والتعليق عليها، والإشارة إلى بعض الأحداث التي لا يمكن تقديمها على المسرح، فوظيفة الكورس هي أنّ يكون بمثابة صوت خارجي يراقب المسار العام للقصيدة، ويعلّق على ما يجري، وقد يقوم الشاعر نفسه في القصيدة بدور الكورس في المسرحية اليونانية من التعليق على الأحداث وشرحها.
وقد استثمر السيّاب هذه التقانة الأدبية في قصيدته (مرثية جَيكور)، فأورد مقطعاً غنائياً من التراث الشعبي كفاصل بين مقطعين فيها، وقد أسماه باسمه اليوناني (خورس) ـ أي (كورس) ـ تعزفه الجوقة المنشدة على نحو يذكرنا بما كان يجري في المسرحيات اليونانية القديمة.

18ـ الوثائق التسجيلية:
الاتكاء على الوثائق التسجيلية تكنيك من أهم تكنيكات (المسرح التسجيلي)، وقد استعارته القصيدة الحديثة، وفيه يتمّ الاعتماد على “السّجلات والمحاضر والرسائل والبيانات الإحصائية، ونشرات البورصات والتقارير السنوية للبنوك والشركات الصناعية، والبيانات الحكومية الرسمية، والخطب والمقابلات والتصريحات التي تدلي به الشخصيات المعروفة، والريبورتاجات الصحفية والإذاعية”.
فحين يتحدّث السيّاب عن الأم العراقية التي صرعت الكهرباء ابنها ـ مسقطاً على ذلك مأساة أم تموز به ـ يصرّ على أن يدوّن أنّ الجرائد العراقية نشرت ذلك، فيقول في قصيدته (جَيكور والمدينة):
وتنشرُ (الزمانُ) و(الحوادثُ) الخبر

19ـ اللون:
دخل التشكيل باللون كواحدة من طرق تشكيل الصورة في شعر السيّاب الذي تأثر بالدلالات اللونية للأشياء، وعكس عليها مشاعره وأحاسيسه النفسية ـ وفي مقدّمها القلق وآثاره ـ، فتعامل مع اللون بطرق كثيرة منها: الطريقة البسيطة التي تستثمر لوناً واحداً، والطريقة المركبة التي تجمع بين الألوان عبر توافق الألوان، أو تعاقبها، أو تمازجها، أو تباينها، والطريقة المعقدة التي تتلاعب بالألوان عبر إكساب الشيء لوناً مخالفاً للونه الذي يلازمه في الواقع الخارجي، أو سلب الألوان عن بعض الأشياء، وتجريدها من لونها، وادعاء أنّها بلا لون؛ لكي يعبِّر السيّاب في تلك الحالة عن مشاعر، منها: عدم تقبّل تلك الأشياء في ذلك الحين، أو عدم إعطائها قيمة ومكانة، أو عدم الثقة بها بوصفها مراوغة متقلبة.

20ـ الضوء والظلّ:
ومن التقانات الحديثة التي استعملها السيّاب في تشكيل الصورة الشعرية: استخدام الأضواء، وكأنّه يرسم لوحة فيها تدرّج للضوء، أو تكثيف له، أو يرسمها بألوان شفيفة خافتة، أو غامقة فاقعة؛ كي يخلق تأثيراته الانفعالية والدرامية معتمداً على اتجاه الضوء (جانبيّ/ أماميّ/ خلفيّ/ فوقيّ/ تحتيّ) وعلى كمية الضوء (شديدة/ متوسطة/ ضعيفة)، ويحقق له وظائف عديدة منها: المساهمة في الرؤية وكشف الأشياء، وإضفاء التجسيم والاستدارة أو الإيهام بالبعد الثالث (العمق)، وخلق الجوّ المناسب والإيحاء بالزمن (ليل/ نهار/ فجر/ ظهر/ أصيل، ….)، أو تصوير الظروف الخارجية للجوّ (صفاء/ غيم/ غبار).
وهنا يغدو السيّاب وكأنّه يعرض منظراً على خشبة المسرح تلعب فيه الإنارة والأضواء ـ علواً وخفوتاً وتغيّراً وحركة ـ دورها في المشهد والممثلين، وكأنّه ينقل تقانات الرسم والمسرح إلى الشعر “في تراسل واع ٍ بين الفنون”.
وكما يستثمر السيّاب الضوء أو الظلام؛ ليكشف حالة نفسية مفردة به، فهو يستخدم أحياناً ثنائية الضوء والظلام في مشهد واحد؛ ليكشف ما في داخله من مشاعر متضادة يعايشها في وقت واحد، وتكاد تمزّقه باختلافها وتباينها، وبما توقظه تلك الثنائية فيه من مشاعر متناقضة تتأجج في نفسه، تبرز على نحو مشخّص يتحرّك فيه.
وكما يدخل التشكيل بالضوء لدى السيّاب يدخل التشكيل بمقابله ـ وهو الظلّ ـ، فـ”الظلال هي تلك المناطق التي لا تصلها أي كمية من الضوء، أو يصلها قدر غير كاف من ضوء متسرّب، إذن الظلال ما هي إلا نتيجة لاعتراض الأجسام المعتمة لمسار الأشعة الضوئية المنتشرة في خطوط مستقيمة”.
ويسهم التشكيل بالظلّ في تأدية وظائف عديدة منها: خلق الأبعاد الدرامية، والمساهمة في خلق الإيهام بالبعد الثالث (العمق)، وخلق القيم الشاعرية والجمالية.
كما يتمّ في بعض الأحيان الاستفادة من استغلال ثنائيات (الضوء/ العتمة) وما يستتبعها من (خمود/ ثورة) و(تجلي/ خفاء) لتصوير البعد النفسي الذي يعتمل في قلب الشاعر.

21ـ الرمز:
للرمز شكلان بارزان هما: الرمز الواقعي المعاصر والرمز التراثي، وقد استخدم السيّاب كلا الشكلين، فبدا الرمز المعاصر لديه في مثل استدعائه لـ (حمامة السلام)، و(برج إيفل) وغيرهما..، بيد أنّ الذي يميّز شعر السيّاب هو كثافة حضور الرمز التراثي بأنواعه الستة (الديني، والصوفي، والتاريخي، والأدبي، والشعبي، والأسطوري)، وقد وفر له ذلك غنى دلالياً، وقدرة على الاتحاد بالرموز، وجعلها تعبِّر عنه، وإطلاق العنان لها لتعبّر عنه، واتخاذها (قناعاً) يلبسه ليختفي خلفه، ويتحدّث من خلاله، كما أسبغت على شعره شيئاً من الغموض، لاسيما الرمز الأسطوري.
وقد تنوعت الرموز الدينية لدى السيّاب بين رموز الدين الإسلامي والمسيحي واليهودي، واستدعى شخصيات الأنبياء (كآدم ومحمد)، والشخصيات المقدسة (كجبريل، والسيّدة مريم)، والشخصيات المنبوذة (كالشيطان وقابيل)، بالإضافة إلى ابتكار شخصيات منبوذة (كالإلهين فحم وفولاذ) اللذين ابتكرهما فنياً للدلالة على مادية الحياة المعاصرة.
وفي الرمز الصوفي استدعى السيّاب الشخصيات الصوفية (كالحلاج)، ليبرز بها أحاسيس القلق التي تسكنه، كما استعمل بعضاً من مفردات المعجم الصوفي (كالاتحاد، ووحدة الوجود).
وتفاوتت طريقة استدعاء الرمز التاريخي لديه بين صيغتي (التعبير عن الشخصية)، و(التعبير بالشخصية)، واستدعى أعلاماً تاريخية شخصية وجمعية، وأماكن، وأشياء، وعادات، وابتكر شخصيات تاريخية (كشخصية تعبان بن عيسى) التي يرمز بها إلى تنكر أوروبا المسيحية الحديثة لتعاليم السيّد المسيح (ع).
وقد بدا الرمز الشعبي لديه في صور وتجليات كثيرة منها: استدعاء شخصيات الرّيف وحكاياته، وعاداته، وأماكنه ومناظره، وأشيائه، وكلماته وأغانيه، وأفكاره البسيطة وتصوراته عن الكون والحياة.
وقد حفل شعر السيّاب بوافر من الرموز الأسطورية التي تعامل معها بطريقة التشبيه الدخيل، والتشبيه العابر، والحشد الأسطوري، والبناء الفني، ويعود توظيفها في شعره إلى أربعة أنواع من المنطلقات، هي:
أـ المنطلقات المضمونية (الموضوعية):
فقد مرّ السيّاب بظروف سياسية وبحكّام كان يعتبرهم ظلمة وعملاء للاستعمار، وانتمى لاتجاهات سياسية تغييرية (كالحزب الشيوعي)، وكان يجد أنّ من صميم رسالته التعبير عمّا يعايشه المجتمع من قسوة وظلم، وأنّ التعبير المباشر ـ في ظلّ انعدام حرية التعبير ـ سيقحمه في السجون، ومكابدة النفي والتشرّد، وإزاء هذا القلق النفسي وجد أنّ المشكلة الدائرة بين قطبي ضرورة التعبير من جهة، وخطورته من جهة أخرى يكمن حلّها في التعبير الرّمزي، فوجد في الرّمز ـ وخصوصاً الأسطوري ـ مفتاح المستغلق، فهو مكتنِز بالمضامين التعبيرية المرادة والمتنوّعة من جهة، ولا يفهمه القائمون على دفة الشأن السياسي من جهة أخرى، وبه يمكن التعبير والفرار من دائرة الرقابة والملاحقة.
ومن هنا استخدم السيّاب الرّمز في هجاء النظام الملكي ـ ولاسيما لرئيس الوزراء (نوري السعيد) ـ، ثمّ استخدمه بعد ثورة تموز لنقد الحكم الجمهوري ونظام عبد الكريم قاسم، وغرضه: التستر والتخفي عن السلطات السياسية.
ب ـ المنطلقات الجمالية (الفنية):
ومن الغايات الفنية للأسطورة عند السيّاب: الرغبة في التعبير بقيم شعرية في زمن تسوده عبارات لا شعرية وقيم لا شعرية، ومن ثمّ تجاوز مناطق جفاف الواقع إلى عوالم جديدة لمّا تزل خصبة، والعودة بالألفاظ إلى مداليلها الإيحائية المشعة التي كانت تختزن بها في فترات الإنسان البدائي، والحفاظ على التراث وإمكانياته، والإفادة منها.
فالسيّاب يدرك أنّ التراث العربي الذي ينتمي إليه لغوياً وقومياً، والتراث البابلي والآشوري الذي ينتمي إليه عرقياً مليئان بالعناصر التي يمكن استدعاؤها شعرياً للقيام بعملية رفد شعرية تصل الحديث بالتراثي، وتوحّد بين المعاصر والقديم، وهي نمط من تواصل الأجيال والمحافظة على التراث.
ج ـ المنطلقات الذاتية (النفسية):
ومن تلك المنطلقات النفسية: (التسامي، والإبدال، والتنفيس، والتقمص، والمواجهة والهروب، وإبراز الثقافة، والبحث عن عالمية شعره)، فقد دهمت السيّاب صعاب جسام وأمراض كثيرة، جعلته في دوامة يكابد فيها أنواعاً متكاثفة من القلق والترقب لما يخبّئه الزمن من مفاجآت يقف على رأسها قلق المصير وقلق الموت، فراح يواجه ذلك بحيل نفسية دفاعية من شأنها تحقيق شيء من الانسجام الداخلي ومغالبة الأخطار.
د ـ المنطلقات الإنسانية (الاجتماعية):
هناك سببان اجتماعيان لتبني السيّاب للأسطورة يكمن أولهما في تفسير أزمة الإنسان الحديث، وإعادة تقييم التجربة الإنسانية على ضوء حاضر مثقل بالمشكلات الحضارية، فهو لا يستهدف ـ هنا ـ تفسير أزمة الإنسان الحديث ضمن معطيات علمية أو مادية أو معاصرة، بل يبتغي الاستفادة من التراث البشري الروحي لتفسير تلك المشكلات.
ويكمن ثانيهما في تركيبة مزدوجة من المواجهة والهروب، فالشاعر يستعمل الرّمز؛ ليواجه به الواقع القائم والتفسيرات القائمة، أو ليهرب إلى دفئه من لهب الواقع الطاغي الذي لم يستطع أن ينسجم معه أو يتقبله نفسياً.

وقد ترك استقدامه الوافر للرمز الأسطوري أثرين متضادين على شعره، هما: الغنى والتعقيد، فقد أغناه بأحداث أسطورية، وبأشخاص أسطوريين (تنوف أسماؤهم عن الأربعين)، لكنّ كثيراً منها ليس في عهدة المتلقي العربي متوسط الثقافة، مما جعل القارئ يحتاج لفك تلك الشيفرات إلى إحالات داخلية وخارجية توضّح المعنى؛ مما يسهم بدوره في إضعاف التدفق العاطفي مع القصيدة.

22ـ التناصّ :
“إنّ كلّ نصّ هو عبارة عن لوحة فسيفسائية من الاقتباسات، وكلّ نصّ هو تشرّب وتحويل لنصوص أخرى” ـ على حدّ تعبير جوليا كريستيفا ـ، وقد استثمر السيّاب استراتيجيات عدة للتناصّ، منها: التناصّ في المضمون عبر أساليب التحقيق والتحويل والخرق، ومنها: التناصّ في الشكل، عبر محاكاة المطلع الغزلي، وأسلوب الدعاء للوطن والمحبوبة، والقسَم، والسند، وصيغة النذر، وحسن التقسيم، وتكرار اللازمة، والانتهاء بالمطلع، واستعمال الرمز المكثف (كالمطر)، والتقابل الرمزي (كالتركيز على التقابل الضدي بين السنبلة والنضار).
كما تعددت أنواع المتناصّ معه، فتناصّ مع الكتب السماوية (التوراة، والإنجيل، والقرآن)، وتناصّ مع التراث العربي: شعره ونثره، وتناصّ مع التراث الغربي: قديمه وحديثه. وتعددت أشكال المتناصّ معه، فجاء عنده التناصّ مع قول، والتناصّ مع حدث، والتناصّ مع إشارة.

ثالثاً: أثر القلق في الشكل الشعري:
وتناول أثر القلق في الشكل الشعري: وكيف عمل القلق الشعوري والعروضي لدى السيّاب على تنوّع القصيدة ـ شكلاً ـ بين عمودية، وموشحة، وحرة خالصة، وممزوجة الشكل بين العمودي والحرّ، وجعله يؤمن بشكل شعري ما.. في حين، ثمّ يقلب له ظهر المجنّ، ثم يعود له مرة أخرى!!

رابعاً: أثر القلق في الموسيقى الشعرية (الداخلية والخارجية):
ودرس الآتي :
1ـ أثر القلق في الموسيقى الخارجية:
وتناول أثر القلق على (الوزن)، من حيث علاقته باختيار الوزن للقصيدة، أو وحدة الوزن فيها، أو مزج الأوزان. كما تناول أثره على (القافية)، وأخذِ السيّاب في بعض قصائده بالقافية الموحدة، وفي أخرى بالقافية المتنوّعة (المتوالية، والمتعانقة، والمتقاطعة، ونظام الموشحات)، وفي ثالثة بالقافية المتراوحة المتناوبة، ودفاعِهِ عن بعضها في حين، والانقلاب عليه في حين آخر!!
2ـ أثر القلق في الموسيقى الداخلية (الإيقاع):
وتناول مجموعة من سبل خلق الإيقاع الداخلي التي أسهمت في إبراز القلق الشعوري الذي يعتمل في داخله، ومنها:
أـ التكرار:
عندما نقرأ بعض قصائد السيّاب نجد فيها تكرار أدوات (حروف معاني)، أو تكرار كلمات، أو تكرار صيغ.
وقد يكون وراء ذلك سبب جمالي يكمن في التنغيم والموسقة وغيره، وقد يكون وراءه سبب تعبيري “فتكرار لفظة ما..، أو عبارة ما..، يوحي بشكل أوليّ بسيطرة هذا العنصر المكرّر وإلحاحه على فكر الشاعر أو شعوره أو لا شعوره، ومن ثمّ فهو لا يفتأ ينبثق في أفق رؤياه من لحظة لأخرى”، وقد يكون وراءه كذلك سبب نفسي يلحّ الشاعر على الوصول إليه من وراء التكرار، ربّما يكون تأكيداً وإبرازاً لأهمية تلك المكرّرات؛ تأسيساً على أنّ “التكرار يسلّط الضوء على نقطة حسّاسة في العبارة، ويكشف عن اهتمام المتكلّم بها، وهو بهذا المعنى ذو دلالة نفسية قيّمة”، وربّما يكون إبرازاً لمشاعر معيّنة ـ من فرح أو حزن أو قلق أو غيرها ـ من خلال ذلك التكرار، ووضعها بارزة أمام المتلقي؛ ليقرأ ما يعانيه الشاعر من أحاسيس مستحكمة تلحّ عليه في العود والظهور، فلا يلبث أن يدوّنها مرّات استجابة لشعوره النفسي بحاجة الكلام لتكرارها، وعدم كفاية ذكرها مرة واحدة.
ب ـ الجناس:
فالسيّاب يسعى للاستفادة من الجناس ـ التام والناقص ـ وما يتركه من نغم صوتي؛ لتبيان مشاعر القلق لديه، والآثار التي ارتبطت بها، وإبداء ذلك في حلة تتواشج فيها المشاعر مع الحلل الجمالية اللفظية، وذاك يكشف عما يغلي داخله من مشاعر، ويؤدي وظيفته الجمالية بما يحمله من تشابه صوتي بين الكلمات، سواء أوَردت داخل الأبيات والأسطر أم في نهاياتها في القوافي.
ج ـ التصريع:
ففي بعض مطالع القصائد يطول الانفعال عند السيّاب، فيمتد الإيقاع في التفعيلة الأخيرة موجداً شيئاً من الزيادة فيها على التفعيلة الأصلية (التصريع بالزيادة)، وفي مطالع أخرى يقصر الانفعال، فينكمش الإيقاع في التفعيلة تاركاً بعض النقص فيها (التصريع بالنقص)، يأتي ذلك عنده في القوافي الساكنة (المقيّدة)، والقوافي المطلقة (المتحرّكة).
د ـ التدوير:
من الظواهر التي لها حضور ملفت في شعر السيّاب: ظاهرة (التدوير) و(البيت المدوَّر)، و”التدوير في العروض هو: ما يطرأ على البيت من انقطاع الكلمة في آخر الصدر، وارتباطها بوزن أول العجُز، بأن يكون بعضها في شطر، وبعضها في شطر”، أي أنّ الكلمة تنقسم فيه بين الشطرين، فيكون جزء منها آخر الشطر الأول (الصدر)، والجزء الآخر منها أول الشطر الثاني (العجُز)، وبهذا يكون شطرا البيت متصلين، وتكون قراءة البيت المعتمدة على المعنى تستدعي قراءته متصلاً، بينما قراءة البيت المعتمدة على الوزن تستدعي قطع القراءة في جزء من الكلمة، وابتداء قراءة الشطر الثاني بباقيها.
والتدوير ـ عند السيّاب ـ ينمّ عن حضور شيء من آثار القلق لديه، فهو يدلل على تشابك المشاعر واتصالها في البيت الشعري، بحيث تنتهي آخر تفعيلة في الشطر الأول، ولا زال الكلام بين الشطرين متصلاً في كلمة مشتركة بينهما، ومن ثم استعمله السيّاب ليبرز اتصال الإيقاع وتشابكه باتصال المشاعر النفسية التي تقف خلفه وتشابكها.
وإذا كان المعنى السابق للتدوير قد شاع في قصائده العمودية الخليلية، فقد شاع معنى آخر للتدوير لديه استعمله في شعره الحرّ هو: زيادة طول البيت على الطول المألوف لعدد تفعيلات البحر في الشكل الموروث، فالبيت الحرّ المدوّر في وزن المتقارب ـ مثلاً ـ هو الذي يتجاوز طوله ثماني تفعيلات، أي أنّ التدوير بهذا المعنى يؤدي إلى “اتصال أبيات القصيدة ببعضها البعض، حتى تصبح القصيدة بيتاً واحداً، أو مجموعة محدودة من الأبيات المفرطة في الطول”، ومن هذا بيت السيّاب:
وأشعلتِ الظهيرةُ نارَها فيْ الشارع ِ الممتدِّ بينَ حدائق ِ النارنج ِ والعنبِ
وهو بيت ينتمي لبحر الوافر، لكنّه جاء على سبع تفعيلات من (مفاعلتن)، أي أنّه زاد على الطول النمطي لبيت الوافر بتفعيلة.
هـ ـ التصدير:
ومن سعة الاستعمالات الجمالية لدى السيّاب أن نجد التصدير في شعره متواشجاً مع مشاعر القلق لديه ومع أحاسيسه النفسية، فهو يحرص في بعض المواضع من شعره على إيراد كلمة في نهاية البيت أو السطر (العجُز) تمثل عوداً على شيء ورد فيما سبق منه في صدر مصراعه الأول، أو حشوه، أو آخره، أو صدر الشطر الثاني، وذاك في سبيل إيجاد إيقاع صوتي يتفاعل مع رغبة نفسية في تلك الإعادة، كاشفة عن حضورِ داع ٍ من دواعي القلق عنده.
و ـ الإرصاد (التسهيم):
وعلى مقربة من (التصدير) يقع (الإرصاد) أو (التسهيم) الذي يُقصد به في البلاغة: “أن يُجعل قبل العجُز من الفقرة أو البيت ما يدلّ على العجُز إذا عُرف الروي”، وهو لدى السيّاب من ضروب الإيقاع التي تسهم في إبراز مشاعر القلق وتذكيها، إلى جانب ما يخلقه من تفعيل لدور المتلقي في إمكان التنبؤ بالقافية، وما يهبه للنصّ من جوّ مفعم بالنغم الداخلي والإيقاع الموسيقي.
ز ـ حسن التقسيم:
والسيّاب يستغل الطاقة الإيقاعية في فنّ التقسيم؛ ليجعله معبّراً عن مشاعر القلق التي تسكنه، عبر توزيع المعاني على ألفاظ وأقسام، وأحياناً ليقع كلّ قسم على تفعيلة مستقلة؛ لتتواشج المعاني والألفاظ والإيقاعات معاً، وقد استثمر السيّاب (حسن التقسيم)، وما يتيحه من ذكر أقسام وتفاصيل قريبة من الوعي العقلي؛ لممارسة النقد الديني والاجتماعي والسياسي، وتسليط الضوء على العوامل التي ألهبت مشاعر القلق لديه.
وتجلت موسيقية التقسيم في شعره بأشكال منها: تقسيم الشطر أو البيت إلى كلمات مفردة، أو إلى كلمات مضافة، أو إلى شبه جمل متوازنة، أو إلى جمل متراصفة.
ح ـ الكتابة بالتوزيع الموسيقي:
يكتب السيّاب أبياته العمودية وفق النظام المتبع في كتابة القصيد على شكل شطرين متوازنين إيقاعياً بما يجلب معه من موسيقى مطردة مع الوزن، ويكتب أبياته الحرة على شكل أشطر متوالية تمتد وتقصر حسب الانفعال، وفي بعض قصائده يتعمد الخروج على نظام الكتابة وفق شطرين أو أشطر إلى كتابتها وفق التوزيع الموسيقي، فيكتبها ـ حينئذ ـ بطريقة أنسب إلى أسلوب الإلقاء الشعري (طريقة الإنشاد)، وكأنّه يدمدم بها موسيقياً وفق شعور يعايشه، ويحبّ تدوين الكتابة وفقه لا وفق توزيعها الوزني الذي تحكمه تفعيلات البحر، وقد تفاعل هذا الأسلوب مع مشاعر القلق لديه، فراح يبرز بعض الكلمات كتابياً، ويفصلها عن باقي تفعيلات البيت؛ ليبرزها جلية تعبّر عن شعور يتملكه.

ط ـ إشباع حركات الإعراب:
في بعض المواقع الشعرية لا يكتفي السيّاب بإظهار الحركة في مستواها العادي، بل يشبعها ويمدّها بما يُنتج منها حرفاً ساكناً؛ ليستفيد منه في المدّ ومطّ الحرف بما يُنْمِي عن انفعال ممتدّ يصلح للتواشج مع مشاعر القلق وآثاره، وبما يحقق للوزن حاجته في توليد حرف ساكن للتفعيلات التي تحتاجه لاكتمال صورتها السمعية، وأكثر ما فعل السيّاب هذا في القوافي المتحرّكة التي تولّد حرف إطلاق يناسب حرفها المتحرّك، وقد استعمله في عروض البيت العمودي وضربه، كما استعمله في أسطر الشعر الحرّ.

ي ـ التنوين:
التنوين واحد من طرق خلق الإيقاع والجرْس الداخلي في القصيدة، بما يجلبه من نون ساكنة ـ نطقاً لا خطاً ـ ذات رنين، وقد لجأ إليه السيّاب ليجعل منه ـ إلى جانب أدوات الإيقاع الأخرى ـ قالباً يسكب فيه مشاعر قلقه، ليمثل أداء صوتياً مناسباً لها، بما يخلقه من تنغيم لمشاعر الحزن والشجن والتوتر.

نتائج البحث:
وقد توصل البحث إلى عدة نتائج، منها:
1ـ أنّ السيّاب وقع تحت وطأة (القلق)، وكان يعاني من مرض (القلق الارتكاسي) أو (القلق الانعكاسي)، وقد عملت أسباب كثيرة في إبراز ظاهرة القلق في شعره، منها: دوافع ذاتية (كالشكل، واليتم، وإخفاقات الحبّ، والشعور بالنقص، والتناقض الداخلي والتقلب)، ومنها بواعث خارجية (ثقافية، واقتصادية، واجتماعية، وسياسية).
2ـ تجلت في شعر السيّاب أنواع كثيرة للقلق، منها: قلق الامتحان، والقلق الزمانيّ، والقلق المكانيّ، وقلق الغربة، و قلق الجنس، والقلق الدينيّ والإيديولوجيّ، وقلق المصير، وقلق الموت، وقلق الدلالة، وقلق التأثير.
3ـ ارتبط القلق في شعر السيّاب بكثير من المظاهر النفسية الأخرى، كالتشاؤم، والسوداوية، والاغتراب، والحزن، والوحدة، والأوهام، والتمركز حول الذات.
4ـ اتخذ الرّيف ـ في صورته الشعرية العامة عند السيّاب ـ صورة مشرقة بهية، بينما اتخذت المدينة ـ في صورتها العامة عنده ـ صورة سوداء قاتمة، ونال الرّيفَ والمدينة معاً قسطٌ من المدح والذم؛ تبعاً لطبيعة السيّاب المتقلبة ورؤيته الآنية.
5ـ أثر القلق بشكل واضح على الجانب الفني في شعر السيّاب، فأثر في اللغة، والصورة الفنية، والشكل الشعري، والموسيقى الشعرية (الخارجية، والداخلية):
أـ فمن حيث اللغة، تبدى القلق على مستوى المفردة عند السيّاب فأكثر من ذكر مادة (قلق) في شعره، وتباين معجمه بين كلمات قاموسية ومعرّبة ومحدثة ومخالفة للقياس اللغوي وعامية وأجنبية، واهتم بالقيمة الإيحائية
للأصوات والألفاظ.
كما تبدى في تركيب الجملة، فاستخدم السيّاب لإبراز قلقه أساليب شتى: كالوصل والفصل بين التراكيب، وتقديم مكمَن القلق لإبرازه، والاتكاء على الإضافة، والتعبير بالجمل الاسمية للدلالة على ثبوت المقلق، والتعبير بالجمل الفعلية للدلالة على تجدد المقلق، وإدمان عادة الحذف والتغيير في كلمات الأبيات أو جملها، أو القصائد برمتها.

ب ـ ومن ناحية الصورة، استفاد السيّاب من الفنيات الحديثة للصورة في إبراز القلق، كالاستفادة من (المعادل الموضوعي) و(اللون) و(التناصّ)؛ للتوحد مع الأشخاص أو الأشياء أو الألوان التي تحمل شيئاً من طبيعته وتنسجم مع شخصيته، واستخدام (الرمز) لممارسة النقد السياسي والاجتماعي، والانفلات من ربقة الرقيب الخارجي، والتوحد مع الرموز المعبرة عن شخصيته.
ج ـ ومن ناحية الشكل الشعري، كان السيّاب قلقاً في العثور على الشكل الشعري المناسب، فتوزعت قصائده على الشكل العمودي، والحرّ، وممزوج الشكل بين العمودي والحرّ.

د ـ ومن ناحية الموسيقى الشعرية :
* تجلى القلق لديه في الموسيقى الخارجية، فقد شهد الوزن تنوّعات استعمالية في شعره: بين الاعتماد على وزن واحد للقصيدة، أو مزج الأوزان فيها. كما أثر القلق لديه على (القافية)، فتنقل بين الموحدة والمتنوّعة (المتوالية، والمتعانقة، والمتقاطعة، ونظام الموشح)، والمتراوحة المتناوبة.
* كما تجلى القلق في الموسيقى الشعرية الداخلية (الإيقاع)، فاهتم السيّاب بضروب إيقاعية عديدة لإبراز قلقه، منها: التكرار، والجناس، والتصريع، والتدوير، والتصدير، والإرصاد، وحسن التقسيم، والكتابة بالتوزيع الموسيقي، وإشباع حركات الإعراب، والتنوين.

والجدير بالذكر أنّه قد أشرف على هذه الرسالة الدكتور حافظ محمد المغربي (مصر)، وناقشها كلّ من الأستاذ الدكتور أحمد ناجي حيزم (تونس)، والدكتور صالح معيض الغامدي (السعودية).

https://news.ksu.edu.sa/ar/node/8153
6

No Comments Yet

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *