قبل الخوض في الصورة التقليدية التي استعملها الشعر بدر شاكر السياب* في شعره لصورة المرأة ، علينا ان نبين ان الشاعر قد مر بمراحل مهمة ومتدرجة في حياته لقضية المرأة ، فالمرأة في شعر السياب لم تكن محطة واحدة وقف عليها الشاعر فحسب ، بل تعددت تلك المحطات في حياته وفي قصائده .

ان اكثر الصفات الثابتة للمرأة في الشعر التقليدي لا يميز فيها شاعر عن آخر إلا بمهاراته في تكريس اكبر عدد من المهارات والصفات ، او إغراق الشعر بالإعادة والتكرار(1) .

وقد  تميز الشاعر  بتصوير الأم وكذلك تطرق لصورة الجدة بوصفها حضنا دافئا ، وتنوع بوصفه للحبيبة .

فالأم عند السياب  هي أول محطة مر بها في حياته  وهي مرحلة  مهمة لأنه قد تأثر بها تأثيرا واضحا في قصائده ، كانت أمه قد توفيت وهو صغير (( فقدت أمي ومازلت طفلا صغيرا فنشأت محروما من عطف المرأة وحنانها ))

ولكنه لم يحرم حنان جدته عندما كفلته في الرعاية والعطف والتربية والتي توفيت هي الأخرى فقال عن هذه الحادثة في رسالة إلى خاله الشواف (( البصرة 23\ 11\ 1942 )) :-  ((حرمت عاطفة الأمومة وأنا ابن أربع … ولكنني لم احرم من صدر يضمني ويحنو علي ولكنني لم احرم جدتي ، ومرت السنون  وأنا أهفو إلى الحب ولكنني لم أنل منه شيئا ولم اعرفه وما حاجتي إلى الحب ما دام هناك قلب لجدتي يخفق بمحبتي ، أفيرضى الزمن العاتي ……..

أيرضى القضاء ان تموت جدتي اواخر هذا الصيف ؟ فحرمت بذلك آخر قلب يخفق بحبي ويحنو علي ، أشقى من ضمت الأرض )) (2)  ، وهذا الإحساس بالخيبة والمأساة والوحدة دفعه مبكرا إلى كتابة قصيدة ( رثاء جدتي ) وذلك في 9\9\1942 والتي يقول فيها :

جدتي

وهي كل ما خلف الدهر من الحب والمنى والظنون

ورجاء بدا فألهمني الصفو وخفـًت انواره لحنيني

ثم يقول :

جدتي من أبث بعدك شكواي ؟ طواني الأسى وقل معيني

أنت ِ يا من فتحت قلبي

  

وهكذا بقي السياب متعطشا لحنان أمه ، وهو يتذكر طفولته البائسة وحرمانه من أحضان الأم الدافئة ، ان محنة الإنسان في حياته تدفعه الى تتبع تاريخ ماساته من جذورها حينما يقول ( عطش أنت يا أمي ؟ ) لان الطفل لا ينام إلا في حجر أمه كما يقول في قصيدة ( سهر ) كما يتذكر أمه في قصيدة ( نداء الموت ) ابان تذكره لابنه غيلان يقول :-  غيلان يدعو  أبي سر ، فاني على الدرب ماش أريد

الصباح

وتدعو من القبر أمي ” بني احتضني فبرد الردى في

عروقي ” .  (3)

  

أما قصيدة ( الباب تقرعه الرياح ) فإنها محاولة لاستحضار صورة الأم وحنانها إلى ابنها ، ان صورة الأم هنا تعبير عن العودة إلى الجذور الى البداية والمنعطفات الأولى وجواهر الأشياء ، إنها عودة الى جوهر الحقيقة في التفاعل مع الحياة والوجود لإعادة ترميم ما تهدم ، فرح الأم يهزها الحب العميق حب الأمومة فتسال عن ابنها والابن ينطلق عبر منولوج درامي يحاول أمه التي رحلت عن أطفالها ، فالتمسك بالأطياف والأرواح هو التمسك بالأحلام :-

هي روح أمي هزها الحب العميق

حب الأمومة فهي تبكي :

( اه يا ولدي البعيد عن الديار !

ويلاه ! كيف تعود وحدك ، ولا دليل ولا رفيق  ؟ )

اماه .. ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار

لا باب فيه لكلي أدق ولا نوافذ في الجدار (4)

والشاعر لم ينس أمه حتى بعد ان لازمه المرض في آخر حياته ، فكانت الأم بالنسبة إليه هي الحضن الدافئ الذي فقده .

كما انه   يقرن صورة الم بالوطن  ، ويجعل من صورة الأم والوطن ( صورتان متلازمتان ) فالأم هي رمز للوطن يقول :-

هي وجه أمي في الظلام

وصوتها ، ينزلقان مع الرؤى حتى أنام

وهي النخيل أخاف منه اذا ادلهم مع الغروب

فأكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لايؤوب (5)

هنا الشاعر قد جعل في هذه القصيدة الرائعة  ذات مضامين قوية أثث لها عبر إيحاءات وصور فنية في غاية الجمال والرقة ، الشاعر نجح أيضا في تكريس إقران الأشياء بعضها مع بعض، عبر مزجه للغة التعبيرية التي جاء بها ، ليجسد لنا تلك الكلمات المعبرة .

الصور التي جمعها الشاعر كانت ممزوجة مع بعض في صورة واحدة ، حتى ان بعض هذه الصور أو الأشياء كانت صورا متناقضة إلا أن الشاعر جعلها ذات صورة واحدة بمضمون وشكل جديد ، فجمع ما بين ( الموت والحياة – الجوع والنقود – العودة والبقاء – العراق والأم – الأرض والبحر والسماء ) هذه الصور المتشابهة كانت أو المتناقضة صوًَرها الشاعر عبر مدخل واحد لقصيدة واحدة فكان الإيحاء والشكل والمضمون لصورة في غاية الجمال .

كان  السياب يفتقر إلى علاقة راسخة مع أبيه الذي وردت عنه في شعره المبكر إشارتان واضحتان يقول في أولاهما :-

خيالك من أهلي الأقربين /ابر وان كان لا يعقل

  

أبي منه جردتني النساء / وامي طواها الردى المعجل

مؤكدا انه يتوقع ان يجد من حب ابيه ورعايته ما يعوضه عن غياب امه المبكر ، بينما نستطيع ان نفترض ان اباه لم يكن يختلف آنذاك عن اي رب عائلة من آباء طبقة متوسطة جاهلة يستغرقها الكدح ، لا يعي من علاقته بابنائه اكثر من انه يوفر لهم أسباب العيش حتى سن معيشة ولا شيء غير ذلك .

ربما هذه العوامل الأولى والمهمة في حياة الشاعر ، ومن ثم قد يكون دافعا مهما في التاثير بقصائده وميله للنساء والتعطش لحنان المرأة سواء أكانت محبوبة او زوجة لسد فراغ حنان الأمومة الذي فقده الشاعر اضافة الى مزج فقدان الحنان بالحزن والمعاناة التي مرت على الشاعر في بداية حياته .

فقد كان قلب الشاعر يتأجج بتلك المعاناة وتلك العاطفة الحزينة الرقيقة الناجمة عن إحساس دائم بالتهيؤ لحب امرأة تبقى بعيدة عنه ، وكان السياب حساسا مرهفا ومحروما ينطوي على نفسه التي اختزنت كل روادع البيئة ونواهيها ، لا يستطيع لحرمانه ان يتكيف معها تكيفا مطلقا ولا يجد ان من حقه ان يتمرد عليها ، ومن خلال هذا الانطواء الذي يسببه إحساس مرهف بحرمانه يتكشف حنين الى امرأة :-

لا تزيديه لوعة فهو يلقاك             لينسى لديك بعض اكتئابه

قربي مقلتيك من وجهه الذاوي      تري في الشحوب سر انتحابه

يتكشف حنينه الى جسد امرأة :-

حسناء يلهب عريها ظمأي

فأكاد اشرب ذلك العريا

وأكاد أحطمه فتحطمني

عينان جائعتان كالدنيا

غرست يد الحمى على فمها

زهرا بلا شجر فلا سقيا  (6)

هذه البواكير الاولى التي دفعت الشاعر الى البحث عن امرأة تعوضه عن اليتم المبكر الذي تضافر مع مواصفات البيئة المستقرة على الردع والكف والكبح المتخوفة من الحب تخوفها من ممارسة الحياة في الهاب شعور السياب بالوحدة والحرمان

فالشاعر قد تعطش للمرأة ، للحب ، وللحنان منذ بداية حياته فكان الحب هو الكلمة الاولى التي افتتح بها الشاعر عهده الشعري ، فأول بيت انشده من الشعر هو :

على الشاطئ احلامي

طواها الموج يا حب

وفي حلكة أيامي

غدا نجم الهوى يحبو (7)

فالشاعر لا يتلقى الحب كما قلنا سابقا وانما يكون في تقابل معه لان الشاعر منذ بداية حياته تعطش للحب ، ومن ثم بدأ مشوار البحث عن المرأة التي يراها الشاعر مناسبة له وبالتالي تسد له ظمأه وتشاركه المعاناة وظروف البيئة التي كان يعيشها الشاعر .

فالشاعر قد دخل مرحلة لا تقل اهمية عن الاولى ، وربما ان هذه المرحلة هي الاصعب ( البحث عن امرأة … ) واي امرأة تلك التي تسد له ظمأه من الحب والحنان اضافة الى الغريزة وربما كان البحث لدى الشاعر عن امرأة قد يكون بحثا عشوائيا يتركه للايام و للزمن وللصدفة حتى .

ولسنا نشك ان تلك الفتاة القروية الجاهلة التي كانت اول امراة عرفها الشاعر  في حياته لم تكن ما يتمناه الشاعر في حبيبته المنشودة وأيا كان نوع ومدى العلاقة بينهما فان معرفتنا بظروف تلك المرحلة واخلاقها الاجتماعية تبيح لنا ان نفترض انها كانت علاقة حبيبة عابرة لا تتجاوز اللقاءات الخاطفة الحذرة التي لا تشبع ظمأ الشاعر اللاهب الى امرأة تغدق عليه من عطفها وحنانها ما يعوضه عن حنان الام :

(( كانت حياتي وما تزال بحثا ممن سد هذا الفراغ وكان عمري انتظارا للمرأة المنشودة )) (8)

هذا الانتظار المنشود من قبل الشاعر قد يدفعه الى ان ينظر الى المرأة من جوانب عدة وذلك يضيف صبغة عصرية جديدة على قصائده قد لا نجدها في الشعر العربي القديم ولو قابلنا شعراء او مواقف الشعراء من الحب او من المرأة لوجدنا الشاعر بدر شاكر السياب الذي غنى للحب كثيرا واختلفت النظرة بالنسبة اليه للمرأة بجوانبها المتعددة قد تميز كثيرا عن الشعراء الآخرين لما نجده من الحرقة اللاذعة التي المت به طوال عمره ، وقد تمثل الدافع والحافز والمحرك لاشعاره في المرأة والحب فلاسباب متعددة لم يتيح للسياب ان يعرف الحب على حقيقته ، ولم يكن من الوسامة ما يغري به الجنس الآخر ، اما مركزه الاجتماعي والاقتصادي فكان ادنى ما ان تطمع فتاة بالاقتران به ، ولعله الحب في تلك الاثناء كان مبنيا اساسا على الرغبة في الزواج وتكوين اسرة وما عداه فشيء عابر يمكن ان يعثر عليه لدى بائعة هوى ( 9 )

فها هو السياب قد دخل عالم المرأة ، انه يدخل في عالم ادغال ، ليس يدري ما اذا كان سيخرج منها سالما ، وهنا يبدأ بالتساؤل :-

(( ترى هل سيعود علي الحب ينفع ؟ هل سأظفر بحب متبادل ؟ )) ، ويلب السياب يديه الفارغتين ، فالحبيبة لا تبادله الحب ولذا فهو ينحني نفسه محتفظا بفضوله في البحث عمن تحب ، وعلى اية حال ، فهي لا تحبه ، ولو تحقق ذلك لما كان من داع للتمني ، فالحب ضالته التي ينشدها وهو اذ ينشد ضالته هذه ، فلانها وحدها كفيلة بارواء ظمئه الشديد ، ولكنه يتمنى ، ويخفق ما يتمناه وتأتي الصورة الشعرية تعبيرا عن هذه الحالة :-

فيا نفحة للحب ملئ جوانحي       ويا نبأة للوحي طافت بمسمعي

لقد ودً الشاعر لو يملا ( الحبيبة ) لكنه امتلأ بها فـ ( الحبيبة ) شيء من الحب ، والشاعر يستوعبها ، انها لم تعد منفصلة عنه وانما اصبحت في داخله وهذا ما يمكن ان يكون تعبيرا مقلوبا لرغبة مضاعفة :-

•-         رغبة العودة الى رحم الأم بحثا عن الوسط الآمن  : – (10)

أماه ليتك ترجعين

شبحا ، وكيف اخاف منه ؟

وما اقحت  رغم السنين

قسمات وجهك من خيالي

اين انتِ ؟ أتسمعين  (11)

  

•-         رغبة النفاذ الى ( الحبيبة ) معبرا عنها بنفاذ ( الحبيبة ) اليه ، كان يود الشاعر لو كان في ( الحبيبة ) في الشاعر في الوقت الذي اراد لو انه يحل فيها .

اي عجب اذا في ان يصبح الحب والامل اسمين لشيء واحد واي عجب في ان يلجأ الشاعر السياب  بعد توحيده ما بين الحب والامل الى كل الاساليب من اجل تحقيق مبتغاه ؟ ها هو هنا ينادي ( الحبيبة ) وها هو هناك يبثها شكواه ، انه تارة يبكي امامها وتارة اخرى يعللها بالوعود ، وهو في بحثه عن المرأة يختبئ وراء ستار ، فكأنما هو لا يجرؤ ان يقف على قدميه امامها ، وعلى هذا فحبه يهفو الى ظلها ، وعلى هذا فهو يتوجه بالسؤال لا اليها وانما الى منديلها ، وهكذا يكتشف السياب ان حبه يجري عبثا ، فالحب لا معنى له ان لم يكن معروفا بعين الطرفين وهو في ذلك كأنما يقول : (  أي جدوى لحب اكنه لفتاة لا تدري ؟ ) وهنا يبدأ السياب الخطوة الاولى في اعلان دعوة الحب ولكنها خطوة مرتعشة لانها تبقى تسؤلا لا يتم بشكل مباشر وصريح وانما عن طريق الزهرة رمز ( الحبيبة ) (12)

وكثيرا ما نرى مصطلحات الحب والغزل والحبيبة والحنان والدفئ وغيرها ، من المصطلحات التي تدخل ضمن الرومانسية التي صورها لنا السياب عبر قصائده من الواقع الذي كان يعيشه ، فالرومانسية ليست احلاما فحسب ، انها ايضا تعبيرا عن ازمة التناقض بين القيم الاقطاعية القديمة والعلاقات البرجوازية الجديدة ( 13 ) وهذا ما جسده السياب في قصائده بدءا من يتمه الى مناجاته الاخيرة قبل وفاته مع زوجته اقبال .

فالرومانسية عند السياب تهتم بوحدة الشكل في القصيدة وهي تراها في وحدة الجو النفسي المشحون بدفقه العاطفي ، وهذا ما نراه واضحا في قصائده ، فعاطفته الحزينة التي تنبثق من جو مشحون بكل التراكمات الصعبة التي انصدم بها الشاعر وعاشها منذ البداية نراها طاغية على اكثر معاني قصائده مع الالفاظ السهلة التي يستخدمها في اكثر قصائده لان الرومانسية تميل الى البساطة في اللغة الشعرية ، فبدأ السياب بقصائد تفتح له الطريق امام المستقبل الذي يسمو اليه ،ولكن اصراره على ايجاد المرأة المناسبة لتشاركه في مسيره نحو المستقبل عبر الطريق الذي انشاه عبر رومانسيته السيابية التي انحدرت إليه عبر العوامل الكثيرة التي ذكرناها مسبقا مع ظروفه التي ولد فيها وعاش فيها  ، مع ما يطرأ عليه من تغيرات ومؤثرات تصادفه في حياته وكذلك الى تأثره بالشعر الغربي فمزج بين الشعر العربي القديم مع الشعر الغربي اعطاه صبغة عصرية جديدة تعطي لقصائده اصطلاحا نكاد لا نجده عند الآخرين من ابناء عصره .

إضافة إلى الموهبة الفائقة التي تميز بها  والتي تبلورت مع الظروف الصعبة التي مر بها زائدا الثقافة القوية التي كان يمتلكها ، فالرومانسية عند السياب تبلورت بنكهة خاصة تمثلت باساليب متميزة فكانت صورة المرأة هي الصورة التي دخل السياب عبرها الى عالم الرومانسية .

والسؤال المهم الذي نطرحه : من هي المرأة او  الحبيبة ؟ هل كانت فعلا موجودة ؟ يراها وتراه ؟ ام هي مجرد عالم ولج اليه عبر منولوجه الشعري ؟  هذه التساؤلات وغيرها قد تصل بنا الى غاية او هدف جديد نستوحيه من قصائد الشاعر ، والتساؤل المهم ، ما هو الشيء التي حققها السياب من المرأة ؟ ما هي الغاية من البحث عن امرأة ؟ فما الذي جعل السياب يتميز عن غيره بهذا الشأن ؟

وهل كانت المرأة تمثل شيئا ايجابيا ام سلبيا للسياب ؟ في غيابها او وجودها ، رحيلها ، بعدها او قربها ، عنفها او محبتها ، انوثتها وغريزتها ، حنانها ، وغيرها من المصطلحات .

كل هذه التسؤلات وغيرها يمكن ان تحقق نتيجة للوصول الى مصطلح المرأة الحقيقي لدى السياب .

وربما من خيبة الأمل أو من الفشل يصنع لنا المبدع  هدفا او غاية او درسا نتعلمه ، وهذا ما حصل للسياب وما فعله السياب .

ما حصل له انه كان يتيما فقد حنان الأم ، وما فعله السياب هو البحث عن امرأة ، لكنه فشل كثيرا ، وهذا الفشل او الاخفاق في الهوى جعل منه شاعرا أزليا يسعى الى تحقيق  جنة من نار ، وهي جنة لا يمكن تحديدها الا بانها  بعيدة ، تفصلها الحجب المانعات عن ناظريه ، ولما كان الهوى بعيدا فانه يكتسب صفات الطهر والألوهية :-

هناك لروحينا على الحب ملتقى

يزوقه طهر الهوى المتضوع (14)

فالسياب يجعل من رومانسيته الحزينة اسلوبا مغايرا واصرارا على تحريرها من وجع الظروف التي كان يعيشها الشاعر آنذاك على الرغم من انه لم يكن آنذاك يعي حقيقة التركيب الاجتماعي بدليل انه يعلل فشل الحب بظل القدر او الزمن القاسي .

لا ينفي بالضرورة ان رومانسيته كانت آنذاك ( رومانسية برجوازية صغيرة مذلة مهانة محرومة ترزح تحت وطأة تقاليد اجتماعية وتجابه تخلف مجتمع شبه اقطاعي شبه مستعمر وهي هزيلة التكوين والفكر ) (15)

السياب يصنع من فشل الحب ومن الظروف واقعا او هدفا يجعله انسانا متكاملا ، مبتعدا عن التأملات والاحلام التي كانت تمتلكه اكثر من الواقع الذي كان يعيش فيه والذي صنعه لنفسه من الشعر ، على الرغم من ان الشعر واقع لا اسم له (16) فهو يختار الشعر كملاذ يلوذ اليه بواقعيته وتاملاته وخياله   اذا فشل في الحب من امرأة ما او لم يفشل ، لكن كثيرا ما نجده متعطشا في قضايا الفراغ العاطفي .

والفراغ العاطفي والبحث عن امرأة هما عنصران الاخفاق في الحب ، والاخفاق يؤدي الى الالم ، فالالم رفيق الحب عند السياب ، ويبلغ الالم مداه عندما يتحول الى سخرية تعبث به ، وهكذا تحول الهوى الى ذكرى ارسلت شعاعا من الماضي لتملأ به الحاضر الخاوي :-

أهاب الغرام بقلبي الكئيب

فخف إلى عاليات الذرى (17)

  

ويحاول السياب ان يحول هذا الألم وهذه الآهات الى شعر ، وان يطمرها بين اوراقه فتصبح انفاسه آهات وكأنه يعترف بان كل ما يفعله بناء شعر حزين يزيد من ألمه ، والسياب يعيش ألمه ويعبر عنه بالعديد من الوجوه ، فهو مرة يبكي ومرة اخرى يشكو ، وثالثة بقلبه الجوى ويخط على فؤاده السطور .

وهكذا بدأ السياب يجسد المرأة في البكاء والشكوى والتوسل ، وهذا ما جعله يعيش في بحثه عن المرأة . ففي ديوانه  نقرأ عن أمرأة يحلم بلقائها غداً، لكننا نفاجأ في مكان آخر عن ندمه في أنه لم يمزق قميصها :

«وغداً سألقاها

سأشدها شداً فتهمس بي

رحماك، ثم تقول عيناك

مزق نهودي – ضم أواها

ردفي.. وأطوي برعشة اللهب

ظهري، كأن جزيرة العرب

تسري عليه بطيب ريّاها (18)

ففي بداية حياته كانت هناك  سبع نساء احبهن السياب دون ان تقتنع بحبه واحدة منهن فكان يكتفي باستدعائهن في خياله ليتحدث اليهن ويشبهن اشواقه وشجونه دون ان يمنحنه آذانا مصغية (19) وهذا ما ذكره في احدى قصائده وهن ( وفيقة ، هالة ، لميعة ، ناهدة ، لبيبة او ( لباب ) ، لمياء ، أليس ) اضافة الى اسماء نساء اخريات هن من صميم الوهم مثل ( ليلى ، نادرة ، سلوى ) كان الشاعر يردد اسماءهن في شعره ليتلمس من خلالهن عواطفه الجياشة … فظل يتوق الى حبهن له ، لكنهن كن يشفقن عليه :- (20)

وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا

ولكن كل من احببت قبلك ما احبوني

ولا عطفوا علي ، عشقت سبعا كن احيانا

ترف شعورهن علي ، لتحملني الى الصين

سفائن من عطور نهودهن ، اغوص في بحر من الاوهام والوجع (21)

هذه القصيدة كتبها الى الانسة لوك نوران وفيها يعترف لها صراحة انه احب سبع فتياة ولم تبادله واحدة

منهن الحب ويتوسل إليها أن تحبه لان كل من أحب قبلها لم تحبه (22) ، فالاولى تركته وتزوجت من رجل غني ثم طلقها هذا الأخير بعد ان صحا من غفلته :-

آه فتلك باعتني بمأفون

لاجل المال ، ثم صحا فطلقها وخلاها .(23)

والأخرى كانت تكبره ببضعة أعوام او لعل حسنها أوحى إليها انه ليس كفوءا لها ، ولم تكن تعلم ان الحسن لا يمكن ان ينتصر على الزمن ، وأخرى كانت تؤثر فيه السحر بما تملكه من حسن صارخ الا انها هي الأخرى فضلت عليه رجلا يمتلك قصرا ويمتلك سيارة واخرى فضلت حياة السهر والملاهي والقمار ، وحتى تلك التي ظن انها شاعرة فكان يبادلها الغزل في زورق في شط العرب يخيم عليها ليل رومانسي ، لم تكن تتمتع بما يتمتع به هو من وفاء عميق :- (24)

وأقرأ وهي تصغي

والربى والنخل والأعناب تحلم في دواليها

تفرقت الدروب بنا نسير لغير ما رحمة

وغيبها ظلام السجن تؤنس ليلها شمعه

فتذكرني وتبكي

غير اني لست ابكيها (25)

فتلك النساء وغيرهن ذكرهن الشاعر في اغلب قصائده ، انه يذكر ( لبيبة ) في قصيدة ( خيالك ) المؤرخة في ( 31/ 1/ 1944 ) ويدعوها بذات المنديل الاحمر ، كما يهدي اليها ( اغرودة ) المؤرخة في ( 19/ 3 / 1944 ) ، وفي القصائد ( ثورة الاهلة ، اراها غدا ، صائدة ) يدعوها ( لباب ) ، وفي قصيدة ( الى حسناء ) يرخم الاسم فيدعوها ( لبيب ) ، وقد قال عنها في مقدمة قصيدة ( ثورة الاهلة ) بانها تكبره بسبع سنين ، يقول في قصيدة ( أراها غدا ) :

أراها غدا ، هل اراها غدا

وأنسى النوى ، أم يحول الردى (26 )

  

وفي قصيدة أخرى يقول :

  

تمنيت لو كنت ريحا تمر

على الظل ولهى فلا تعذل

ويستأسر الموج اغراؤها

وترد يدها النائح المرسل (27)

اما هالة فانها لا تختلف في مؤشرات حبها وبواعثه وظروفه عن ( وفيقة ) التي شكلت ظاهرة خاصة في شعره ، وقيل ان اسمها ( هويلة ) فآثر الشاعر منح اسمها ايقاعا جديدا وصورة محببة لديه والتي يقول عنها في قصيدة ( يا نهر ) المؤرخة في 2/2/1962 :- (28)

يا نهر ان وردتك ( هالة ) والربيع الطلق في نيسانه

ولي صباها فهي ترتجف الكهولة ، وهي تحلم بالورود (29)

ان ما يبدو على تأريخ القصيدة ومكانها ، والجو المحيط بالشاعر ان ( هالة ) من جيكور ، من قريته ومن حنينه الى مراهقته وايام صباه حيث الجذور وينابيع القرية الام ومنبع الطفولة .

فهو يصفها بان صباها ولى واقتربت من الكهولة . (30) وبهذا اصبحت هذه المرأة لها تأثيرا واضحا في انفعالات الشاعر  وصراعاته الداخلية التي افرزتها حياة السياب وكذلك في  طفولته وعفويته. (31)

والى جانب هالة ثمة فتيات احبهن السياب ، وهن يدمن الصلة معه لكي يتغنى بهن في شعره ، فهو يقول في قصيدة (ديوان شعر ) التي اهداها الى مستعيرات شعره :- ُ

يا ليتني اصبحت ديواني

أختال من صدر الى ثان

قد بت من حسد أقول له

يا ليت من تهواك تهواني

ألك الكؤوس ولي ثمالتها

ولك الخلود وانني فان( 32)

وهذا يكشف عن احساس الشاعر بالحرمان ، وبالخيبة في حبه ، كما وذكر ذلك في رسالة الى خالد الشواف مؤرخة في 20/4/1964 :- (( هناك الآن زفرة من زفرات قلبي البائس ، وحسرة من حسرات حبي الخائب ، علها تعبر عما يعجز عنه الكلام ، وتعبر عما يثقل علي الاعراب عنه )) ، لكن المرأة التي استحوذت على جزء مهم من وجدان الشاعر وشعره هي ( وفيقة ) البتي صارت قضية وذكرى ، فذكرها في شعره بقصائد مستقلات ، وذكرها في أخريات بشكل عابر ، فهي تشكل حالة من حالات العودة الى الجذور والى هموم الذات ، وقد ذكرها في ( شباك وفيقة ، حدائق وفيقة ، مدينة السراب ) ويبدو انه تذكرها متأخرا ،كما يقول جبرا ابراهيم جبرا في مقالته ( من شباك وفيقة الى المعبد الغريق ) :- ( اذكر بوضوح ان بدرا حدثني في  آواخر عام 1960 أو أوائل عام 1961 انه فجأة جعل يتذكر فتاة احبها في صباه تدعى وفيقة وانها ماتت صبية ، وكان شباكها أزرق يطل على الطريق المحاذي لبيته ) وهذا ما يؤيده تأريخ القصائد ، فقصيدة ( شباك وفيقة ) مؤرخة في 29 / 4/ 1961 و ( مدينة السراب ) مؤرخة في 2/11/1961 وهذا يدلل ان السياب بعد احساسه بالمعاناة والمرض صار يستحضر بعض ذكرياته للتغلب على ضغط حياته الآتي ، اي ان الماضي غدا وسيلة للخلاص أو للهروب من ازمته الذاتية وأزمة واقعه السياسي .

وهذه المرأة كانت بالنسبة له مجرد ذكرى ، لهذا انزلق الشاعر ينبش بأوصال الموت لينتزعها من براثنه فصارت ذكراها نوعا من التذلل الى الحياة لمنع شبح الموت المتمثل بالداء الوبيل الذي اصابه من الاقتراب منه ، لذا صار الشباك معادلا موضوعيا للنافذة التي تطل على الحياة بكل جمالها ، فهو نشوان يطل على الساحة :- (33)

شباك وفيقة في القرية/نشوان يطل على الساحة

ثم يقول عنه :-

العالم يفتح شباكه /من ذاك الشباك الازرق ( 34 )

ان الشباك يطل على واقع ريفي جميل هو عالم الذاكرة والبراءة ( الطفولة ، عالم الحب الريفي الخالص ، انه يشكل مع وفيقة رحلة نقية عذبة صارت تقترب من شفاه السياب كنوع من التعويض عن الاوجاع ، وتنوع من الهروب من واقع مرير . (35) وواقع لا يقبله الشاعر ابدا ، وهذا ما جعله ينتظر الحب ويتوقعه ويلح في طلبه ، فان من البديهي حين يجابه بالاخفاق ان يسخط ويخفق ويقول :-

أنت الفراشة ما تهوى سوى لهب

فليعشق الدم واللحم الاخساء

ولتشهد الكاعب الحسناء مصرعها

لو انها في الغد المنكود حسناء

وليست ثمة تناقض بين هذا الموقف وبين اقتناعه بان تطل الحبيبة على طرفه الباكي ، ولكنهما موقفان يعبران عن وجهين متكاملين لحالة واحدة ، تكشف عن الصراع الباطني بين تقاليد الشعر الرومانسي وحاجة جيل السياب الى الحب لا باعتباره حالة بيالوجية فحسب بل وباعتباره ملاذا من عالم التحجر والتخلف والضياع ، الامر الذي يؤكد بما لا يقبل الشك ، ان تقاليد الشعر الرومانسي لم تكن تمثل الحاجات الاصلية لجيل السياب ويفسر تخطي هذا الجيل لحدودها حال اهتدائه الى الرؤية الواقعية للحياة .(36)  وكمحاولة من الشاعر لخلق عالم طوباوي يبعده عن العالم الذي يضطهده ويتركه فريسة للمرض وطعما للموت فها هو يقول عن حبه الريفي وعن اكسير الحياة النابض بالاشواق في رسالة منه الى خالد الشواف مؤرخة في ( ابو الخصيب : 13/6/1946 ) :- (( انه الحب الريفي الخالص العريق في ريفيته ، يسف دون ان يلامس التراب ، ويسمو فلا يجوز السحاب ، هذا الحب الرائع تؤطره اجواء مروية من الطبيعة والازياء ، والاساليب من مواضع اللقاء وخلوات العزائم من ( مراحل ) اللذة ان نهايته المتوقعة ، زواج المعبودة ، او افتضاح الحب وليس الطائر في قفصه كل تلك تجعلني ابذل كثيرا من الوقت في سبيل هذا النوع الساحر من العشق )) (37) وليس كما اعتقد بعض النقاد من ان ( الشباك ذاكرة الخطيئة والشهوة والموت يصير لدى الشاعر طائرا اسطوريا يبشر بوحدة العالم وانسحابه ويضيع براءة الوجود تجاه الخطيئة واللعنة والخوف )) (38) ولأن وفيقة راحلة الى عالمه السفلي كما رحلت قبلها عشتار ، فانها تبدو كطائر محلق يشق عباب الموت ويطل على الشاعر من خلال صورة عشتار ، فوفيقة (( تحلم في اللحد / بالبرق الاخضر والرعد ، يناديها السياب بان تطل عليه ، وهذا نابع من احساس الشاعر بالألم والفجيعة وبانه لاحق بوفيقة :-

أطلي فشباكك الازرق

سماء تجوع

تبنيته من خلال الدموع

كاني بي أرتجف الزوارق (39)

ولأنه يخشى ظلمة الموت ، فقد حاول التعويض عنه بالبحر لكنه ظل مشدودا الى صورة عشتار ، والسياب لا يريد ان يموت ، انه يريد من يتذكره ، وهنا يكشف حب الشاعر العفوي الذي تحول الى شخصية وصولية للخلاص من شبح الانهيار والتلاشي اللذين يصارعهما ويذلانه ويرديانه طريح الفراش ، وبهذا تتحول وفيقة من حبيبة الى منقذة من وطأة المرض وهذا ما ينسجم مع طبيعتها الريفية وعفويتها القروية الطفولية(40) :-

وشباكك الازرق /على ظلمة مطبق

تبدي كحبل يشد الحياة/ الى الموت كيلا تموت ( 41)

هنا السياب هو الذي يتذكر الحبيبة ، فهو لا يكف عن الطلب إليها ، ونلاحظ ان فعل الأمر في قصيدته ( اذكريني ) يفترض وجود علاقة في الماضي ، غائبة في الحاضر والشاعر يطلب حضور هذه العلاقة أي عودتها ، ويستعمل الحجج في ذلك :-

فاذكريني واذكري قلبا بكى بين يديك  .

فالسياب يطل على الماضي من خلال التأثر به والرجوع اليه في بعض الأحيان  ، ويعلق عز الدين إسماعيل في مقاله ” الشعر المعاصر والتراث العربي ” :

(( يستغل السياب قصة الحب البدوي التي تردد في التاريخ العربي ، وهي قصة عنتر وعبلة )) :

ذاك عنترٌ يجوب

دجى الصحاري إن حي عبلة المزار (42)

كذلك هو يعتبر أن الماضي هو مفتاح للمستقبل ، فيطل عليه من نافذة الذكرى والحلم  ، ويعبر الى المستقبل عن طريق الذكرى والحلم ايضا، فانه لا يحلم بانه سيواصل الحبيبة وحسب ، وانما يحلم بها وهي تبادر الى وصاله ويروي على لسانها اشياء لا نستطيع تفسيرها الا بانها نوع من الأحلام ، ويكتب الحب هنا صفات القداسة ، وهذا ما يشكل المعبر للدخول إلى عالم الحب الروحي عند الشاعر ،

فالحب قد يبدو مقدسا من خلال ارتباطه بالحلم ، مما يحوله الى قوة الآهية ، انه لا يعود حالة يعيشها حبيبان ، وانما قوة ترعى الحبيبين ، هناك نرى المنى ، والحب والاحلام ترعانا .. ( 43)

غير ان صورة المرأة التي اشتهاها صبيا ، مراهقا وظل يبحث عنها في كل مكان لتنقذه من محنته وواقعه وآلآمه بعد ان تزوج إقبال في عام 1955 ، وكان هذا الزواج عاملا مهما في ترويض جموح عواطفه واندفاعها نحو الجنس والنساء ، يخلعه من الركض خلف المرأة التي يريدها ان تحبه لا ان تشفق عليه ، وبهذا ابتعد عن عقدة الشعور بالنقص نتيجة تواضع وسامته ، وقد احتلت اقبال مكانة متميزة في قلب الشاعر ورافقته في حله وترحاله

مثل ممرضة تسهر عليه وتداري سأمه وارتعاش اصابعه على العكاز ، بالرغم من تقلب مزاجه وقلق عواطفه

  

فكان ان فسح لها مكانا في شعره فمرة يدعوها باسمها الصريح ومرة يدعوها باسم الزوجة وقد ورد ذكرها في

قصائد المتأخرات ذات النضج الفني الواضح وبالذات في مجموعاته الشعرية ( المعبد الغريق ، منزل الاقنان ، شناشيل ابنة الجلبي ) ففي ( نبوءة ورؤيا )(44) يقول :-

أرى افقا وليلا يطبقان علي من شرفه

ولي ولزوجتي في الصمت ، عند لدودها وقفه (45)

وفي قصيدة ( الوصية ) يقول عن زوجته اقبال :-

اقبال يا زوجتي الحبيبة /لا تعذليني ما المنايا بيدي

ولست ان نجوت بالمخلد /كوني لغيلان رضى وطيبة /كوني له أبا وأما وأرحمي نحيبه ( 46)

  

هنا يكشف الشاعر عن أوجاعه وآلامه وإحساسه  بنهاية المطاف ، ان التذرع للزوجة بان تظل على الذكرى ، وان تمنح اطفاله الحب والحنان مما يعبر عن صدق عواطف الشاعر وأحساسه بالعجز امام سطوة القدر وأمام ذراع الموت التي توشك ان تمتد اليه ، انه يتذرع الى الحياة من خلال صورة الزوجة ، لكي يمنح نفسه نوعا من الاستقرار الذي يبعده عن الفزع المستوفز في دواخله ، لكنه عندما يصل الى النتيجة المذهلة بان الانسان غير مخلد كما كان طرفة بن العبد يرى مرغما ، وبانه لا محالة فان وان نجا من مرضه هذا ، فانه يلجأ الى الانتظار في قصيدة ( سفر ايوب ) حينما دعا زوجته الى الانتظار وهو يتقد على نار هادئة :- (47)

اقبال ….. ان في دمي لوجهك انتظار /وفي يدي دم ، اليك شده الحنين

ويقول ايضا :- ايه اقبال ، لا تيأسي من رجوعي /هاتفا ان اقرع الباب : عادا (48)

السياب يكرر مع زوجته ما فعله مع حبيباته في السابق ، فالشاعر يكرر فعل الامر أحبيني ، لكن هذه المرة مع زوجته اقبال ، قبل ان كان يدعو حبيباته في السابق ويطلب منهن الحب ، فهو يدعو زوجته لان تحبه لان كل من احبهن قبلها لم يحببنه ، وانما كن يشفقن عليه فصار يشك بحب زوجته له ، وانها تداريه وتسهر على صحته لمجرد الاشفاق :-

آه … زوجتي ، قدري ، أكان الداء

ليقعدني كأني ميت سكران لولاها ؟

وها أنا … كل من أحببت قبلك ما أحبوني

وأنت ؟ لعله الاشفاق !! (49)

السياب يجد ان اقبال هي مفتاح للخلاص ، وهو يتمنى ان تكون هي المرأة المشفقة عليه مع اننا نجده في بعض الأحيان يلومها لانها اصرت على العودة من لندن الى العراق ، وقد ساءت صحته بعد ذلك ، فتشاءم  واعتبر زوجته مسؤولة عن تدهور صحته ، وقد كتب قصيدة ( القن والمجرة ) في لحظة غضب من هذا الموقف :-

ولولا زوجتي ومزاجها الفوار لم تنهد أعصابي

ولم ترتد مثل الخيط رجلي دونما قوه

ولم يرتج ظهري فهو يسحبني إلى هوه

ولا فارقت احبابي (50)

اما قصيدة ( ليلة وداع ) التي اهداها الى زوجته وكتبها في الكويت بتأريخ ( 21/ 8/ 1964 ) فانها تختلف بعض الشيء عن القصيدة السابقة فهو يعبر عن حسرته على حياته وحنينه الى زوجته التي سهرت عليه الليالي حتى انه دعاها بانها باعثته من العدم (51) :-

غدا تأتين يا اقبال ، يا بعثي من العدم

ويا موتي ولا موت (52)

وان مرض الشاعر قد اضعف كثيرا من شعره ، الا ما كان من اطياف عابرة عاودته في اقبال وهو يكتب رسالة :

رسالة منك كاد القلب يلثمها

لولا الضلوع التي تثنيه ان يثبا

رسالة لم يهب الورد مشتعلا (53)

الشاعر في آخر حياته كثير التساؤل عن الوطن عن الابناء ، عن الزوجة ، كما نراه في قصيدة ( اقبال والليل ) يخرج التساؤل بين العراق والابناء والزوجة :-

يا ليل اين هو العراق

اين الاحبة ؟ اين اطفالي ؟ وزوجتي والرفاق

يا ام غيلان الحبيبة صوبي في الليل نظره

نحو الخليج تصوريني اقطع الظلماء وحدي(54)

ان صلة الشاعر مع زوجته إقبال كانت عبر مواطن الألم ولم تأت من الجسد ، وهكذا ابتدأ الشاعر  حياته بمناجاته لامه وكثرة تساؤلاته وحنينه وبحثه عن امرأة تعطيه حنان الأم التي فقدها منذ طفولته كما ذكرنا سابقا ، فهو احب العديد من النساء ، لكن لم يصل الى الاندماج الكامل مع اية واحدة منهن الا مع اقبال ، الزوجة التي كانت تمثل المرأة الأخيرة في حياته .

  

هوامش

  

*ولد الشاعر بدر شاكر السياب في جيكور بجنوب العراق ، عام 1926 ومات في الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1964 ، أي انه عاش نحوا من اربعين عاما . انظر رواد الشعر العربي الحديث ، يوسف نور عوض ، ص 157

  

  

•(1)             جلال الخياط ، الشعر والزمن ، ص59

•(2)             عبد الجبار عباس ، السياب ، ص15

•(3)             قيس الجنابي ، مواقف في شعر السياب ، ص 104

•(4)             قيس الجنابي ، المصدر السابق ، ص 104

•(5)             د. عبد العظيم رهيف السلطاني ، فسحة النص ( النقد الممكن في النص الشعري الحديث ) ، ص72

•(6)             عبد الجبار عباس ، المصدر السابق ، ص 15

•(7)             د. عبد الكريم حسن ، الموضوعية والبنيوية ( دراسة في شعر السياب ) ، ص 51

•(8)             عبد الجبار عباس ، المصدر السابق ، ص 17

•(9)             د. ابراهيم خليل ، مدخل لدراسة الشعر العربي الحديث ، ص300

•(10)        د. عبد الكريم حسن ، المصدر نفسه ، ص52

•(11)        محمد صالح عبد الرضا ، 27 قصيدة للسياب بخط يده ، ص31

•(12)        د. عبد الكريم حسن ، المصدر السابق ، ص52

•(13)        د. ابراهيم خليل ، المصدر السابق ، ص118

•(14)        د. عبد الكريم حسن ، المصدر السابق ، ص 53

•(15)        عبد الجبار عباس ، المصدر السابق ، ص 21

•(16)        حسن نجمي ، الشاعر والتجربة ، ص13

•(17)        د. عبد الكريم حسن ، المصدر نفسه ، ص58

•(18)        فوزي معاش ، مقال (حكايات عن السياب ، المثقف العراقي ، 28/1/2008

•(19)        د.ابراهيم خليل ، المصدر السابق ، ص30

•(20)        قيس الجنابي ، المصدر السابق ، ص 105

•(21)        محمد صالح عبد الرضا ، المصدر السابق ، ص52

•(22)        محمد صالح عبد الرضا ، المصدر نفسه ، ص 8

•(23)        ديوان الشاعر بدر شاكر السياب ( شناشيل ابنة الجلبي ) ص 600

•(24)        د. ابراهيم خليل ، المصدر نفسه ، ص 300

•(25)        بدر شاكر السياب ، المصدر نفسه ،  ص 62

•(26)         (26)ديوان الشاعر ، ج2 ،ص30    

•(27)            (27)المصدر نفسه ؛ ج2 ، ص 150

(28)قيس كاظم الجنابي ، مواقف من شعر السياب ، ص 106

(29)ديوان بدر شاكر السياب ،  ج1 ، ص 172

(30)قيس كاظم الجنابي ، المصدر نفسه ،  ص 106

(31)قيس الجنابي ، مجلة افاق عربية ( بغداد ) ،( بين شاذل طاقة والسياب) ، العدد 2 ، السنة 11 شباط 1986 ، ص 69

(32)المصدر نفسه ،  ج1 ، ص 109

(33) قيس كاظم الجنابي ، المصدر السابق ، ص 107

(34)ديوان بدر شاكر السياب ، ج 1 ، ص 117

(35)قيس كاظم الجنابي ، المصدر نفسه ، 108

(36)عبد الجبار عباس ، المصدر السابق ، ص 24

(37)قيس كاظم الجنابي ، المصدر نفسه ، ص108

(38)امطانيوس ميخائيل ، دراسات في الشعر العربي الحديث ، ص 66

(39)ديوان بدر شاكر السياب ، ج 1 ، ص 117

(40)قيس كاظم الجنابي ، المصدر السابق ، ص110

(41)المصدر نفسه ، ج1 ، 117

(42)د.فاروق مواسي ، مجلة ديوان العرب ، 10/آب 2006

(43)د. عبد الكريم حسن ، المصدر السابق   ، ص72

(44)قيس كاظم الجنابي ، المصدر السابق ، ص 112

(45)ديوان بدر شاكر السياب ، ج1، ص165

(46)المصدر نفسه ، ج1 ، ص 221

(47)قيس كاظم الجنابي ، المصدر نفسه ، ص103

(48)المصدر نفسه ، ج1 ، ص 253

(49)المصدر نفسه ، ج1 ، ص 642

(50)ديوان الشاعر  ، ج1 ، ص 166

(51)قيس كاظم الجنابي ، المصدر السابق ، ص 115

(52)المصدر نفسه  ، ج1، ص 711

(53)د. حمادي حمود ، د. جواد علي الطاهر ، الشعر ومتيرات المرحلة ، ( الشعر والتراث ) ، ص 89

(54)المصدر نفسه ، ج1، ص 761

http://www.alnoor.se/article.asp?id=45065