في ذكرى غياب السياب اليوم ..يتجلى حضور الشاعر والروائي أسعد الجبوري ففي بريده الافتراضي الذي بدأ يشكل كشفاً وظاهرة فريدة وطريقة جديدة في الحوارات الاستثنائية، بحيث يبدو وكأنه لوناً جديداً من ألوان الأدب ..حيث يخوض الكاتب في العوالم السفلية – العلوية ،مُحركاً الجثث الهامدة بقوة لغته وبراعة أسلوبه وحواراته الذكية وأسئلته المباغتة والمستفزة .بعد ان ينتقي شخصية مميزة من اعلام الشعراء العرب والأجانب، فيبدأ بفتح ملف تلك الشخصية بعد ان يشرح موقف اللقاء بها والجلوس او السير معها .مختاراً مكاناً يلائم تلك الشخصية واصفاً تعابيرها وسلوكها في لحظات اللقاء .

فها هو يتجاذبُ الحيرة مع الدهشة مع الجنون مع البدع التي تم تشريعها من قبل شاعر، طالما سُمّي بعاشق الصوفيين “عبد الوهاب البياتي ” فيصف مكان ولحظة لقائه به ” كان واقفاً على جهاز طابعة قديمة من طراز «رونيو»، وهو يسحب الأوراق مطبوعةً بقصائده التي كان يقوم بتوزيعها على المارّة من نزلاء تلك المنطقة الباردة. كان الشاعر عبد الوهاب البياتي في تلك الأثناء منشرحاً بكثافة لم نألفها به على الأرض. كان إلى يمينه جمهرة من شعراء مربوطين بأصفاد حديد وكلبشات. وإلى يساره كتّاب ونقاد وغاوون ينتظرون الاستماع إلى صوته وهو يملأ وادي العقارب. ”

.ويبدأ مع الشاعر رحلته باختيار مجموعة من الأسئلة الدقيقة والذكية والموجزة ..ويحيل الجواب غلى نفسه بشكل يتيح له الفرصة للإسترسال بالأسئلة والأجوبة ،دون أن يشعر القارئ أن الجبوري يسأل ويجيب .بل يستحضر روح الشاعر التي تبدو حيّة ترزق ،وكأنها بركان اغلقت فوهته وفتحت للتو في العالم الآخر حين يخوض الجبوري في عمق الشخصية ويستخرج عوالمها الباطنة ببراعة نبي أو ساحر ،فيتوسع حتى يشمل كل مزاياها التي كانت ظاهرة او مستبطنة مستعرضاً كل قوته التعبيرية ولغته الجميلة وخياله الخصب والفاظه الجذلى وجمله الأخاذة .

مُستخرجاً خبايا لم تكن معلنة عن الكاتب من قبل، كتلك الخبايا التي كتبها عن السياب والتي اكد أصدقاء السياب الحميمين دقتها. ففي هذا المقطع حين سأل الجبوري السيابَ عن قصيدة النثر وعن نازك الملائكة والبياتي ولميعة عباس كانتالأسئلة و الإجابات صادمة

ـ وغرامك بها، ألمْ يكن حقيقة ؟

– الحقيقة أن لميعة كانت تفصل العشاق على مقاسها الوهمي الخاص. فهي ،إن صادفت تمثالاً في شارع ما ، قد لا تتواني عن الادعاء، بأن حجر ذلك التمثال هاج حباً بها وماج. بل وربما يكون قد غمزها أيضاً !! .

– تعني بأن أحداً لم يقع بحب لميعة مثلاً؟

– لا أعرف بواطن تلك المرأة ولا أزقتها. كنت مشغولاً بالمرض وبالعمل والبحث عن القوت وتصحيح بعض قصائدها.

– لدرجة أن تدير الظهر للحب؟

وحين يبدأ الجبوري حواره يمتلك القدرة الكبيرة بجعل القارئ ينسى ان الكاتب هو نفسه من يجيب على الأسئلة التي يطرحها ..إذ ليس من اليسير أبداً ان يتقمص الكاتب شخصية المُحَاوَر ويستخرج كل خباياه وينبش ماضيه وأمانيه وعثراته ،إن لم يكن ذو إحاطة واسعة بأدب ذلك الشاعر ومحيطه وبيئته والعوامل الداعمة والمحبطة لمسيرته الأدبية.

فالطرق التي يستخدمها الجبوري تتطلب المزيد من الجهد والبحث والمعرفة ،ليتمكن من ابتكار جو يشبه جو الشاعر نفسه ،حيث يتعمق بدراسة شخصيته من كافة جوانبها وخباياها ومعتقداتها وانعكاسها على ادبه.فيطلق الجبوري أسئلته بشكل يربط الأنفاس باستنتاجاته المرتبطة بالدراسة السيكولوجية لنفسية ذلك الشاعر الذي تم اختياره ،حتى ليعجز القلم عن اختيار مقطع من تلك التحليلات التي كلما قرأت احدها، باغتك بأجمل منه بحيث لايمكنك ان تفر من قراء ة اي جزء من ذلك البريد الاستثنائي الذي تجاوز رسالة الغفران للمعري .فالجبوري يحرك شخوصه بفنتازيا غرائبية ويدخل فضاءاتهم الغامضة متلاعباً بالزمان والمكان ويدهشنا بحواراته المتينة وحبكتها القوية التي لاتقبل الخطأ .فلننظر إلى هذا الحوار بينه وبين الشاعر البصري محمود البريكان:

ـ س / لكنكَ لم تكن منفتحاً على عوالم الدنيا بالقدر الذي يؤهلك لأن تكون مخزناً لأحداث الأرض وآلامها المباشرة.كنت مُنطوّياً وبعيداً :العالمُ على ضفة وأنت على أخرى !

ـ ج / لكن التقوقع الذي كنتُ استبدّ به نفسي آنذاك،لم يؤثر على مسيرتي في إبصار العالم وخزن أشلاءه في رأسي.كانت نظارتي عبارة عن كاميرا ديجيتال بعدستين،تلتقط وتؤرشف حتى أدق الأشياء حساسية وبعداً.

ـ س/هل نجد فيها موضوعات تخصّ البريكان ذاته أيضاً؟

ـ ج/ حاولتُ أن أقتحمَ نفسي وفشلتُ بتحويلها إلى فيلم.

ـ س/ولم تطلب مساعدةً من سيغموند فرويد ؟!!

ــ ج/ لو كنت أبحثُ عن بطاقة تؤمن لي رحلة إلى الفردوس،لذهبتُ للطبيب النفسي دون تردد.

ـ س/بمعنى أنك كنت تفضل الجحيم ؟!!

ـ ج/ لا أعرف إن كان المكان الآخر يدعى بهذا الاسم.

ـ س/ الشاعر محمود البريكان أشبه بجدار على الأرض .أو ربما هو أحدُ أهم الحيطان التي كانت صامدةً في منزله هناك. هل ما زلتَ تعيشُ الوضعَ ذاتهُ هنا ؟

ـ ج/ السماءُ هنا، لا تسمحُ بالصمت .

ـ س/ معنى ذلك أنك تحررتَ من السكون الذي كان يشكلُ خلاصة وجودك على أرض البصرة؟

ـ ج/ لم يكن صمتي طقساً بالمعنى الدقيق،ولكنه كان تعبيراً عن معاركَ الباطنِ المنفلتة التي كنت أخافُ حيواناتها الشرسة .

ـ س/ وتركتها تحتلُ جميعَ مراتب القصيدة؟

ـ ج/ الشعرُ عندي كهفٌ للاعتكاف.وكان علىّ أن أتخمر بداخل أحواضه كما تلك الأعناب التي يقفل عليها الزمنُ أبوابه من أجل صناعة نبيذ فاخر،لا يترك في الجسد غير تلك الثمالة السحرية.

ـ س/ وهل وصل البريكان إلى مرحلة التصوف بالطريقة التي اختارها؟

ـ ج/ أنا مؤمن بالعدم، ولم أكن متصوفاً.صحيح أنني أعاني من الاختلاط بين ما هو ظاهري وباطني،لكنني في حقيقة الأمر لم أتخلص من رعب كان يسكنني.

من هنا ..يربطُ الجبوري ما بين الأحداث الماضية بالحاضر ،ليخلق وثيقة جديدة ينكأ بها الجراح دون ان يجرح .ويضع الشاعر على كرسيّ الإعتراف ،ويجعله يطلق العنان للسان الشاعر بأسئلته الذكية ،حتى تراه بطلاً لتلك الرحلة الخيالية التي يترك من خلالها الكثير من الأسئلة حول شعراء رحلوا ومازالت آثارهم مفعمة بالأسرار ،مما يترك في اذهاننا الكثير من الأسئلة للدراسة والمراجعة وإعادة النظر من خلال قدرته التحليلية الشمولية .وكذلك ليترك لنا فناً مبتكراً تجاوز به الأسلاف ممن خاضوا رحلات خيالية افتراضية أمثال ((أبو العلاء المعري ودانتي)) حتى بات يستحق لنا أن نسميه وبجدارة ” بر يد السماء الجبوري ” .