هذه واحدة من اعظم مراثي الشعر العالمي الحديث كتبها، عام 1964، الشاعر الروسي جوزيف برودسكي، يرثي فيها واحدا من مؤسسي الشعر الميتافيزيقي الانكليزي جون دُن (1572- 1631). والغريب انها كتبت في ظل ظروف صعبة إذ تم اعتقاله وقُدم الى المحاكمة بتهمة الطفيلية والكسل. وعندما سأله القاضي عن مهنته، أجاب برودسكي: “أنا شاعر”. فسأله القاضي: “لماذا ترفض أن تعمل؟” أجاب برودسكي: “أنا عملت. كتبت قصائد”. وعنده حق: فكتابة 200 بيت، كما كتب احد النقاد، ألا يعتبر هذا جهدا جبارا أعظم من عمل عشرات المنخرطين في العمل الإجباري الذي فرضه المجتمع “الشيوعي” على مواطنيه. في هذه القصيدة الملحمة، يغيّر برودسكي أسلوب المرثية من خطاب موجَّه… إلى مساءلة تختلط فيها الأنا والأنت، بل تصبح المرثية مرآة تتراءى على سطحها حياة الواقع كموت؛ كنوم؛ نوم مطلق.. وهكذا يخلّص المرثية من كونها سردا جنّائزيا لتبيان محاسن الميت أو مساوئه، كما عودتنا المراثي السابقة… ليجعل منها شهادة على أن الموت هو هذه الحياة القائمة. ورغبة منا تقديم أفضل التراجم الشعرية التي كانت تنشرها المجلات والجرائد العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، تراجم حتى لو لم يُتوخ في بعض الأبيات الدقة التامة، تبقى ذات شحنة شعرية تغفر مترجمها إذا ارتكب خطأ… هنا، الترجمة العربية لمرثية برودسكي هذه كما نشرتها مجلة توفيق صايغ “حوار” (مارس/ ابريل 1965)، مع تصحيح بعض الأخطاء المطبعية.

جوزيف برودسكي: مرثية الى جون دُن


جون دُن نام. كلّ ما حوله نام.
نامت الجدران، والأرض، والسرير، والصور،
نامت الطاولات، والسجادات، والمزاليج، والخُطّاف،
ومقصورةٌ بما فيها، وخزانة، وشمعةٌ، وستائر،
كلّ شيء نام. القناني، والأكؤس، وأحواض المياه،
والخبز، وسكّينة الخبز، والخزف، والبلّور، والصحون،
ونوّاصة الليل، وخزائن الملابس، والثياب الداخلية، والزجاج، والساعات،
والأبواب، والخطى على الدرج. والليلُ في كل مكان
في كل مكان الليلُ: في الزوايا، في العيون، في الشراشف،
بين اكداس الورق، في الطاولات، في خطبةٍ مجهّزة،
في كلماتها، في الخطب، في الملاقط، في الفحم
في موقدٍ باردٍ، في كلّ شيء.
في صدرةٍ، في خفين، في جوارب، في ظلال،
خلف المرايا، في الفراش، في ظهور الكراسي،
النوم في المغاسل، في الصليب، في الملاءات،
في مكنسةٍ عند المدخل، في الأحذية. الكلّ نام.
كل شيء نام. الشبّاك. والثلج في الشبّاك.
الانحدار الأبيضُ في السطح المجاور، مفروشا كمائدة،
مزلجُها. وحي بكامله نام.
يقطّعه، يميته،، اطارُ النافذة.
نامت الأقواس، والجدران، والنوافذ، كل شيء نام.
الصخورُ، والأخشابُ، والعرائشُ، والمشاتل.
لا حفقة من ضياء، لا صريف لعجلة.
الحواجزُ، والقيودُ، والأوسمةُ، والقبور.
نامت الأبواب، والحلقات، والمقابض، والعقاقيفُ،
والأقفالُ، والمزاليج، والمفاتيحُ، والعوارضُ.
لاهمسة، لا حفيف، لا طرق باب.
الثلجُ وحده يُزَيْزِق. نام الجميعُ. لن يبزغ الفجر عمّا قريب.
نامت السجونُ والقلاع. نامت الحراشف
في دكّان بيّاع للسمك. الرجالُ السمان النعسانون ناموا.
البيوتُ، وساحاتُ البيوت. نامت الكلاب المزبدة.
نامت الهررةُ في الشقق الأرضية، وآذانها بارزة.
نامت الفئرانُ، والرجالُ، وغطّت لندنُ في نوم عميق
نام المركب الشراعي في الميناء. الماءُ من تحته، الماءُ
والثلجُ، نام وأزرقّ،
واندمج بالمساء النائم في البعيد
جون دُن نام. والبحر معه
والساحلُ المبيضّ فوق البحر نام.
نامت الجزيرةُ بأسرها غلبها النومُ وحده.
وأغلقت كلّ حديقة بقفلٍ وقفل.
ونام الاسفندان والصنوبر والشوح الكبير والصفير.
ونامت سفوحُ الجبال، والجداولُ عند السفوح، والشعاب.
والعصافير الصغيرة. ودبّ دبٌّ لفراشِه.
يتراكم الثلج أمام الجحور.
نامت الأطيار، لا يُسمع لها غناء.
لا يُسمع صوتُ غراب، صوتُ ليل
لا يُسمع ضحكُ بوم. سهلُ انكلترا صامت.
تتألق النجمةُ. يمشي الفأر مغلوبا عليه.
كل شيء نام. الأموات يستلقون في التوابيت
ينامون بسلام. الأحياء ينامون في الفراش.
في بحار من ثياب النوم.
فرادى. يغطّون في النوم. ينامون متعانقين.
كلّ شيء نام. نامت الأنهار، والجبالُ، والدِغال.
نام الحيوان، والطير، وعالم الأموات، والأحياء.
وحده الثلج الأبيض ينبثق من سماوات المساء
لكنهم ناموا، أيضا هم، فوق كل الرؤوس
نام الملائكة. عالمٌ قلقٌ غاب عن
فكر المطوّبين – ويا لعار المطوّبين.
نام الجحيم، والنعيمُ الرائعُ.
لن يترك البيتَ إنسانٌ في هذه الساعة.
نام الإله القدير. الأرض إنسان غريب.
الأعين لا ترى، والسمعُ لا يُصيخ.
والشيطان نام. ومعه النزاعُ
نام في الثلج على حقل انكليزي.
الخيّال نام. نام رئيس الملائكة وفي يديه بوق.
نامت الخيل. رشيقةً في نومها تتمايل.
ونام الكروبيمُ، ناموا جميعا، زرافات
يتعانقون، ناموا تحت قبة كاتدرائية بولص.

جون دُن نام. نام، نام القصيد.
كلّ الأشكال، كلّ القوافي. لا توجد القوية
والضعيفة. الرذيلةُ، الملالُ، الخطايا،
صامتةٌ كلّها، منبطحةٌ في المقاطع.
وكلّ بيت مع الآخر، كشقيق حميم
مع انه ينادي الآخر: اقترب إليّ أكثر،
كلّ ٌ بعيدٌ بعيدٌ عن رتاجات النعيم
كلّ ٌ فقيرٌ، نظيفٌ، ففيها وحدة تنتظمها.
نامت الأبيات جميعا. نامت الأوزان،
هذي وتلك، كحرّاس، عن شمالٍ، عن يمين.
ونامت فيها رؤى مياهٍ عتيقة.
وغطّ المجدُ في النوم من ورائها.
نامت كل البلايا. غطّ في النوم الألم.
نامت الرذائل، والرحمةُ والاثمُ في عناق
نام النبيّون. الثلجُ المبيّضُ المتساقط في المدى
الشاسع يبحث عن بقاعٍ سوداء مهجورة.
كلّ شيء نام. غطّت في نومها حشود الكتب.
نامت جداول الألفاظ، يغطّيها جليد السَهْو.
نامت جميع الخطب، وما فيها من صدقٍ وحقّ.
نامت قيودها. زرادتُها برفقٍ تجلجل.
نام الجميع، نوما عميقا. الطاهرون، والشيطانُ، والإله.
خُدّامهمُ الأشرارُ. أصدقاؤهم. أولادُهم.
وحده الثلجُ يخشخش على الدروب المعتمة.
وليس صوتٌ آخر في العالم كله.

لكن اصغِ! استمع: هناكَ، في الظلمة الصاقعة،
صراخُ شخص، شخصٍ يوشوش مذعورا.
هناك شخصٌ تركوه يواجه الشتاء،
يصرخُ. هناك شخصٌ في الظلام.
الصوتُ خافت. خافتٌ كإبرة.
وليس خيط. وحيدٌ هو
يسبحُ في الثلج. بردٌ في كل مكان. ظلمةٌ دامسة.
تخيط الليلَ بالفجر… عاليا جدا.
“مَن هناك، ينشجُ. أ أنت يا ملاكي،
تنتظر الرجوع، تنتظر تحت الثلج،
كسنوات حبّي. تؤوب في الظلام.
ألستَ أنت الصارخ في الظلام”. – وما من جواب.
“ألست أنت هناك يا كروب. صوتُ هذي
الدموعِ ذكّرني بجوقٍ حزين.
أ قرّرت هجرَ قصري النائمِ
على حين غفلةٍ، هكذا. ألست أنت. لست أنت”. – سكوت.
“ألستَ انت، يا بولص. صحيحٌ أن صوتكَ
قد اخشوشن لجهامة خطابك
ألست أنت الصارخَ هناك، ولحيتك الشائبة منكسرة الخاطر”.
لكنما الصمتُ يهرع للاجابة.
“أليست تلك اليد التي تلوح
هنا هناك التي اسدت على البصر الظلام”.
“ألست أنت، أيّها الاله القدير. ربما اشتطّ فكري،
لكنما الصوتُ الصارخُ صوتٌ مرتفع”.
صمتٌ. سكوت؟ – “ألست انت، جبرائيل،
نفختَ في البوق، بينما ينبحُ شخصٌ عاليا.
لكني فتحت عينيّ، انا وحدي،
والفرسان يلجمون جيادَهم.
كلُّ شيء نام، نوما عميقا. في عناق وثيق مع الظلام.
والكلاب تندفع من السموات زرافاتٍ
ألست أنت، يا جبرائيل، وحيدا في الظلام
في منتصف الشتاء، في يديك البوقُ، تنشجُ”؟

لا، هذي أنا، روحك يا جون دّنّ.
هنا في عليائي في السماء أتفجّعُ وحدي
لأني بعناءٍ ابتدعت
مشاعرَ وأفكارا ثقيلة كقيود.
بهذا الحمل تستطيع أن تطير
بين العواطف، بين الخطايا وأعلى.
كنتَ طيرا ورأيتَ بني شعبك،
في كل مكانِ، جميعا، وانت تنطلق فوق السطح المنحدر.
رأيتَ كلّ البحار وكلّ ما بعدها من اراض.
رأيتَ الجحيمَ – في ذاتك ومن ثمّ في الواقع.
وبالوضوح نفسه رأيتَ النعيم البهي
في اتعس الأوضاع طرّا والعواطف
رأيتَ الحياة، كجزيرتك.
ومع اليمّ هذا أيضا لقيت
الظلمة من كلّ جنب، الظلمةَ فحسبُ والزعيق.
وفي طيرانك اجتزتَ الاله، وهرولتَ راجعا.
لكن هذا الحملَ لن يسمح لك بجوْب الأعالي،
حيث هذا العالمُ – مائةُ برجٍ فحسب
وبضعةُ أشرطةٍ من جداول، وحيث، أن نظرتَ من اعلى
وجدت هذا الحكم المخيف يكاد لا يخيف.
والطقس في تلك البلاد لا يتبدل،
من هناك كلّ شيء يتراءى حُلُما مرهَقا عليلا.
من هناك الالهُ – نورٌ ليس إلا في نافذة
في أبعد البيوت في ليلة اشتدّ فيها الضباب.
قد توجد الحقول هناك. لكنها لم تعرف الحرث.
لم تُحرثْ منذ سنين/ لم تحرثْ منذ قرون.
وحدها الأحراجُ هناك، قائمة كأسوار.
وحدها الأمطارُ تطفر في الحشائش الهائلة.
هذا الحطّاب المبكّر، يرتطم حصانه الهزيل بها.
يضلّ الطريقَ في الغابة المرعبة،
ويرتقي شجرة الشربين، ومن هناك يرى
نارا في أرضه، هناك، في البعيد.
كلّ شيء، كلّ شيء في البعيد
وهنا الأرضُ لا تبدو بوضوح،
وتنساب النظرةُ الهادئة فوق السطوح البعيدة.
هنا الجوّ مشرقٌ، ولا صوت نباحٍ لكلب،
ولا يُسمع دقُّ أجراس أبدا.
وسيُدرك أن كلّ شيء في البعيد.
وفجأةً سيتحوّل للغاب بحصانه،
وينقلب في لحظةٍ، هو والعنان، والمركبة، والمساء،
والحصان الحزين – ينقلب الجميع حلْمَ توراة.
وأصيح، أصيح: ليس من طريق،
مقضيٌّ عليّ أن أعود صخرا.
لا استطيع الذهاب لهناك بالجسد.
ميّتا فحسبُ مقصيٌّ عليّ الارتقاء لهناك.
أجل، أجل، لوحدي، وأنساكَ، يا ضيائي،
في الأرض المبلّلة. أنسى للأبد، وأتحرّكُ
نحو العذاب، عذابِ رغبةٍ لا تُحقّق.
كيما اخيط بجسدي، اخيطَ الفراق.
لكن اصغِ! بينما اعكّر بنحيبي هنا
راحتَك، ينطلق الثلجُ في الظلامِ، لا يذوب،
يخيطُ فراقَنا هنا،
وتنطلق الإبرةُ، أماما وخلفْ.

لستُ أنا الذي يبكي. انت تبكي، يا جون دُن.
انت تستلقي وحيدا. والصحون هناك في الخزائن،
طالما الثلجُ يسقط على المنزل الغافي،
طالما الثلجُ يسقط من هناك إلى الظلام.
ينام في عشّه، مثل طير،
مودعا أبدا تلك النجمةَ التي تحجبها الآن سحابة
مسلكـَه الفاضلِ
وظمأَه لحياةٍ أفضلَ.
مثلَ طير. روحه نقيةٌ،
ومسلكـُه الدنيويّ، ولو أنه يُظنّ آثما،
على الفطرة، أكثر من عشِّ قاق
فوق حشدٍ اغبرَ من صناديق أعشاشٍ خاوية.
سيستيقظ أيضا خلال النهارِ، مثلَ طير.
والآن يستلقي تحت البساطِ الأبيضِ،
إلى أن يُخاط مع الثلج، يُخاط مع النومِ
ذاك المدى بين الروح وبين الجسد النائمِ.

كلّ شيء نام. لكن قصيدتين ثلاثَ قصائدَ تنتظر النهاية
تضحكُ بفم مفلّج الأسنان
من أن الحبّ الدنيويّ واجب الشاعر،
والحبّ الروحيّ جسدُ الراهب
ما همّ على أي دولابٍ تصبّ هذي المياه
فهي تطحن الخبزَ ذاته في هذا العالمِ
إن كان بوسعنا أن نقتسم الحياة مع أحد،
فمن يقتسم الموت وإيانا.
ثمة ثقبٌ بهذا النسيج.
كلّ من يشاء، يمزّق.
من كلّ الجهات. يروحُ. يعود.
مَزْقٌ جديدٌ! والجَلَدُ وحده
يأخذ أحيانا إبرة الخيّاط في الظلام.
نمْ، جون دُنّ، نمْ. نمْ عميقا. لا يتولاك العذاب.
القباءُ مخرّمٌ، مليءٌ بالثقوب. يتدلّى حزينا.
فلربما اطلّت النجمة من وراء سحابة
ابقت عالمَك محجوبا هذي السنين الطويلة.

نقلا عن مجلة "حوار" (بيروت - مارس/ ابريل 1965)

عبد القادر الجنابي

ترجمتها عن الأصل الروسي
آزا حديديان، وتولى سبكها عبدالرؤوف دمياطي