(2)

كان صباح المدينة التي وصلها الماوردي فجراً متجهماً كوجه شخص خارج لتوه من مسلخ لذبح الحيوانات. فالشتاء يمشي على قفاه في الشوارع. والبرودة مؤثرة ،تبثّ الهواء في الرئة على هيئة نشارة ألمنيوم. فيما الناس كتل متحركة، لا يمكن الكشف عن هوياتها من كثرة الأغطية التي تَلّفُ الوجوه و الأجساد.‏

“أين أنتَ الآن أيها المُهرّب الدولي؟”‏

قالها الماوردي وهو يحثُ الخطى نحو ذلك الزقاق التي أخذت هندستها شكل الأمعاء الدقيقة من مدينة شبه فارغة.‏

– حتماً. سيكون غارقاً في تخته الوثير، وهو ينحت ببقرتهِ السمينة قبل الخروج للعمل!‏

– كلا. فعادة المهربين ليست هكذا. إنهم ينامون خارج بيوتهم من أجل الطوارئ.‏

– اخرس يا ماوردي. فأنتَ لا تفقه شيئاً. فقد يكون عنوان المُهرّب خطأً. أو قد يكون انتقل إلى منزل جديد. أو قد يكون مطارداً من قبل مفارز الاستخبارات. لكثرة ما هرّبَ من بشر معارضين ومطلوبين إلى خارج الحدود. أو قد تكون زوجته قد قتلتهُ للاستئثار بأمواله.‏

“اللعنة على حظك يا ماوردي”.
قالها وهو يضغطُ بإصبعه على زر الجرس.‏

بعد لحظات.. انشق البابُ عن فتاة في العشرين من العمر وهي ترتدي قميص نوم أحمر أو خمرياً. المهم أنه بلون الكاجب، وقبل أي سؤال، سرعان ما سحبتهُ من يده وأدخلته غرفة الضيوف، الأمر الذي أربكَ الماوردي وأعادهُ ثانيةً إلى حالة الكاجب التي داهمته البارحة في القطار.‏

فتزوبع قلبهُ من هذا التصرف الفجائي الذي لم يحسب له حساباً.‏

“أهو بيت المُهرّب حقاً؟ أهي ابنته؟ أخته؟ أم منْ؟
وأين المُهرّبُ بعد انقضاء ساعة من الانتظار وحيداً في غرفة الضيوف؟”‏

– أهلاً. حيّتهُ الفتاةُ وهي تقدم له القهوة مع ابتسامة لا غبار عليها.
((قد يتأخر زوجي بالوصول إلى البيت بعض الشيء، و لكن لا تقلق فكل شيء سيكون على ما يرام. اعتبر نفسك في بيتك. خذ حريتك في التصرف بكل شيء )).‏

– و لكن يا سيدتي..‏

– لا تكمل الحديث. فنحن نعرفُ عنك كل شيء، فالشخص الذي سلّمكَ عنوانَ بيتنا، لم يبخل علينا بالمعلومات. اسمعْ. أنتَ تخدمُ بلدك بالهروب من الفاشية. و نحن نخدمُ بلدنا بتهرّيبكم منها. هذه نظريتنا التي نروّج لها: نُفرّغ البلد من الحطب. بعد ذلك لتُشعلَ الديكتاتوريةُ النارَ في ثيابها.‏

– هذه نظريةٌ فاخرة …‏

– أرجوكْ. الكلام لا يناسبُ وضعك النفسي الآن. قمْ معي لأدلك إلى الحمام، فالدشّ الساخن قد يروض مخاوفك، ويجعل منك رجلاً صالحاً. هيّا !‏

دخل الماوردي الحمام. وعندما استلقى في البانيو الأزرق ،وأدار مفتاح الدُّشّ، شعر بتدفق وثقل المياه على رأسه وكأنها نفط خام. حاول أن يصرخ لكي يزيح الجبال التي كانت تستقر على صدره، لكنه عجز عن تحريك قطعة الصابون من مكانها.‏

– ما الذي يحدث بربّ السماء؟‏

قالها الماوردي قبل أن يسقطه نائماً في البانيو، بفعل حبة المنوم التي وُضعتْ له في القهوة، كأسلوب للقضاء على الخوف والتوتر العصبي العالي الذي كان يسيطر على كيانه!
نام المسافرُ في الحمام مسترخياً وسط فقاعات الشامبو المليونية بلا حراك. ، بعدها نُقلَ إلى السرير الخاص به في أحدى غرف النوم.

عند حلول الساعة الثامنة مساءً، دخلتْ سيدةُ المنزل غرفة نومها. أنارتْ الضوء متجهةً نحو السرير الخرافي الكبير الذي يحتلُ مساحة كبيرة من المكان، وربما أقل بقليل من المساحة التي يحتلها العطرُ في الغرفة الملوكية.‏

“إنه النائم، وقد حلّت عليه اليقظة لتناول العشاء مع الضيوف في الصالة المخصصة لمثل تلك الأغراض؟”‏

استفاق الماوردي بمجرد انتشار الضوء في الغرفة. وجد جسده النحيل بين أغطية حريرية و شراشف و مخدات، تبرق كلها بلون البحر. أما جسده، فقد وضع في دشداشة بيضاء فضفاضة، وبلا ملابس داخلية.‏

“اللعنة عليك يا ماوردي. من جاء بك من الحمام إلى هذه الجنة؟”‏

“ومن وضعَ جسدك العاريّ داخل هذا الكيس الحريري الأبيض؟”‏

تدفقتْ الأسئلةُ كما الدماء الساخنة إلى جمجمته. إلا أن سيدة المنزل، سرعان ما انتزعتهُ من السرير. فمشطت له شعرهُ أمام المرايا التي تتلألأ عليها صورةُ سرير النوم من جميع الاتجاهات.‏

بعدها فتحت إحدى الخزائن المحفورة في الجدار، لتتناول منه وشاحاً أحمر اللون، لفته حول عنقه على شكل ربطة. وما أن تم الانتهاء من مراسيم الهندسة.. خرجتْ به سيدةُ المنزل،لتدخل قاعة الطعام، وهي ممسكة بالماوردي من يده على طريقة الكونتيسات، فنهضتْ النسوةُ الخمس من مقاعدهنّ لتحيته.‏

كانت الصالةُ حارّة. النساء بفساتين من الموسلين الأسود الذي تتطاير من خلاله الأنوثة المفزعة. والمقاعد من الكراسي المشغولة بالمخمل المائل إلى اللون البنفسجي. أما الجدران الأربعة، فقد غطتها الستائر السميكة من كل مكان، عدا الجهة التي يقع فيها موقد التدفئة الحطبي الذي يستقر فوقه تمثال من العاج الأسود لتمساح ضخم.‏

“أين أنت يا ماوردي؟ وما الذي يحدث لك من خرافات في هذا المنزل؟”‏

“أنتَ في الفردوس يا ماوردي. فلمَ تصفُ بلاد (العُلجُوم) بالجحيم؟”‏

“هذه النساء يُكذبنكَ. وهذه المائدة تُكذبك. وهذا البطر والفنتازيات، لا تجعل منك كذّاباً وحسب، بل أفاقاً. فلماذا تحاولُ الفرار من النعيم الذي أمامك؟ هل سيكون المنفى أعظم مما أنت فيه يا أبن…؟”‏
جلس الماوردي إلى الطاولة في مكان الصدارة. كان كرسيّه مختلفاً عن بقية المقاعد. من خشب الزان المزخرف بالصدف. له يدان، وقد تم تنجيدهُ بجلد نمر. فيما جلست سيدة المنزل إلى يساره، وهي ترتدي فستاناً حريرياً أبيض، نهايته السفلى مكشكشة. فيما كانت نهود النساء تتلألأ كمصابيح الفنارات خلف الثياب. أما شفاههن، فشلالات من عصير الكرز.‏

“ماذا ستأكل أولاً يا ماوردي: البط المحشو أم النساء المحشيات بالأنوثة الطاغية والرغبات التي تفوح من بقاع أجسادهن كالياسمين؟”‏

أحسَّ الماوردي بأن دماغه يكاد يسقط أمامه على الطاولة مثل كتلة نار. ودون شعور منه، امتدت يده لتلتقطَ قنينةَ من العرق الزحلاوي. فتحها و كرعَ منها الربع مباشرة. أحستْ النساء بأن شيئاً ما حطم وقارَ الجلسة،مما جلبَ لهنّ بعض الرواق و البهجة. كأس من العرق يكسر عفة الصمت. فما الذي يكسّرهُ لترٌ منه؟ قال ذلك في نفسه، وهو يستعرض مقاطعات الجمال التي أمامه.‏

و بدأت كؤوس الخمر دورتها الأولى على الجميع. تلك أفضل طريقة.‏

“وبخمر النسيان.. نستطيع أن نحافظ على قطع غيار العقل، قبل أن يتم استهلاكها بأفكار الجملة العصبية بشكل مبكر .”‏

“ولكنه مضرّ بالصحة يا ماوردي.”‏

” ومن قال بأننا عبارة ثابتة بقاموس صحة بلاد العُلجُوم أصلاً!!”‏

قال ذلك الماوردي لإثارة ردود أفعال النساء. لأنه كان يحاول أن يشق بثرثرته غلاف العالم الذي هو فيه الآن .
فمع تدفق العرق والأغاني والحرارة التي يرسلها الموقد إلى داخله، مضافاً إلى ما في روحه من فواجع وأحزان. جعلت منه أشبه بسمكة في أكواريوم مليء بالشمبانيا . وها هو يريد القفز لالتقاط هواء العالم كلّهُ. شعر بالاختناق. فنهض نحو الموقد محاولاً إبعاد رزمة من الحطب عن النار. فقامت سيدة المنزل في أثره، فرأتهُ كمن يحاول تجفيف منابع عينيه من الدموع.‏

– أهو الحطبُ أم النار؟ قالت سيدة المنزل وهي تحدّق بعينيه مشجعةً.
فأجابها الماوردي‏

– فقط من أجل إبعاد الحطب لتخفّ الحرارة قليلاً.‏

– لكن النار ستنطفئ.‏

– وسنفقد الحرارةَ.. أليس كذلك؟ قال الماوردي.‏

– كلاهما لكليهما. ردّت السيدة، وهي تدفع برزمة الحطب إلى داخل الموقد.‏

عاد الماوردي إلى مكانه وأشعل غليونه، ذائباً في صوت أغنية فلكلورية كانت تنبعث من جهاز التسجيل. كان يشعر بأن الأغاني الجميلة تتحول في بعض الأوقات إلى ما يشبه المحاريث التي تستعمل بتقليب التربة. وها هي الأغاني تفعل ذلك في أراضيه تماماً.‏

“لا مفرّ من المحاريث والعجلات الكاجب.
هل يحتاج الهروب من الموت لكل هذا الذي يحصل لك يا ماوردي؟
ثم إلى أين ستفرّ والمُهرّبُ غائبٌ عن بيته حتى هذه الساعة التي قاربت منتصف الليل؟ فهل هربَ المهرّبُ هو الآخر؟ قالها لنفسه وهو يبتسم. وأضاف:‏

أين عواطفك إزاء النسوة. تلك العواطف التي كانت أشبه بالزلازل؟
أنتَ الذي دخلت تاريخهن على يد خيّاطة الحارة الجميلة. فعلّمتكَ الجنس، يوم لم تكن قد بلغت الثالثة عشر من العمر؟ هل مات كل شيء في قلبك، وصرّت لا تبحث إلا عن الملاجئ والأقبية ودروب الهروب؟!!
لا تقلْ ليس هذا هو الوقت المناسب للعتاب والمحاسبة. فيومٌ للهرس تحت عجلات الأمن. و يومٌ آخر للإنهراس في حبّ النساء يا ماوردي.”‏

قطعتْ سيدةُ المنزل على الماوردي أفكاره التي ذهبت به بعيداً. عندما دعتّه لأن ينزع الوشاح عن رقبته ويلقيه بنار الموقد. وعندما حاول الاعتراض على مثل ذلك الأمر، قالت له السيدات:‏

“إنها تقاليد المنزل التي لا مَناص منها.!”‏

وفهم الماوردي فيما بعد اللغز. فالوشاح هنا يقدم ُكقربان للنار. أما هو فسيقدم كأضحية لنيران أخرى.. ربما لسيدة المنزل!‏

“أجل.. إنها النار. فلا تكن في ضيق من أمرك. فاترك الحبل على الغارب يا ماوردي، وليحدث ما يحدث. اعتبر نفسك ميتاً في حادثة سقوط طائرة في المحيط الأطلسي. أو شهيداً في الحرب العالمية الثانية أو فيتنام. قُلْ إن أمي قد أجهضتني وأنا في الشهر الأول. قُلْ إن نمراً كهذا الذي تجلس على جلده المسلوخ، قد طبخ لحمك بين أسنانه ،يومَ كنت برحلة سفاري في تنزانيا أو موزمبيق. اعتبر أن سور الصين قد وقع على رأسك وهرسهُ كرأس الباذنجان. قُلْ عن موتكَ أي شيء، وخلّصني يا ماوردي. فلن يكتب أحدٌ سيرتك الذاتية. فمثلما نُفقت أرواح الآخرين، ستلفظ أنفاسك أنتَ ولو كنت في الأبراج المشيّدة.”‏

نهضت النسوة الخمس من مقاعدهنّ باتجاه الماوردي. أربعة منهن حملنهُ وهو على كرسيه كالإمبراطور. فيما حملتْ الخامسة صينية من الفضة عليها مقصٌّ ومنديلٌ أبيض. وتوجه الموكب نحو مكان مجاور لغرفة النوم.‏

إنها “غرفة النزهة”، كما قالت ذلك سيدة المنزل، وهي ترحب بالضيف الماوردي الذي ظل متسمراً على كرسيّه كالتمثال.‏

أخرجت إحدى السيدات علبةً معدنيةً صغيرة من جارور كان يقع في زاوية الغرفة، ثم قامت بنزع الغطاء عنها، وأدلقت بمحتوياته على ثوب الماوردي قائلة له بصوت فيه شيء من التهدج:‏

“هذا حبرُ الكتابة. ونحن نريدُ حبرك؟”‏

خيّم الذهولُ على وجه الماوردي. “ما هذا الجنون الذي يحدث؟”‏

إلا أن سيدة المنزل، تناولت المقص من الصينية الفضية، وشرعت بقص الثوب الأبيض للضيف. من الأسفل إلى أعلى الزِيْق. وعندما تم ذلك، سارعت النساءُ إلى خلعه نهائياً.. لتظهر بعد ذلك جميع أراضي الماوردي عاريةً، كما لو أنها صحارى يبتلعها الصمتُ و الخوفُ .‏

“حان وقت الأجَل يا ماوردي. فسوف تُقطّع إرباً إربا كالثور في هذه المؤامرة الدنيئة، كما قٌطعت رقاب الكثير من الأمراء في قصور الكونتيسات. ألسنّ هنّ من طراز تلك النسوة ومن فصيلتهنّ؟!”‏

كلا.فلا بدّ من أن تحتفظ برباطة جأشك. فهذه الطقوس، ليست أكثر من صور تتذكرها لأبطال من تلك القرون.”‏

“ما عليك الاستسلام للنساء. فهنّ المكائدُ بعينها. فقد يُقطّعنّ جسمك عضواً تلو الأخر. وعندما ستستفسر عن معنى ذلك، سيجبنّ: من أجل تسهيل عملية تهريبك عبر الحدود.!”‏

“طيب. المهم أن تصل إلى هناك، فقد تجد من يجمع لك جسدك مرة أخرى.”‏

“كل شيء يهوّن يا ماوردي. المهم أن تعبر الحدود.‏

“و ما أدراك.. فقد تقع في حبك امرأةٌ من نساء بلدان ما وراء الحدود.. فما الذي ستفعله آنذاك؟”‏

“بسيطة. قل لها بأنكَ من المنتمين إلى جمعيات الحبّ العذري.”‏

“لماذا كثرة التفكير يا ماوردي. فقد تصبح هناك نجماً من النجوم التي تفتخرُ بها لجانُ الدفاع عن حقوق الإنسان وما شابهها. فتكون بذلك قد نلت الفرق.”‏

-أنهض يا ماوردي. قالت سيدة المنزل.‏

– نعم.أنهضُ ولمَ لا. أجاب الماوردي وهو يحسُّ بتحوّل ساقيه إلى قصب جاف.‏

-بماذا تشعر يا ماوردي الآن. هل أنت خائف؟ اقتربت منه امرأة وهي تضع أصابعها في شعره.‏

– الماوردي لا يخاف حتى وإن تحوّل جسده إلى لحم مفروم.‏

– ولمَ الفرمُ والقَطعُ يا ماوردي. نحن لا نريد أن نفعل شيئاً من هذا القبيل.‏

قالت له سيدة المنزل وهي تبتسم تلك الابتسامة التي لا غبار عليها.
(( فنحن رهائنك. فلا تفكر بعكس ذلك. ))‏

– وما هذا الذي يحدثُ لي هنا بحق السماء؟ قال ذلك الماوردي بصوت مختنق، والدموع تتقافز من عينيه ككرات البلياردو.‏

– لا شيء يا ماوردي، إنها الفرجة فقط فأنت في مدينة العسكر العريقة. كل الرجال في واجب الخدمة. وهم بخلاء علينا يا ماوردي إلى حدود أنهم لا ينامون مع نساءهم إلا في المناسبات ولا يأكلون إلا من القصعة. فقُل ماذا تفعلُ نساءٌ مثلنّا، وهنّ في مثل هذا الوضع من الشباب والجمال؟‏

سمع الماوردي ذلك من سيدة المنزل، وكأنها سفينة تجهش بالبكاء.
وآنذاك بدأ يستعيد شجاعته بالتدريج.‏

” أهنّ يخدعنني بإسناد دور البطولة لي في هذا المنزل اللعين؟ أم ما سمعت من كلام، هو هراء بهراء، وسيكون القادم أعظم؟”‏

” ولكن.. هذه السيدة متألمة حقاً. امرأة تلتهم النيران جسدها وأنفاسها وثيابها. حتى أن نحيباً خافتاً ينبعث من خلاياها ياللهوّل .‏

تقدمت النسوة الأخريات خطوات من الماوردي، فشكّلن دائرة حوله، هو نقطة قطرها.‏

” يا ربّ.. حتماً سيأتي الرجل المُهرّب ويقتلني شرَ قتلة”‏

” كلا. فربما يكون هو متعلقاً بعشيقته، ويحاول التخلص من زوجته وزمرتها. آنذاك سأقنعه بضرورة تهريب النساء معي. سأعده بالكثير من الدولارات، عندما أصل إلى هناك. فالدولارات في العالم الخارجي كأشجار اليوكاليبتوس. سألتقط الكثير من أوراقها. وحتماً.. سيقتنع الرجل و يقوم بشحننا سوية في سيارات تهريب الأغنام و الأسلحة و صناديق الشاي والسجائر الأجنبية. بعدها سأخبر أمي بأنني سأتزوج من إحداهن.‏

أجل. سأكتب لها ذلك في رسالة ،ستصلها وعلى غلافها طابعٌ أجنبي عليه صورة أرنب أو سمكة. أمي ،ستوافق على طلبي حتماً. بعد أن تطوف على بيوت الجيران لمنكدة بعض بناتهم اللاتي كنتُ أعرفهنّ. أجل ستقول أمي لهنّ، بأن ابنها أصبح يحكي بالأجنبي. وبات زوجاً لامرأة من الكريستال. ولن أنسى أن أخبرها أيضاً، عن كتبي التي صدرت في الخارج، و كيف لاقت الكثير من الرواج، وأن ابنها أصبح شهيراً أكثر من رامبو وعادل إمام”.‏

– ماذا قررتَ يا ماوردي؟ سألتْ السيدة.‏

– أن نواصل الشراب يا نساء السماء. ردّ الماوردي بسرعة البرق، وهو يلتهبُ جنوناً.‏

خلعت النسوة فساتينهن، بعد أن سرت النيرانُ في رؤوس الشموع الوردية التي كانت تقوم على الطاولة المستديرة، حتى تحوّلت غرفة النزهة إلى مكان يحلم القياصرةُ بدخوله.
عندما أخذت النسوةُ مواضعهن، كل واحدة على مقعد مكسو بالفراء، كانت سيدة المنزل، هي الوحيدة التي حافظت على بقاء نهديها كشلالين في غلافيهما، دون أن تترك الفرصة لعينيّ كي تبصرا مساقط أمواجهما التي بدأ فيضانها ينتشرُ بداخلي.‏

” ألمْ أقل لك يا ماوردي أن في الجمال قوة تدميرية لا تتحملها أعصابك؟ وأنك، مثلما سال منك اللعابُ تشوقاً ولهفة على البنات في الماضي، مثلما سيُسيل دمكَ وروحكَ ودماغكَ الآن. ستُ نساء وأنتَ. كأنهنّ أيام أسبوع لا ينفصلُ أحدها عن الآخر، حتى وإن أشعلت الحرائق في تقويم التاريخ.”‏

– يبدو أنك قد شبعت نوماً يا ماوردي. فانهضْ. لقد قاربت الساعة الثالثة بعد الظهر. همستْ سيدة المنزل، في أذنه وهي تراقب عينيه نصف المفتوحتين بين أغطية السرير البحرية.‏

– ما الذي جرى بربّ السماء؟ سألها الماوردي، وكأنه يوجه ذلك السؤال إلى المرايا التي تنعكس فيها صورته ممزوجة مع الجسد العاري لسيدة المنزل التي كانت مُستلقيةً إلى جانبه خارج الأغطية.‏

((منْ أعادني إلى هنا، أنا الذي اجتزت الحدود الدولية ليلة الأمس؟))
صرخ الماوردي وهو يعود إلى سابق حالته النفسية من اليوم الفائت.
– إنها الساعة الثالثة من نهار اليوم الثاني. أنت ما زلت معنا في هذا المنزل يا ماوردي.

– لم تجتز الحدود الدولية بعد. أنتَ اجتزت حدودنا يا ماوردي فقط. قالتها السيدة وهي تحاولُ الإبقاء على الماوردي في التخت، لتُعيدَ الطمأنينة إلى قلبه المُتخبط تحت قفصه الصدري.‏

– لا عليكِ يا سيدتي. أريدُ الخروج من هنا فوراً. سأعبر الحدود بنفسي، ودون عون زوجك الغائب واللامبالي بقصة تهريبي.‏

– اهدأ يا ماوردي. فستكون خارج الحدود بعد أيام. هذا آخر ما عندي لأقوله. فقد نحتاج بعض الوقت لإنجاح الترتيبات اللازمة لترحيلك من هنا.‏
أسمعتهُ سيدةُ المنزل ذلك وهي تغادرُ السرير نحو خزانة الملابس.‏

يا للمصير الأسود الذي ينتظرك يا ماوردي.
ها أنت معزول عن العالم الخارجي بين حيطان المنزل. فيما يبحث عنك الجميع: الرجالُ القساة والمارةُ والشرطةُ وباعةُ الجرائد والمجلات والأصدقاءُ في مقاهي الشرب والثقافة وبائع السجائر والمكوجي ونادلُ المطعم وموزع البريد وصديقتك السمراء التي ما تزال تحلم بوضع يديها كالسوار حول عنقك. بل وربما يسأل عنك حتى الموتى والمعتقلون في تلك الأقبية السحيقة.‏

أجل يا ماوردي.. الجميع يسأل عنك في الخارج. بينما أنت تزني بين نساء لا تعرف عنهن شيئاً. ولا كيف سيفعلنّ بك في هذه الإقامة التي لم تخترها. هل هنّ معذبات حقاً يا ماوردي؟
وما علاقتك أنت بهنّ؟
هل سيدفع بك زوجها المُهرّب إلى خارج الحدود، أم أنكَ ستقع في قبضته متلبساً بمخدع الخيانة الزوجية، فيذهب رأسك بساطوره العملاق الطويل، لتتحوّل إلى نفاية في نهاية الأمر؟‏

نهض الماوردي من السرير. ارتدى بيجامةً وخرج من غرفة النوم. كان الصمتُ يضرب المنزل. فلم يكن من أحد هناك سوى سيدة المنزل التي جلست إلى جانب جهاز التلفون، وكأنها تنتظر خبراً مفجعاً تتوقعه. وما أن رأت السيدةُ الماوردي خارجاً، حتى رسمت له ابتسامة جافة على شفتيها. لم يستغرب. فتقدم منها وكشكش شعرها بأصابعه. أمسكتْ له يده النحيلة المرتجفة، لتضع في أحد أصابعه خاتماً وهي تقول: “إنه للذكرى.”‏

ومضيفة: “كانت قصائدُك رائعةً الليلة الماضية. وقد حرّكتَ فينا الزلازلَ يا ماوردي”.‏

وأثناء ما كانت هي تحرّك جهاز التسجيل لتبعث أغنية لفيروز. يرّن فجأة جرس الهاتف ويقطع الأغنية. تتناول السماعة وتتحدث بخفوت. فيما راح الماوردي يقرأ ما كان يطرأ على وجه السيدة من تفاصيل.‏

أعادتْ السيدةُ السماعة إلى مكانها. ثم تطلعت إلى وجه الماوردي، وسرعان ما أجهشت بالبكاء.‏

” يا إلهي. لقد بصقتَ حياتك يا ماوردي. يبدو أن الأخبار سيئة. أين ستفر من هذا المكان الملعون ومن هذه المرأة اللعينة التي رمّت بلحمك للضباع. كم قرأت من الكتب التي تحدثت عن مؤامرات النساء. وها أنتَ في الطريق إلى دائرة الأمن. أي فرع؟ الله أعلم.”‏

فهناك يا ماوردي ستعترف بكل شيء. حتى أحذيتك ستعترف. ولو لم تفعل ذلك، فستُعصر تلك الأحذية ((باتا)) حتى ينفر الدم من جلدها. ثيابك هذه، ستتحول ورقاً للاعتراف. ستقول لهم أنني أميّ لا أجيد القراءة والكتابة. عندها سيقولون لك: طيب! سنعلمك ذلك بسرعة بواسطة الأستاذ التيار الكهربائي عبر دماغك. وآنذاك يا ماوردي ستتقنُ كل اللغات بسرعة البرق. فالمهم أن تعترف. وتكتب حتى ولو بالخط المسماري. فالحكومة تعرفُ كل شيء عنك:
كم خطوة قطعت قدماك منذ ولادتك وحتى الآن. وكم قصيدة من قصائد الضدّ في رأسك. وكم قميصاً ارتديت. ومع من نمت من البنات. ألمْ تدخن أنتَ سجائر”سومر” طيب. الحكومة ستعرف ذلك من لون القطران الذي يغلف أسنانك ولسانك ومجرى التنفس. فأنتَ من حاول اغتيال الريس ونائبه. وأنتَ من تحرّش بزوجة مدير المخابرات وأنت وأنت وأنت… أجل ستعترف بكل هذا وأكثر يا ماوردي. فأنتَ عميل كبير لدولة أجنبية. وأنت من يطبع ويوزع منشورات المعارضة. وأنت من يدبّر حوادث العنف والتفجيرات. وأنت من اغتال فلان وعلان. وأنت من يدير شبكة تزوير الجوازات والوثائق الرسمية. بل , أنت أيضاً من يهرّب الناس عبر الحدود يا ماوردي. تقبضُ بالعملة الصعبة وتساهم بدفع نفقات مصاريف الأحزاب والمنظمات المعادية.
ثم، ما المانع الذي يحولُ دون اعترافك بكل الجرائم التي سيلصقونها بك يا ماوردي؟ ربما سيصدقونك. فتخرج معافى كما دخلت. بل و يطلبون منك العذر والسماح عن هذا الخطأ. آنذاك، يحقّ لك توبيخهم. بل لطم وجوههم بالصفعات إذا ما رغبت. ولكن هل سيتسنى لك ذلك يا ماوردي؟ وهل ثمة من دخل تلك السجون، وخرج معافى؟ سيطحنونك كالسجق بالفلفل الهندي الأحمر، إلى أن يصرخ كل عضو داخل الكيس قائلاً: أنا سأعترف أولاً.‏

هل تتذكر كيس الخيش الذي سيضعون فيه جسدك مع مجموعة من القطط البريّة المتوحشة.. ويقومون بركلها بواسطة أحذيتهم السمية وسياطهم البلاستيكية الغليظة؟‏
أجل يا ماوردي.. سيضعون أمام فمك سطلاً واسعاً وعميقاً، كي تتقيأ فيه جنسك البشري وثقافتك وأحذيتك ودماغك في أخر سطر من حياتك. كل تلك المقيئات، ستطفو أمامك في السطل. وقبل أن تنتهي من الاعتراف يا ماوردي، يجيئون بحبيبتك. أمك، أختك، ينزعون عنها الثياب ثم يبدأ النكاح بالدور أمام عينيك ،وحتى ينتفخ رحمُها بألف طفل في الليلة الواحدة .
أما إذا رغب القضاة الذين يجلسون أمامك في العتمة، دون أن ترى وجه أحد منهم. فلن يدعونك تتقيأ دماغك بسرعة. فسيطلبون من أحد جلاديهم بإجراء اللازم. هل تعرف جيداً يا ماوردي ماذا يعني”إجراء اللازم” هناك؟‏

سيفتحون شقاً في صدرك . يضعون فيه بعض الحشرات تحت الجلد، ثم يعيدون خياطة الجرح. فما الذي ستفعل آنذاك ،ويداك وقدماك مربوطة بحلقات الحديد المثبتة بالجدار ؟
كيف تريد الحرية يا ماوردي .بسعر المكنسة أم بسعر الثوم؟‏
– ستغادرنا الليلة ياماوردي .
جملة غامضة قالتها له السيدة وهي تعانقه وتنتحب .‏
– إلى حفلة السلخ يا ابنة ….؟
لم تدع الماوردي يكمل .فاستطردت:‏
– كلا ياماوردي .بل لاجتياز الحدود.‏
مَادَتْ بأقدام الماوردي أرضُ الصالون،وهو يتصببُ عرقاً. وفجأة حمل سيدة المنزل بين ذراعيه وكاد يطير بها كنسر عملاق. فهذه المرأة رائعة وطيبة .لم تكن كما كان يظن بها قبل دقائق. امرأة لا تريد له شراً. وسوف لن تقوم بتمكين الحكومة من جعله نفاية. كان الماوردي يشعر بتطاير النيران من جسده.‏

” ربما هي الصاعقة التي سوف تأكلني نهائياً قبل الرحيل.”‏

هكذا كان يردد الماوردي في نفسه. وهو يهتزّ ويغوص في موجة من الزبدّ على أريكة الصالون . وكأن سيدة المنزل بفمها، تحاول سحبّ روحه من تلك الأعماق السحيقة. كان يفعل ويتذكر ويقول عن بعض اللائي عرفهنّ سابقاً : ((كلّ ما تعلمته الغبيّاتُ من الفنون الجميلة،ليس سوى رسم الصور ونحت التماثيل العارية.))‏

– هل ستتذكرني يا ماوردي هناك؟
أم ستبلغ بك الحماقة إلى حدّ وصفي بالمرأة العاهرة التي قضيتَ معها يوماً كامل الجنون، بين الرعب والحب؟ امرأة لم تكن تعرفها أبداً، تؤويك في منزلها بعيداً عن عيون الرجال القساة، تحبك ليوم ونصف، ثم تقول لك وداعاً بعد ذلك!‏

ارتطمت كلمات السيدة في رأس الماوردي ارتطام الموج على حافة صخرية لخليج ضيق. فقد كانت تحمل بين طياتها كل ما كان يشغل باله، بعدما وجد نفسه أسيراًً في مثل هذا الوضع الغرائبي القريب من عالم الفنتازيا الدراماتيكية. فلا وقت للأسئلة هنا، كما يعتقد الماوردي، لأنها قد تفسد كل شيء في المكان الذي هو فيه. وربما لن ترضخ السيدة للكشف عن العالم السري للمنزل. فيما لو كان الماوردي، حاول التنقيب عن الحقائق. فالبيوت أسرار. ولن تقوض السيدة ولا كذلك النسوة الأخريات اللعبة التي تجري هنا. فمثلما دخلت بصمت يا ماوردي.. اخرج بصمت. فليس هذا المنزل هو ما تهتم به. ولو كان الشيطان هو الذي سيحملك على ظهره لاجتياز الحدود، فستركب ظهره لترحل. قل ذلك وكل شيء إذا رغبت. وليحل الخرس على كل قامتك الآن. اخرس. فأنت ما تزال تحتضن المرأة كالسور. ولم يأت المهرب أو الشيطان لنقل جسدك إلى الحدود. أنت هنا رفات يا ماوردي. وتحلّ عليك الشفقة، مثلما يفعل الناس الطيبون ذلك مع القطط الصغيرة المشردة تحت المطر.‏
فاجأ الماوردي نهوض السيدة من بين يديه لترتدي ثيابها.‏
– بالمناسبة.. هل تريد شراباً بارداً أم تتناول شيئاً من الطعام. ملتفتةً إلى الماوردي.‏
– كلا أفضلُ القهوة. هل تسمحين لي بإعدادها؟‏
– و لكن لم تتناول الطعام منذ البارحة؟‏
– لا أستطيع الآن. شكرأً.‏

وفيما كانت السيدة تعّدُ القهوة في المطبخ، سمعَ الماوردي جرسَ الباب يدقّ. فسقط قلبه من الهلع. لكن السيدة أشارت له بإصبعها نحو غرفة النزهة، ليختبئ بها. وفعل ذلك فوراً. ومن خلال شقوق ستائر النافذة المطلة على الصالون، راح الماوردي يسترق النظر لمعرفة من القادم. هل اكتشفوا المخبأ و جاءوا للقبض عليك؟ للحظات كان هذا الاعتقاد ما يساوره. وعندما فتحت السيدة الباب، سرعان ما دخل شخص بملابس عسكرية، شاب لم يتجاوز من العمر عشرين عاماً، كما خمّن ذلك الماوردي. طفرَ قلب الماوردي إلى فمه.. وكاد يلفظه مع أنفاسه لولا أنه رأى السيدة تعانق الشخص وترحب به بلطف. فبدأت المخاوف تهدأ. بل تهبط مثل عدّاد سرعة السيارة عند التوقف. ولكن ربما يكون الشخص هو زوجها المُهرّب.. وإلا لما سمحتْ لنفسها أن تجلس أمامه وهي في هذا الثوب الشفاف الذي تتلألأ منه مفاتنها؟!‏

” غيّر شكوكك أيها الماوردي القذر. أنظر.. إنه يشرب معها فنجان قهوتك بدلاً منك يا ماوردي. أنظر.. إنها تنشغل عنه لتقرأ في الصحف التي جلبها إليها معه. حتماً السيدة مثقفة وشغوفة بالأخبار السياسية و الاقتصادية. وإلا لم تتركه وشأنه.. يفترس جسدها بنظراته، ثم يرتجف مثل تلك الارتجافة اللعينة. اسمع يا ماوردي: هذا المنزل غريب.‏
” طيب. عُدْ بعد ساعة من الآن. وسأكون جاهزة!”‏
قبّلت السيدة الشاب وهي تودعهُ عند الباب الخارجي. لتدخل بعدها على الماوردي ،فتجدهُ غارقاً بمغطس من العرق الساخن.‏
” هل هي الغيرَة يا ماوردي؟ قالتْ له ذلك، وهي تشدّهُ للجلوس فوق الأغطية المبعثرة على أرض الغرفة.”‏
” إنه غلام زوجي في الثكنة. أليس وسيماً؟”
وبدأت السيدة تضحك، وهي تداعب شفتي الماوردي بحزمة من شعرها الذي كانت تمسكه بأصابعها .”‏

” إنه مخلصٌ لي. ويجنّ بحبي. تصور أنه ورث هذا المنزل عن والده، ليتركهُ لي ولصديقاتي في أوقات النزهة السريّة التي نمارس فيها طقوسنا للترويح عن النفس. أنا أتركهُ يفعل ذلك دائماً. ولو كنت قد منحته جسدي، لكانت الأمور قد وصلت إلى نهايتها معه؟!!”‏

وماذا يفعلُ هذا الشاب؟‏

” إنه مرافق زوجي. يتجسسُ لي عليه. ويترصدُ لي أخباره طيلة أيام الأسبوع الذي يكون فيه زوجي خفيراً في المعسكر، عدا أيام العطل الرسمية طبعاً، والتي كثيراً ما يضمها الزوج إلى قائمة العمل.. فيعتذر عن الحضور إلى البيت. علماً بأن زوجي هو مدير المخابرات في المنطقة!”‏
وأضافت السيدة قائلة:‏
” اسمع. بعد ساعة سنكون معه في سيارة جيب تحملُ رقماً عسكرياً. أنا سأعود إلى بيتي الواقع على الطريق، وأنت تغادر المدينة يا ماوردي لاجتياز الحدود. أقصد لمفارقتي.”‏
قالتها وكأنها ستفقد آخر رجل على سطح الأرض.‏
يرن الجرس و يدخل الشاب الوسيم. فتقول له السيدة:‏
” هذا هو الشخص الذي حدثتك عنه. لقد وصل إلى هنا للتو. أريد الاعتناء به والحفاظ على حياته بأي ثمن. خذْ هذه وثائقه فقد تحتاجها على الطريق.”‏

تحدثت السيدة مع الشاب العسكري بلهجة حازمة.
بعد ذلك يستقلُ الثلاثة سيارة الجيب. ثم لتنطلق بهم وهي تبتلع الطريق. لم تضمِ دقائق ،حتى تتوقف السيارةُ قبل الخروج من المدينة،فينزل منها العسكري لفتح الباب، يودعُ الماوردي السيدة بكلمات قليلة. لتدخل باب منزلها وتختفي. ثم تنطلق الجيب من جديد بالصعود نحو الطرقات العالية بين الجبال.‏

أخذ الماوردي يتصفح جوانب الطريق على الرغم من صعوبة الرؤية في وقت مبكر من فبراير. لم تكن رؤية الأشياء ممكنة بوضوح ، إلا أنه كان يشعر بمرارة تكاد أن تجعل من فمه باباً خشبياً يطقطق من الخوف. هل تكون هي آخر الساعات أيها الوطن. آه. ما أقسى أن أودعك , أنا مثل طير على خطوط هواء ملتهب بالنيران. أي تاريخ سنكتب عنك فيما وراء الحدود؟‏
بعد مضي ساعة، بدأ الزلزال ينخر في معدته.. إلا أن الماوردي كان يقول لا بأس. فمرضُ القرحة ليس أشدّ هلاكاً من الفراق الذي بدأت حرارته بالارتفاع قبل اجتياز الحدود.‏
تناول سائق الجيب كيساً من النايلون من حقيبة كانت خلف المقعد. وقال للماوردي:‏
” تفضل، إنه مخصص لك من السيدة. طعام سفر.”‏

انفرجت أسارير الماوردي، حينما سمع ذلك من السائق. فتقاسما السندوتشات بنهم. فيما كانت السيارة تلتهم الطريق كحجرة ضخمة وسط الظلام. غنِّ يا ماوردي تلك الأغنية التي كثيراً ما أحببتها. حاول أن تكسر هذا الصمت وتنزع نفسك من الوحشة والأفكار المضنية التي تحفرُ رأسك.‏
كلا. لن أفعل ذلك الآن. قال ذلك الماوردي وهو ينظر إلى ساعته.‏
– كم بقي لك.. لنبلغ الحدود يا صديقي؟ سأله الماوردي.‏
– سنحتاج إلى ساعتين على أبعد تقدير. بعدها سيكون الأمر بخير.‏
– هل ثمة عقبات أمامنا؟‏
– نقطة تفتيش عسكرية واحدة على الطريق. أجابه السائق، مناولاً إياه مغلفاً ورقياً.‏

تناول الماوردي ذلك، وفضّ المغلف على ضوء عداد السرعة الخافت. هذه هي أوراقك الثبوتية إذن؟ وهكذا يكون اسمك يا ماوردي الآن؟ كل شيء جديد: اسمك الشخصي والعائلي, تاريخ الميلاد, المهنة, مكان الولادة, السكن, فقط صورتك يا ماوردي، لم تتغير.
أليس هذا هو ما ترغب به يا أحمق؟!‏

أن تنجو بنفسك وتترك الآخرين في أتون الجحيم؟ لن يتحقق لك هذا الشرف يا ماوردي. فأنت الآن على الطريق. تسبق الريح للقاء مصيرك الذي سينتهي في نقطة التفتيش القادمة. فصورك ستكون منشورة لدى كل المفارز والنقاط. واسمك على رأس القائمة. أجل اسمك في أول القائمة، لأنه سهل وحروفه تشكّل أجمل مارش موسيقي يحبه الجنود:‏

” ماوردي.. ماوردي.. ماوردي.”‏

بعد دقائق من العاصفة التي أكلت الماوردي وبصقت عظامه في الوديان السفلى. توقفت السيارة عند نقطة التفتيش العسكرية. كان يتفحص وجوه حراس نقطة التفتيش بنصف عين، وكأنه يتنفس غبار الأرض.‏

” الماوردي ليس هنا. الماوردي مات منذ قرون. الماوردي الذي تبحثون عنه سلّمته امرأة للسلطات، وقد اعترف بكل الجرائم القذرة التي ألصقت به. لذلك فالماوردي المتهم بالخيانة العظمى. لا مكان له داخل سيارة الجيب العسكرية المحترمة التي تقف أمامكم يا حراس البوابة الشمالية لبلد العلجوم.” هكذا حدث الماوردي نفسه.‏

” خذوا يا أولاد الكلاب. إنها سجائر أجنبية لم تذوقوا طعمها من قبل!”‏
رمى السائق بعلب السجائر إليهم، وهم يبتسمون إليه. وانطلق بالسيارة مخلفاً وراءه حاجز مفرزة المخابرات العسكرية.‏
” إنهم عناصر لطفاء. ومن الأصدقاء الذي أقضي معهم خدمتي العسكرية عند سيدي ضابط الأمن”.‏
لم يكن الماوردي مُصدّقاً لما سمعهُ من السائق الذي معه.‏
” لماذا لم تقل لي ذلك أيها الشاب؟”‏
سأله الماوردي، وهو يغلي من الحنق. فقد فكر بقذف جثة السائق من النافذة نحو الوديان السحيقة.‏
– لو كنت أعلم بكل هذا العزّ الذي تتمتع به، لما تخثر دمي خوفاً من مفرزة الأمن!‏
– إنها أوامر سيدتي!‏
– أوامر!! سألهُ الماوردي.‏
– لم يحدث شيء. فبعد نصف ساعة تقريباً، سنصل إلى هناك. وأكون بذلك قد بلغت رضا مولاتي. ثم لمَ أنت خائف يا سيد؟ هل حدث لك مكروه. أنا لا أعرف شيئاً عنكَ. بل ولا حتى اسمك. لقد أمرتني سيدتي أن آتي بك إلى هنا فقط. وهذا كل ما أفعله كما ترى. هل ثمة خطأ ارتكبته كما تعتقد؟‏
– كلا. إنس الموضوع. فما تقلقني هي السرعة بين الجبال. هكذا تلعثم الماوردي مضطرباً، وفكر بأن لا يطلع السائق على أية تفاصيل، عندما بلغه أنه لا يعرف شيئاً. ربما!‏

– هل توّد سماع شيء من الراديو، أو أغنية من آلة التسجيل؟ سأله السائق دون أن ينظر إليه.‏
– ردّ الماوردي بالنفي.‏
أية أغان و أية رغبات لسماع الألحان، وأنت تحت مدحلة الذعر. ربما بعد الحدود.، ستستمع إلى كل ما هو تافه من الحكي والغناء و الثرثرات. و ستقول بالطبع كل ما كان يقوله المغتربون في رسائلهم الموجهة إلى الأهل والأصدقاء:‏

” لقد أصبحنا نحب حتى طنين الذباب في الخارج. فالحنين في بلاد الغربة، ربما يبرر كل تفاهة نقترفها!!”‏

– وأنتَ. موجهاً كلامه إلى السائق: هل تحبّ الأغاني، أو سبق لك وأن مارست الغناء؟‏
قالها الماوردي لتقطيع الوقت. “شخصان لا يعرفان بعضهما بعضاً. ماذا تكون الأسئلة؟”‏
– ليس الغناء وحده، بل وهواية جمع الطوابع أيضا.
أجاب السائق مبتهجاً!‏
إذن. هذا الولد يحب السفر إلى الخارج. أليس كل من يمارس هواية جمع الطوابع، بنظرك يا ماوردي، لا بدّ وأن يكون من الحالمين بلفّ العالم. لذلك يا ماوردي.. فكر بأنك ستعثر على هذا الغلام ذات يوم، وهو يتسكع في مدينة من مدن الخارج. كعازف قيثار على الرصيف أو كمدمن خمر أو مخدرات.‏
– ولديك رغبة بالسفر نحو الخارج.. أليس كذلك؟‏

– ليس قبل أن أنهي خدمتي العسكرية. فكل الجنود والضباط والمراتب لديها نفس الرغبة. نحن نتحدث عن ذلك يومياً في الثكنة. إلا أن الإفصاح عن موضوعات السفر للخارج ممنوع. لكن، ربما ستحقق كل شيْ لاحقاً. فرغبات الناس هي حقائق المستقبل.‏

قالها السائق وهو ينعطف بالجيب نحو شارع فرعي يتناثر على ضفتيه القليل من البيوت التي كأنها مشيّدة من الصخر، مشيراً بإصبعه: “هذا هو المكان.
” فهبطنا من السيارة ودخلنا. حانةً صغيرة. يتوزع مقاعدها حوالي عشرين شخصاً. سحب السائق لي كرسياً من الخشب وقال: “تفضل. سأنادي العم.”‏

من هؤلاء يا ماوردي؟
حانةٌ وفي آخر الدنيا! ربما هم الذين يصححون مسار الحياة، ليعيدوا الأرواح الهاربة إلى نصابها الطبيعي والفني. ولكن الليل هنا، يسيل كمادة الغراء الأسود. كأن الأرض التي عليها أقدامنا، ضربها زلزال ليخلف كل هذا الصمت في أثره. لا. فلتكن حذراً يا ماوردي. فقد تأخذ الخمرةُ بعقول هؤلاء، فيتشاجرون ويطلقون النار من مسدساتهم وأسلحتهم الأخرى، فتضيع عليك فرصة الهروب.‏
تقول تأخذ عقولهم الخمرة يا ماوردي؟‏
كلا. فكلامك سخيف وضحل. فلو شرب الواحد من هؤلاء شلالاً من الخمرة، لما تحرك دماغه بوصة واحدة عن مكانها.ففي رؤوس هؤلاء أشياء غير الأدمغة: صخور أو دواليب مضغوطة بهواء مثلاً.‏

” أهكذا أنت مقتنع يا ماوردي؟ ليكنْ لك ما تشاء. ولكن اعتبر بأن شجاعتك المفاجئة للسخرية من هؤلاء، والتي نزلت عليك الآن وأنت في هذا المكان المعزول عن العالم، هي دمية ضخمة لا تستطيع تقديم العون إليك في حانة أشبه بحانات شيكاغو. وأنتَ ليس إلا كآهة في زجاجة مقفلة.”‏
– أهلاً بك. هل تفضلُ العرق أم البيرة؟ الدجاج المشوي على الفحم أم لحم الخروف؟‏
قال الرجلُ ذلك للماوردي قبل أن يسحب كرسيه ويجلس إلى الطاولة في جواره.‏
– هل من الضروري ذلك؟‏
– طبعاً. فأنتَ ضيفنا الآن. ولا بد من بعض الطعام قبل أن نرحل.‏
– ليكن العرق ولحم الخروف. العرق لإعادة تدفق الدم من جديد إلى الجسد، واللحم من أجل كبح تدفق العرق إلى الدماغ بسرعة. أليست هذه هي المعادلة، كي لا يتقوض الجسد بسرعة البرق؟‏
قالها الماوردي لإضفاء الطرافة على الحديث مع هذا الرجل الذي لا يبدو أنه بلا فائدة.‏

لم تطل الاستراحة طويلاً.. إلا وكان الجميع في سيارة اللاندروفر. مسلح إلى جانب السائق. واثنان في مؤخرة السيارة. وشخص ملثم و الماوردي في الوسط. بعد ذلك الترتيب ،تنطلق اللاندروفر بالاتجاه المرسوم لها. كانت الجبال مظلمة على الرغم من كثافة الثلوج التي كانت تغطيها. مظلمة مثل قلب الماوردي الذي يغلي الدم في عروقه تحدّياً للجليد الذي يغطي كل مساحة الجسد.
لم تمض ساعتان من الصمت المطبق الذي كان يغلفنا جميعاً، حتى بدأت السيارة تغرز عجلاتها في وحول الطريق.. كأن تلك العجلات عجزت عن الإفلات من إحدى الحفر، الأمر الذي اضطرنا للنزول منها في محاولة لدفعها خارج المطب. ففشلنا. بعد ذلك قمنا بخلع جاكيتاتنا السميكة ووضعها تحت الدواليب من أجل عزلها عن الطين، علّ السيارة تتمكن من الخروج، وحصل ذلك بالفعل. فواصلنا الانطلاق مجدداً ونحن تحت تأثير البرد الذي كان يدق مساميره في الحواس.‏

توقفت السيارة على تل يطل على نهر غاضب التدفق. وهناك أخبرنا المرافقون بالنزول. ففعلنا ذلك. بعدها توجهوا بنا نحو ضفة النهر، لنستقل تلك الدواليب المطاطية للتركتورات.. وقطعنا مياه النهر السريعة وأجسادنا كأنها من شرائح الصفيح. فبرد فبراير يقص العظام ويعفن العقل.‏

كل شيء انتهى يا ماوردي. فها أنتَ وقد عبرت الحدود. كل شيء انتهى يا ماوردي. وها أنتَ تحت الأغطية وأمامك المواقد النفطية وجفونك من ريش ينطبق بعضه على بعضه لتخمد في النوم. فاحلم أيها الهارب كيفما اتفق. فالصباح الذي بدأ يشق الفضاء بأنفاسه، سوف لن يركلك لتنهض من أجل الاعتراف بشيء. ولهذا جهز نفسك لموهبة المنفى الجديد!‏

لم يقو دماغ الماوردي بعد، على استعادة توهجه. بل لم يخطر بباله حتى أن يحلم بشيء محدد. فالنوم سرق كل مدخرات الخوف الكامن في علبة الرأس. ولم يبق هناك سوى فكرة واحدة:
أن ينام لقرن من الزمن. وفي النهاية التي لا بد منها، سينهض الماوردي لرؤية مدن غير تلك التي كانت. وناس غير أولئك الذين كانوا . وعملة ليست كتلك التي كانت تتداولها الناس في الماضي . ليس هذا هو الذي يفكر بابتكاره لنفسه. بل هي الصورة التي وجدها تتقمصهُ وهو خارج الحدود للمرة الأولى في حياته.
لقد خرج دون أن يرث شيئاً غير الخراب. فالماوردي لم يرث شيئاً عن جدّه الذي بدّد ثروة العائلة بالزواج من النساء: ذلك الإقطاعي الذي باع أراضي البساتين، من أجل إرضائهن، فكوّن جيشاً من الأطفال، كي يكون الماوردي واحداً من أحفاده خارج الحدود!‏

هذه هي المحطة الأولى فالصفحات فارغة و عليك أن تملأها بالطريقة التي تراها مناسبة. أن ترسم ديكوراً أو تكتب أو تصمت. فلا شيء سيسبب لك الدوار على هذه الأرض الجديدة.
أو هكذا.. دعْ العقل يتمتع بهكذا فلسفة في الخارج القادم إليه تواً من سجن مفتوح محروس بالموت. تذكّر أنك أشبه بنيزك نصف محترق ،سقط من كوكب آخر. وأن ما ترجوه الآن، ليس غير رغبة أن تعيد بناء نفسك بالحرية الملوّنة كطيارات الطفولة. وبالثقافة والطبيعة والغرائز والجمال والآفاق من جديد. وهو ما يمكن أن يعيد لذاتك الأنسنة، ولو بالتدريج. فكأن كل من يولد على أرض العلجوم، يصبح شهيداً وهو في القماط!‏

العراقي- مثلما منقسمٌ هو على نفسه، ترى عمره مُقسماً إلى أجزاء تاريخية، تمتد على طول جغرافية الزمن. فزمنُ الطفولة والدراسة باهت ودون حوافز. وزمنُ السياسة والفن قلق مليء بالقسوة. وزمن السجون والمنافي، تسكنه احتمالات العدم المفاجئ. وزمن الراحة والاستقرار، أمر مشكوك بتحققه حتى في القبر. فهناك كثير من البشر، لم يحصلوا على قبر أو شاهدة قبر، لأن السلطة لا تريد معلماً لهم. لذلك تحاول الحكومات استهلاك العمر، سواء بالحرب المفتوحة أم بالحروب قصيرة المدى. وكذلك تفعل الأحزاب السياسية، وإن بطرق أخرى، ما دام كل حزب يحتاج إلى قائمة طويلة من الشهداء. فالحزب الذي تنقصه صور وأسماء لقتلى، يُعدّ حزباً ناقصاً!‏
فما من عراقي فاز بعمر مستقل، فالحياة التي نعيش داخل عواصفها، ليست حياة، بقدر ما هي زريبة يحكمها المافيويون الجدد. وبأن المصير الذي ما زلنا ننتمي إليه، هو مصير لا يرضي أقل الحشرات تفاهة وشجاعة في عالمنا.‏
– أنتَ من أحفاد الإرث التراجيدي. ومتطرف أيضاً.‏
– كلا. أنا من سلالة المنشار!‏
أغمض الماوردي عينيه طويلاً ،ليسبح في فراغ التاريخ. نادى على المُواطَنة- فلم يرى لها أثراً في الأفاق.‏

*منشورات اتحاد الكتّاب العرب /سوريا