نحن نتذكر حياتنا أقل بقليل مما نتذكر رواية قرأناها ذات مرة.
شوبنهور
كان من عادتي وأنا صغير في السن إذا سمعت أسم شخص لا أعرف عنه شيئا، أن أبحث عنه في رفوف الكتب، أو أسأل أحد رواد المكتبة عنه، في ذلك الحين وقعت في يدي مجلة إسمها المختار وفيها موضوعا عن كاتب إسمه مارك توين كتبه ديل كارينجي، من هو مارك توين؟ كانت هذه المرة الأولى التي أسمع فيها بهذا الاسم، أما كارينجي فسبق لي أن تعرفت عليه من خلال كتابه الشهير ” دع القلق وابدأ الحياة”.
لكي يجد المرء مكانه في هذا العالم الذي يحيط به، ومن أجل أن يتعلم العيش والعمل فيه فإنه يتوجب عليه أولاً بأول التعرف عليه. هذه هي العبارة التي ماتزال في ذهني من كتاب كارينجي ” دع القلق وأبدأ الحياة “.
يقول كارنيجي سل نفسك؟ ثم هيئ نفسك لقبول أسوأ الإجابات ثم اشرع في إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وبعبارة اخرى إن السؤال هو الذي يجعلك تعيش حياتك بإطمئنان، وهكذا فإن فيلسوفا مثل أبيقور يصف الأسئلة بانها : ” طبابة النفس، وانها تهدف في نهاية المطاف الى افهامنا بانه يجب ألا نخشى المجهول :”.
اثناء تصفحي لأعداد قديمة من مجلة الرسالة، وهي مجلة ثقافية كان يصدرها في منتصف القرن الماضي أحمد حسن الزيات، عثرت على مجموعة مقالات بعنوان ” حديقة أبيقور”، كانت هذه المقالات هي ترجمة لفصول من كتاب للاديب الفرنسي أناتول فرانس. لماذا الحديقة بدلاً من الفلسفة سألت نفسي، وتبين لي فيما بعد إن الفيلسوف اليوناني أبيقور كان قد اشترى بميراث له من ابيه قطعة ارض أنشأ عليها مدرسة أحاطها بحديقة كبيرة تضم مختلف الزهور، وكان يعتقد أن هناك علاقة بين الجمال والمعرفة :” ليس ما هو أشرف للانسان أن يزاول الفلسفة والزهور تحيط به “.
كان أبيقور المولود عام 341 ق.م، في احدى الجزر اليونانية، قد أهتم بالفلسفة منذ ان كان في العاشرة من عمره، وسافر الى مدينة كولوفون لدخول احدى المدارس الفلسفية، لكنه بعد سنوات قليلة أدرك عدم قدرته على الموافقة على الكثير من اراء اساتذته، فقرر بعد أن بلغ العشرين من عمره أن يؤسس فلسفته الخاصة به، وقيل إنه ألف عشرات الكتب في جميع المجالات، عن الحب والطبيعة البشرية والعدالة والقانون، وما يميز فلسفة أبيقور تأكيده على أهمية السؤال :” منطق وجذر كل خير هو لذة السؤال : ” أذ الفلسفة على نحو ملائم ليست سوى دليلاً على البحث عن اجابات للاسئلة التي نطرحها. وإضافة للسؤال كان أبيقور مهتماً بنشر مفهوم اللذة الحسية : ” اللذة هي غاية الحياة السعيدة “. بعد عودته الى أثينا شرع أبيقور بترتيبات لأنشاء مدرسة غريبة، جمع فيها معظم أصدقائه :” من بين جميع الأشياء التي تمنحها الحكمة لتساعد المرء على عيش حياة كاملة مليئة بالسعادة، يعتبر امتلاك الاصدقاء أعظمها على الاطلاق ” وكانت مدرسة أبيقور اشبه بمنزل عائلي كبير، من دون إحساس بالضيق، ليس هناك سوى الصداقة والتعاطف.
يخبرنا أبيقور اننا لن نكون موجودين، مالم يكن ثمة أحد يرى إننا موجودون، وما نقوله لامعنى له ما لم يسمعه أحد.
في كتابة ” حديقة أبيقور” يكتب أناتول فرانس إن ” الكتب شكلت هاجساً لي طوال حياتي، وكنت اجد في الكتب ما لاأجده في عالم الواقع من أشياء مضت وانطوت فلا تعود أشياء متوقفة نتخيلها ولاندركها على التحديد “.
كان برنادشو يقول إن أعظم ثورات شبابه، هي لحظة قراءة أعمال هنريك أبسن : ” كنت في الخامسة عشر حين وقع في يدي مجلد لأعمال النرويجي أبسن، حتى ذلك الحين كان كل الذين أعرفهم قد تعودوا أن يحطوا من شأن المسرحية،إنها لاتهتم اهتماماً حقيقياً بمصائر البشر، وعندما أنتهيت من قراءة أبسن أعلنت إن هذه المسرحيات يمكن أن تعلم الناس أفضل مما تستطيعه الجامعات “. حلم أبسن في بداية حياته أن يصبح رساماً بسبب أفتتانه بألالوان، غير أنه أتخذ بسرعة شديدة القرار بأن يصبح مؤلفاً مسرحياً. يقول برنادشو :” كان قرارا مدهشاً، أن تنصت الى العالم ساعياً الدخول الى قلبه “.
بعد أن قرأت رواية توم سوير لمارك توين، تبينت للمرة الاولى إن ثمة أفكاراً هائلة يمكن أن تغير حياة الإنسان. وان إحساساً جديداً قد نشأ عندي بشكل ما خلال قراءتي لمثل هذه الروايات، ولا شك إن اكتشافي في ذلك الوقت لطه حسين وتوفيق الحكيم قد لعب دوره أيضاً، انني استطيع أن أتذكر اللحظات الاولى التي بدأت فيها بالشعور بنوع من عاطفة الحب.كان ذلك بفضل رواية عودة الروح لتوفيق الحكيم. كنت آنذاك في الثانية عشرة من عمري، وما زلت أتذكر ذلك الشعور حين كنت أتابع لهفة بطل الرواية الصغير محسن الذي سمع ذات يوم صوت فتاة : ” كان نذيراً أو بشيراً بإعلان الاشتباك في الحب “.
************
هناك مؤلفون يظلون في ماضينا رغم إنهم يعلموننا أشياء كثيرة عن الحياة، ورغم اننا نقرأهم بحب وشغف، فإذا رجعنا لهم بعد سنوات، فليس لأنهم مايزالون يتحدثون إلينا وانما بدافع الحنين، متعة العودة الى الزمن الذي قرأناهم فيه لأول مرة
أورهان باموق
يخبرنا مارك توين إنه استطاع أن يجمع أكثر من خمسة عشر ألف كتاب في منزله الضخم الذي بناه عام 1874، والذي أطلق عليه اسم ” القصر الملكي “، كان مارك توين أنذاك في قمة شهرته، ويقال انه كان يمتلك ذاكرة حادة، وكان شغفه بالقراءة يعزله أياماً وأسابيع عن الناس، جمع في مكتبته الكثير كتب التاريخ والسيرة والفنون والروايات، ويظل تشارلز ديكنز أكثر الكتاب تأثيراً عليه، يكتب لأحد الاصدقاء :” الجلوس الى المكتب يعني إعادة التمعن بما كتبه تشارلز ديكنز، إنها روايات تبعث الحماسة في نفسي ” ويعترف في يومياته إن الكاتب الانكليزي الشهير كان صاحب الفضل عليه في كتابة روايته الشهيرة توم سوير.
عندما بلغ مارك توين الاربعين من عمره، شعر إن قطار الكتابة يوشك أن يفوته، فقرر أن يكتب رواية عن مغامراته وهو صبي :” سأكتب حكايتي، حتى أبرهن للعالم إن لدي موهبة قوية ومتميزة “، كان يكتب وسط فوضى عجيبة، كتب وأوراق وجرائد وأعقاب سجائر.كلها متناثرة على المكتب كما على الارض.كان يمنع منعاً باتاً كلياً دخول أحد الى المكتب سوى زوجته ليفي. لم يكن أحد من أفراد عائلته يجرؤ على طرق باب غرفته، وكانوا ينفخون في بوق لمناداته عند الضرورة. وفي الأيام الحارة كان يترك باب الغرفة مفتوحاً ويثبت أوراقه بالحجارة، ويكتب بلا توقف حتى عند الأعاصير، مرتدياً ملابس خفيفة مصنوعة من القطن. بعد العشاء يقرأ ما كتبه خلال اليوم على أفراد عائلته. كان يحب الحصول على جمهور ودائما يكسب موافقتهم، يشتغل على كتب عدة في نفس الوقت، إلا أن حنينه الى مرحلة الطفولة وضفاف نهر المسيسبي وقرية أجداده، يطفو على سطح الذاكرة، ومن هذا الحنين قرر أن يضع الكتب الخمس الأخرى جانباً، ويبدأ في كتابة الصفحات الاولى من رواية توم سوير، أراد أن ينقل خلالها أجواء الحقول الكبيرة والطبيعة الهادئة التي رافقت طفولته.نجح مارك توين في وصف ذلك المنظر ونقله بكل تفاصيله التي استوحاها من ذكريات طفولته. يكتب في دفتر يومياته نوعاً من الوصايا للكاتب الذي يريد أن يعيد صياغة جزء من حياته على شكل رواية ممتعة ” : أبدأ بأية لحظة من لحظات حياتك وتجوّل كما يروق لك في تفاصيلها طولاً وعرضاً من دون أن تأبه بأي تتابع زمني منطقيّ. ثم لا تحكي إلا عما يثير اهتمامك في لحظة الكتابة نفسها. فهذا الذي يثير اهتمامك هو المهم مهما كان من شأن أهميته بالنسبة الى لحظته التاريخية التي حدث فيها. ثم في اللحظة التي يلوح لك فيها إنه قد فقد أهميته، سارع بالإبتعاد عنه للتكلم عن أشياء جديدة تلوح أهميتها أمام عينيك ولو في شكل مباغت”.
كان مارك توين يؤمن أن كتابة رواية عن حياته لاتحتاج الى استحضار اشخاص استثنائيين، أو الى مفاخر أو مآثر أو سرد حوادث تفوق المألوف :” إن مشوار الحياة لأفراد عاديين يوفر للكاتب مادة تكفيه لايقاظ الفضول والحفاظ على أهتمام القارئ وحرصه “.
يكتب أرنست همنغواي :” اذا استثنينا موبي ديك. فليس هناك كاتب اميركي عومل بمثل هذا الأهتمام من قبل النقاد كما حدث لمارك توين، فهم يلفتون الإنتباه الى النقد الاجتماعي والسخرية والوحشة في كتاب توم سوير، ويشيرون الى لغته المباشرة، دون التواء والعادية في بساطة “.
يروي مارك توين في توم سوير حكاية طفل بعمر أثني عشر عاماً، نشأ قبل قيام الحرب الأهلية الأميركية، على ضفاف نهر المسسبي، وقد اختار مارك توين هذا المكان حيث أنه نشأ فيه وأثر في شخصيته، عاش الطف
ل في مدينة خيالية سماها توين ” سانت بيتسبورك “.يعيش مع عمته بولي، وهي امرأة متقلبة المزاج، كبيرة في العمر، متسلطة تفرض آراءها على الجميع متى ما سنحت لها الفرصة، لذا قد فرضت شخصيتها على توم وأخويه، وبالتالي رفض توم تسلطها، فهو ثائر لا يرضخ ولا يتذلل، وعشق توم سوير طفلة تعيش معهم في نفس البلدة، جميلة الوجه، وكانت قد انتقلت مع عائلتها إلى بلدتهم مؤخراً.نلحظ في الرواية ان توم سوير لا يخطط للعيش الطويل في البلدة، بل كان يريد الهرب منها بالاتفاق مع صديقه الذي يدعى هاكلبري، وكانوا يريدون أن يصبحوا قراصنة بحرية، ويدخلوا هذا المجال عن طريق سرقة أي قارب، والغوص في أعماق البحر، وبدأوا في تنفيذ خطتهم، والتي أوصلتهما إلى مغامرة أكبر وأخطر، حول جريمة قتل، فعلها مجرم كبير وخطير، ليدخلوا رغماً عنهم ضمن أحداث القضية. عدّ الكتاب عند صدوره أكبر هجاء للفساد السياسي المتفشي آنذاك فقد استخدم مارك توين الهجاء ليبين كم إن الناس ملتزمون بالقانون، فيما هم يعانون من ظلم بعض الأحكام المسبقة والمجحفة.
إن الشخصيات في توم سوير تعتمد بشكل أساسي على اصدقاء الكاتب وتجاربه في مرحلة صباه، حيث يخبرنا فيما بعد: “عندما كنا نتظاهر برسم صورة للحياة، كنت أقيد نفسي بالحياة التي أنا على دراية بها”.
كان اسمه الحقيقي ” صامويل كليمنس” ولد في تشرين الثاني عام 1835، تسلسله السادس بين سبعة ابناء ولدوا لمحامي حاول أن يجرب حظه في التجارة فحاصرته الديون مما إضطره أن يتنقل بعائلته الكبيرة للبحث عن عمل جديد، ليستقر أخيراً في مدينة هانبيال التي تقع على الضفة الغربية لنهر الميسسيبي، وقد رمز لها مارك توين في روايته توم سوير بـ “السينت بطرسبرج”، وبالرغم من أن الحياة في تلك المدينة كانت صعبة، فقد كانت طفولة صاموييل سعيدة جداً، توفي والده و هو في سن الثانية عشرة، و كان عليه العمل مع أخيه الأكبر في أعمال الطباعة، و لم تكن تلك المهنة محببة لصبي يحب الحركة و المرح، و لكنه شعر بسعادة غامرة عندما أنتقل للعمل من الطباعة إلى قيادة البواخر على نهر الميسسيبي، و كان عملاً شاقاً و لكنه مهم، وتضع الحرب الأهلية الأمريكية بين الشمال و الجنوب حداً فاصلا لطموحات الفتى ليصبح بحاراً.
انتقل بعدها للعمل كمراسل لصحيفة محلية، وبدأ يكتب الحكايات الفكاهية تحت اسم مستعار “دبليو إبيمينوداس ادراسكاس بلاب”. لقد أحب بشكل خاص كتابة الاشياء التي تظهر الفكاهة او الضحك على قادة المدينة، لاسيما اولئك الذين كانوا أقوياء جداً، في العام 1869 اصدر كتابه الاول و كان بعنوان ” أبرياء في الخارج “، ليقرر استخدام اسم الشهرة التي عرف به وهو “مارك توين”.
************
لماذا نكتب؟ ولمن نكتب؟ سوف يجيب مارك توين، من أن القارئ يرغب في أن يجد كتباً تساعده على التغيير كثيرا :” أظن اننا في البلدان المتكلمة بالانكليزية لانزال نتغير على طريقة شكسبير، أما أنا فأريد أن اتبع طريق ثيرفانتس الذي تساعدنا قراءته في تعلم كيفية الإنصات للآخرين، ويعلمنا أيضا كيف نتحدث الى أنفسنا أكثر من الحديث مع الاخرين “.ولدى سؤال مارك توين لماذا نقرأ؟ يدلنا بان القراءة العميقة والمستمرة هي وحدها التي تقيم وتعزز الذات المستقلة يكتب في يومياته : مافائدة الإنسان اذا كان لايجد نفسه “.
في أواخر عام 1860 اشترى مارك توين من إحدى المكتبات نسخة من كتاب جديد ألفه عالم الطبيعة تشارلز داروين.قرأ مارك توين الكتاب بإهتمام وكتب في دفتر يومياته :” كنت أتمنى أن يعكف السيد داروين على دراسة خصائص الأنسان وميوله.. فحتماً سيجد النتيجة فاجعة وستضطره الى احتمال سحب تأييده لارتقاء الانسان من الحيوانات السفلى، وسيهجرها حتما لمصلحة نظرية أصح وأحدث يمكن أن تسمى انحدار الانسان من الحيوانات العليا “.
في العام 1905 صدر مارك توين كتابه ” ما الإنسان ” وفي مقدمة الكتاب يخبرنا إنه فكر في تاليف هذا الكتاب منذ أكثر من أربعين عاماً، :” هي أفكار كنت أعمد الى اخفائها مع الاحتفاظ بها كعقائد شخصية، ولماذا لم أصرح بها لأنني كنت أخشى نقد الناس.. وكنت أتصور انني لا اقدر على احتمال ذلك النقد “.
في واحدة من مقالات الكتاب والتي بعنوان ” الجنس البشري الملعون ” يخبرنا مارك توين إنه يرد على نظرية تشارلز داروين باسلوب العلم التجريبي، ومن طرائف المقالة المقارنة التي يضعها توين بين الانسان والحيوان، ففي فقرة عنوانها ” الديك أرقى من الانسان، والقطط افضل أخلاقاً” يصر مارك توين على أن التجارب اقنعته بان الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يحمل في صدره الضغن والأذى وينطوي عليهما وينتظر حتى تتاح له الفرصة ليأخذ بثأره..بينما الحيوانات العليا لاتعرف الانتقام، ويضرب توين مثلا بالديوك التي يقول انها تتخذ لها حريماً، ولكن بموافقة المحظيات ورضاهن انفسهن، وليس في هذا العمل خطأ بحق أحد، أما الرجال فهم على حد تعبير مارك توين يقتنون الحريم بالقوة الوحشية والقوانين الجائرة التي لم يكن للجنس الآخر يد في وضعها. أما القطط فيرى توين إنها واسعة الذمم الأخلاقية ولكنها لاتعي ذلك.أما الانسان فقد تحدر من القطط وأخذ عنها إنحلالها الأخلاقي وترك اللاوعي وهو الميزة الرائعة التي تبرر لاأخلاقية القطط : ان القطط بريئة والانسان غير بريء . لنجد مارك توين يعلن ان ” الدناءة والهمجية صفات خاصة بالانسان وهو الذي اخترعها ”
كان كتاب تشارلز داروين قد صدر في تشرين الأول عام 1859، وكان مؤلفه قلقاً حول عدد النسخ التي يمكن أن تباع، فقد أقنع شقيقته ان تقرضه مبلغاً من المال سيعيده إليها بعد ثلاثة اشهر. صاحب المطبعة التي طبعت الكتاب، كان يسخر من المؤلف الذي يريد أن يثبت للناس أنهم سلالة من القردة، كان ينظر إليه ويشير للعامل : “يبدو إن السيد داروين يطيل النظر الى المرآة طويلا، ليثبت نظريته”. لكن المفاجأة كانت بانتظار الجميع، فـ “1250 ” نسخة نفدت في الأسبوع الأول، وكان باعة الكتب يلحّون على صاحب المطبعة ان يعيد الكرّة ويطبع نسخاً جديدة. في السنة الأولى يعاد طبع الكتاب ثلاث مرات، ويتجاوزعدد النسخ التي بيعت منه العشرة آلاف، البعض يبحث عن الكتاب ليرضي تطلعه المعرفي، وآخرون لإرضاء فضولهم والجواب على سؤال يشغلهم: هل نحن حقا سلالة من القرود المتطورة؟
لكن الكتاب في الواقع لم يكن سوى فرضيّة علميّة يطرحها المؤلف للنقاش. وضعها داروين بعد ملاحظات وبحوث ورحلات وقراءات دامت أكثر من عشرين سنة، أراد من خلالها إيجاد السبل للإجابة على سؤال لطالما حيّر العلماء حول الحلقة المفقودة في عملية التطور المعقدة التي تمت عبر ملايين السنين.
وكان الأساس الذي بنى داروين عليه فرضيته العلمية، يتعلق برصد التغيرات التي طرأت على النباتات والحيوانات الأليفة، لا سيما منها تلك التي يتحكم بها الإنسان. ويقارن داروين ذلك، أي الفروقات في الأنواع الناتجة عن “الانتخاب الصناعي”، بالتغيرات الحاصلة في الطبيعة من دون تدخل الإنسان، أي الناتجة عن “الانتخاب الطبيعي” ليخلص إلى أنه :” حيثما هناك حياة، ثمة تغير وتطور مستمران ناتجان أساساً من الصراع من أجل البقاء ”
مابين عام 1875 و1894كان مارك توين في أوج شهرته وغناه، وكان دخله يصل الى مائة ألف دولار سنويا لكنه وبسبب مغامراته المالية تعرض للإفلاس، ولاحقه سوء الحظ بسبب وفاة ابنته وزوجته، ليعيش ” أبو الأدب الأميركي”، كما لقّبه وليم فوكنر، مكتئباً راودته فكرة الانتحار، تركت هذه المصائب آثاراً كبيرة على نفسيته، حيث كان يشعر بغضب على هذا العالم الذي لم يتركه يعيش مثل صبي في حرية لانهائية ومتعة..فاضطر أن يعتزل العالم ليبني في الريف بيتاً يعيش فيه مع ابنته، يكتب في آخر صفحة من يومياته ” إن السعادة والحب والشهرة والثروة ليست إلا قناعاً خفيفاً لحقيقة الإنسان المستترة خلفه، وهي الألم، والحزن، والخزي، والفقر ليودع العالم في صيف 1910 بعد أن اعترف به باعتباره ” الأب الشرعي للادب الاميركي ” لكنه يكتب في وصيته:” انني لأموت وقلبي يطفح حقداً، وكراهية لكل ما هو موجود “.

((المدى))