جيوكوندا بيلي.. مقاتلة بلباس شاعرة

 

جيوكوندا بيلي بدأت حياتها في جبهة “الساندينيستا
بذل الاستعمار الإسباني قصارى جهده للقضاء على تاريخ منطقة وسط وجنوب أميركا اللاتينية بعد غزوه لها فيما سمي بمرحلة “الاكتشاف” التي أعقبت وصول “كريستوفر كولومبوس” إلى ما أطلقوا عليه منذ ذلك الحين “العالم الجديد”، والحقيقة أنه لا ذنب لهذا المغامر العظيم، فيما حدث بعد وصوله إلى هناك، لأنه مات دون أن يعرف أنه وصل إلى منطقة كانت مجهولة في ذلك الوقت، بل كان اعتقاده الراسخ أنه وصل إلى جزر الهند الغربية مبحراً نحو الغرب بدلاً من الإبحار شرقاً، ولكن “محاكم التفتيش” التي أغرقت إسبانيا نفسها والمسيحية الكاثوليكية كلها في بحر من الدماء والفساد باسم الحفاظ على نقاء “الدين والعرق” كانت الأداة التي استخدمها المتعصبون للسيطرة الدنيوية باسم الدين.

قد ثبت بالوثائق أنه راح ضحيتها مئات الآلاف من البشر بينهم عدد لا يستهان به من الكاثوليك أنفسهم، لأن الجشع بحثاً عن المال دفع بكثير من الناس إلى الوشاية بالأثرياء من جيرانهم الكاثوليك والادعاء أنهم “موريسكيون” أو يتعاطفون مع الموريسكيين بهدف الإثراء على حسابهم، لأن قانون محاكم التفتيش كان يقضي بالاستيلاء على ممتلكات من يطبق عليهم هذا القانون ويكون نصف الممتلكات للواشي والنصف الآخر للكنيسة نفسها.

بل إن الكثير من قضاة تلك المحاكم أمر بالقبض على كاثوليك من المؤمنين الحقيقيين بهدف الانتقام لأسباب شخصية أو بغرض الاستيلاء على ممتلكاتهم.

امتد هذا الاضطهاد ليشمل السكان الأصليين من البلاد المكتشفة حديثاً تم مسميات عدة كلها تهدف إلى الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الذهب والفضة وتحويله إلى سادة الكنيسة، وكثير من رقائق الذهب والفضة لم يكن مخطوطات مدون عليها تاريخ حضارات تلك الدول التي لم تكن تقل تقدماً في الكثير من عهودها عن الحضارات الأخرى القديمة التي قامت في العصور الموازية لحضارات العالم القديم، أثبتت الكثير من الآثار المعمارية لحضارات “المايا” و”الاثتيك” و”الانكا” وغيرها من الحضارات القديمة التي قامت هناك قبل الغزو الإسباني إنها لم تكن أقل تقدماً، وبسبب صهر تلك الرقائق من الذهب والفضة وتحويلها إلى “سبائك” حتى يسهل نقلها، فقد العالم الكثير من المعلومات التي كانت مدونة على تلك المخطوطات.

لذلك لم يتبق من تاريخ تلك البلاد سوى القليل من المكتوب على جدران حجرية لم يفلح المستعمر الإسباني في تدميره أو طمسه، إلى جوار الحكايات “الشفهية” التي حفظتها الأجيال من سكان البلاد الأصليين عبر التواتر.

حكايات شفهية

كان يمكن لهذه الحكايات الشفهية أن تختفي أيضاً بعد امتدت أدوات الحضارة المعاصرة إلى أعماق الغابات والجبال التي لا تزال تعيش فيها بعض القبائل المنعزلة من سكان البلاد الأصليين في العديد من مناطق أميركا اللاتينية، ومن هنا كانت الحاجة إلى الحفاظ على تلك الروايات حتى لا يضيع تاريخ تلك البلاد القديم، وكان المبدعون المعاصرون في مقدمة من حاولوا الحفاظ على تلك الحكايات والأساطير من خلال استخدامها في كتاباتهم الإبداعية من شعر ورواية وقصة، وان كانت الرواية المعاصرة في أميركا اللاتينية قد استفادت أكثر من غيرها من هذا التراث، وشاركت في الوقت نفسه في الحفاظ عليه وإبقائه حياً، ومن هؤلاء أسماء كثيرة في مقدمتها الكاتب العالمي جابرييل جارثيا ماركيز والمكسيكي كارلوس فوينتيس، لكن لفت انتباهنا أن الشاعرة النيكاراجوية جيوكوندا بيلي التي قدمت حتى الآن ثلاث روايات فقط اعتمدت في كتابتها على أساطير شفهية تعكس وتحيي ما حاول الاستعمار الإسباني طمسه من تاريخ تلك الشعوب.

تعتبر الكاتبة والشاعرة جيوكوندا بيلي (نيكاراجوا 1948) واحدة من أهم المبدعين في منطقة وسط وجنوب أميركا اللاتينية الناطقة باللغة الإسبانية، بدأت حياتها شاعرة مناضلة في جبهة “الساندينستا” بقيادة “دانييل اورتيجا”، التي كافحت ضد نظام الحكم الدكتاتوري للجنرال “سموزا” المدعوم من الولايات المتحدة الأميركية طوال عقود إلى أن أسقطته الثورة، ثم واصلت الكاتبة الكفاح خلال فترة الحرب التي تلت سقوط النظام الدكتاتوري ضد قوات “الكونترا” التي كانت تمولها وتدربها المخابرات الأميركية في محاولة لإسقاط الثورة والعودة إلى البلاد، وراح ضحيتها عشرات الآلاف من الفلاحين الأبرياء الذين كانوا يدعمون الثوار ويرفضون الخضوع للمطالب الأميركية بالتخلي عن منجزات الثورة التي أسقطت الإقطاع والامتيازات الأجنبية التي كانت قائمة طوال عقود طويلة تحولت خلالها نيكاراجوا إلى إحدى “جمهوريات الموز” التي كانت تديرها شركة الفاكهة الأميركية.

وخلال مسيرتها الشعرية، فازت جيوكوندا بيلي بالعديد من الجوائز الأدبية أبرزها جائزة “ماريانوا فيليس خيل” عام 1972، و”كاسا دي لاس أميركاس” 1978 و”سور خوانا دي لا كروث” عام 2008، وجائزة “الريشة الفضية” عام 2005، و”الجائزة الدولية لجيل 27 للشعر” عام 2000.

ثم مع منتصف الثمانينيات تحولت إلى كتابة الرواية وقدمت ثلاثة من أهم الأعمال الروائية: “المرأة المسكونة” و”صوفيا سيدة النبوءات” و”وسلالا”، وبفضل هذا التوجه الجديد نحو الرواية، حازت العديد من الجوائز أيضاً في هذا المجال، حيث فازت روايتها “المرأة المسكونة” بجوائز عدة، منها “أفضل رواية” عام 1989، وجائزة “اتحاد الناشرين” عام 1992، وتمت ترجمتها إلى العديد من اللغات.

والمتابع لإبداع جيوكوندا بيلي النثري يكتشف أن ما يجمع بين تلك الأعمال الروائية هو البحث المستمر عن العقائد القديمة السابقة على وصول رحلات الاستكشاف بقيادة “كولومبوس” لتلك البلاد، والتي يطلق عليها المؤرخون والنقاد مسمى “Precolombina” باعتبار أن هذه العقائد تمثل نسقاً أسطورياً لإبراز أهمية الشخصية النسائية في كل هذه الروايات، باعتبار أن تلك الشخصيات النسائية مناضلة من أجل الحياة والوطن والمستقبل، حيث نجد في كل رواية شخصية نسائية أسطورية، عادة ما تحاول مساعدة البطلة الشخصية المحورية في كل رواية للوصول إلى هدفها، أو تلعب دوراً مكملاً لدور البطلة الروائية لتشكلا معاً مجموعة من الشخصيات التي تحاول خلق توازن ميثيولوجي لشكل واحد.

حكايات الناس

يعتبر النقاد أن الكاتبة النيكاراجوية جيوكوندا بيلي استفادت في إبداعها الروائي من الجانب الشفاهي في ثقافة بلادها التي تروي الأساطير التي تتوارثها أجيال السكان الأصليين في البلاد، الذين يمثلون الجانب الأكبر تعداداً بين السكان، وكل هذه الأعمال الشفاهية تؤكد دور المرأة المهم في مقاومة الغزاة الإسبان الذين غزوا تلك البلاد واستعبدوا أهلها ونهبوا ثرواتها من الذهب والفضة، ودمروا آثار حضارتها التي تؤكد الشواهد المتبقية من التدمير على أنها كانت حضارات متقدمة.

في روايتها الأولى “المرأة المسكونة” الصادرة طبعتها الأولى عام 1988، نجد شخصية “ايتثا” أو “نقطة الندى”، التي تعبر عن النقاء البدائي في الطبيعة وتنتمي إلى حياة شعب نيكاراجوا خلال الغزو الإسباني بعد ما يسمى “عصر الاكتشاف”، تعود إلى الحياة من جديد في القرن العشرين من خلال تجسدها في شجرة برتقال زرعتها شخصية رئيسة في الرواية “اينيس” عمة البطلة “لافينيا” والتي تبنتها وأحسنت تربيتها في ظل غياب الأبوين المشغولين بالحياة المعاصرة، وتتسلل البطلة الأسطورية إلى الشخصية المعاصرة من خلال عصير البرتقالات التي تقطفها “لافينيا” من تلك الشجرة، فتكونان معاً مزيجاً واحداً، فنرى الشخصية الأسطورية تلعب دور الحارس، بل والموجه، للشخصية المعاصرة لتواصل النضال القديم ضد كل أشكال الظلم والطغيان، فإذا كانت الشخصية الأسطورية “ايتثا” قد لعبت دورها في التمرد على تقاليد القبيلة وتبعت حبيبها “يارنثي” في حربه ضد الغزاة الإسبان، فإنها تعود مجدداً لتدفع البطلة المعاصرة “لافينيا” للنضال ضد دكتاتورية “الجنرال الأكبر” الذي لا يقل قسوة وظلما في تعامله مع مواطني بلاده من الغازي الإسباني.

وتعود العناصر الأسطورية إلى التجسيد مجدداً في روايتها الثانية “صوفيا سيدة المعجزات” فتقدم لنا الشخصية النسائية الأسطورية من خلال “الساحرات”، أي تلك الكائنات التي تعرف أسرار الطبيعة وتسخرها من أجل خدمتها، وساحرات هذه الرواية هن: “شنتال” و”السيدة كارمن” اللتان تساعدان البطلة “صوفيا” في التغلب على المواقف الصعبة في حياتها المعاصرة، والوصول إلى هدفها.

أما في الرواية الثالثة “وسلالا” فإننا نعثر على شخصية “ميليساندرا” التي تبحث في المستقبل عن العالم الميثيولوجي المثالي في “وسلالا” التي تلعب النساء فيها دوراً مختلفاً تماماً عن تلك الأدوار التي يفرضها المجتمع عليهن، أي هن نساء متمردات على أدوراهن في هذا المجتمع في محاولة لخلق مجتمع مثالي يؤمن بقدراتهن.

إن البحث في الأعمال الروائية للكاتبة جيوكوندا بيلي يكشف دائماً عن إصرارها على إحاطة شخصيات تلك الروايات بعناصر نسائية أسطورية لها ملامح نابعة عن أصول وتاريخ تلك المجتمعات القديمة لإبراز دور المرأة في المجتمعات المعاصرة القائمة الآن، وأن الشخصية النسائية تسعى دائماً من أجل حياة أكثر عدالة، وتأتي تلك الشخصيات الأسطورية مخترقة التاريخ والواقع لمساعدة بطلات هذه الأعمال من أجل التوصل إلى تحقيق هذا الهدف، وعندما تسير الأحداث بشكل غير منطقي لتحقيق الهدف فإنها تبحث عن طرق أخرى تؤدي أيضاً إلى تحقيق هذه الفكرة روائياً من خلال التفكير في القوى الخارقة للطبيعة التي يوفرها استخدام الشخصيات الأسطورية.

/www.alittihad.ae/details.php?id=