مدريد ـ «القدس العربي» من محمد محمد الخطابي:

«ذاتَ مرةٍ، في حديقة من حدائق نيويورك
أقبلتْ نحوي حمامة
لتموت تحت قدمي
احتضُرت بضعَ ثوانٍ، ثم ماتت
إلا أن الذي حيرني
وهو أمر لا يُصدق
أنها عادت للانبعاث فورا
دون أن تمنحني وقتا للقيام بأي شيء
ثم انطلقت طائرة
كما لو أنها لم تمت قط
من بعيد رنت، أجراسُ نواقيس
ومكثتُ أنا، أحدِقُ النظرَ فيها مشدوها
وهي تحلق في اتجاهاتٍ مُتعرجة
بين مُجسمات المَرمَر
والبنايات الشامخات
مرت بخلدي أشياءُ كثيرة
كان يوما من أيام الخريف
ولكنه بدا لي يوما ربيعيا رائعا
مع ذلك قرقرت أحشائي بصَخَب
فعمدتُ إلى بَصق هذه القصيدة». (قصيدة انبعاث)

يُعتبر نيكانور بارا المولود عام 1914 من أكبر شعراء تشيلي في العصر الحديث، وهو يقف في مصاف كبار الكتاب والمبدعين في هذا البلد الأمريكي اللاتيني مثل غابرييلا ميسترال ــ أولَ امرأة والوحيدة حتى الآن الفائزة بجائزة نوبل في الآداب في أمريكا اللاتينية عام 1945 ــ وبابلو نيرودا، وبيثينتي ويدوبرو، وغونثالو روخاس، وإيسابيل أليندي، و»خورخي إدواردز» وسواهم. لقد أسهم بارا بقسطٍ وافر في إثراء وإغناء اللغة الشعرية في إسبانيا ومختلف بلدان أمريكا اللاتينية، كما يتميز بسخرية لاذعة، وبنظرة نقدية ثاقبة للمجتمع والحياة. ولقد أثارت الأعمال الإبداعية لهذا الشاعر كثيرا من الجدل حول نوعية الشعر الذي يكتبه، والذي لا يخضع للأشكال التقليدية المعروفة، والأنماط الأسلوبية المتبعة المتعارف عليها في الشعر الإسباني التقليدي، ومع ذلك حقق شهرة واسعة في هذا المنحىَ في مختلف أرجاء العالم الناطق باللغة الإسبانية.

الصوت الحي

يقول بارا: «إنني عندما أرى هؤلاء الشعراء المعروفين بالبلاغة، والموسومين بالتحذلق، والشغوفين بالبيان والتنميق اللفظي يُخيل لي وكأنهم جميعا متشابهون، وبالتالي هم يعدون أو يبدون لي بذلك وكأنهم شاعر واحد». ويطالب بارا إيلاء العناية بالشعراء الشباب المنسيين أو المُهمشين، الذين لا يقطنون الحواضر أو المدن الكبرى، وهو يقصد هؤلاء الشعراء الذين يُسمون في لغة الهنود من سكان تشيلي الأصليين «شيان». ويقول في السياق نفسه: «إنه كان وما يزال مُسلحا من قمة رأسه إلى أخمص قدميه لمناهضة ومواجهة ما يُسمى بالشعر المنمق، أو ما يطلق عليه بـ»اللغة الشعرية الخالصة»، وهو مقابل هذه اللغة يُوثر أو يميل إلى استعمال اللغة البسيطة والكلام اليومي المتواتر المتداوَل بين الناس، إذ يهمه في المقام الأول ما يدور بين هؤلاء العامة من حوار، وما تخالجهم من هموم، وما تملأهم من آمال، وما تحدوهم من رغبات وتطلعات، وكأنه يومئ بذلك إلى بيت شاعرنا العربي أبي عبادة البحتري عندما يقول: والشعر لمحٌ تكفي إشارتُه/ وليس بالهذر طُوِلتْ خُطبُه!

شاعر الضواحي

يحب الشاعر بارا أن يُسمي نفسَه شاعر الضواحي النائية المهمشة، والأرباض الفقيرة النائية، والأحياء الخلفية المُعتمة للمدن والحواضر، وكان صديقه الراحل شاعر تشيلي كذلك غونسالو روخاس قد عبّر ذات يوم عن إعجابه بنيكانور بارا وبشعره، وقال عنه: «إنه يُعتبر من أكبر شعراء أمريكا اللاتينية، ويتميز شعره بشكل خاص بالعنصر اللغوي الشفوي الدارج، وهو يقف بذلك مناهضا، ومعاكسا ومضادا للشعر التقليدي، الذي كان يراه موغلا في الرموز والزينة والتطرية اللغوية، وغارقا في الشحوب والغموض، أو ما يُسمى بالشعرالتقليدي، أو الشعر الأسود أو الميتافيزيقي».
شاعر ضد التيار
يرى بعض النقاد أن غير قليل من الشعراء الشباب يأخذون العبرة من هذا الشاعر، الذي لا يتورع عن الاختلاط بالطبقات الكادحة، ومرافقة الشرائح الدنيا في المجتمع. ويدافع نيكانور بارا عن هذا الاتجاه في قرض الشعر فيقول: «إننا في الشعر الجديد المتحرر المناهض للشعر التقليدي تُسمع لنا أصوات مُتعددة مُبتكرة ومُتجددة ومُتنوعة، وليس صوتا واحدا متكررا رتيبا، بمعنى أن الشاعر فينا أو منا يغدو كاتبا دراميا، وكاتبا مسرحيا وليس شاعرا وحسب، كما أنه بهذا المعنى هو ليس شاعرا واعظا، ولا مُبشرا ناصحا، أو هاديا مُرشدا». ويعلق الشاعر الإسباني خورخي رودريغيس بادرون، مازحا على هذا الكلام فيقول: إنه من مفارقات الحياة أن يحظى الشاعر نيكانور بارا بهذه العناية الفائقة وهو الشاعر المناهض والمعاكس للشعر التقليدي الكلاسيكي، ويخشى الكاتب الإسباني أن يتحول بارا بهذا الإطراء والثناء رويدا رويدا إلى شاعر كلاسيكي بالفعل، فقد كان يسبح دائما ضد التيار، إنه يتطلع إلينا من وراء السنين البعيدة التي أثقلت ظهرَه بمُحياه المدبوغ وكأنه ملاكم قديم مُحترف. إن بعده عن الصرامة والجدية يدنيه من روح السخرية اللاذعة، والتهكم الصارخ حيث يتميز شعرُه السلس، وطبعه المرح في آن بهاتين الخاصيتين، ويُذكر الكاتب الإسباني: أن شعر ما بعد الحداثة يسير عكس كل ما هو سامٍ وراقٍ ورفيعٍ، وعاجي بحثا عن مَواطن الهزل، وبؤر التهكم والإزدراء، وهكذا فلا شموخ الغناء الشعري الفريد عند صديقه وبلديه الشاعر بابلو نيرودا، ولا مهارة ولا حذاقة خليله فيثينتي ويدوبرو، اللذين أمكنهما التأثير عليه وتغيير مساره واتجاهه الشعري، بل ظل مُوثرا، ومُفضلا ومُخلصا، وميالا للتعبير التلقائي، والنظم الفطري والعفوي البسيط للحياة الذي ربما يكون قد استوحىَ بعضَ جوانبه من الشعر الإنكليزي».

بارا في لغة الضاد

وقد نقل المترجم أحمد حسان منتقيات من شعر نيكانور بارا إلى اللغة العربية نُشرت تحت عنوان «كأنما لا شيء يحدث في تشيلي» الصادرة عام 2013 عن سلسلة آفاق عالمية (الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية).
أدرج المترجم في هذا الكتاب مختارات من قصائد متفرقة مبثوثة في مختلف دواوين الشاعر تعود لمراحل متباعدة ومتعددة من حياته، وتعكس تجاربه الإبداعية في هذا الصنف من الإبداع الشعري، الذي عُرف به واشتهر بنظمه منذ الخمسينيات من القرن المنصرم، أي منذ أن نشر كتابه الأول في هذا الاتجاه عام (1954) وهو «قصائد وقصائد مُضادة». ويشير المترجم في هذا القبيل إلى ما معناه أن قصائد نيكانور بارا تسعى إلى كبح جماح، وكف وظيفة (الأنا البطولية عن الاشتغال). ويرى الكاتب عمر شكري من جهته أن الغاية من ذلك هي أن «تحل محلها ذات حديثة، متهكمة، أي قصائد تتأمل وتستقصي وتتقلب بين أشكال شعرية وغير شعرية، ضاربة القيمَ الجمالية والانفعالية عرضَ الحائط، أما لغة الشعر المضاد، فتتوسل الاقتراب من لغة المعيش، مستخدمة مفردات من شتى الحقول العلمية والصناعية والتجارية، والدينية والسياسية، تتضافر جميعها لتنتج لنا في آخر المطاف قصائدَ أشبه ما تكون بمقاطع من الكوميديا السوداء»، وحسب المترجم حسان فإن قصائد بارا تغدو في هذا الاتجاه «بمثابة المرآة المُقعرة التي تُجبر الإنسانَ على أن يرى نفسَه فيها بكل حماقاته».

أعمال وجوائز

والشاعر بارا سبق أن حصل على الجائزة الوطنية في الأدب التشيلي، وعلى الجائزة الشعرية سانتياغو دي شيلي، وعلى الجائزة الدولية لكتاب أمريكا اللاتينية، وعلى جائزة خوان رُولفو الأدبية الرفيعة، وجائزة سيرفانتيس التي تُعتبر بمثابة نوبل في الآداب الناطقة باللغة الإسبانية، بالإضافة إلى حصوله على العديد من الجوائز الشعرية والأدبية المهمة الأخرى داخل بلاده تشيلي وخارجها. من أعماله: «رقصة الكويكا الطويلة»، «أشعار الصالون»، «قميص المجانين»، «أعمال فنية»، «خطب ومواعظ مسيح إلكي»، «خطب ومواعظ مسيح إلكي الجديدة»، «أغنيات روسية» «طرائف بارا لتضليل الشرطة»، «قصائد غير منشورة». «أغاني بدون عنوان»، «قصائد وقصائد مُضادة»، «العقبة الكأداء»، «قميص القوة «، «أوراق بارا». ويُلاحظ أن كلمة (بارا) تعني في الإسبانية الكرْمة أو الدالية أو العريش.

((القدس العربي))