من جحيمِ الحياةِ، نستعيرُ ناراً لنوقد الجدوى في إحساسها.. من قلبها.. نخطفُ وردة علّها تنام في نصوصٍ نستشعرها توقظ مفرداتها..

من الحلم، نوقظ أغنية الصباح على أنغامٍ يعزفها العشب ويسمعها المطر.. من الوطن، نمدُّ جسور الحبّ ما بين الكلمات، علَّ العصافير تحلِّق في فضائه دون أن يصطادها الخطر.. دون أن تتحطّم أجنحتها وهي تسارع لتراقبُ عن كثبْ، اللهب الذي يُقلِّصُ الفاسدين والمغفلين والمعاقين والمتنكرين والمجانين، والمجرمين الذين يتناسلون كعلامةِ استفهامٍ لا جدوى من النقطة بعدها..‏

هذا ما يفعله أيضاً، الأديب والشاعر العراقي «أسعد الجبوري» الذي أدرك، ومُذ تعرَّش الوجع على غربته التي لا اخضرار سينبتُ في عزلتها إلا لأنامله.. أدركَ، بأنه «ليس للرسمِ فواصل.. ليس للخطيئةِ شاشة»..‏

أدرك ذلك، فـ «نحت» بالكلمات المتحرِّرة من جدران المصحّات، والهاربة إلى حيث الزمن واقف في حنجرةِ الحياة:‏

«الزمن واقفٌ/ بينما العصافير المبلَّلة بالدمِ/ تخرجُ من فمهِ كالقلاعِ/ كالأشعة/ كالأعصابِ/عندما تقودها الخيول بتظاهرةٍ غير مزعومة».‏

إنه ما ننحتهُ اليوم أيضاً، وبوجعِ كلماته التي ومثلما استفزَّها ذاك اليوم الأبله والرديء والأحمق، استفزَّها هذا اليوم الأكثر بلاهة ورداءة وحماقة.. استفزَّها، فاستعادتْ صوتها:‏

«لا مطر إلا ويتنزّه بالعراء/كذلك/ لا معاطفَ للوقايةِ من هذا الإرهاب الدولي السائل بين مفاصلِ الأرض كالزيوتِ/ المغليّة…‏

يلزمنا وقتٌ للتقيؤ من الإسمنت والاعترافات/ يلزمنا جمهورٌ حزين وأزهارٌ سوداء ثملة/ تفكِّك أزرارها قرب المسالخِ الأكثر التماعاً/ من الحب».‏

ونتساءل، من يُخلِّصُ الأمس واليوم والغد، من هذا الاستفزازِ وألسنتهُ العارية؟.. من يُخلِّص الدماغ من هذيانٍ أصابهُ إثرَ صعقةٍ جاهلية؟..‏

من يُصلّي لسلامةِ مستقبلنا من العفنِ المتراكمِ في العقول.. لإنقاذِ الممكن من براثنِ المجهول؟..‏

من يصلِّي «صلاة خاصة.. لإنقاذ الجمال من غضبِ العضلات وهي تواصل هروبها، من المداخنِ إلى الأنهار المتقاعسة تحت سرادقِ الأمل، وهو يأخذ شكل البرتقالةِ في المزابل؟».‏

حتماً لا أحد.. لكن، هي مجرّد أمنيات أطلقها «الجبوري» ذات يقظةٍ احترافيةٍ أفقدت نصوص عقلهِ إيمانها، بالقدرة على إخمادِ قهقهةِ الجهلِ الساخر من جدوى الحكمة واتِّزانها.‏

فقدت إيمانها والحدس، إلا بفجيعتها التي شيَّعتها، إلى حيث «الأيام ترتّب أوضاعها في جحيمِ الرأس»..‏

إنه الجحيم الذي عايش عزلته بإغراءِ اللغة التي اقترفها كخطيئةٍ لا فواصلَ تردعها عن إبداعها. لا فواصل ولا فضاءات لطالما «ليس للرسمِ فواصل-ليس للخطيئةِ شاشة».‏

نعم، لقد اقترف اللغة كخطيئة هي مبتغاه، ولأنها جعلته يتَّسع بمداه مع تسارع هواه.. يتَّسع وهو يُرصِّع، ما يسردهُ على أنه اعترافاته لا رغباته: «ليست رغباتي في الحياة قوية، إنما.. أخاطبُ نفسي على الشكلِ التالي: يجب أن أحلم بالحب، وقت أن تشقّ خيولي طريقها إلى غابةٍ تسكنها رسومُ الصغارِ وأغاني الكسبة، ومناقشات العمال ساعة أن تفتق الظهيرة بنارِ العضلات»..‏

هي ذي رغباته.. أحلامه وأفكاره ولحظاته ومفرداته… أغنية تمرده وتجدُّده وتفرُّده الملموس:‏

«لقد خلع القلب معطفه المبلل قرب الشجرة/ في غابة عيون لم تشعّ إلا بالطفولة وهي تستحم بنفط هذا الانتظار المُطارد، بين مستودع الكلمات وثلاجة تشريح الشموس».‏

http://thawra.sy/_View_news2.asp?FileName=670734381201801042145