لاشك أن إصدار طبعة شعبية مصرية من كتاب ” الثابت والمتحول ، هيئة قصور الثقافة 2016 ” ، للشاعر السوري ” أدونيس ” حدث كبير . صحيح أن تلقي الواقع الثقافي المصري لتلك الطبعة ميَّزه الصمت شبه المطبق ، لكنه لم يكن صمت العارفين علي أية حال ، بل كان الصمت الذي يعكس المرض المطبق أيضا لواقع ثقافي مصري أكثر من مترد . مشهد البؤس هذا بدا اعتياديا ، حتى ، لدي مثقفين ومفكرين من المفترض أن بحث أدونيس يمثل واحدا من أكثر انشغالاتهم حضورا وتجددا . فمن ناحية تتشكل صورة أدونيس الشاعر والمفكر كحالة استثنائية في ثقافتنا العربية الحديثة عبر منجزه الشعري الذي أسس لمدرسة يتنازعها الآن تلامذة يتمددون ما تمددت اللغة . فهو بامتياز يمثل رأس القطيعة الجمالية شبه الجذرية مع ماضيه ، وهو كذلك يمثل مشروعا يدرج الشعر العربي ، للمرة الأولي ، ضمن نظرية المعرفة وليس ضمن نظرية البلاغة ، ما يمثل أعلي تجليات المغامرة في مواجهة القوانين القارة لذهنية التلقي . كان هذا التصور يمثل بابا لتحقيق النص الأدونيسي اختراقات عميقة ضمن الطاقات التخييلية التي اندلعت من مدارج المعرفة الحدسية ، فاستطعنا أن نقرأ نصا تركيبيا يغادر البداهة والفطرية اللتان ميزتا النص العربي في أطواره القبلية . ورغم أن أدونيس نفسه يعترف بأنه تعرَّف علي الكثير من فتنة النصوص العربية عبر شعراء ومبدعين فرنسيين مثل : مالارميه ، بودلير ، أندريه بريتون ، رامبو ، ونرفال . إلا أنه ، كمثقف وشاعر كبير ، استطاع أن يحقق مسافة مقبولة أمام تأثيرات تلك الغيرية ، ليستعيد تراثه ، لكن ذلك لم يكن بأدوات نقدية عربية خضعت تاريخيا لأنماط هيراركية وأبوية في تأويلاتها ، بل تم ذلك عبر منهجية اعتمدت علي العقل النقدي للحداثة الذي يرفض الحقيقة المطلقة باعتبارها مزارا تاريخيا للتوحيديين . وأظن أن أهمية كتاب ” الثابت والمتحول ” تنطلق من عداء أدونيس للنزعة الكلية ، وإيمانه المطلق بالتعدد والتنوع في قراءة النص الديني ، من هنا كانت انتقاداته اللاذعة لقراءات فقهية جعلت من النص سيدا علي واقعه . لقد خاض أدونيس المعركة حتى نهايتها ولازال مقاوما شرسا ضد كافة تجليات ” الفقه الأسود ” علي العقل العربي ، ولم يكن نصيبه من ذلك سوي عشرات الاتهامات الأكثر من صفيقة .
كان اتهام أدونيس بالشعوبية والانتصار لمرجعية التشيع من أسخف ما يمكن أن يتهم به شاعر ومفكر عربي يملك تلك الاستثنائية . وهي علي أية حال تهمة توجهت تاريخيا لشعراء ومفكرين كبارا لحساب أنظمة سياسية باترياركية كان هدفها تصفية خصومها عبر استعداء العامة ودهماء الناس عليهم ، وهي مواجهات دفعت مفكرين عديدين إلي القول بأن التراث المحذوف من ثقافتنا العربية أكثر بكثير مما قُدِّر له أن يبقي منها بين أيدينا . لقد كان أدونيس ضد ثقافة الحذف والاستئصال التي عززها التاريخ الأشعري ، حيث سيطرت دولته علي معظم الحقبة التاريخية للحكم الإسلامي ، وهي ثقافة عززت البنية التي استغلقت مسامها علي إكراهات ونواهٍ غير مسبوقة في التاريخ الإنساني . في المقابل كان انحياز أحرار الفكر العربي للمدرسة الكلامية التي آمنت بالطاقات التأويلية للنص الديني سببا مباشرا في اتهام أكثرهم بالشعوبية . وأظن أن تلك الاتهامات تفاقمت حتى وصلت إلي اتهام أدونيس بتأييد نظام الحكم في سوريا في حقبتي حافظ وبشار الأسد ، رغم أن موقفه كان بين أنبل التعبيرات الثورية التي لم تخضع للابتزاز أو تقع في البراجماتية ، فقد اعتبر خروج المظاهرات من المساجد نوعا من مصادرة السياسي لصالح الديني ، وهذا التصور جزء من موقف أدونيس الجلي من فكرة الخلافة ، ومن التصورات شديدة الرجعية والبراجماتية للإسلام السياسي . لقد كانت دعوة أدونيس للتحرر من أسر القراءات المغلقة أكثر من مغامِرة وأكثر من جريئة . تشهد علي ذلك العديد من الكتب والأبحاث والمقالات التي تضمنتها كتبه ، مثل : ” موسيقي الحوت الأزرق ، الشعرية العربية ، الصوفية والسريالية ، وبيانات الحداثة التي تضمنها كتابه ” فاتحة لنهايات القرن ” .
وما من شك في أن التباسات المشهد السياسي العربي التي تعاظمت بعد الثورات العربية تضفي مزيدا من الأهمية علي الإصدار الجديد من كتاب ” الثابت والمتحول ” ، الصادر في طبعته الأولي في العام 1973 . ففضلا عن كونه كتابا مؤسسا في قضية الإبداع والإتباع والصراع بين العقل والنقل في الفكر العربي ، فهو أيضا انتصار للهوية المنفتحة التي دفعت أدونيس للعمل خارج الأيديولوجيات . وكما دعي أدونيس للتحرر من سطوة النص / السلطة ؛ دعي أيضا للتحرر من أسر العقائدية في الفكر ، حيث ظل يري تلك الشوفينية منتهية عادة إلي أصولية هي بمثابة أزمة جديدة . وقد كان انهيار نموذج الدولة القومية واحدا من براهين تلك الـأزمة . وقد أشار أدونيس إلي ذلك بوضوح عندما تحدث عن شيوع نموذج الأمة الواحدة التي عادة ما تعبر عن معرفة واحدة وثقافة واحدة بالضرورة ، حيث أن تلك المرجعية تؤمن بأن تجانس الجماعة دينيا يعني بالضرورة تجانسها الفكري أيضا ، من هنا تأخذ فكرة ” النص ” المتحول ” أهميتها في مواجهة جمود النص ” الثابت ” ، ولم يكن مستهجنا ، في هذا السياق ، أن يطرح أدونيس هذا السؤال الاستنكاري : ” هل يمكن لنص أن يستنفد الوجود فيحيط به إحاطة كلية ” ؟! وقد كانت اتهامات أدونيس للفكر العربي النكوصي أكثر من جارحة، لكنها كانت أكثر من موضوعية أيضا . ولم تقتصر تلك الاتهامات علي العقل القديم فحسب بل وصلت إلي حركة النهضة نفسها ، حيث اتهمها كذلك بالاتباعية ، وانصرفت تلك النقدية أيضا إلي اتهام النقد العربي بأنه عزز الرؤية القبلية وعزز قيمها بالتالي.
ورغم تلك الأهمية التي تنعقد علي العقل الأدونيسي ، فإن التجليات التي أسفرت عنها الثورات العربية ربما دفعت كثيرين للتعامل مع كتاب ” الثابت والمتحول ” علي أنه واحدا من التعبيرات المثالية في الفكر العربي الحديث ، وهو تصور لو صح لأوقعنا وأوقع أدونيس في شرك طوباوية فكرية ليست بعيدة عن طوباوية النخبة العربية التي قدمت منجزا مهما في هذا السياق مثل محمد عابد الجابر ، عبدالله العروي ، حسن حنفي ، طه عبد الرحمن وغيرهم . فمساحة القطيعة مع الماضي لدي هؤلاء المفكرين تتوقف عند دعوتهم لقراءة منفتحة ومتعددة للنص الديني لا أكثر ، وهو دعوة تقابل دعوة الوسطيين لما يسمي بـ ” صحيح الدين ” ، فإذا سألت وما صحيح الدين ؟ ستجد عشرات من الفقهاء وقد امتلكوا جرأة امتلاك الحقيقة كلها . ربما من هنا يأتي الفارق بين الثقافتين الأوربية والعربية حيث الحرية في الأولي أنتجت نمطا عقليا للتفكير الحر والمنتظم بينما في الثانية لازال الناس يلتمسون لديها أمنهم من دعاة الجهاد الأعظم ، لذلك أتصور أن المعرفة العلمية بظاهرة الدين لا يمكنها أن تتم سوي عبر أدوات مجردة بينما الدين معرفة ميتافيزيقية تمثل وعينا الغائب لصالح حقائق نصدقها ولا نراها ، وكأنما ثمة تناقض بين المعرفة الدينية والمعرفة العلمية وهو السؤال الذي حسمه الغرب بأن إله العلم هو نفسه إله الدين . وأخيرا .. كنت أتمني لو جلست وجها لوجه أمام أدونيس ، الشاعر والمفكر والمعلم ، لأسأله : هل كنت ستنتهي إلي النتائج نفسها لو كنت تكتب ” الثابت والمتحول ” في لحظتنا الراهنة ، أم كنت ستختار نهايات أكثر قطعية ؟ .

 

مجلة إبداع