رواية مصطفي الشيمي »سورة الأفعي»‬ الصادرة عن دار الربيع العربي 2017 هي في تقديرنا من الروايات الحافلة بالتجريب وتمثل مغامرة سردية ثرية، كما تمثل دفقة تجديدية لافتة ومتجاوزة من حيث إيمانها بطاقاتها السردية وقناعاتها المضمرة الكثيرة الأخري التي سأحاول الإشارة إليها الآن مدعومة بما يؤكدها من خطاب الرواية ذاتها. بداية من العنوان ربما لا يخفي علي ناظر أنها تجنح نحو المقدس وتتحصّن به لتنتج دلالاتها الظاهرة والمضمرة، فالسورة هي إحدي وحدات النص المقدس »‬القرآن»، فيما يبدو نوعا من الاقتراب من القص القرآني أو المطابقة له في سرد مواز يذهب هذه المرة إلي المهمش وغير الرسمي أو المختبئ من الحكايات وغير المعلن منها.

وهي سورة للأفعي التي هي عنوان للشر أو للمرأة التي أنزلت البشر من الجنة إلي تجربة المعاناة في الأرض، أو هي الحية التي دخلت لآدم الجنة متنكرة وأغوته بالأكل من الشجرة المحرمة فكانت اللعنة لكل أبنائه. علي أن هذه القصة الإطار أو المتحصلة دلاليا عبر رمزية ترتبط بالمقدس تعمد إلي تأكيد قصة الخديعة والمعاناة ولعنة الهبوط إلي الأرض بكل مآسيها واختباراتها عبر حكايات يومية هيّنة أو معتادة أو لا يمكن إنكارها من فرط تغلغل أمثلتها في حياتنا. فهي قصة الوافد الأسواني أو الجنوبي علي القاهرة الذي كان يعمل جده في الصيد من النيل، وقصة الطبيب الذي يعيش في وسط القاهرة الخديوية ويجنح نحو الثورة والتمرد والمشاركة في اندفاع الشعب نحو الحرية؛ قصة جوهر والبابلي ونجم الدين والأحدب والغريب والرجل الكُهنة، وكلها شخصيات من الرواية، وهي كذلك قصة المرأة بتنوع صورها ومواقعها ودرجاتها الاجتماعية، قصة لبني وغادة وكاتي وأم علاء وهن كذلك من شخصيات الرواية، التي تحفل بالإنسان وتزدحم بالقصص الفرعية التي تمثل نوعا من البطولة الفردية في مجابهة الإنسان للحياة وصعابها وحروبها الصغيرة ولكنها مصيرية في الآن نفسه.
تتنقل الرواية بين أماكن كثيرة ومتباعدة جغرافيا لكنها وفق شعرية العمل السردي تصبح مكانا واحدا ومسرحا ممتدا يحمل معاناة الإنسان وصراعه الأبدي، ففي مصر تتخذ من عدد من الأماكن المتوزعة وفق نسبة تجعلها دالة علي كل مصر، بحيث لا يترك طرفا أو منطقة نائية دون حضور داخل جسد المكان/ الدولة المصرية، فلدينا في الشمال الإسكندرية التي تأتي ذات حضور بارز وخاص، ومثلها بالضبط أسوان في أقصي الجنوب، وعلي النحو ذاته وربما أكثر تأتي القاهرة لتكون لدينا ثلاث نقاط طولية تغطي مصر بكاملها وهو ما يجعل الرواية معبرة في أحد جوانبها عن قصة الإنسان المصري في اللحظة الراهنة للحدث الروائي وهي بالضبط المدة من قبل 25 يناير بقليل وما بعدها بسنوات قليلة كذلك، أما المكان خارج مصر فيحضر بشكل مغاير لهذه الصورة، إذ يأتي في إطار التأصيل التاريخي لبعض الشخصيات، وليمثل المطاردات التي خرجت بها هذه الشخصيات من بلدانها وحضاراتها القديمة لتأتي إلي مصر لتجد نفسها أمام المصير ذاته الذي هربت منه. تبدو غالبية الشخصيات – سواء في ذلك الرجال والنساء – مهاجرين تركوا وراءهم أرضا ظالمة سواء من داخل مصر أو من خارجها أتوا إليها ليجدوا المصير نفسه، علي نحو ما نري من الغريب الوافد إلي القاهرة ويصبح طبيبا فيها، وتُسرق سيارته في الفوضي الأمنية المقترنة بثورة يناير ويشعر بالقاهرة مدينة وحشية، يهيمن عليها الظلام واللصوص والبطلجية والقتلة من كل نوع ويرتد إلي طفولته حين كان يثقل عليه الذهاب إلي المدرسة، فلا يرغب في الذهاب إلي عمله سواء في المستشفي أو في العيادة التي تقع في التحرير ويضطر لإغلاقها. ومثله شخصيتا البابلي الهارب من العراق إلي مصر، وكاتي التي كافح أبوها لتهريبها من مذابح العثمانيين ضد الأرمن، لتأتي طفلة وحيدة إلي الإسكندرية تحارب وتجاهد للاستمرار والبقاء. ليكون في الرواية هذا الخيط الممتد من تأصيل وتجذير الإنسان في المعاناة والقسوة التي لم تختلف باختلاف المكان أو الحضارة واللغة. وليكون الزمان والمكان الآنيان في الرواية بوتقة تنصهر فيها هذه التجارب الإنسانية المتشعبة في حال واحدة من ظلم ممتد وصراع لا يتوقف، وهذه القصص الفرعية الكثيرة تسهم في خلق قدر كبير من التنوع وتصبح كل قصة منها مجرد مثال أو أمثلة منتقاة لعالم كامل من هيمنة الصراع ودراما الظلم والشد والجذب بين البشر لأسباب يشير إليها الخطاب السردي في نوع من التلميح، فيشير مرة نحو السياسة والحروب وصراع الدول، ومرة نحو طابع من الكذب والتزييف متأصل في الإنسان، ومرة إلي ما كثفت لغة الرواية حضوره وكررته وهو العُهر الذي لا يبدو مقصوراً علي المرأة التي تبيع اللذة للرجال، بل يشمل كذلك الرجل الذي يتاجر بها وبرغبات الآخرين ومشاعرهم وآلامهم وطموحاتهم، ليكون العهر سمة عامة لكافة البشر تقريبا.
يؤدي المكونان التاريخي والأسطوري دورا مهما في تأكيد الطابع البانورامي الذي تعمد إليه الرواية في عرض قصة الظلم الإنساني واختزالها، يمتزج التاريخي بالأسطوري بالديني باليومي والعادي في نسيج واحد، ويمكن القول إن الأسطوري والتاريخي هنا قصد لإبرازهما أو تأشير حضورهما بشكل مباشر بعيدا عن التأويل أو الرمزية، فالرموز التاريخيةوالأسطورية حاضرة بألفاظها وشخصياتها فنجد البابلي الذي هو بشكل مباشر ابن حضارة بابل في العراق كما نجد المرأة التي يرتبط بها هي النموذج الموازي لعشتار إلهة الجنس والحب والجمال والتضحية في الحرب عند البابليين، ومثلها الأساطير اليونانية أو التي تقترن بشخصية الإسكندر في التأصيل والتعميق التاريخي لمدينة الإسكندرية التي تحضر بكل هذا الامتداد ليكون هناك نوع من المقابلة بين الماضي والحاضر، فنجد الآراء التي قيلت في الإسكندر ونسبته إلي أب بشري أو إلي زيوس أو مزيج من الإلهي والبشري أو ابن الشمس أو آمون كما قال كهنة الواحات. وغيرها من المكونات والمعارف التاريخية الأسطورية التي تصنع شكلا من الالتفات إلي الماضي أو وضعه في مقابلة مع الآني، ليكون الصخب والصراع حاضرَيْن في كليهما. ولتكون الحكايات نفسها متجاوزة للحضور السطحي في الزمن، وتتسم بقدر من التشعب والتباعد بين الأزمان، وهذا التشعب في مرجعية السرد يناسبه فيما أتصور الراوي العليم/المقدّس الذي يهيمن علي الحكايات والمعارف؛ قديمها وحديثها دون تفرقة.
الراوي العليم كذلك في هذه الرواية هو الأكثر مناسبة لكل هذا التطواف مع أشتات من الشخصيات والنماذج الإنسانية وفي مسارح متباعدة مكانيا وزمانيا تحتوي هذه القصص ويصبح هذا النموذج من الراوي العليم محيطا بها إحاطة تامة وينقلها عبر رؤية فوقية وفي لغة شعرية تناسب هذا الوضع الفوقي، وهو ما يناسب الشكل القدسي أو المقدس الذي خلعه علي سرده من بدايته مع العنوان وأول كلمة منه، وهذا الصوت العليم أو المقدس ينعكس علي عناصر أخري كثيرة فيبدو مقاربا للقص القرآني وبالتحديد في سمتين فنيتين الأولي هي تنجيم القصص الفرعية وتقطيعها في فضاء الرواية وخلق قدر من التقاطع بينها، والسمة الثانية هي التحرر من الخضوع لمكان أو زمان جامدين يجبران علي سير في اتجاه سردي بعينه، فلا يخضع لمكان ليخبرنا بكل قصته كاملة في موضع واحد، أو ينحاز لعام أو حقبة أو محطة زمنية ويتعامل معها علي النحو ذاته من سرد كل ما فيها، بل يأتي الزمان والمكان تابعين للنموذج البشري الذي يقدمه وطبيعة القصة الفرعية التي يقوم بتجزئتها وتفريقها في خطاب الرواية متقاطعة مع قصص أخري، تحت عناوين فرعية كثيرة لا تخضع لكم سردي أو مساحات ثابتة أو متقاربة في فضاء الرواية، بل تبدو العناوين الفرعية أقرب لإشارات تجميعية للدلالة أو تحديد لقيمة دلالية معينة تبدو قريبة من قصة تاريخية قديمة أو تؤكد فكرة المعاناة البشرية الممتدة، فهذه العناوين أقرب لتعليقات من الراوي العليم المتعجب من حكايات هؤلاء البشر وطرافة قصصهم وغرابتها، أو يصبح في بعض الأحيان التعليق عبر العنوان الفرعي تدخلا محفزا أو تقديما لوجبة سردية داخلية أو فرعية فيها قدر من التحدي والمغامرة مع القارئ كما لو كان يقول له سأخبره بواقعة أخري تشبه هذه، أو كما لو كان يقول: وهل سمعت شيئا بعد؟!! مازلت قادرا علي مدّك بالمزيد من المغامرات والقصص وأنت مازلت لم تسمع شيئا برغم كل هذه الغرابة وكل هذا (العكّ) البشري الذي يبدو أنه لا ينتهي، فأنا أعلم منه كذا وكذا، وهكذا تتدفق القصص والأحداث تحت عناوين فرعية كثيرة لها توظيفات أخري غير تحفيز القارئ وتحديه بالمزيد ويمكن تأملها علي نحو أكثر تدقيقا من هذه المقالة.
نموذج الشخصية التي تقدمها رواية سورة الأفعي يحتاج لمزيد من التأمل، فهي شخصيات لا تكف عن الحركة والمغامرة، تجوب الأرض من أقصاها إلي أقصاها، ولا تهدأ أبدا، تحمل قدرا غير قليل من القلق والسعي نحو لذتها الشخصية أو الفرار من الألم ومحاولة النجاة بذاتها وتسعي بدأب نحو خلاصها المأمول، وهذا ما نجده علي السواء لدي نجم الدين والأحدب المستغل للمرأة ويعمل قوادا محترفا برغم ما قد يبدو من تناقض الشخصيتين أو اختلافهما. وهي هي نفسها الحال من القلق التي تعيشانها لبني وكاتي وهو نوع من الكبد والشقاء الدائم الذي يستغرق الإنسان ويجعله مسخّرا بشكل أو بآخر دون أن يشعر. وفي خضم هذه الحال من القلق يبدو الجنس ملاذا أو ملجأ يفر إليه الإنسان ويحاول التنقيب عبره عن روحه وهويته، وتكاد تسيطر علي مشاهد الجنس في الرواية قمة الشك واللايقين الباعثة علي مزيد من الحركة والبحث، فتبدو حركة الشخوص أقرب لحركة الأفلاك والكواكب لا تنقطع إلا بانفجار الموت الذي يحرر الروح ويفلتهاجزئيا إلي مدارات جديدة من الحركة ، لكن الرواية تحاول التنقيب في هذه المدارات الجديدة عبر خيال متجاوز يحاول البحث عما وراء الموت بتجدد الروح والحضور أو بالحلول، أو عبر الأحلام واستشرافات اللاوعي التي تمدد حيوات هذه الشخصيات في زمن لم يأتِ بعد وأحداث لا تختلف كثيرا عما تم إدراكه بالحواس بالفعل في الحياة اليقينية.
الرواية تقدم نوعا من مراجعة المفاهيم والقيم التي تبدو ثابتة مثل مفهوم العُهر الذي يأخذ موقعا مركزيا بين دلالات الرواية ومعانيها، فلا يكون هو نفسه فعل المرأة وحسب بل يبدو سلوكا عاما يشمل المرأة والرجل ويدل علي قدر من التزييف والضلال الذي تتسم به بعض القوي الشريرة المحركة والمؤثرة في مصائر الخلق سلبا سواء بالقتل أو التشريد أو السرقة واستنزاف عرق الضعفاء ومجهودهم، وعلي النحو نفسه يكون التعامل مع مفهوم الحرب التي تتجلي في بعض الأحيان بصورة مغايرة للسائد، ويبرز للحرب جانب إيجابي يصنع نوعا من التوازن في الحياة، فهي في حالات كثيرة خير مثل السلام بالضبط، بل أحيانا يكون السلام هو الشر، وهو ما نلاحظه في هذا الاقتباس “الحرب تجعلنا نعرف أنفسنا، والسلام يجعلنا أكثر غباء وكسلا. أن تدهس عدوك، أن تنتصر، يعني أن تكون وحدك، لا ضد، لا ندّ، لا مثيل. وحدك، ولا سبيل إليك”. الرواية ص163، وهو ما نجده بصورة أخري في موضع آخر من الرواية “وسأل الأحدب الفتيات عن أعمارهن وأسمائهن، فأجبنه. ودون أن يسأل عن أوطانهن، عرف وطن كل فتاة، وتخيل الخراب الذي حل علي سوريا، وليبيا، واليمن والبحرين، والعراق، وغيرها من البلاد. بيوت مهدمة، وجثث تملأ الشوارع، ودخان ينفذ إلي السماء، والله يراقب كل شيء. قال الأحدب للكهنة” بضاعة جيدة” فضحك سيد الكهنة، ثم قال “كل الحروب خير”. غنائم كثيرة وسبايا جميلات لرجال لم يشاركوا في الحرب”. الرواية ص210. وهذا النحو من تقليب القيم والمفاهيم علي وجوه أخري جديدة لها كامنة يكاد يكون هو النمط السائد في غالبية القيم الدلالية التي تنتجها الرواية، فهي تتمتع بقدر كبير من التشكيك فيما يبدو ثابتا أو راسخا من المفاهيم، في نوع من التفكير بالمطرقة كما حدث لدي فلاسفة الحداثة المشككين من ذوي نزعة الإنسانوية ولم يسلم تقريبا من هذا الاتجاه غير قيمة الحب التي ظلت عصية علي مطرقتهم فاستمرت وأصبحت نافذة يطلون منها علي العالم ويراجعون في ضوئها رؤيتهم لكل شيء.
لهذه الرواية التي أذكّر بأنها مغامرة سردية طابع بلوري في خصائصها وجمالياتها، فيمكن مقاربتها في جانب ما تطرح من غوص في التكوين النفسي للشخوص وأن العالم فيها حاضر من زاوية حافلة بالعاطفة والانحياز الشعوري، فثمة موقف نفسي من العالم المطروح ممتد من أول الرواية حتي آخرها، كما يمكن كذلك مقاربتها تأويليا عبر الاشتغال علي الطرح الفكري والدلالي والرسائلي لها، فهي مثلا تقدم موقفا من فكرة الدولة وتتبني مثل فلسفة الإنسانويين هدم كل أشكال السياسة سواء ديمقراطية أو ديكتاتورية فهي كلها شر، وتدعو إلي نوع من المعيشة البرية التي لا يكون فيها صراع أو حرب، لا يكون فيها غير الحب والاستمتاع بكل شيء في الوجود، ورفض الماورائي والإلهي، فيما يمكن تسميته بالفوضي الخلاقة، وهي أفكار بصرف النظر عن قبولها أو رفضها تصنع حمولات فكرية تحفز علي المتابعة والقراءة وتجعلنا أمام خطاب سردي مشغول ومنحاز ويطرح أسئلته، ويحاول الخطاب السردي أن يجعل لهذه الأمثلة تمثلاتها الهيّنة من القصص والتجارب الإنسانية التي تدور كلها في إطار المعاناة والظلم الإنساني الذي لا ينتهي. الحقيقة أنه حتي وإن كانت بعض العوالم والحكايات التي تقاربها الرواية مكررة أو متشابهة إلي حد بعيد مع أخري فإن القارئ لا يملك إلا أن يسلّم بالقدرات السردية التي تملكها الرواية وقدر ثقة الكاتب في إمكاناته بأن يبحر في عالم الحكايات بعرض خاص به هو دون غيره، وأن يجعل للحكايات والعوالم المعتادة حضورها الجديد أو المختلف، وقد يكون الأمر نوعا من القدرة علي جعل الغريب مألوفا كما لو كان قد مرّ علي الذاكرة من قبل.
أسماء الشخصيات كذلك “الأحدب والكهنة ونجم الدين وكاتي والبابلي وغيرها” تحتاج ربما إلي قدر من التأمل لأنها تحمل شحنات دلالية في ذاتها وتهدف إلي توجيهات خاصة في القراءة ونسج الحكاية علي شاكلة خاصة تمزج اسم الشخصية بغرابته ودلالاته المشتقة أو الإشارية بالأحداث وتاريخ هذه الشخصية أو علاقاتها بالشخصيات الأخري.

https://adab.akhbarelyom.com/newdetails