القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: «ولدت في قارب وعشت صباي بين النهر والبحر، حيث المساحات الواسعة من الماء، وحيث التأمل والخيال بعيدا عن زحام المدينة، وأيضا الصحراء التي شكلت وعياً جديداً لديّ. لم أقترب من السلطة مثل غيري، وبالتالي لم أستفد منها، أنا منحاز للناس أكثر، ولا أبحث عن مغنم شخصي، ولا أعرف كيف يتم ذلك، وأغلب مَن اقترب من السلطة فشل في مشروعه الأدبي، فأعظم الكُتَّاب العالميين هم الذين اقتربوا من أنفسهم وانحازوا للناس أكثر من السلطة، بل وقفوا ضدها في أحيان كثيرة». عبارات بسيطة تحمل رؤية صاحبها وهدفه من الكتابة وعالمها، ما جعله ينظر نظرة أعمق إلى الحياة وشخوصها، بدون نظرة أيديولوجية قاصرة، وإن شابها شيء من تحيز طبقي في بعض الأحيان، ربما للظرف الاجتماعي الذي عاصر أعماله الإبداعية.
الكاتب الصحافي والروائي وكاتب السيناريو صبري موسى (1932 ــ 2018) صاحب الأعمال الإبداعية الفارقة في الأدب المصري، بدون دعاية أو صخب، كما في «فساد الأمكنة» و«حادث النصف متر»، و«السيد من حقل السبانخ». هذه نظرة سريعة على عالم الرجل وشخوصه الروائية، التي إن اختلــفت في تفاصيلها وعوالمها، إلا أنها تتوحد في المصير، تماماً كأبطال التراجيديا اليونانية، فالبطل مهزوم في النهاية، ولا فرار من مصيره المحتوم، وما عليه سوى تحمّل نتائج أفعاله، لفساد كامن في النفس، ربما أكبر من قدرات وتوقعات البطل نفسه.

مكمن الشر

لم ير صبري موسى في المدينة سوى مكمن الشر الأبدي، مهما حاول أصحابها التستر وراء الأفكار المتقدمة، أو الانتماء لفئات تبدو من بعيد حاملة لثقافة وأفكار إنسانية. فكان لا بد من وضع هؤلاء في تجارب قاسية ــ نفسياً بالدرجة الأولى ــ حتى يمكن اختبارها، فما بين مسافة نصف متر في أتوبيس عام، وصحراء شاسعة، تبدو حالة الاختبار واحدة، ولتصبح النتيجة مقررة سلفاً، الهزيمة والضياع وفقدان كل شيء. فبطل «النصف متر» وبطل «الأمكنة الفاسدة» انكشف صراعهما، سواء مع الموروث أو مع الطبيعة، للكشف عن زيف أكبر يغلف حياتهما منذ البداية. فالهزيمة هي المآل.. انهزم (نيكولا) في الجبل، وبطل «النصف متر» يتخلى عن حبيبته للذي طلب منه أن يبتعد عنها لأنه سيتزوجها.

حياة النصف متر

ما بين الموروث والادعاء بالتحضّر يدور الصراع النفسي للبطل ــ عديم الاسم، حتى يمكنه التوحد مع الكثيرين من أشباهه ــ أصبح البطل التراجيدي الآن يحيا أسطورة معتقداته، ويحاول عقلنة سلوكه والتمادي في إثبات أنه تخلص من أفكار وعادات موهمة، ربما سخر منها، لكنه اكتشف في النهاية مدى تأصلها وتمكنها من روحه. حكاية حب بسيطة بين رجل وامرأة تقابلا مصادفة في حافلة عامة، وبينهما نصف متر يخلق عالماً وحالة جديدة، لكن المرأة ذات تجربة سابقة، والرجل يحاول التغاضي وفق فكره العصري، لكنه في الحقيقة لا يختلف عن أسلافه، ويراها إهانة لا تُغتفر، إهانة وجود.
«كان الدم المصري في عروقي، يغذي حنيني إليها، وميل بي إلى أن أحبها. لكن رواسب باقية في داخلي، من التركي القديم عثمان أغا، كانت تقف في وجه هذا الميل وتصيح بي غاضبة: كيف تعطي قلبك لامرأة كانت لرجل آخر قبلك. وكان الماجن الفرنسي المنحدر في دمائي من القرن الثامن عشــــر، أكــــثر حكمة من هذين.. فقد نزع بي عن هذه المشاغل النفسية، قائلا لي ببســــاطة مقنــعة وهو يسخر من رواسب التركي: وما يدريك أن هذا الرجل السابق لم تكن له معها المشكلة نفسها؟ دعك من الماضي فهي جميلة حاول أن تستمتع بها». (حادث النصف متر).
فهذه الفئة الجديدة (الطبقة) ضائعة وتائهة منذ البداية، فلا الثقافة أو التعليم أو محاولات التحضر تستطيع إنقاذها من غياهب الموروث. فما بين الفئة الدنيا والعليا يأتي هؤلاء ــ يمثلهم البطل ــ يريدون التعلق بأهداب الفئة العليا، بينما يحيطهم الرعب من السقوط في عالم الفئة الدنيا، ومن هنا تأتي حالة الفصام الدائم والمقيم.

حياة الصحراء

«إسمعوا مني بتأمل يا أحبائي، فأني مضيفكم اليوم في وليمة ملوكية سأطعمكم فيها غداء جبلياً لم يعهده سكان المدن، بينما أحرك أرغن لساني الضعيف وأحكي سيرة ذلك المأساوي نيكولا، هذا العجوز الذي أعطته أمه اسم قديس قديم حين ولدته في ذلك الزمان البعيد في بلدة لم يعد يستطيع أن يتذكرها الآن، ذلك الذي كانت فاجعته في كثرة اندهاشه، وكان كل شيء يحدث أمام عينيه جديداً يلقاه بحب الطفل، لدرجة أنه لم يتعلم أبداً من التجارب». (فساد الأمكنة).
على غرار الراوي الشعبي تبدأ رواية «فساد الأمكنة»، ما يؤهل القارئ للدخول إلى هذا العالم، حيث محاولات أسطرة الواقع والوقائع، وحكي الصحراء وعالمها وشخوصها، ومدى الفساد الذي سيطولها من جرّاء قدوم الغرباء، أبناء المدينة، أي مدينة مهما كانت. تدور الأحداث في عالم الصحراء ومناجم الذهب القديمة عند شاطئ البحر الأحمر، وتحكي قصة رجل يحلم بأن يصبح صخرة من صخور جبل (الدرهيب)، ويذوب فيه كما ذاب الجد الأعلى (كوكا لونكا)، من خلال أسطورة تاريخية لبعض القبائل بأن روح جدهم الأكبر كوكا لونكا الذي أمضى عمره داخل الجبل يصلي للمكان ويتعبد، حتى تحول جسمه بفعل الزمن وكثرة العبادة إلى صخرة من صخور جبل الدرهيب. ولكن هل نجح الحالم بالخلود في التوحد مع المكان مثلما توحد الجد الأكبر، أو الحلول في المكان مثل (أبى الحسن الشاذلي)؟ «كان قدر نيكولا هو الفشل، وها هو على صليب عذابه الخفي يواصل هذا الفشل المقدر ويكرره، كأنه ذلك الإغريقي القديم يزحف بصخرته صاعداً القمة المستحيلة، فما يكاد يعلوها حتى تسقط الصخرة فيعاود الهبوط ليصعد بها، وتصبح الجبال أشباحاً خرافية في ذلك المدى اللانهائي». (فساد الأمكنة).
وإن كان مكمن الفساد متأصل في نفس نيكولا، ابن المدينة الغريب، الباحث عن مأوى خلوده، فإن ابن الصحراء سينال عقابا آخر نتيجة فساد لا يُغتفر، ــ تنويعة أخرى لحالة نيكولا ــ ألا وهو الكذب. « التحم جسده البشري هذا الالتحام الحميم بذلك الجرم المؤنث المخيف الحجم، لمخلوق من عالم آخر، رخو لزج ومثير للنفور والاشمئزاز». (عبد ربه كريشاب) وثأره من عروس البحر، التي أغوت أقاربه الذكور.. الأخ وابن العم وابن الخال، لينتهي أمره بالجنون، ذلك لأنه في ما كان يصطاد السمك لمناسبة زيارة الملك، جاءته عروس البحر طافية على الأمواج، نافقة بفعل متفجرات رُميت في أعماق البحر بحثا عن البترول، وادّعى أنه اصطادها وفاء لقسمه، فكذب، وأخفى الحقيقة. فكان الأمر بأن تُزفّ إليه أمام الجميع.

بيبلوغرافيا

صبري موسى صحافي وروائي وكاتب سيناريو مصري، من مواليد محافظة دمياط في دلتا مصر عام 1932، تخرج في كلية الفنون التطبيقية، وعمل مدرسا للرسم في الفترة من 1951 إلى 1953. بدأ مشواره الصحافي في جريدة «الجمهورية» عام 1954، ثم مجلة «صباح الخير» عام 1956، كما شارك في تأسيس مجلة «الرسالة»، ثم كاتباً متفرغاً في مؤسسة روز اليوسف، وعضواً في مجلس إدارتها، ثم عضواً في اتحاد الكتاب العرب، ومقرراً للجنة القصة في المجلس الأعلى للثقافة.

الأعمال

تنوعت مؤلفاته ما بين القصة والرواية وأدب الرحلات، إضافة إلى المقالات الصحافية. من مجموعاته القصصية .. «القميص» 1958، «لا أحد يعلم» 1963، «مشروع قتل جارة» 1965، «حكايات صبري موسى» 1966، «وجها لظهر» 1967، و«السيدة التي والرجل الذي لم» 1999. وفي الرواية.. «حادث النصف متر» 1962، «فساد الأمكنة» 1973، و«السيد من حقل السبانخ» 1982. وفي أدب الرحلات.. «في الصحـــراء» 1964، «في البحــــيرات» 1965، و«الغذاء مع آلهة الصيد» 1972. كما كتب للسينما العديد من السيناريوهات المهمة في تاريخها، مثــــل، الشيماء، قنديل أم هاشم، البوسطجي، القادسية، رحلة داخل امرأة، رغبات ممنوعة، أين تخبئون الشمس، قاهر الظلام، وحادث النصف متر.

الجوائز ..

جائزة الدولة التشجيعية في الأدب 1974. وسام الجمهورية للعلوم والفنون من الطبقة الأولى عن أعماله القصصية والروائية 1975. جائزة (بيجاسوس)، للأعمال الأدبية المكتوبة بغير اللغة الإنكليزية، عن رواية «فساد الأمكنة» 1978. وسام الجمهورية للعلوم والفنون عام 1992. جائزة الدولة للتفوق عام 1999. جائزة الدولة التقديرية عام 2003.

http://www.alquds.uk/