لا توجد ترجمات عربية كاملة في ما سبق عام 1944 – 1945 لغزليات حافظ الشيرازي (شاعر العرفان والتصوف الإيراني) إلى أن قدمها المرحوم الدكتور المصري ابراهيم الشواربي وبها تعرّف الشاعر العراقي والقارئ العراقي،على (لسان الغيب) حافظ الشيرازي، ،وربما كان لبعض المقطّعات الشعرية التي نظمها شاعر العربية الأكبر المرحوم( محمد مهدي الجواهري) الفضل في إشعال جمرة الروح للبحث عن شاعر بحجم حافظ الشيرازي…. وأنّى لشاعر عراقي أن يتعرف على ترجمة شاعر ايراني يفصل بينهما زمان وحرب جعلت لقب “الشيرازي” من المحرّمات ذكرها على لسان أدباء العراق ماقبل 2003،وكأنها لعنة الصمت التي لحقت قبله ذكر الشاعر الذي عرّفنا به وأعني به الجواهري الكبير.

نافذة الحرية أطل منها وجه حافظ الشيرازي بعد ثورة التغيير السياسية التي حدثت في العراق بعد 9 / 4 / 2003…لهذا كانت غزلياته (أغاني شيراز) من الكتب التي وُلدت في روحي بعد هذا التاريخ…كان حجم الديوان (عدد الغزليات 496 غزلية) الذي نظمه الشاعر في 20 سنة من عمره يمثل تحدّياً في روحي التي تريد أن تخط اسمها مع كبار المواهب…وتلك مغامرة غير محمودة العواقب…لكنني وجدت نفسي أقف أمام إرث أرغم جميع الحواضر الأدبية الإنسانية على الوقوف إجلالاً لموهبته ونبل مقاصده.
فكرت كثيراً قبل أن ألج الى هذه الحديقة الغنّاء في غزل الروح…هل اقف لأعيد نظم مانثرته يد مترجم الأغاني والذي كتب مقدمتها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين؟ هل أريد أن أكون زيادة في نقصان أم أجعله مفتتحاً لنصوص عراقية أخرى تشترك في همها الإنساني مع شاعر الفارسية الكبير؟.
شيرازيات بغداد
لست مترجماً لأي نص،الترجمة خيانة لصاحب النص الاصلي كما يُقال،وما أملك من مفردات اللغة الفارسية لا تستطيع ابقائي وجها لوجه أمام مواطن ايراني اكثر من 30 ثانية كما هو!،ومادام النص العربي بترجمة عقلية تحمل شهادة الدكتوراه في اختصاصها،وفوق ذلك شهادة الدكتور طه حسين،لهذا وجدتني اعتمدت هذه الترجمة بالكامل،مما واجهتني بعض الغزليات المنثورة شعرا وفق اوزان الخليل الفراهيدي،وآثرت أن إبقي اثنتين منهما ولم أقم بإي إجراء عليهما احتراما لروح الشواربي(غزل 458 وغزل 493 )
هكذا بدأت (شيرازيات بغداد) الحالمة لخلق جمهورية للمحبة تنطلق من شيراز لترسم وجه الحبيب بريشة عراقية أخرى في بغداد.
بعد جهد بالغ أمضيته في تعلّم أسرار صنعة حافظ الشعرية…اوقفت أقدامي على أرض “أغاني شيراز” لأعيد عزفها بيدين عراقيتين تحت صوت انفلاق الطائرات وفحيح السيارات المفخخة وأصوات العبوات الناسفة التي تريد رسم لوحة الدخان في الحياة العراقية…وربما كنت أهرب حينها من واقع مظلم إلى أمس يرسل بنوره إلى القلوب المعتمة من المحبة.
(غزليات الشيرازي) مقاطع عشق حالم في زمن كان يؤمن بالعشق الإلهي،وأنا أعيش في زمن لايؤمن إلاّبالعشق المادي!!… فكيف لي أن احقق طرفي معادلة لاتستقيم مع متغيرات زمان ومكان غريبين حتى عن لغة الشعر!!.
النص الحافظي الشيرازي نص مكتنز،وحمّال أوجه، الذي يقرأ لحافظ يقول انه يمثل الشخصية الفارسية عبر التأريخ،ربما تكلم في قضية تخص اليمين ولكنه يشير الى اليسار،قضية تهم الجنوب ويقصد بها الشمال، حين يكرر المعنى لثلاث مرات عليك ان تقرأه وتعيد إنتاجه ثلاث مرات،حافظ يكرر نفسه كثيرا،والتكرار هنا ربما يكون حرفيا او ربما بصور شعرية مغايرة،لكنك حين تضع بوصلة للقلب ستجد انها تتجه الى ما أخفاه حافظ (بقصد أو من دون قصد)، ان كنت تمر بحالة عشق ستجد ان الأبيات تصطف وهي تلهج بمدح المحبوب وبيان مظلومية العاشق وتظهر مجنون ليلى أشبه بكائن مسكين ليس له علاقة بالعشق،حينها سوف تجد ألف سبب ليخرج لك معاني لم تتصور انها في يوم من الايام ستخرج من بين أصابعك،وان كنت تبحث عن الحكمة فلا اقل من ان تخرج بحصيلة حكمية لم يتأن لك ان تحصل عليها في سنوات جهلك او تجاهلك لما يريد منك حافظ أو غيره ان تفهمه، وان عشت غربة الفقد ولوعة الرحيل، ستجد ان حافظ يفتح نافذة الدموع بيديه لتدخل إلى موتك الشخصي فتؤبن نفسك وتبكي عليها ثم يصطحبك الى القبر ويودعك هناك.
الذي يريد ان يفهم الرموز الصوفية لشعر حافظ عليه ان يجد بابا اخر يدخل اليها بمعزل عن شعر حافظ، الذي يريد ان يلتذ بما كتبه الشاعر، عليه ان يتقبل حافظ كقطعة واحدة لا تنفصل عن جسد لغته، حافظ لم يكن في حرج حين كتب ماكتب،ليأت من يأت ،ويقول انه كان يقصد بهذا القول معنى واحدا فهمه الشارح ولم يفهمه الاخرون،وكذلك هم الشعراء.
هكذا بدأتُ في إنتاج نصوص وقفت على قطعة من جنّة شيراز لأرسمَ لوحة لوجه بغدادية تحمل من ملامح الجمال الفارسي الشيء الكثير.
المدرسة الصوفية
كنت ومازلت مولعا بالباطن، لدي عقل يدفعني الى التأويل، لم اجد مدرسة تعشق التأويل مثل الشعراء الصوفيين، لهذا كتبت قصائد وقصائد تشي بالحداثة، لكنني كنت أبحث عن نص يمتلك من التنظيم في داخله مايملك اهتمام العالم بخارجه، لكي يكون امتحاني الصعب، أن تتحدى نفسك مع الكبار فذلك يعني ان تكون كبيرا،لم اجد سوى نصوص قليلة، كنت مهتما على ان لاتفوتني كلمة واحدة من النص، لهذا وقع الاختيار على” اغاني شيراز” لحافظ، الغزلية التي يكتبها حافظ بحاجة الى مفاتيح من الكلمات، كأنه يبقي روحه بكلمة ذاتها وينتظر ان تكتشفها، لو انني خالفت روح حافظ فيما كتبه لذهبت الى التفسير الصوفي الذي لم يذهب اليه نفسه، وربما في النهاية سادخل في خانة المفسرين، وهنا يفقد الشعر روحه لانك سوف تقرأ ما يشبه الخطبة الجنجلوتية او القصيدة البرهوتية، ولهذا وجدت ان حافظ استقر على المبنى ولم يتدخل كثيرا الى المعنى الجامد الذي ينتجه النص في احايين كثيرة، فالتزمت بالنص الحافظي حرفيا،اعملت كل ما اختزنته من التأويل لأجد نوافذ ادخل فيها الى النص والى ابواب اخرج منها، كلما بدأت بغزلية اجد اشارات شخصية حسب فهمي للنص تهديني الى اعادة صياغتها، لهذا يجد المتتبع الحصيف انني لا اخذ من الشطر الطويل الا كلمة واحدة، وفي أحايين قليلة اجد ان بعض الصور الشعرية تستحق ان تبقيها كما هي حتى لو اضفت اليها قليلا من روحك، لكن هذه الكلمة التي تضعها بين يديك سوف تلد الكلمات التي تصطف بعدها وكأنَّها كانت بانتظار قلمي ليحررها من سباتها القديم.
(غزليات حافظ الشيرازي) مقطوعة شعرية تتألف من سبعة إلى عشرة أشطر،او ربما الى 25 شطرا (كما في غزل 370)…ربما لايحمل الشطر الأول منها قاسماً مشتركا في المعنى مع الشطر الثاني…وهو الأمر الذي قادني إلى الانطلاق من الاختلاف بين الشطر الأول والثاني لأجمعهما في بيت من الشعر العربي العمودي ،ثم لأجمع الشطرين الثالث والرابع من بعد لأخرج بنفس النتيجة متوخيّاً من هذا الإجراء كلّه بلوغ رباعية شعرية جديدة فيها من التجديد والإضافة على المعنى واللفظ الحقيقي الشيء الكثير لتصبح أربعة اشطر من غزلية تجمع الزمانين المختلفين في وحدة الحب والشعر.
غزل 38
– اذهب الى حال سبيلك،أيها الواعظ!!،ما هذا النواح والعويل؟!إن قلبي قد حاد عن الطريق ، وأما أنت فماذا أصابك ودهاك؟!
– وانظر إلى خصره الذي خلقه الله من لا شيء،فهو مسألة دقيقة لم يحلّها أحد من الخليقة
* أيها الواعــــظُ مهلاْ ماترى فيمن تولّــــى؟
خُلقَ الخصــرُ مـِــــنَ اللاشيء….. حتى كاد…لولا…..!

 

http://www.alsabaah.iq/Artic