أيّة صلة يمكن أن تعقدها الأسطورة بـ الترجمة؟ فـ الأسطورة بناء ثقافيّ تخييلي خارق، أبطالُه الآلهة وأنصافُ الآلهة وبشرٌ استثنائيون، وتعبير عن رؤية للعالم ذات وظيفة تفسيرية تخصّ وقائع وظواهر عديدة ترتبط بوجود الشعوب وحياتها، وتهتمّ بالإجابة عن كثير من أسئلتهم لتخلق لهم ألفة مع عالمهم، لعلَّ أهمَّها، وَفْق أرنيست كاسيرر، سؤال مجيء الأشياء إلى العالم أو “خَلْقِها”. والترجمة نشاط لغوي وسيط وتواصليّ، موضوعه نقل نصٍّ وإعادة إنتاجه أو إعادة كتابته في لغة الوصول.

يبدو هذا التساؤل غير منطقي لأن العلاقة بين طرفيه تكاد تنعدم، لكنّ قليلاً من التأمل قد يقود إلى الإقرار بالصلة العميقة بينهما، وبِإيغالها في التاريخ الإنساني، وحتى بمنطقيَّتِها.
ارتباط الترجمة بالأسطورة قديم؛ ويكفي ذِكْر بابل كي تُستَحضَر فكرة الشتات وأسطورة البرج الشهير، الذي شيَّده ساكنوها للاطلاع على أخبار السماء وأحوالها، في محاولة منهم لتحدّي الإله، فكان أنْ بلبل الأخيرُ ألسنتهم فانقطع التواصل بينهم عقاباً لهم على اجترائهم عليه بتجاوزهم الحدّ الذي لا ينبغي للبشر تخطيه.

لكنّ الإنسانَ لم يرعوِ على الرغم من العقاب الإلهي، واستمرت جذوة الرغبة في الاطلاع على المُلغِز في عوالم الوجود الأخرى مُتَّقدةً في صدره، لكن عِوَض أن يتجه الإنسانُ بتلك الرغبة عمودياً نحو السماء، سيُصرِّفُها نصّياً، بمعنى أنه حوَّلها في اتجاهٍ أفقيٍّ نحو الآخرين بوساطة الترجمة، لِتَبْقى شَرارتُها تسري بين الناس في عالمهم الدنيوي، فتَكُون فِعْلاً استكشافياً وفضولياً؛ يَرُومُ الاطلاع على ما يروج في اللسان الآخر من معارف وفنون وعلوم، وأخبار.

هكذا اتَّسمت الترجمة بالبُعد الدنيوي، لكنَّها سرعان ما عادتْ لتُعانق الأسطورة مجدَّداً؛ وبإيعاز من الأديان التي توسَّلت بالأسطورة عن غير وعي، بينما كانت تدعي قطع الصلة بأسلوبها في التفكير، وحاربتْها متَّهمةً إياها بالوثنية، ولم تنتبه هذه الأديان إلى أنّ الحنين إلى لَمِّ الشمل البابلي، أو الْعَوْد الأبديّ إلى الأصل، ظَلّ ملازما للبشر، وأنها ابتكرتْ دون وعيٍ أسطورتَها ذات اللبوس الديني، التي اشتُهِرتْ بالترجمة السبعينية أو السبعونيّة، وهي ترجمةٌ للعهد القديم، أمر بإنجازها بطليموس (300 ق.م) كي تحويها مكتبة الإسكندرية، واستقدم لتلك الغاية سبعين حَبراً يهودياً، وأوكل إليهم بأن يُترجموا الكتابَ المقدس عن العبرية والآرامية إلى اليونانية، وأفْرد لكل واحد مُعتكَفاً انفرادياً، وبعد سبعين يوما كانت المفاجأة الخارقة، فقد خرجوا إليه بسبعين ترجمةً متطابقةً فيما بينها مبنى ومعنى، فاعتُمِدتْ، وهكذا أُسِّس لأسطورة جديدة ذات مُسوح ديني.

أكيدٌ أنّ اليونانيين كانوا الأوائل الذين صاغوا أسطورة متكاملة، وذات بناء مُحْكَم وحكاية فاتنة لها ارتباط وثيق بالترجمة، هي أسطورة هِرْمِس ابن الإله زيُّوس والإلهة مَايَا، الذي اتصف بالدهاء والفصاحة، والذي سرق 50 بقرة من قرابين الآلهة كانت عند أبولون، ففُرِض عليه -وَفْق نص شارْل لُوبْلان- “أن يكون الرَّسول الخالد للآلهة، لقد كان له أن يعيش إلى الأبد، لكنْ عليه ألا يتكلَّم أبدا من تلقاء نفسه. كان من واجبه أن يعيش تحت إمرة الآلهة الآخرين الذين يتوجب عليه أن يخدمهم، وأن ينقل كلماتهم بكل أمانة[…] لقد أمسى منذ تلك اللحظة مجبراً على أن يكرر كلمات الآخر ويعيد قولها”. هِرمس هذا ذو المهارات المتنوعة اتَّخذَه التراجمةُ والمترجمون رمزا لهم.

كذلك يَحْضُر التفكير في تعدّد الألسن والترجمة، حسب مانْوِيل فُورْكَانُو، عند حضارات شعب الأسْتيكِ بأميركا مثلاً، الذي لديه أسطورةٌ تُشبه أسطورة بابل، ولها علاقة بالترجمة وتُفسِّر تعدد الألسن بأكْلِ أحَدِهم بيْضَ طائر الطَّنّان، وأنّ ذلك حدثَ بعد نزول حمامة بأرض الناس.

يسعى الإنسان جاداً، في الحاضر، إلى تعويض التكنولوجيا للإنسان في الترجمة. فهل نحن بصدد خلق أسطورة جديدة تُعلن عن موت المترجِم؟

((العربي الجديد))