في إحدى مقابلاته وبسخريته المرة، أكد الشاعر الشيلي نيكانور بارا، أنه لن يترد في أن يختار، حين وفاته أن يكتب على شاهدة قبره أحد أبياته الشعرية التي تقول: «لا تضحكوا أمام قبري: في وسعي أن أحطّم التابوت وأن أخرج مسرعاً»، وفي 23 يناير/كانون الثاني، جاء رحيله وقد بلغ 103 سنوات من عمره، في منزله في لاس كروسيس، التي تقع على مسافة 120 كيلومتراً غرب العاصمة سانتياغو.
وبذلك تفقد تشيلي واحداً من أعظم الشعراء وأروع الأصوات الفريدة في ديوان الشعر الكوني. فهل باستطاعة شاعر الأحياء الخلفية، كما كان يسمي نفسه، أن يخرج فعلا من موته على عجل، بعد أن رحل بعيدا، إلى حيث أصدقاؤه من الشعراء التشيليين الذين رحلوا؟ ما قاله نيكانور محتمل، لأن كل شيء في الشعر والشعراء مباح، لم لا؟ فعادة ما يأخذ الموت الشعراء، مهما تعددوا وكثروا «لكنه لا يأخذ إنجازاتهم وأشعارهم النادرة والخلابة، وتلك هي قصائد نيكانور بارا الذي استطاع أن يكتبها بثقة ومهارة ووعي وثراء وسخرية لاذعة، لن تموت.
بارا، المولود في سان فابيا دي أليكو، شاعر تشيلي وأستاذ رياضيّات وفيزياء، ولد عام 1914، هو شقيق مؤلفة الأغاني الشهيرة فيوليتا بارا، التي كانت قد توفيت في 1967. وشقيق المغني الشعبي «روبرتو بارا ساندوفال، كان والده يعمل في سلك التدريس، دخل المعهد التربوي وتخرج مدرسا للرياضيات والفيزياء، وفي عام 1943 التحق في جامعة براون في الولايات المتحدة لدراسة الفيزياء. ثم دراسة علم الكونيات، ومن ثم عاد إلى تشيلي أستاذا في جامعتها. ومنذ 1952 كان بارا أستاذاً في الفيزياء النظرية في سانتياغو، أصدر مجموعته الشعرية الأولى «قصائد وقصائد مضادة» التي تعتبر من المجموعات الأكثر تأثيرا في القرن العشرين، وشارك مع مجموعة من شعراء جيله في إصدار مجلة أدبية، توقفت بعد ثلاثة أعداد، ومن أهم أعماله الشعرية: «رقصة الكويكا الطويلة» و«أشعار الصالون» و«أغنيات روسية»، «خطب ومواعظ مسيح إلكي» و«نكات بارا لتضليل الشعر» وغيرها، وللتذكير فإن الشاعر بابلو نيرودا عبّر عن اندهاشه بتجربة نيكانور بارا، كما باتت قراءة أشعاره متاحة عربيا بعد إقدام المترجم أحمد حسان على تقديم مختارات من شعره بعنوان «كأنما لا شيء يحدث في تشيلي».
يعتبر نيكانور بارا من أكبر شعراء تشيلي وأمريكا اللاتينية في العصر الحديث، على غرار كبار الكتاب والمبدعين في هذا البلد الأمريكي اللاتيني مثل الشاعرة غابرييلا ميسترال وبابلو نيرودا، وبيثينتي ويدوبرو، وغونثالو روخاس، وإيسابيل أليندي، وخورخي إدواردز وسواهم. وفي هذا الصدد، يقول عنه صديقه الشاعر غونسالو روخاس: « إنّه، مؤسس الشعر المضاد، من حيث خروجه الدائم عن المألوف تكسيره فاق انتظار قرائه وما تعارفوا عليه من قواعد». شاعر كان التمرد مركز كتاباته وأساليبه المناهضة للشعرية التقليدية. ويشير الناقد الإسباني غريغوريو سلفادور إلى أنّ بارّا يمثّل في الوقت الراهن اتجاها شعريا متمرّدا ومتجدّدا حيال الأشكال والأنماط الشعرية التقليدية المتوارثة الأخرى»، ويقول بارّا نفسه: «إننا في الشّعر الجديد المتحرّر المناهض للشّعر التقليدي تسمع لنا أصوات متعدّدة ومتجدّدة ومتنوّعة، وليس صوتا واحدا متكرّرا، «وفي تمهيده لمختارات شعرية، كتب بارا متمردا ومضادا: «أبحث عن شعر يستند إلى وقائع، وليس لمزيج أو أشكال أدبية. أنا أقف ضد الشكل المتأثر باللغة الشعرية التقليدية». وعليه، ليس غريبا أن يصف نفسه بأنه «شاعر مضاد» ومبدع التيار الأدبي (ضد الشعر)، ووسم ديوانه الأول بقصائد وقصائد مضادة» عام 1954، ليُعتبر أهم الأعمال الشعرية باللغة الإسبانية في القرن العشرين.
نيكانور بارا شاعر السخرية السوداء والمفارقة الممزوجة باللامبالاة اللاذعة، بدون أن تغفل تفاصيل الواقع. بيد أنها واقعية تحمل في رحمها مرجعيات سريالية، فهو يرى أن هناك سوابق لشعره المضاد في تحولات تشارلي شابلن وفي كوميديا أرستوفانيس ونقده للمجتمع اللاتيني، ففي قصائده: «تكفّ الأنا البطولية عن الاشتغال، لتحل مكانها ذات حديثة، وساخرة ومتهكّمة على وجه الخصوص، سخرية مرحة، لكنها صارمة وجدية، هاجسها القبض على مواطن التهكم الجارح واللاذع.
هذا الإنجاز الشعري مكن بارا من ضرب الرّقم القياسي في حصوله على جوائز أدبية مهمة، إذ حصل على جائزة «سيرفانتيس» في الآداب الإسبانية 2011، (125000 يورو)، وتمنح سنوياً، وتذهب مداورة إلى كاتب إسباني، ومن ثم كاتب من أمريكا اللاتينية، ثم جائزة «بابلو نيرودا» للشّعر الإيبيروأمريكي في بلده تشيلي 2012، وهي أعلى تكريم أدبي تمنحه الحكومة التشيلية في مجال الإبداع الشعري في مختلف بلدان أمريكا اللاتينية، وتبلغ قيمتها المادية حوالي 50.000 يورو، فجائزة «ميغيل دي ثيرفانتس»، من وزارة الثقافة الإسبانية، وغيرها من الجوائز والتكريمات، كما أنه رشح لجائزة نوبل أربع مرات للحصول على جائزة نوبل في الأدب، لكنه لم يفز بها.
وعلى الرغم من موقفه المتخاذل الذي اتخذه إزاء بينوشيه يعتبره الناقد هارولد بلوم «أهم شاعر عرفته الأرض الجديدة إلى جانب والت ويتمان».
صفوة القول، نيكانور شاعر وإنسان ونوعي في آن معا، ولن يموت، لأن حضوره فاعل وجوهري في ديوان الشعر العالمي، ولن يشيب، يكتب برشاقة ورقي وهدوء، وحتى تنفرد القصيدة بالحياة يكتب في قصيدته المعنونة بـ«الشعراء الشباب»:
اكتبوا كما تريدون
بأي أسلوب تحبّون
دماء غزيرة سالت تحت الجسر
ليستمر الاعتقاد
أنه لا توجد إلّا طريقٌ واحدةٌ هي الصحيحة
في الشعر كل شيء مباح
بشرط واحدٍ فقط بطبيعة الحال،
عليكم أن تجعلوا الصفحة البيضاء أفضل حالاً

٭ كاتب مغربي

(القدس العربي)