قصة قصيرة – ترجمة آمال نوار

 

(هذه الترجمة تحية إلى الكاتب الألماني العظيم، هاينريش بُل (1917-1985) في ذكرى ولادته المئوية التي حلّت خلال الشهر المنصرم. هو عظيم، لأنه كان ضميرَ أُمّته في مرحلة ما بعد الهتلرية، وفاضحَ الجانب المُظلم من الرأسمالية، وثائرًا على تقاليد كنيسته ومنتقدًا لأساليبها، ومدافعًا فذًّا عن قضايا إنسانية كبرى في طليعتها الحريات والعدالة والفقر، وقبل ذلك وبعده لأنه كان مؤمنًا بمعجزة الأدب ورسالته. “ضاحك” بُل يثير فينا كل شيء إلا الضحك).

***

عندما يسألني أحدهم عن مهنتي، ينتابني حرجٌ شديد، فأحمرّ وأتلعثم؛ أنا الذي لطالما عُرِف بالحصافة والوقار. إني لأحسد المرء الذي يستطيع الإجابة، بمثل: أنا بنّاء. أحسد الحلاّقين،

المحاسبين، والكتّاب، لبساطة إدلائهم، إذ أنّ كلاً من هذه المهن، إنما هي لسان حالها، ولا تستدعي شرحًا مسهبًا، في حين أجدني مكرهًا للإجابة عن سؤال مماثل بالقول: “إني ضاحك”. وتصريح كهذا لا بدّ سيقتضي تصريحًا آخر، ما دمتُ مضطرًا للإجابة بصدقٍ عن السؤال التالي: “أهكذا تكسب رزقك؟” بِ “نعم”. أنا فعلاً أعتاشُ من ضحكي، وعيشة كريمة أيضاً، سيما وأنّ الطلب عليه – بمنطق السُوق- في ارتفاع.

أنا ضاحكٌ بارع، متمرّس، وما مَن يجيد الضحك مثلي، ولا مَنْ لديه ما لديّ من الإلمام بالجوانب الرفيعة لهذا الفن. لوقتٍ طويل، وتجنباً للتوضيحات المملّة، قدّمتُ نفسي على أني ممثل، لكنّ مواهبي في حقلَي التقليد والخطابة، جدّ هزيلة، إلى الحدّ الذي يغدو معه هذا التصنيف شديد البُعد عن الحقيقة، وأنا أحبّ الحقيقة، والحقيقة هي أني ضاحكٌ. لستُ مهرّجًا ولا ممثلًا هزليًّا. أنا لا أُبهج الناس، إنما أصوّر البهجة: أضحكُ كامبراطور روماني، أو كتلميذ مدرسة مرهف الإحساس، وبقدر اضطلاعي بضحك القرن السابع عشر، كذلك هي الحال بضحك القرن التاسع عشر، وإذا ما لزم الأمر، فبمقدوري الضحك ضحكة القرون كلّها، طبقات المجتمع كلّها، فئات الأعمار كلّها. ببساطة، إنها مهارة اكتسبتها كمهارة أن تكون إسكافيًا مثلاً. في صدري آوي ضحك أميركا، ضحك أفريقيا، ضحكاً أبيض، أحمر، أصفر؛ ووفق التسعيرة؛ أطلقه ليتجلجل بما ينسجم ومتطلبات المُخرِج.

بتُّ ضرورةً لا غنى عنها؛ ضحكي على الأسطوانات والأشرطة المسجَّلَة، ومخرجو البرامج التليفزيونية يعاملونني بفائق من الاحترام. أضحكُ بتفجّع، باعتدال، بهستيريا. أضحكُ كشرطي سير أو كعامل في بقالة؛ ضحك الصباح، ضحك المساء، الضحك الليلي، والضحك الفجري. باختصار، أينما وكيفما يكون الضحك مطلوباً، أُؤديه.

من نافل القول أن مهنة من هذا النوع، منهكة، سيما وأني برعتُ– وهذا مجال تخصّصي – في فن الضحك المُعدي، مما جعلني شخصاً ضروريًا لكوميديين من الدرجة الثالثة أو الرابعة ممن يخشون – ولسببٍ وجيه – من أن يفوت جمهورهم المواقف المضحكة الأساسية في النكات. لذا فأنا أمضي معظم مساءاتي في نوادٍ ليلية، كمصفّق مُسْتَأْجَر حصيف، مهمتي إشاعة عدوى الضحك أثناء المواقف الأضعف في العرض. ولا بدّ من مراعاة التوقيت، فلا تأتي ضحكتي العارمة، الصاخبة، قبل أوانها، ولا بعده، وإنما تماماً في مطرحها المناسب: عند اللحظة المحددة سلفاً، أنفجر ضاحكاً، فيتبعني الجمهور برمته هادرًا معي، وتنجو النكتة.

وأما في ما يخصّني، فأنا ما أن ينتهي العرض حتى أمضي منهكاً إلى غرفة تبديل الملابس،لأرتدي معطفي، سعيداً بأني أخيرًا أنهيتُ عملي. في المنزل، غالباً ما أجد برقيات تنتظرني: “نحتاج إلى ضحككَ حالًا. التسجيل يوم الثلثاء”، وما هي إلا ساعات قليلة لاحقاً، حتى أكون جالساً في قطار سريع، حامي الوطيس، أندبُ حظي.

لا يخفى على أحد إني حين أكون خارج أوقات العمل أو في إجازة، فإنني قلما أميل إلى الضحك. راعي البقر ينتابه السرور حين يسعه نسيان البقر، والبنّاء حين يسعه نسيان المِلاط. والنجّارون، غالباً ما توجد في بيوتهم أبواب مكسورة أو جوارير يصعب فتحها. الحلوانيون يستطيبون المخلّل، الجزّارون الحلوى، والخبّاز يُؤْثر النقانق على الخبز. مصارعو الثيران تستهويهم تربية الحمام، الملاكمون تشحب وجوههم إذا أصاب أطفالهم الرُعاف. الأمر كله يبدو لي مألوفًا تمامًا، ذلك أني لا أضحك البتة خارج أوقات عملي. أنا شخص شديد الرزانة، والناس يعتبرنوني – ربما بحقّ – متشائماً.

في خلال السنوات الأولى من زواجنا، غالبًا ما كانت زوجتي تقول لي: “هيا اضحكْ!” لكنها في ما بعد، أيقنت بأني عاجز عن تحقيق أمنيتها هذه. أشعرُ بسعادةٍ غامرةٍ عندما أُتيحُ لعضلات وجهي المتشنجة ولروحي المنهكة الاسترخاء في سكينة عميقة. في الواقع، حتّى ضحك الآخرين بات يوتّرني، لكونه لا يني يذكّرني بمهنتي. وعليه، فنحن ننعم بحياة زوجية هادئة، مسالمة، سيّما وأنّ زوجتي هي الأخرى قد نسيت كيف تضحك. أحياناً أُباغتها مبتسمة، فأبتسم بدوري. نتحادث بصوت خفيض، لأني أمقت صخب النوادي الليلية، الصخب الذي أحياناً يملأ استوديوهات التسجيل. من لا يعرفني من الناس يظنني متحفّظًا، ولعلّي كذلك، لأني أكاد لا أفتح فمي إلا للضحك.

أعيش حياتي بأسلوب رائق، مسوّغاً لنفسي من حين إلى آخر ابتسامة خفيفة، ودائماً ما أتساءل عما إذا كنتُ قد ضحكتُ يوماً. لا أظنُّ ذلك. إخوتي وأخواتي لطالما رأوا إليّ كصبي جدّي.

والخلاصة، أني أضحك بأساليب متنوعة جمة، ولكنّ ضحكتي الخاصة لم أسمعها قط.

عن الإنكليزية / ترجمة آمال نوار