الرباط ـ «القدس العربي» من عبد اللطيف الوراري:

نتيجة صعود خطاب الأنا وتنوُّع تفرُّداته ومفرداته، يبدأ تاريخ جديد من عمل السيرة الذاتية وشَخْصنتها في الشِّعر. فعلاوة على خطابها الموازي، أخذت القصيدة بوصفها خطابا نوعيّا مخصوصا، تشرع مُتخيَّلها على كتابة الأنا، وتعيد بناء سيرته وفق آليّات اشتغالها الخاص ومنطق خطابها المفرد، بل تكتب سيرتها ـ هي ـ نفسها.
كان المشروع السيرذاتي يتعرض، بالفعل، لتحوُّلٍ جوهريٍّ واضح، وهو ما أعاد النظر في طرق تحديد نوعيّة السيرة الذاتية وأدبيّتها على شكلٍ يردُّ الاعتبار حتى لنصوص وملفوظات وآثار كتابية كانت مقصيّة من الأدب عموما، ومن أدب السيرة الذاتية تحديدا.
إن أبرز ما يحكم العلاقة بين السيرذاتي والشعري هو التخييل، بما يعنيه من شطب وتحويل، أكثر من محاكاة وإعادة تمثيل لماض ولّى. إنّه ميثاق تخييلي، بالأحرى ودائما.

شطب وتحويل

انطلاقا من وعيه السيرذاتي، أنجز محمد بنطلحة سيرة شعرية في «الجسر والهاوية»، وسيرة مكتوبة بلغة مُفكَّر فيها ومفارقة تمزج بين التأمل النظري والبحث المعرفي الأركيولوجي بالنفس الاستعاري، فأتت مقاطع غير قليلة منها كأنّها متواليات أو نصوص شعرية. نتبيّن أن الشاعر قد كتب هذه النصوص السيرية بموازاة مع التطور الجذري، الذي كان يحدث في صميم تجربته، ويريد أن تكون ـ ضمن المقاصد التداولية التي تتغيَّاها ـ في متناول القراء ممن يفترض أن أفق انتظارهم قد خاب، بعد أن درج على نصوص التجربة السابقــــة، أو ممن يبحث فيهم عن تلــــقٍّ ملائم لتجربة تتحقق داخل شرائط لغوية وجمــــالية معقدة. ولهذا، نفهــــم كون الشاعر لم يُقْدم على كتابة هذه النصوص والانشغال بها إلا ابتداء من صدور ديوانه «نشيد البجــــع» (1989)؛ المجمــــوعة الشـــعرية الأولى التي نشرها بعد حوالي «ربع قرن من اللعب بأعواد الثقــاب» على حد تعبيره.
وفي هذا السياق، لا يمكن أن نقرأ كتابة هذا الشاعر إلا مقترنة بالمحو والتشطيب. يقول: «إن الحاجة إلى الكتابة عندي هي الحاجة نفسها إلى المحو والتشطيب، هنا تتفتح إمكانية اقتراح حلول أخرى من شأنها تصحيح إيقاع ما أو استعادة توازن مفتقد، إما بتعديل وضع الكلام أو بزحزحة القياسات والنسب التي تحدد، في هذا الوقت أو ذاك، طوبوغرافية القصيدة فإذا بها، في وقت لاحق، تظهر بدون ما يقتضيه التعبير». ولهذا، لا ننأى بعيدا إذا قلنا بأنها كتابة لسيرة العطش الذي يعصف بالأنا بدون أن ترتوي، وبالكتابة بدون أن تقارب اكتمالها؛ وهي في هذه الحالة البوليفونية المتوترة أشبه بنشيد البجع: «عدت إلى مصادر النشيد، عدت إلى الطفولة حيث تحتشد أصوات متعددة في صلب كل سيرة شبه ذاتية، وحيث تحدد جنائزية النشيد مقاسات الفرح المرير. لقد كنت ـ إذا كان لي أن أتحدث هنا عن نظام المعنى وليس عن المعنى ـ أعرف مثلما يعرف غيري أن البجع يمشي وئيدا، أنه يسبح جيدا، وأنه يزين بجماله أحواض الماء».
من ذات إلى ذات، ومن متاهة إلى أخرى أكثر عطشا وانغمارا، يستمر هذا النشيد، كما «البجع يموت ـ على غرار الشاعر ـ وهو يغني». المراهنة على هزم الموت بالنشيد يكاد يكون عنوانا رئيسا لهذه السيرة التي يكتبها الشاعر؛ النشيد الذي «يبعث الدفء في أوصال البجع فإذا به ينتفض، يمد أجنحته إلى أعلى، وإذا بالجليد ينهار من حوله دلالة على انبثاق مصير جديد، وإعلان ولادة جديدة». ومثل هذه الولادة بقدر ما هي مشرعة على الآتي، فهي في التباساتها عبر اللغة «تجعل من كل إشارة وجهة نظر ممكنة، ومن كل عبور عودا على بدء». والسفر كذلك، ليس بصفته واقعة أوتوبيوغرافية فحسب، وإنما كذلك باعتباره فرصة الكائن للاستيلاء على أحذية الغيلان» على حد تعبير محمد بنطلحة.

شعرنة المعيش

طوال تجربة علال الحجام الشعرية، ثمّة نصوص عابرة، من نص «احتمالات الطفولة» إلى نص «سميُّ روميلوس»، تستعيد عبرها محكي الطفولة بقدر ما تدوّن شذرات من سيرته الذاتية. يقول الشاعر: «أعتقد أن الطفولة معين شعري وإنساني لا ينضب، ومنجم حافل بمعادن تخييلية نادرة على الشاعر استثمارها بحنكة وذكاء، ربما ترجع أهميتها إلى كون الطفل وحده هو الذي لا يلتفت إلى ماض لا يمتلكه، بل يفكر في حاضر يعيشه، ويتجه صوب مستقبل يتطلع إليه، إلى أن يصطدم بحياة الراشد ويأخذ في تسلق جبال العمر الصعبة، فتكون الذاكرة مضطرة إلى المراوحة بين الحاضر والماضي والمستقبل، بين ما عاشه وما يعيشه وما يستشرفه، وفضلا عن ذلك فإن الطفولة قادرة على التحرر من كماشة العقل الصارمة، والتحليق بأجنحتها عاليا لخلق أسطورتها التي توجد في قلب الشعر. وإذا سلمنا بهذا، وأضفنا إليه غنى الطفولة الفقيرة التي تجعل صاحبها يكبر قبل الأوان، لأنه بحكم تنوّع حياته وغنى تجاربه ومعاناته وشغبه الجميل، فإننا ندرك قابلية طفولته لتكون مصدرا من أكرم مصادر الإلهام الشعري وأجودها… لا أخفيك ــ ربما لهذا السبب بالذات ــ أنني أجد نفسي في كل محطة من محطات حياتي في قلب ذاكرة الطفولة وعوالمها الغريبة، سواء تعلق ذلك بطفولتي الخاصة أو طفولة ابنيّ أو طفولة الغير، وهي جزء من التفاعل مع السيرذاتي. وأستطيع أن أسرّ لك أنني في الفصول الشعرية الأكثر جفافا أجد أنهاري وجداولي وينابيعي كلها في روضة سريّة في أعلى ربوة الطفولة المقدسة». نكتشف عند هذا الشاعر شغفا بشعرية المعيش، حيث يستعيد ويستلهم كثيرا من الأحداث والوقائع التي عاشها في الطفولة، كما في مجموعتيه: «احتمالات» و«من يعيد لعينيك كحل الندى؟»، بل إننا نكتشف في كل مجاميعه المكان الطفولي مثل، البرج وعين بيدرو، وذكريات العطل وشخصيات الحي مثل الخال والعم إدريس، وذاكرة مدرسة «لابوكل» بحديقتها وطاووسها، وبنت الحارس الطيب الجميلة. أما نص «سمي روميلوس» فهو نص يستعيد سيرة طفولة غيرية لصديق أمريكي من لحم ودم، من أصل يوناني اسمه روميلوس أيونيدس، وفي نص «18، زنقة تازة» نجد كيف يشتغل السيرذاتي باعتباره رافعة لتاريخ طفولة غنية وممتدة من الجد إلى الأحفاد.
في كتابته السيرذاتية، يوازن علال الحجام بين الشعري والسردي، بين الشخصي واللاشخصي من أجل أن يكتب أناه السيرذاتي شعرا، بما يقتضيه الشعر كخطاب مخصوص من ميثاق أوتوبيوغرافي نوعيّ. ولهذا، يعتقد «أن الرهان الحقيقي في السيرة الشعرية هو خضوع السيري إلى الشعري، وصهر الأحداث في مرجل الخيال، وهو الرهان نفسه الذي يراهن عليه في استلهام التاريخي والواقعي. فمن السهل أن يكتفى الشاعر بسرد الأحداث والوقائع كما حدثت، لكن من الصعب شحنها بالطاقة الضرورية التي تحتاج إليها لكي تصبح مادة شعرية». وللتمثيل على ذلك، يقول: «ليس المهم هو محمود درويش الطفل الذي يحكي في «لماذا تركت الحصان وحيدا» لحظة ارتباك الجد المنهار نفسيا أمام الحفيد، ولكن المهم هو شعرنة هذا الضعف وجعل الأوتوبيوغرافيا البكماء ووحدة الحصان وتحسس المفتاح في الجيب في تلك اللحظة بالذات مكونات جمالية أهم من الأحداث والوقائع. ويجب أن نسجل في هذا الباب أن الجانب السردي يستطيع أن يغني الجانب الشعري في النص بقدر ما يستطيع الإجهاز عليه متى عجز الشاعر عن شعرنته وإخضاعه لمشيئة البنية الشعرية، وإذا كان هناك من خلل فهو يكمن في ما يحدث من تجاذب وصراع بين بنيتين مختلفتين يصعب صهرهما في بنية واحدة، من خلال التوسل إلى التصالح بينهما، بالبحث عن وسائل وتقنيات تدلل المشكلة مثل الانزياح والحذف والتوازي والتوازن التركيبي الصرفي وغيرها».
إن الشاعر ينبغي أن يكون وعيه سيرذاتيا وهو يكتب، فليس المطلوب ـ في نظره ـ هو تغليف المعيش والسيرذاتي بغلاف شعري، وإنما المطلوب هو صهره فيه، بل تمكين الشعري من محو آثاره الواقعية ونفض غبارها. ويجب الوعي بأن ثمة تنازعا دائما بين الواقعي والمتخيل، حيث ينزع الأول إلى إحالة العالم إلى ما يشبه النثر اليومي المألوف وإغراقه فيه، فيما ينزع الثاني إلى إحالته إلى شعر محض، بينما يتحتم على الشاعر وهو يحاول تمثل ذاته واستحضارها في كتابته أن يخضعها إلى سلطة الجمال قصد تحويلها تحويلا شعريا.

الذاتي والجمعي

عبر قصائد «التحولات»، لا نتلمس تطور تجربة عبد الرحمن بوعلي، بل مفهومه للسيرة الشعرية. ففي هذه القصائد تجمعت كل عناصر ومكونات تجربته وهي تنفتح على أفق جديد، وداخلها يأخذ عنصر الدراما بما هو في جوهره صراع بين أصوات، طابعَ القناع السيرذاتي؛ حيث القناع يمثل معادل الذاتي فيما هو يمزج بين الذاتي والجمعي في صميم التجربة الشعرية، أو ـ كما يقول ـ «في نسيج لغوي كلامي يتيح للشاعر إمكانيات تعبيرية هائلة، خاصة إذا كان التعبير يدور ويتمحور حول المناطق الحدودية، بين ما هو ذاتي وما هو جمعي. وإذا كان الشعر فنّا من الفنون، فلا شك في أنه يريد أن يجمع بين ما هو جمعي وما هو ذاتي ليعبر عن اللحظة الشعرية».
وعن الحضور السيرذاتي في شعره، يقول بوعلي: «كثيرة هي القصائد التي تتضمن شذرات من حياتي، فأنا كثير الإشارة إلى حياتي، ربما بخلاف الكثير من الشعراء المغاربة. ربما يعود هذا إلى كوني أومن بأن الشعر تعبير عن الذات في المقام الأول. هذه القصائد التي تكلمت عنها تشكل جزءا كبيرا من شعري. وما يعطيها خصوصيتها أنها توظف بعض الإشارات الدالة التي أقتطعها من سيرتي. وهناك قصيدة أعدها محاولة لرسم سيرة حياتي، توجد ضمن ديواني «أعدني إلى رحم المحبرة» بعنوان «إيماءات الولد الدائري». وهي قصيدة تشير بشكل مباشر إلى حياتي. في هذه القصيدة أماكن معروفة هي أماكن ارتدتها وأرتادها، وفيها إشارات لأحداث عشتها. أنا أعتبر هذه القصيدة مُعبِّرة وإن بشكل موجز عن حياتي».

الذاتي والسيري

يجد الشاعر رشيد في سؤال عن العلاقة بين السيرذاتي والشعري «إشكاليات نظرية، هي في الوقت نفسه على درجة كبيرة من التعقيد والغنى. وهو ما لا يسمح لنا السياق بالخوض فيها، بدون أن يمنعنا ذلك من القول بأن العنصر السيري هو أحد المكونات الأساسية في كل عمل فكري أو إبداعي، حيث لا يمكن تجاهله أو تجاوزه. فهذا المفهوم المقترن عادة بالذات الكاتبة، عانى، وسيظل يعاني الكثير من سوء الفهم والتفاهم، إذ تمّ تحجيمه ومسخه استنادا إلى رؤية متعالية لمفهوم الموضوعي، الذي بوأته التوجهات المادية، خاصة في شقّها الأيديولوجي، مكانة تتجاوز حدها العقلاني إلى مستوى التصفية التامة والمطلقة لأي حضور محتمل للذاتي أو السيري، باعتبار أنهما، معا، يحيلان إلى الاستبداد الفردي وهيمنته، على حساب ما هو جماعي موضوعي، عام، ومشترك. وهو أمر يتضمن مغالطة كبرى، هي نتاج غضب تاريخي من السلط الفردية، التي أذاقت العالمين شر ما في الاستبداد من جبروت وإذلال، حيث يقتضي الأمر وجوب الفصل بين الذوات القيصرية والنيرونية، أو الذوات الرومانسية الموغلة في هشاشتها وسلبيتها، وبين الذوات المتفاعلة مع الآخر، مع المحيط، ومع المعرفة. فبقدر ما توجد ذوات ظلامية وهدامة، توجد ثمة ذوات منذورة للخلق والابتكار واﻹبداع. بما تعنيه هذه القيم من قدرة على فتح آفاق مستقبلية مغايرة، واقتراح اختيارات واعدة بالبدائل».
انطلاقا من هذا التصور، يعتبر رشيد المومني حضور كـل من الذاتي والسيري بمثابة الحجر الأساس في أي كفاية تعبيرية، إلا أن الإشكال ـ في نظره ـ يتجسد في مستويات إعلان الذات عن حضورها في النص، بقوله: «فحيثما يحدث أن تختفي وتشفّ في مسالك إبداعية ما، يلاحظ أحيانا أنها تنتشي بتمركزها في المحكي الشعري، أي تبعا للضرورة الشعرية التي تساهم في تصعيد الإحساس بحضورها».
في مجموعته الأخيرة «اقترب ولا أدنو»، ولا سيما في الجزء الثاني منها، نكتشف تمركز السيري؛ حيث هناك مديح لطفولة الكائن باعتبارها أبجدية طفولة الوجود، وطفولة كينونة مترعة بطيوب خصوصيتها، وهو صادر عن وعي تخوميّ دقيق يرى «أن توظيف السيري في النص الشعري يختلف عنه جذريا في النص السردي، لأن اﻷمر يقتضي بالدرجة اﻷولى حضور شعرية مقنعة في السيرة الشخصية، مهيأة لأن تأخذ مكانها الطبيعي والتلقائي داخل النص الشعري؛ فليس كل حياة قابلة لأن تكون موضوعا لكتابة شعرية. كما يتطلب الأمر قدرة معرفية عالية لانتقاء الشعري في قلب الصيرورة الزمنية للكائن، فضلا عن حضور القدرة التحويلية التي ترتقي بالتفاصيل اليومية من إطارها البسيط والعادي إلى إطارها الجمالي واﻹبداعي».
إن شعرنا المعاصر، في جزء لافت منه، أخذ يدمج سيرة الأنا الشعري ويستمزجها على نحو خاص وكثيف تفرضه خصوصية الخطاب الشعري. ولهذا، من المهم أن ننظر إلى السيرذاتي ليس فقط باعتباره خطابا بانيا للقصيدة وحسب، بل طريقة لتخييل موضوعها وقول أناها التخييلي والمجازي، من خلال انفتاحها على مجموع الإمكانات والتقنيات الكتابية والتصويرية التي يتيحها مثل هذا الخطاب.

http://www.alquds.uk/?p=889078