منذ ظهور كتابه الأوّل «عناصر الليل» (1962) والذي تلاه «سكون الليل» (1966) أبان شاعر بلاد المايا والأزتيك، المكسيكي خوسّيه باشيكو عن تفوّق مبكّر، ومقدرة فائقة، في الإبداع الأدبي شعراً ونثراً.
يصف الناقد المكسيكي إيفراين وينتاس هذين الديوانين بأنهما مكتوبان بلغة نابضة، وعاطفة متأجّجة، وعمق كبير. ويلاحظ هذا الناقد أنّ هذا الشاعر قد فاجأ الأوساط الأدبية في ذلك الوقت، وهو بعد شاعر مبتدئ خاصة في ما يتعلّق بالمواضيع التي كان يختارها بعناية فائقة لشعره، وتعريته لحقائق الحياة، فضلاً عن جمالية صُوَره الشعرية، وأخيلته الخصبة، يقول باشيكو في عناصر ليله وسكونه:
الحمامة الرّماديّة
تنفض عنها سكون الصّمت
فيشعّ طيرانها العالي
في الفضاء.
فضلاً عن عنصر التماثل الثقافي في الشعر اللاّتيني المعاصر، إنه يقول:
أنت تعرف جيّداً
أنّ أحداً لم يعرف قَدَرَه
كلّ ما هو آتٍ مجهول
فلا تستفسر التكهّنات.
وشبيه بإطنابات أرثر رامبو وتخميناته المنبسطة:
في الوقت الذي كنت أنجرف
مع الأنهار البّاهرة
أيقنتُ أنّ الذي كان يجرفني
اكتئابي وتوجّسي
وقد نوّه الروائي البِيرْوَني المعروف ماريو بارغاس يوسا (نوبل في الآداب 2010) منذ زمن بعيد بشعر باشيكو وبنبوغه المبكّر، وبالمواضيع الجريئة التي كان يتطرّق لها، فضلاً عن روحه الاندماجية، ونضجه الإبداعي ومقدرته على التعبير والإبلاغ. كما أشاد يوسا بنظرته الشعرية المشعّة الناصعة لمفارقات الحياة، واسترعى اهتمامه ثراؤه اللغوي والثقافي، حيث تجتمع في شعره عدّة لغات وثقافات، واعتبر يوسا أحد دواوين باشيكو وهو «عناصر الليل» الآنف الذّكر، أنه حدث حقيقي كبير في الشّعر الاسباني الأمريكي اللاّتيني المعاصر.

لا تسألني كيف يمرّ الزّمن

وفى كتاب آخر لباشيكو وهو: «لا تسألني كيف يمرّ الزّمن» (1969) نجد شعرَه يزداد ثراءً ونضجاً، وتتميّز تجربته الشعرية بالتنوّع والعمق، وكان كشعراء الحوليّات زهير بن أبي سلمى المزني وآخرين، لا يخرج إلى الناس بشيء من شعره إلاّ إذا راجعه، مراجعةً متوالية، ونقّحه تنقيحاً دقيقاً.
شعر باشيكو حصيلة قراءات واسعة، ومخاض تجارب متعددة، حيث يتجزأ ويتفرّع صوته الشّعري في صيغ لغوية متعدّدة، وأشكال بلاغية متباينة، وأقنعة مختلفة، وأصوات متناوشة، في تحاور وتشاجر وعناد.
يعتبر النقاد في اسبانيا وفي معظم البلدان الناطقة بلغة سيرفانتيس إميليو باشيكو من كبار الشّعراء والكتّاب المكسيكيين المعاصرين، وهو معروف بإسهاماته وعطاءاته في الحقل الإبداعي في الشعر والنثر على حدّ سواء. عندما فاز باشيكو عام 2010 بجائزة سيرفانتيس التي تعتبر بمثابة نوبل في الآداب الاسبانية، أشيع عنه ظلماً وبهتاناً أنّه صرّح بأنه من أحسن الشّعراء في أمريكا اللاتينية، إلاّ أنه فنّد ذلك الادّعاء قائلا: كيف يمكنني أن أقول ذلك..؟ فأنا لا أطمح أن أكون حتّى أحسن شاعر في الحيّ الذي أقطنه.. إلاّ أنه سرعان ما أردف قائلاً ومداعباً: لا، لا نسيت أن أقول لك إنني جار للشّاعر الأرجنتيني خوان خيلمان. عن باشيكو يقول بلديّه الكاتب المكسيكي الرّاحل كارلوس فوينتيس: «الأعمال الإبداعية لباشيكو أعمال ذات صبغة عالمية، وهو يشارك فيها بنصيبٍ وافر في الأمجاد الأدبية لكلّ العصور»، يعتبر بعض النقّاد قصيدته «الخيانة العظمى»، من أعظم قصائده في الإبداع الشّعري المكسيكي الحديث، وهي مدخل أساسي لفهم هذا البلد، واستكناه خباياه، واستغوار بواطنه، واستكناه المشاعر المتناقضة لدى العديد من المكسيكيين».

باث وباشيكُو شاعران من ضلعٍ واحد

ويذهب الشاعر المكسيكي الرّاحل أوكتافيو باث (جائزة نوبل في الآداب 1990) في مقدّمة كتاب «الحركة الشعرية في المكسيك إلى «أنّ تجلّيات باشيكو الشعرية تظهر في شكل تعامله مع اللغة، حيث نجدها عنده لغة هادئة واضحة، إلاّ أنها في الوقت نفسه لغة موحية صاخبة. وفي ديوان باشيكو السابق « لا تسالني كيف يمرّ الزّمن» يبدأ مرحلة جديدة في شعره يصنّفها الناقد خوسيه ميغيل أوفييرو بأنها تتّسم باللسخرية والتهكّم، وبصراحة وجرأة في نقده ورؤيته للمجتمع، وأبياته مفاتيح سحرية يكتشف بها باشيكو عالمه الشعري، ورؤاه البعيدة الغور، وتجعلنا نشعر بعض أقنعته الشعرية أنّ باشيكو ينسلخ عن شخصيته الحقيقية في فنّه، ويفضي بنا هذا إلى التفكير في شاعر اسبانيا أنطونيو ماتشادو، و»يوميات معلّم البلاغة والبيان» عندما تواجهنا في أشعار باشيكو شخصيات الوجه الظاهر والمتخفّي للشاعر، أيّ الوجه الحقيقي والقناع.
وفي كتابه» ترحلين بدون عودة» (1969) نجد هذا الشاعر يصف حرفته كشاعرٍ أضناه اليأس، وهدّته خيبة الأمل فيقول:
إنّه كمن يحرث البحرَ
ويكتبُ فوق الماء.
وعندما يقول:
في ذلك العام كتبتُ عشرَ قصائد
عشرَ أشكالٍ مختلفةٍ من الفشل
وفي كتابه: «جزر الانسياق» (1975) نجد في شعر باشيكو غيرَ قليلٍ من الحقائق التاريخية والجغرافية، فضلاً عن غوصه في سديم الطقوس، وفي ثبج الأساطير القديمة في بلاده، وفي هذا الإطار يحاول الشاعر أسرَ، وقنصَ الزّمن الذي لا يرحم، ولا يلين بواسطة الكلمة الشعرية، كما يعهد إلى ما يُسمّىَ إعادة خلق الشّعر داخل الشعر، أيّ الاستشهاد أو ذكر شعراء آخرين في شعره. ويصف أحد النقّاد شعر باشيكو «بأنّه شبيه بشعاع الشمس الذي يخترق الزجاجَ دون أن يلطخه أو يخدشه».
وفي شعره أبيات تعتبر علامات ثابتة، وَصُوًى مرصوصة في طريق الزّمن، في حين أنّ له أشعارا أخرى تنمو وتتحرّك وتتغيّر من قارئ إلى قارئ، ومن زمن إلى زمن آخر، وهي ذات رمزية عميقة، ودلالات بعيدة الغور، يقول في قصيدةٍ له شّهيرة تحت عنوان «النزول إلى إيتاكا»:
أجملُ ما بقي في الإنسان دُمُوعُه!
أنت دائم التفكير في «إيتاكا»
النزول فيها هو قدرك المحتوم
ولكن لا تحاول أن تستبق يومَك
خير لك أن تنتظر أعواماً طويلة أخرى
وعندما تنزل الجزيرة
يكون الزّمن قد سلّمك للهرم
إلاّ أنك ستصبح غنيّاً
بما كسبته في رحلة الإبحار
دون أن تنتظر بأن يأتيك الغنى
فى إيتاكا
فقد وهبتك سفريّة رائعة
فلولاها لما برحتَ مدينتك
ماذا إذن تريد أن تمنحك أكثر
ممّا حصلتَ عليه
إنك إن لم تجد بها شيئاً
فقد كسبت شيئاً آخر
فقد أصبحت عالماً بتجربتك
عندئذٍ سوف تعرف ماذا
كانت تعني بالنسبة لك إيتاكَا
وفي ديوانه «أعمال البحر» (1982) نجد إشارات وتجارب متعدّدة حول رحلات ومغامرات هذا الشاعر ليس في حيّزه الجغرافي وحسب، بل والزّمني كذلك، حيث تجاوز، وبزّ غير قليل من الشّعراء والأدباء الذين أعجب بهم وبإبداعاتهم وحياتهم من قبل. كما أنه يتعرّض في هذا الديوان للتجارب السياسية التي عاشتها أو اجتازتها بلاده، بل إنه يتعرّض كذلك للتّلف والأضرار والمظالم التي حاقت بالطبيعة في بلاده، وفى بلاد الله الواسعة، ويخصّص الشاعر حيّزاً مهمّاً في هذا الديوان لمدينته العملاقة «مكسيكوسيتي» التي يقول عنها باشيكو: «إنها مدينة تبُرّئ وتُسامح الغراب، وتغيظ وتُغضب الحمامة».
وفي كتابه «مدينة الذاكرة» ينأى باشيكو عن صيغة التبليغ التي تميّز بها شعرُه، وبالأخصّ كتابه السابق، ويكسب صوته الشعري مغزىً أكثرَ مرارةً وموضوعية، حيث ستصبح الميزة الأساسية في شعره ولن يحيد عنها بعد ذلك:
أطفالنا لم يعد يهمّهم
الاستماع والاستمتاع بقصص السّحرة والجدّات
من هول ما يحدث
أحلامنا فقط
لم يلحقها الذلّ والهوان
أجمل ما بقي في الإنسان
دموعه.
لم يعد الشّاعر صوتَ قبيلته
يقول في قصيدته الرّائعة القارئ والقصيدة أو القصيدة والقارئ:
ليس لديّ ما أضيفه إلى ما تحمله قصائدي
لا يهمّني التعليق عليها
إذا كان لي أحد، فمكاني في التاريخ
الآن، أو فيما بعد ينتظرنا جميعاً الغرق
أكتبُ، وهذا كلُّ شيء
أقدّم نصف القصيدة
القصيدة ليست علامات سوداء على صفحة بيضاء
هي عندي موضع اللقاء
مع التجربة الغريبة
القارئ، القارئة
هما صاحبا القصيدة التي أرسم
نحن لا نقرأ للآخرين،
بل نقرأ أنفسنا فيهم
الأمر يبدو شبيهاً بالمستحيل
أحد لا أعرفه
يمكن أن يرى نفسَه في مرآتي
وإن كان هناك فضل في ذلك،
قال (بِيسُّووَّا) *
فهو للأبيات لا لناظمها
وإن كان، بالصّدفة، شاعراً عظيماً
فسوف يخلّف لنا أربعة أو خمسة أبيات جديدة
محاطة بالمسودات،
وآراؤه الشخصيّة،
في الواقع، عديمة الجدوى
عالمنا غريب
في كل يوم يهتمّ الناس بالشعراء أكثر،
وبالشّعر أقلّ
لم يعد الشّاعر صوت قبيلته،
ذاك الذي يقول ما لا يقوله الآخرون
ما زلت أعتقد،
أنّ الشعر شيء آخر،
هو نوع من الحبّ،
لا يوجد سوى في الصّمت
عهد سرى بين مخلوقين
بين مجهولين غالباً
هل قرأتُ يوماً أنّ خوان رامون خيمينيث
فكّر منذ نصف قرن في إنشاء
مجلة كان سيطلق عليها «المجهول»
كانت ستنشر نصوصاً بدون توقيع،
وتتألف من قصائد، وليس من شعراء
إنّني، مثل المعلّم الاسباني هذا، أتمنّى
أن يكون الشّعرُ مجهولاً
ما دام جماعيّاً
إلى ذلك تتوقُ قصائدي ورواياتي
قد تقول: الحقّ معك
أنت الذي قرأتَ لي ولا تعرفني
قد لا نلتقي أبداً ولكنّنا أصدقاء
إذا راقتك أبياتي
ماذا يهمّ، أن تكون لي
أو لغيري
أو ليست لأحد
القصيدة التي أنتَ بصدد قراءتها الآن
هي قصيدتك
تكتبها عند قراءتك لها.

توفّي بَاشِيكُو في مكسيكو سيتي بتاريخ 27 يناير/كانون الثاني 2014 عن سنّ تناهز 74 سنة.

محمّد محمّدالخطّابي

((القدس العربي))