الرباط ـ «القدس العربي» من عبد اللطيف الوراري:

أثار تراثنا النقدي والبلاغي قضايا نظريةً ومعرفيةً عبر تاريخه، ولعل أهمها وأدعاها للنظر قضية الشعر والنثر. فإلى جانب التباس حديْهما، وسجنهما في ثنائية على طرفي نقيض، لم تعدم العلاقة المتوترة بينهما أصلاً داخل الخطاب، من صراع العلماء بين مُنْتصرٍ لهذا الطرف أو ذاك.
إن المشكلات النظرية والسياسية للكتابة وتاريخيتها يرتد معظمها إلى هذا التقابل، ليس في تاريخنا الثقافي وحسب، بل حتى في تاريخ ثقافات ثانية، بما فيها الثقافة الأوروبية مثلما يُشير إلى ذلك هنري ميشونيك. فالتقابل بين النثْر والشعر يكشف عن نفسه في ثلاثة معالم: البيت الشعري، الـ«صورة» والتخييل، بما هي معايير استعمالية. الأول الذي يُعرف الشعر من خلال البيت والإيقاع من خلال الوزن يجعل النثْر تالياً، ويُميز الآخر الشعر من خلال الصورة، فيما يكون النثر معقولية وتَمْثيلاً ذِهنياً. وفي كلتا الحالتين، يكون الشعر مُركزاً عليه: النثر هو ما دون الإيقاع، وما دون الصورة. بينما النثر يكون مُركزاً عليه في مهيمنة التخييل وحسب، والشعر بخلافه، وذلك وفق المقولات الجارية.

من الإثيمولوجيا إلى الالتباس

تسهم الإثيمولوجيا في تقديم النثر كمقابل للشعر، وتُشِيع الكتيبات أن النثر هو، «الخطاب غير الخاضع للقواعد»، لكن الشعر «خطابٌ خاضعٌ لقواعد الإيقاع». مع Versus، «الخط، السطر، البيت»، يتعارض prorsa oratio ، «الخطاب الذي ينشأ بدون عوائق»، حتى إن كان كل تقليد النثر الإغريقي والنثر اللاتيني يُفند ذلك. إن النثر هو الخطاب «الذي يسير في خط مستقيم»، فـ prosa (oratio)، prorsus ناشئٌ عن proversus ، ومنساقٌ مسبقاً، و prorsa هو بدوره اسمٌ لإلهة الولادة، كما يُسميه شلوفسكي، ‘إلهة الولادات المطردة والسهلة حيث يخرج الطفل «سليماً»، أما
الـ versusفهو بالضبط، مثلما الأصل، «يُوجه المحراث إلى طرف الخط، الدور، السطر» حسب إرنو وميي Meillet، ثُم «سطر الكتابة»، خاصة «البيت». إن الشعر والنثر، أصلياً ووظيفياً، يدوران بانتظام، والنثر يتقدم مستقيماً.
بخلاف تحديد الهوية الوزنية للإيقاع بالشعر، يميز أرسطو الإيقاع بوصفه خاصية للنثر عن الوزن المُميز للشعر: «إن شكل الأسلوب يجب ألا يكون لا وزنياً ولا غير منتظم». الإيقاعي والوزني متمايزان في ما بينهما تمايزاً جذرياً. ولا تتحدد أسبقية العدد بالوزن: «كل الأشياء يُحددها العدد، إنما العدد الذي ينطبق على شكل الأسلوب فهو الإيقاع الذي لا تمثل الأوزان إلا أقساماً منه». ويستنتج أرسطو: «يجب أن يكون للخطاب، بالنتيجة، إيقاعٌ، لا وزْنٌ ، وبخلاف ذلك تكون القصيدة». ومُعتداً بالإيقاع اللغوي مثلما فهمه، يقول: «يمتلك الوزن الإيامبي إيقاع الكلام العادي نفسه»، وهو ما ينتج عنه، بدلاً من التقسيم الثنائي نثر/ شعر، تقسيمٌ ثُلاثي، هو: النثر، الخطابة والشعر، وذلك هو ما يُمثل أصل التقسيم الثلاثي للبلاغة العربية (انظر مقالتنا: الشعر والنثر: من الإجماع الكاذب إلى مضايق الأخلاق، «القدس العربي»، 4 أبريل/نيسان 2017).
أَول سؤال يُطرح هو لماذا ظل الشعر، ولا يزال، متماهياً مع البيت. يُنْظر إلى البيت، ولا يزال الأمر لبعضٍ منهم، بوصفه ليس التقنين الوزني للإيقاع وحسب، بل هو تقنين الإيقاع الذي يقوم برد فِعْلٍ ضد تقنينه الخاص. البيت هو وحدة، عنصر: السطر. إن لغات مثل الإنجليزية [Vers, line]، والروسية [ stix, srtoka]، والألمانية [der Vers, die Zeile] يضم كل منها مصطلحين كما يظهر. في الفرنسية الحديثة قلما نقول [السطر [ la ligne، وهو ما قامت به مقالات البلاغة الثانية في القرن الخامس عشر، فزاد التباسُ الإيقاع والقافية إلى تماهي الشعر بالبيت. بالبلاغة الثانية «تُعْرف الأشياء المقفاة»، و«تُمْلي بلاغة ثانية لسببٍ من أن ما هو نثْري سابق على غيره»، والشعر أَدْخل في البيت طالما عُد الشعر بَيْتاَ. لم تعد العلاقة علاقة مُجاوَرة، إنما تحولٌ في الخصوصيات بالنسبة إلى أحدهما في علاقته بالآخر.
لهذا، فإن البيت هو حد النثر، وإن كل خطابٍ يكون إما بيتاً أو نثراً. تجريبية شائعة غدت معها البداهة، في ما يبدو، واضحة للعيان. حتى داخل السيميائيات الأدبية بعد البنيوية، كان يوري لوتمان يعتبر «طبيعة الشعر» مُطابِقةً لطبيعة البيت، غير أن اللغة الشعرية واللغة المنظومة، المصطلحين معاً، يلتبسان علينا أكثر من أن يلتبسا ببعضهما بعضا. وقد سبق لأرسطو أن رأى صراحةً، بخلاف الرأي المضاد السائد، أن البيت ليس هو الشعر: «على أن الناس قد اعتادوا أن يقرنوا بين الأثر الشعري والوزن»، و«أن الشاعر يجب أن يكون صانع حكايات وخرافات أكثر منه صانع أشعار، لأنه شاعرٌ بفضل المحاكاة، وهو إنما يُحاكي أفعالاً». ولا يمكن لأرسطو أن يقول بذلك إلا داخل نسقيته، وما ليس له من معنى هنا يضيع تلقاء نفسه.

فراغ النظرية

يجمع التاريخ الثقافي الأوروبي، بشكل غير قابل للفصل، بين البيت والشعر معاً. هكذا يتحدث طومبسون عن الشعر بالمعنى العام، الذي أصبح أمراً طبيعياً من ألا يُعرف، ويُسمي البيت «ضرباً من الشعر». ويلاحظ غيرو تغييراً في تعريف كلمة شعر، من ليتري إلى روبير. بالنسبة إلى ليتري: هو «فن تأليف أبيات الشعر»، على نحو كامل، وهو «الخواص التي تُميز الأبيات الجيدة، والتي يمكن أن توجد في مكانٍ آخر عدا أبيات الشعر». ويُعرفه روبير: «فن لغوي يميل إلى التعبير أو الإيحاء بشيء ما عن طريق الإيقاع (ولا سيما عبر البيت الشعري)، والتناغم والصورة». ويظهر أن الفهم يدق أكثر إذا ما توسعنا فيه. ففن اللغة يحيل على المحاكاة مع ما تحتمله هذه المقولة من صعوبات، كما أن الأمر يتعلق هنا بالتوازيات المفهومة بوصفها حِيَلاً. ونسأل: «إلى أي حد يستطيع الشعر أن يوجد وهو يستغني عن النظم؟»، فغاية ما نعرفه، للوقوف على الحد، هو «أقنوم الدال». لقد حُدد العروض بأنه «قائمة الإيقاعات الشعرية بالقوة داخل اللسان»، ونُظِر إلى الوزن كـ»أساس الإيقاع»، ما لم يكن التمييز بين الشعر والنظم ممكناً، غير أن الأمر جارٍ تمام الجريان. من هنا التعريف المتحفظ: يستند النظْم على نحو الأبيات الذي يُشكل بنيتها الوزنية، ومن ثمة تغدو الشعرية متماهية مع ‘البلاغة’، ومع «أسلوبية الآثار الموزونة والمتحققة في السياق بحرية وضمن حدود القاعدة». وهكذا لن يترك الدليل للقصيدة موضعاً آخر.
إن التباس الشعرية مع البلاغة والأسلوبية يدل على فراغ النظرية، وهو فراغ العلاقة نفسها بين الإيقاع والمعنى. وبعيداً عن أن نؤرخ للتمييز بين البيت والشعر، الذي من المُهم أن نلاحظه عند الرومانسيين الألمان، فإنه طالما عرفنا، بشكل يقطع مع الشك، أن كل ما يُنْظم ليس شعراً. يكتب أوغست ويلهلم شليجل أن «وحده الشعر مما ينبغي أن يكون مؤلفاً من أبيات». ذلك هو الشعر الذي يجب أن يُدْعى نَظْماً، وليس النظْم الذي يجب أن يُدعى شعراً. من هنا، «كل شِعْرٍ هو شِعْر الشعر».
في كتابه «دفاعاً عن الشعر» 1821، يقترح شيللي نموذجاً تمثيلياً عن مقولة الشعر هاته. فالشعر يتم بطريق النظْم، وهو موزون، لأنه يُعبر عن النظام وتناغم العالم الذي يغدو معه الوزن رمزاً، وتراسُلاً. أما الشعراء فهم أولئك الذين «يتخيلون ويُعبرون عن هذا النظام الذي لا يمكن أن يزول». لذلك، يقترب الشعر من الدين، ومن النبوءة التي هي «صفة الشعر». وبالمعنى الواسع: «تُعد اللغة، واللون، والشكل وصيغ العمل الدينية والمدنية جميعها، أدواتٍ للشعر ومواده البانية، ويمكن أن ندعوها شعراً عبر هذه الصورة من الخطاب الذي يرى في الأثر كمرادفٍ سببي. بيد أن الشعر، بالمعنى الأكثر تقييداً، يعكس هذه التنظيم بطريق اللغة، ولاسيما اللغة الموزونة التي تبتكرها هذه الملكة الإمبراطورة التي تحجب عرشها عن الإنسان في ما وراء الطبيعة». ويحدث أن يتواصل التمييز بين «اللغة الجارية على قياس أو على غير قياس»، «لأن التقسيم بين النثر والنظم لم يكن مقبولاً داخل الفلسفة الدقيقة». ويخلق التعليل الأصلي المُعمم الضرورة الشعرية التي يكون بها الشعر إدراكاً: «من هنا، فإن لغة الشعراء طالما اصطنعت ترجيعاً صوتياً متناغماً ومتماثلاً، من غير أن يكون ذلك شعراً». فالشعر، بمراعاة ذلك، هو «نسق ما من الأشكال المتوارثة عن تناغم اللغة»، لكن حتى الجديد ينتمي إلى الشعر. بعد كوليردج وووردزورث، يُقر شيللي بأن كُل شاعرٍ عظيمٍ يُجدد بالقياس إلى العرف. وتقوم لعبة التجديد والإيقاع المركوز في الفكر بالاعتراض على التمييز بين الشعراء والناثرين باعتبار ذلك «خطأ عامياً». ثُم يبسط مقولة الشعر بقوله: «يرفع الشعر الحجاب عن الجمال المختفي للعالم، ويُثبت أن الموضوعات المألوفة تبدو كما لو أنها ليست مألوفة». بواسطة الأبيات أو بدونها، يصير بعض الفلاسفة والمؤرخين شعراء، فليس البيت أكثر من شكل ضمن أشكالٍ أخرى للكشف عن النظام الكوني، والقصيدة هي «الصورة نفسها للحياة المُعبر عنها في حقيقتها الأزلية»، مثلما أن الإيقاع يتحرر من الأبيات. وحيثما وُجِد ثمة «صدى من الموسيقى الأزلية»، وُجِد إيقاعٌ وشِعْر على حد سواء. هل يجوز القول إنه كُلما قيل إن الشعر ليس هو النظْم، كانت مقابلة البيت بالنثر والإيقاع بغياب الإيقاع مدعاة لعدم الرضى؟ إن الشعر، ثُم البيت والنثر ليست مجرد كُليات مُضلة.
تُفضي هوية شعر/ بيت ـ في نظر ميشونيك ـ إلى تعريفٍ سلبي للنثر، غياب النظام والإيقاع، ومثل هذا التحديد لا ينزع الشعر من تاريخيته فحسب، بل من الشعر نفسه. وكان جان مورو قد لاحظ أنه في مراحل من نقد البيت (القرن الثامن عشر، بداية القرن التاسع عشر) سيتم نظم النثْر وتدريسه مما أفسد التمييز بينهما. ولقد أحدث النثر الشعري والشعر المنثور ثُم ترجمات القصائد المنظومة نَثْراً، تشويشاً على هذه الماهيات. وينتهي لوت، الذي دون بدوره نشرةً دِعائية، بالتعرف على أن اختلافات الإيقاع بين النثر والبيت «هي في الدرجة فقط، وليس في الطبيعة. الإيقاع الموسيقي هو نفسه في كل مكان: يُؤسسه تعاقب الأقدام الممتدة إن قليلاً أو كثيراً، وكل قدمِ منها يتركب من سلسلةٍ من المقاطع الخفيضة، وينتهي بمقطعٍ حاد، وقد يلحق بها مقطع جديد مؤنث حاد يقفل المجموعة». من هنا، يختص كل قدم بمجموعةٍ إيقاعية. ولقد أربك النثر الشعري وقصيدة النثر نسق التقابلات التقليدي متروكاً يضعف، وحتى داخل مكانه المعهود.

استراتيجية الخطاب

بذلت الحداثة قُصارَى جهدها لمقابلة الشعر بالنثر، إذ عملت على إزاحة حدودهما وعلى تشويش التمييزات بينهما. وقد اعتبر فاليري أن «استحالة اختزال الشعر إلى نثر قد سن «الشروط الصارمة لوجود» الشعر. في «أزمة البيت الشعري» يقطع مالارميه بالقول «إن البيت لا يوجد إلا في الإلقاء مرتكزاً عليه، والإيقاع في الأسلوب»، حيث يُرْجأ النثر على نحو غريب ـ لا يوجد النثر، إذا كان البيت هو الإيقاع كله: «البيت في كل موضعٍ من اللغة حيثما يوجد إيقاعٌ، وفي كل موضع داخل الإعلانات والصفحة الرابعة من الجرائد، يحظى بالقبول». ويواصل مالارميه القول: «داخل الجنس المُسمى نثْراً، توجد أبيات، رائعة أحياناً، بالإيقاعات جميعها. لكن في الحقيقة، ليس هناك من نَثْرٍ: هناك الأبجدية ثم تعقبها أبيات تنتظم أو تنتشر قليلاً أو كثيراً. في كل المرات عندما يكون هناك مجهود في الأسلوب، يكون ثمة نظْمٌ». وسوف يقترح روبو مقولة «نثر البيت» بخصوص «إشراقات» آرثور رامبو، بمعنى أن تكون اللغة مرتبةً ترتيباً نثرياً عبر إزاحة حدود البيت الممكنة، ابتداء من الشعر الحر الذي لم يكن موجوداً بعد، بيد أن رامبو يستحدث أول نموذجين منه، هما: Marine و Mouvement.
من داخل نظرية الإيقاع التي هي بمثابة المُميز للعلاقات في الخطاب، يسعى هنري ميشونيك إلى تحليل الكليشيهات التي تحكم الممارسات والمقولات معاً، أكثر مما كان مسعاه وضع قائمة لـمعايير الفكر الشعري المضاد. فإذا كان النثر، بالنسبة للكثير، متماهياً بالخطاب العادي، ومن ثمة مُعارِضاً للشعر، فإن كلا النثر والشعر يتعارض، لسانياً وبلاغياً، مع الخطاب العادي. هناك النثر مثلما الشعر الذي لا تتماهى بالبيت إطلاقاً. من منطلق هذه التعددية، يبدو عديماً للمعنى أنْ يقابل الشعر بالنثر. وتتركز سخافة الثنائية ـ في نظره ـ داخل البديهية الزائفة التي تجعل من الشعر مضاداً للنثر، فليس غياب الشعر هو النثر، بل ليس هناك من غياب للشعر، ولا يمكن أن يتم. في حين لا يمكن، بشكل متماثل، أن يتم غياب النثر مادام لا يوجد خطاب مكتوب أصلًا.
على النقيض من المسعى التقليدي الذي ينصرف من البيت إلى النثر، يموضع هنري ميشونيك النثر والشعر داخل الخطاب. فإذا كان الخطاب هو تاريخية اللغة، وكانت الخطابات تاريخية، فإن النثر والشعر تاريخيان بدورهما، لا مُجرد جنسين. إنهما يشتملان على غير نوع من الأنواع. فهما يسنان الشروط بقدر ما يضعان صيغ الخطاب. ومن الضروري تحديد وضعهما، لأجل أن نُميز في كل مرةٍ عدد الضربات التي سبق اللعب بها، وهو يستفيد من التأخر الذي يُتعرف عليه متجاوباً مع المغامرة التي ليست إلا تقليداً (للأصل). فالعلاقات بين الشعر والنثر ومنطوق العصر تتعلق بمتغيرات الصراع من قريب أو بعيد، وداخله تأخذ الأنواع دورها. إن ما يُكتب هو ما يُنْشئ التاريخية الخاصة للذات التي تتم في الكتابة وعبرها، داخل الصراع بين المصوغ وغير المصوغ في كل لحظة، بل في كل «ضربة نرد» بتعبير مالارميه ذائع الصيت.

((القدس العربي))