الطَّقس الشّعبي للعقوبة

يوجد حكايات شفهية ومكتوبة عن إدارة العدل والعقاب في بعض مناطق المملكة الإدارية، ومن وجهة نظر تنتمي إلى العصر الحديث تبدو تلك العدالة مثيرة للاستغراب، فالحكايات الشفهية والمكتوبة تكشف عن انشغال  مبالغ فيه بمسألة العقاب(الجزاء)، وفي بعض الأحيان بالانتقام[1]،

من الحوادث المكتوبة للعقاب القاسي الأقرب لأن يكون انتقاما حادثة بائع الدخان (عبده الخباز) الذي عثر عليه رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مدينة بريدة وهو يبيع الدخان في مخبزه، وقد حكم عليه القاضي بثمانين جلدة، و تهجيره إلى بلده الأصلي اليمن الذي جاء منه .

يستند تقديري للحكم على عبده الخباز اليمني بأنه حكم مبالغ فيه، وأكثر من هذا أنه حكم أقرب إلى الانتقام، أقول: يستند تقديري على قدرتي على الإحساس بالعدالة، وهي القدرة التي ارتبطت بقدرة الإنسان على تعلّم اللغة، كتب أرسطو “الإنسان هو الكائن الوحيد الذي منح موهبة الكلام… والغاية من الكلام… هي التعبير عن الكسب والخسارة، وبهذا يتم التعبير أيضا عن الإحساس بالعدالة والظلم، لأن من الخصائص الفريدة التي تميز الإنسان عن جميع الكائنات الأخرى هي قدرته  وحده على إدراك الخير  من الشر، والعدالة من الظلم، وما إلى ذلك[2]“.

ما الذي حدث بالتحديد؟ شاهد طفل في الثالثة عشر من عمره  ما حدث وقد دوّنه بعد عقود في سياق ذكرياته عن مدينة بريدة القديمة. كتب: اقتادوه إلى ساحة الجردة بطرف غترته المربوطة في عنقه، جذبوه من ربطة عنقه ومدّدوه على الأرض، ثم جثا رجل من الأمارة فوق رأسه، كما جثا آخر فوق رجليه، وشدوه جيدا حتى كاد ينفصل إلى جزأين، تقدم رجلان آخران يحمل كل منهما عصا غليظة، وقف أحدهما مستعدّا عن يمينه ووقف الآخر عن يساره، وبدأت العصي تتهاوى على مؤخرة عبده… حاول أن ينهض بقوّة لكنّ شدّة الضغط من أولئك الذين يجثون على جسده جعلت كل محاولاته التي قام بها بائسة.. توقفوا فجأة، وقام أحد الرجال بتفحص جسد عبده ثم أدخل يده تحت ملابسه وجذب وسادة من فوق مؤخرته.. بدأ العدّ من جديد، وقبل نهاية الضربات بقليل سكن عبده ولم يعد يتحرك، وأصبح جثة هامدة، توقفت الحركات والاهتزازات وظهرت على ملابسه بقع الدم، وأشياء رطبة لا داعي لذكرها، فقد وعيه، ثم سحبوه إلى قربة ماء كانت بالموقع، ثم رشوا جسده ووجهه حتى تحرك، ركنوه في زاوية يتضرج بدمائه [3].

سأحلل هذه الحادثة من حيث هي عينة من العقاب وأساليب تطبيقه في مرحلة تاريخية سميتها مرحلة العدالة التقليدية، سأحللها باعتبارها دليلا على نظرية العقاب في العدالة التقليدية، وأنها تسلط  الضوء على استخدام العقاب وتسويغه في حقبة الفظائع الكبرى للعدالة التقليدية،  وسأحاول أن أبيّن الدور الذي تؤديه العقوبة في ترسيخ السلطات العامة، وأن أكشف عن أنماط من تفكير العدالة التقليدية، والكيفية التي كانت تفكر بها العدالة التقليدية في العقاب بوصفه ظاهرة اجتماعية، وأخيرا أن  أستشفّ حدود العدالة في تلك المرحلة التاريخية؛ ذلك “أن نظام العقاب والجزاء في المجتمع يمثل إشارة مهمة إلى كيفية تعريف حدود العدالة [4]“.

2

لكي  نحدد موقع عقاب المدخّن وبائع الدخان في هذه الحادثة من المناسب أن نشير إلى السياق الأوسع للدين والمجتمع القصيمي الذي حدثت فيه الحادثة، ونستحضر ما كان الناس يعيشون فيه، يتعلق الأمر بنبذ المدخن وبائع التدخين، والسبب ليس دينيا فقط حيث التدخين حرام؛ إنما في انتقال  الحكم الديني  من كونه حكما دينيا إلى كونه حكما متعلقا بالعادات والتقاليد.

لقد تخصص مجموعة من الشباب  في المجتمع القصيمي ليتابعوا المدخنين، ويشمّوا الشباب ليتأكدوا ما إذا كان الشاب مدخّنا، يلخص أحد أبناء المجتمع القصيمي وضع المدخّن على النحو التالي “التدخين يعني عزلة الفرد عن المجتمع، وكيفا محرما في العادات والتقاليد قبل الدين، المدخن منبوذ، ويُرفض عادة في حال التقدم للزواج، ودائما ما يحذر الآباء والأمهات أبناءهم من المدخن؛ إذ يقال باللهجة القصيمية : لا تمشي معاه تراه يتتّن، بكرة تصير تتّان مثله”[5].

في هذا السياق يمكن أن تكون كلمة (المخْزي) التي يوصف بها الدخان في المجتمع القصيمي دالة، فالمخزي هو إبليس، وخزي الرجل؛ أي وقع في بلية وشرّ، وخزي الرجل من عمله أي شعر بالعار والمهانة والذل، لأجل هذا فالدخان مخزي  يوقع الرجل في الشرّ، ويشعره بالعار والمهانة والذل.

مما عقد وضع المدخن أكثر تأثير الظروف المتعلقة بالسلطات العامة  في إدارة العدل والعقاب المتعلق بالتدخين، فأهمّ وظيفتين  تمثلها هذه السلطات هما : الوظيفة الدينية؛ أي أن تطبق الشريعة الإسلامية، والوظيفة الخلقية؛ أي أن تزيل المنكرات  التي تفسد الأخلاق، والتي حرمتها الشريعة، وأكثر من هذا أن تتدخل السلطات العامة  في أعمال الأفراد الضارة بأخلاقهم[6].

تجتمع الوظيفتان في عقاب المدخنين؛ فهو في مذهب السلطات العامة منكر وحرام؛ أي أن  العقاب المتعلق بالتدخين يدخل تحت وظيفة السلطات العامة الدينية باعتباره محرّما، وتحت وظيفتها الخلقية باعتباره فعلا يضرّ بخلق الفرد، وقد اُختلف في علّة تحريمه فمن قائل بأنه يسكر ويذهب العقل، إلى قائل بأنه من الخبائث، وما بين هذين القولين بأنه يسبب الضرر للفرد، ويهلك ماله.

خلقت هذه الظروف رأيا عاما يتقبّل عقاب المدخن وبائع الدخان، وأوجدت وضعا  متسامحا لعقاب المدخّنين إلى الحدّ الذي جعلت من عقابهم ممارسة اجتماعية،  فلم يكن استحقاق المدخن للعقوبة موضع شك، وقد أيّد الإحساس بالعدالة عند الناس أشدّ العقوبات على المدخنين؛ ذلك أن التدخين منكر وحرام وخبْث، وهذا حق ثابت ومؤكد، لذلك ينبغي أن تحاكم العدالة كلّ مدخن وكل بائعي الدخان، ولا بدّ للعدالة أن تلاحقهم، وأن تتخذ العقوبة طابع الانتقام.

لم يلطف التديّن القضاة لكي يكونوا رؤوفين ومشفقين على المدخنين أو بائعي الدخان، بل أضافوا إلى فكرة الانتقام الشعبية الرعب من الخطيئة كون الدخان محرّما، ثم زاد التشدّد الديني من قوة الانتقام الشعبية، وإلى تحبيذ الناس أشد أنواع العقاب، ومطالبة السلطة العامة بذلك؛ لأن التدخين يهدد المجتمع، وارتكاب للمحرم، وإحلال للخبيث بدل الطيّب، إن ما يسترعي الانتباه في قسوة العدالة صدّ المدخنين هو متعة الناس التي يحسونها وهم يشاهدون  عقاب المدخن.

3

كيف عُرف ما فعله  عبده الخباز سرّا؟ هل وشى به أحد؟ هل روقب؟ هل ضبط وهو يبيع الدخان؟ ماذا لو أن الدخان الذي أُحرق لم يكن له إنما لآخر؟ ماذا لو كان وسيطا وليس تاجرا؟ لا مجال لأسئلة كهذه في  العدالة التقليدية، فالمتّهم لا يعرف الواشي ولا يعرف المراقب حتى لو  كانا خصمين أو حاقدين،  ولا يطلع على أقواله التي دُوّنت حتى لو دُون غير ما قال، لا يدافع عن المتهم أحد، وهو مدان من اللحظة التي قُبض عليه فيها وليس متهما حتى تثبت إدانته.

في مقابل ما لا يجوز للمتهم يجوز للقاضي أن يدون من أقوال المتهم ما يريد، ويستبعد ما يريد، يحق له أن يستمع إلى الوشاة والحاقدين والمتربصين  بالمتهم، وأن يقبل شهادة الشهود إذا كانت في  صالح ما يرى، وأن يرفضها إذا تعارضت مع رأيه، وأن يحدد مكان العقوبة كما حدث لليمني.

في ضوء هذه الإجراءات تكون الحقيقة موضعا للسرّ، ولا يظهر منها إلا ما ترتب عليها من عقوبة، بهذا تكون العقوبة مزاجية؛ لأنها  لا تخضع لقواعد معروفة، فالحقيقة يمكن أن يقرها القاضي  في غياب المتهم، ولا يمكن للمتهم  أن يكون بريئا وهو موضع اتهام، أما البرهان “فلا يخضع لمذهب ثنائي : حق أو باطل، بل يخضع لمبدأ التدرج المستمر، فالدرجة المتحصلة أثناء التحقيق تشكل درجة من الإدانة، وتقتضي درجة من العقاب، والمتهم  كمتهم يستحق  دوما عقوبة ما [7]“.

في هذا النظام الجزائي يمثل الاعتراف سيّد الأدلة، ويُسمح للقاضي من أجل أن يعترف المتهم بالمكر والخديعة والوعود التي لا تُحقق، وبناء الأدلة على  حالات سهو المتهم وزلات لسانه، ذلك أن ذكاء القاضي مرتبط بتوريط المتهم؛ فالمتهم ليس مشتبها، ومهمة القاضي أن يجعله يعترف.

إذا فشلت الإجراءات الناعمة كالتغرير والمكر والخداع يحين دور التنكيل بالمتهم ليعترف، يتضمن التنكيل تقييد رجلي المتهم ويديه، والضرب المبرح بالخيزران والأسواط والأسلاك النحاسية الرفيعة، وتعليق المتهم منكوس الرأس، والحرمان من النوم، والتعليق من مفصل اليدين، وشد اللحية ونتف شعرها، والبصق على الوجه، وضربه بالحذاء، ورميه بالشاي الحار وبالقهوة.

وكما نلاحظ يركز التنكيل على  جسد المتهم، وينشغل بشكل مبالغ فيه بوجه المتهم في الدرجة الأولى؛ فنتف اللحية، والبصق في الوجه، وضرب الوجه بالحذاء، ورمي الوجه بالقهوة الحارة أو الشاي الحار، كل إجراءات التنكيل هذه تشير إلى مفاهيم من قبيل العار والإهانة والإذلال، وهي مفاهيم أساسية في العدالة التقليدية، و في ضبط التعريف الاجتماعي للعقاب.

4

لا بدّ أن القارئ لاحظ أنني اخترت مفهوم (التنكيل) لأشير به إلى ما يجري للمتهم  حتى يعترف، وقد اخترته لأميزه عن مفهوم التعذيب، اعتبرت أن التنكيل بالمتهم يجري سرا، بينما تعذيبه يجري علنا، ذلك أن “التعذيب بصورة سرية قلما يكون له معنى[8]“، السؤال هو: هل ما حدث لعبده الخباز تنكيل أم تعذيب؟ قلنا يكون التعذيب علنا، وهذا ما حدث، ونضيف هنا “لكي يكون العقاب تعذيبا يجب أن تحدث العقوبة كمية من الوجع… التعذيب يرتكز على فنّ بأكمله من كمية الوجع[9]“، وكمية وجع عبده الخباز لا تكاد تطاق، نشأ الوجع من شد جسده حتى كاد ينفصل إلى جزأين، ومن تهاوي العصي على جسده، يعبر عن هذا الوجع اهتزازات الجسد، ومحاولات التملّص، وبقع الدم التي ظهرت على ملابسه، إن ألم الجسد هو الغرض النهائي لهذا العمل العقابي.

يتسق التعذيب مع روح الحكم في العدالة التقليدية ؛ ذلك أن حكم القاضي في العدالة التقليدية لا يستند إلى مفهوم العقوبة، ولا إلى مفهوم إصلاح المتهم وتقويمه، إنما يستند إلى أن المتهم نال من الدين أو من العرف الذي يمثله القاضي، ومن وجهة النظر هذه  “فالتعذيب لا يعيد العدالة إلى نصيبها بل يقوي السلطة، جهاز التعذيب كلٌّ يدخل في الوظيفة السياسية للعقوبة، والتنفيذ العام أكثر من عمل من أعمال العدالة، بل مظهر من مظاهر القوة[10]“.

لا تكون العقوبة ملفتة للنظر، ولا تحتفظ بها ذاكرة الناس لأنها مدونة في القانون الذي  يحدد الجريمة والعقوبة؛ لذلك فالعقوبة مألوفة دائما عند الناس، في المقابل يكون التعذيب “ملفتا ومتفجرا[11]“، وعقوبة اليمني فعلا ملفتة ومتفجرة إلى  حد أن ذاكرة طفل لم تنس تفاصيلها،

لم ينس الطفل “معالم الرعب والخوف التي رسمت آثارها وخطوطها على وجهه (اليمني)، مازال يتذكر عيني اليمني الزائغتين اللتين “تدلان على الخوف الذي يعتريه”، أكثر من هذا يصور الموقف بدقة ” يقف في الوسط وهو يرتجف كدجاجة أخذت دشا باردا في زمهرير الشتاء”.

من المناسب أن ننظر إلى التشبيه (يرتجف كدجاجة) على أنه مرآة عاكسة لإدارة العدل والعقاب في تلك المرحلة التاريخية، دلالة الدجاجة في حياة الناس، وكيف تقوم العقوبة  على أفكار الحياة اليومية؛ حيث الدجاجة ضعيفة وجبانة، والثعلب الماكر الذي يطيح بها متى شاء،  الدجاجة التي تعين على بيان فكرة أن الثعلب هو النظام، ولولاه لتحول الدجاج إلى ثعالب؛ أي إلى حالة فوضى، وهكذا يمكن أن نؤول تعذيب اليمني على أنه إحالة إلى عنف راهن شديد الالتصاق بالواقع، وأن الانشغال المبالغ فيه بتعذيب اليمني يستهدف تحويل تجربة الدجاجة إلى وهم قوة الثعلب.

مازالت ذاكرة الطفل السمعية تحتفظ  “بصرخات (اليمني) التي اخترقت قلوب المتفرجين”،  نعم، متفرجون؛ حيث هناك مسرح معدّ لعرض القوة “فالقوة نصفها عنف، ونصفها الآخر مسرح وتمثيل[12]“، هناك صراخ؛ إذ يجب أن يظهر أثر القوة لكي يتأكد المتفرجون أن العدالة تنتصر، حين يصرخ اليمني فإنّ صراخه ليس مخجلا إنما هو  تكريم للعدالة، فـ”أنين المجرم وصراخه تحت الضربات ليس بالأمر الجانبي المخجل، إنه تكريم للعدالة حين تتجلى بكل قوتها[13]“.

تقع العقوبة على الجسم كتلة واحدة، بينما يُقطّر التعذيب قطرة فقطرة، “فحين تكون العقوبة تعذيبيه لا تقع كتلة واحدة على الجسم[14]“، وبالعودة إلى ما حدث، هناك من يعدّ  الضرب في عقوبة اليمني، العدّ لا يعني العقوبة إنما يعني التعذيب قطرة  فقطرة، بدأ العدّ حين بدأت ضربات العصي، وحين توقف ليخرجوا الوسادة التي حمى بها اليمني  مؤخرته، لم يُكمل العد إنما بدأ من جديد، هذا تأكيد للتعذيب، لو أنها عقوبة لاستؤنف العدّ من العدد الذي انتهى إليه.

يشكل التعذيب جزءا من مراسم محددة بدقة، وهذا ما حدث، هناك متفرجون من العامة، ومسؤولون من السلطة الإدارية، ومراقبون من السلطة الدينية، هناك بيان صادر من المحكمة، وموقّع من رئيس المحكمة، هناك قارئ للبيان لكي يسمعه الناس، ثم تنفيذ ما تضمنه البيان.

يتجاوب التعذيب من حيث هو طقْس مع مطلبين : “النيل من الشخص، ورسم إشارات لا تنسى فوق جسد المحكوم تحتفظ به ذاكرة  الناس[15]“، لقد احتفظت ذاكرة الطفل بما لا يقال صراحة؛ “أشياء رطبة لا داعي لذكرها”، لماذا؟ لأن ما حدث ليس عقوبة؛ إنما تعذيب وإهانة وإذلال وإمعان في ذلك، لقد ضُرب اليمني حتى تبرّز على نفسه، يوجد في إدارة العقاب في تلك المرحلة التاريخية من الذلّ والهوان ما تترفّع الكتابة عن أن تصرّح به، الكتابة تخجل، تسْتر فظائع العدالة، أنا احتفظ بما رأيت في ذاكرتي، لكن لا يمكن أن تكون لغتي عارية، سألطف ما حدث بدلا من أن أكتب (بُراز) سأكتب (أشياء رطبة) وحتى هذه الأشياء لا داعي لذكرها، غير أن الغياب هنا حضور، ما لا داعي لذكْره لأنه مذكور كالسر الذي  يحمل ذاته على سطح المجتمع.

5

نُفذ الحكم في مكان عام ذي مغزى، يدعى المكان (الجردة)؛ أي الأرض الجرداء الخالية من النبات والشجر، هذا المكان (الجردة) أصبح سوقا –ومازال-لمدينة بريدة عام 1921م، وللإحاطة بأهمية هذا المكان يكفي أن نورد ثلاثة أحداث، انطلقت منه أوّل مفرزة من المتطوعين لحرب فلسطين 1948م، وأوّل مظاهرة في تاريخ المملكة، وأوّل قافلة لمؤيّدي تعليم البنات ومعارضيه، المسألة إذن على النحو التالي: مكان مع القانون من جهة، وضد القانون من جهة أخرى، مكان ملتبس تتشابك فيه فرحة الناس وغضبهم، ولا أدلّ على هذا من غضب المظاهرة، وفرحة افتتاح مدرسة.

في هذا الفضاء، ولكي يكون العقاب ضمن مجال المشاهدة شبه اليومية؛ يكون الناس الشخصية الرئيسة فيه الذين توافدوا ليشاهدوا اليمني “من كل الاتجاهات، واكتظت الساحة بالمشاهدين، حتى سطوح الدكاكين امتلأت بالمتسلقين، الأطفال والشباب، وبعض النساء الفضوليات[16]“.

يطْمئن هؤلاء أن لا جريمة تفلت من العقاب، وتضمن السلطة العامة أثر قوّتها الذي يبدو في صمت الجماهير المطبق حين تتحدث  السلطة(البيان)، “والوجوم والذهول الذي اعتراهم أثناء التنفيذ”، الهدف الحقيقي للعقاب يتمثل في إظهار القوة المطلقة للحاكم؛ إذ تعدّ العقوبات العلنية طقوسا سياسية، تقع الحماية على عاتق الأمير وجوبا، لذلك يمكن أن تعدّ أي جريمة خيانة عظيمة وانتهاكا لحق السلطان، وهكذا توفر العلنية فرصة للثأر من هذا الانتهاك[17]“.

يؤدي كل ممثل في هذا الفضاء العام دوره في العقوبة بإتقان بدءا من رجال الهيئة (النواب) ورجال الأمير (الخويا) والناس (الجمهور) وقارئ البيان، الرجلان اللذان يضربان المحكوم،  والرجلان اللذان  يجثوان على جسد المحكوم، الحدث الطارئ حين وجدوا الوسادة التي وقى بها المحكوم جسده، والصراخ والتهليل والتكبير، سلسلة من الإجراءات الجزئية المترابطة التي تعطي معنى كليا هو أن “التعذيب يبرّر العدالة؛ بمقدار ما ينشر حقيقة الجريمة في جسم المعذب بالذات [18]“.

6

وماذا بعد؟ تظهر الحادثة أن العدالة أقل أهمية من الفضيلة، وأن غرض العدالة الأساسي يتجلى في منع الناس من أن يخالفوا الشريعة، والوسيلة التي تطبق لتحقيق هذا الغرض هي التهديد بعقوبة قاسية، من هذا المنظور لا تشير الحادثة إلى أن العدالة تهتم بالمساواة بين البشر كما نعرفها في مفهوم العدالة ؛ إنما تظهر  أن العدالة هي حماية الناس من أن يرتكبوا المحرمات،

إضافة إلى هذا تعبر الحادثة عن رؤية للنظام الاجتماعي، وهي رؤية يمكن أن نعتبرها شكلا من أشكال العدالة البدائية؛ بتركيزها على حق الله، بدلا من المساواة، ويمكننا أن نتفهم هذا في ضوء أن الحادثة حدثت ضمن نظام اجتماعي لا يعرف المساواة، وكما هو معروف فإن بيئة أي مجتمع “توفر الأساس للأحكام التي يتخذها الناس عن العدالة؛ لأن تلك البيئة الاجتماعية تعتبر في نظرهم  مقبولة واعتيادية، ولا يكون السبب في ذلك بالضرورة أنها بيئة تسودها العدالة[19]“.

كما يبدو أن العدالة تملك تصورا هرميا، يظهر هذا التصور فيما لو طرحنا سؤالا هو: ماذا لو كان اليمني من أشراف الأشراف؟ إن المثال النموذجي لهذا التصور هو  التعزير المجال العقابي الأشدّ قسوة؛ فشدّة العقاب تكون على نحو تنازلي حسب مراتب الناس الاجتماعية، وقد ميزت القاعدة التقليدية بين أربعة أصناف من الناس، أشراف الأشراف وهؤلاء هم من نسل الرسول، ويُعزّرون بإعلام خاص من القاضي، والأشراف، وهؤلاء هم القادة ويٌعزّرون بالإعلام والجرّ إلى باب القاضي والخطاب بالمواجهة، والأوساط وهؤلاء هم السّوقة، ويُعزّرون بالإعلام والجرّ والحبس، وأخيرا الأخسّاء وهؤلاء هم السّفلة من الناس، ويُعزّرون بالإعلام والجرّ والضرب والحبس[20].

في ضوء ما نعرف الآن عن العدالة، لم تكن تلك العدالة تحرص على  علاقات اجتماعية تستند إلى الاحترام المتبادل بين الناس، ولا على التعامل بين أناس أحرار ومتساوين، بقدر حرصها على عدم مخالفة الناس الأوامر الشرعية، حتى أن العقوبة عُرفت في الفقه الإسلامي بأنها “اسم لما يوقع على الإنسان من جزاء في الدنيا نتيجة مخالفة الشرع” أو “الجزاء المقرّر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع”، يعلق أحد الباحثين على هذين التعريفين قائلا : “على ذلك لا بدّ أن تحمل العقوبة في معناها الألم، وهذا الألم قد يكون بدنيا كالجلد والقطع والقتل[21]“.

وعلى أي حال لا يمكن لأحد أن يدرك أكثر مني محدودية  تحليلي قياسا إلى العدالة التي كانت ومازالت موضوعا فلسفيا شغلت الفلاسفة والناس، يكفي التحليل لو أنه نجح في تنبيه القارئ إلى “أن فكرة العدالة ما هي إلا أداة اخترعها البشر، وقاموا بتحسينها وتشذيبها، ولكن هذه الأداة مثلها مثل غيرها من الأدوات، لا تتسم بمرونة لا نهائية، ولا يمكن إعادة تشكيلها بما يتماشى مع رغبات الإنسان، على الأقل ليس إذا أردنا لها أن تؤدي نوع الوظيفة التي وجدت أصلا من أجلها[22]“.

********

[1] – فيما يتعلق بالعدالة التقليدية، وانشغالها بفكرتي الجزاء والانتقام، انظر: جونستون، ديفيد، مختصر تاريخ العدالة، ترجمة: مصطفى ناصر (الكويت، عالم المعرفة، العدد 387، إبريل 2012) ص 27 وما بعدها.

[2] – أرسطو، كتاب السياسة، نقلا عن جونستون، ديفيد، ص 25.

[3] –  النقيدان موسى، مسافات في ذاكرة رجل من بريدة ( دار مدارك للنشر، 2012) ص 283 – 285 .

[4] – لانغ، كرستيان، العدالة والعقاب في المتخيل الإسلامي في العصر الوسيط، ترجمة: رياض الميلادي، مراجعة: كيان أحمد حازم يحيى ( بنغازي، دار المدار الإسلامي، الطبعة الأولى، 2016 ) ص 20 .

[5] – الرشيد، طارق، السجائر المنبوذة قبل عقود أصبحت مطلوبة بقوة ، جريدة الحياة http://www.alhayat.com

[6] – لتفصيل وظائف الدولة في الإسلام، انظر: ضميرية، وظيفة الدولة في الشريعة الإسلامية، مجلة البحوث الإسلامية، العدد 38، عام 1413-1414 . موجود في موقع

[7] – فوكو، ميشيل، المراقبة والعقاب، ولادة السجن، ترجمة: علي مقلد، مراجعة وتقديم: مطاع صفدي (بيروت، مركز الإنماء القومي، 1990) ص 77.

[8] – فوكو، ميشيل، ص 88 .

[9] – نفسه، ص 71.

[10] – نفسه، ص 83.

[11] – نفسه، ص 72.

[12] – كرون، نقلا عن : لانغ، كريستيان، ص 79

[13] – فوكو، ميشيل، ص 72.

[14] – نفسه، ص 88.

[15] – نفسه، ص 89.

[16] – النقيدان، موسى، ص 83.

[17] – لانغ، كريستيان، 31.

[18] – فوكو، ميشيل، ص 79.

[19] – جونستون، ديفيد، ص 52.

[20] – الكاساني، البدائع، نقلا عن لانغ، ص 386.

[21] – العموش، محمد محمود، تأجيل العقوبة في الفقه الإسلامي، دراسة مقارنة، موقع دار الإفتاء العام، المملكة الأردنية الهاشمية. http://aliftaa.jo/Research.aspx?ResearchId=55#.WhWqlFUjTIU

[22] –  جونستون، ديفيد،  ص 15.

((الأوان))