أنسي الحاج، بريشة محمود الزيباوي.

(أنسي الحاج؛ إليكَ في ذكراكَ الرابعة) 

ليلَ أمس

أخذتُ المطرَ معي

وذهبتُ إلى “الجبل الصغير” لأتمشّى معكَ

لم يكن ثمّة أشياء أخرى

سوى النزول الحميم للهواء عليكَ

وأنتَ لم تشأ أن تعتمر قبعةً

تُخفي تحتها شَعركَ المسترسل

ولا أن ترتدي معطفاً يقيكَ الشتاء

كنتَ مكتفياً بالنزق الذي يُصاحِب الغيوم

وكنتُ أنا مكتفياً بصمتي

الذي يشبه أحزان النعاس

رأيتُ عصفوراً مبلّلاً يحطّ على كتفكَ اليمنى

فآثرتَ أنتَ أن تتمهّل

لئلاّ يطير العصفور

باحثاً عن طمأنينة غصنٍ أو عن متكأ

على كتفكَ اليسرى كان ثمّة ضحكةٌ

تقول للشوارع أن لا تبكي بسبب الشتاء

وتقول لـ”الجبل الصغير” أن يبقى على حاله

لئلاّ تفرّ الضحكة من ذكاء عينيكَ

عندما أسرعتَ الخطى على حين غرّة

لم أعرف سببكَ في التسرّع

لكني رأيتُ جمهرةَ حمامات

وحقولاً من القمح

وكتباً تناديكَ

أنسي الحاج، بريشة يوسف عون.

وصفّقتُ لكَ من دون أن أعي لماذا أصفّق

وأدركتُ بعد حين

أني صفّقتُ لأنكَ فرشتَ للحمائم

جسدكَ الطريّ

ودعوتَها إلى العشاء

كنتَ جميلاً كعادتكَ

وكعادتكَ كنتَ تسخر من الوجود

لأني آخذ الأمور بجديةٍ مفجعة

لم أبكّتكَ

ولم أنبس

لأني كنتُ مأخوذاً بالأطفال الذين تحلّقوا حولكَ

وتسمّروا يلاحقون حركاتكَ الفضولية

كأنكَ مهرّجٌ في سيرك

وكنتَ تروي لهم حكاياتٍ غريبة

وتلفّق الألاعيب

التي يتقنها السحرة والمشعوذون

وكان الأطفال يضحكون من أجلكَ

وكنتَ أنتَ تقهقه من أجلهم

ككاهنٍ بوذيّ يمعن في الهمهمة

…بريشة يوسف عون.

لم يتوقّف المطر آنذاك

بل شاء أن يتغاوى

من أجل أن يلامس وجنتيكَ الطريّتين

نازلاً إلى قلبكَ

بحنانٍ مثيرٍ للعجب

وكنتَ أنتَ تخاطبه بالشعر بدل التأفّف

وكنتَ أنتَ تؤاخيه بالنبيذ

وكان هو

يا لرعونته

يمعن في وخز تطيّركَ من كلّ شتاء

عندما انحنيتَ قليلاً

من أجل أن ترفع كسرةَ خبزٍ عن الأرض

كانت السماء قد انحنتْ هي عليكَ

من أجل أن ترفعكَ إلى الغيوم

عندما ارتفعتَ

لم تشأ ان ترفرف فوق الماء

كمسيح

بل كقصيدة

وعندما غبتَ عن الأنظار

كنتَ قد التأمتَ بغيومكَ البيضاء

مؤثراً أن تصبح تعويذةً لخلاصٍ مقبل

ناديتُكَ فلم تسمع

ولم أشأ أن أعود أدراجي وحيداً

فبقيتُ ساهراً معكَ إلى آخر النجوم

لأني وعدتُ نفسي بالبلل

الذي يتركه الليل لبدايات النهار

الآن

لا أحسدكَ لأنكَ في الشمس

ولأني تحت المطر

بل أحسدكَ

لأنكَ تسألني أن أوزّع مطركَ الغفير على الشعراء.

Akl.awit@annahar.com.lb

((النهار))

https://www.annahar.com/article/757611