يعتبر غاستون باشلار من الفلاسفة القلائل الذين اهتموا بموضوع الخيال الإبداعي والأحلام، لا من ناحية سيكولوجية أو إنثروبولوجية بحتة، بل هو مزيج من المعارف يلتقي فيه النفسي الفردي والجمعي التاريخي المترسب في عمق الطبيعة البشري.

تعتبر دراسة باشلار لأحلام اليقظة من بين أهم الأعمال المقاربة من وجهة نظر ظاهراتية وسيكولوجية وعلاقتها بالخلق الشعري، باعتبار أحلام اليقظة أول شرارة تراود الشاعر وتزيغ به إلى حالة “الحالم الواعي” كما يسميها صاحب “شعرية أحلام اليقظة“، عكس حالة “النائم المستيقظ” التي يصف بها حالاتنا اليومية الاعتيادية. قراءتنا لباشلار هنا لا تهتم بعوامل الخلق وأسبابه بقدر ما تهتم برسم طوبوغرافيا، على الأقل، أكثر وضوحًا لمجال الحلم هذا وما الذي يجعله مهد الصورة الشعرية، وذلك أيضًا بمقارنة النظرة الباشلارية بتجربة الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا والذي كان حلم اليقظة أحد أهم تجاربه الشعرية.

يرى باشلار أن الخيال هو طاقة سيكولوجية خلاقة لعوالم أخرى مستقلة عن الواقع، فيقول في كتابه الشهير “شعرية أحلام اليقظة”: “هل يحررنا حلم اليقظة من الواقع؟ بمجرد النظر إليه ببساطة يتبين لنا أن لأحلام اليقظة وظيفة اللاواقعية، وهي وظيفة مفيدة وعادية تحمي سيكولوجية الإنسان من فظاظة “اللاأنا” وغرابته. إن باشلار يؤصل لحلم اليقظة كوظيفة سيكولوجية من حيث هي نزوح من الواقع الذي يمكن أن يكون عنيفًا بعض الأحيان، وأيضًا توضيح شرعية هذه القطيعة مع الواقع التي ستفتح الباب لعدة ممكنات أخرى وعدة تحولات.

إن الحلم هو فضاء الخيال واللامتموقع في “هنا” أو “هناك”. إنه موقع الصور والتخيلات الأولى الدفينة والقديمة قدم التاريخ والتي ترسخت في الوعي الجمعي إن هذه الخيالات مرتبطة بنظرتنا الأولى للعناصر، التي لم تتغير رغم تطور المعارف وتقدمها وحلنا للغر المادة. إن هذه العناصر الطبيعية: الماء، الهواء، النار، التراب.. هي الطاقات التي تحرك صورنا الإبداعية والخيالية إنها طاقات صورية تمتزج والزمكان كي تعطينا صورًا جديدة لا تتكرر، صورًا تحتفل باللغة وتحتفل بها اللغة، إنها “الصورة الشعرية”.

لا يهمنا في هذا المقال أن نبين الطريقة، أو الكيف، بل أن نحدد طبيعة هذا المجال عند باشلار وبيسوا. لقد أصر باشلار على فلسفية حلم اليقظة وفتحه لفضاء فسيح من التأملات والمخاضات الإبداعية “في حين أن النائم ما هو إلا ظل لأناه فإن الحالم اليقظ، إذا كان فيلسوفًا بعض الشيء، فيمكنه أن يخلق فكرًا في عمق أناه الحالمة، بمعنى آخر فإن حلم اليقطة هو نشاط حلمي يحافظ فيه الحالم على درجة من الوعي. فللحالم حضور وسط حلمه رغم أنه يمكن يتهيأ لنا أن يكون هذا الأخير هرب من الواقع، فالحالم اليقظ يدرك أنه هو الغائب جسدا ليصبح “شبحًا” من الماضي أو شبحًا مسافرًا” (1). إن الحضور في هذا المجال الخيالي والعجائبي يتيح للحالم اليقظ أن يروح بأقصى درجات الحرية إلى أعماق الصور في خياله، فيلاعبها كما يشاء في استقلال تام عن الواقع أو المقصدية تمامًا.

لعل تجربة الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا من بين أهم التجارب التي تشير إلى هذه الحالة الأم لأي عمل إبداعي، “أنا لا شيء… لكنني أحمل داخلي جميع أحلام العالم”. لقد كانت علاقة بيسوا بالحلم كواقع لا يوجد لكنه مستقل بذاته عن الوجود فضاءً للحرية الأولى والشعاع الأول لكل صورة شعرية، لقد رأى بيسوا في الحلم فضاء لخلق ذاته من جديد، وفضاء لكي تكون “للاأناه” أنا يعترف بها ويعرفها كلما رآها. لقد أدمن الحلم حتى أصبح زاهدًا فيه في علاقة صامتة مع الصور والموضوعات التي يقدمها له هذا الفضاء. لقد كان الخيال بمثابة سفر يغنيه عن السفر الحقيقي، فلطالما كان يتساءل عن سبب سفرالناس لغرض رؤية أماكن أخرى، وهو يكفيه أن يغمض عيناه لكي يرى كونًا آخر يخلق  بعد موت أكوان من قبله.

“الحالمون بالممكن والمنطقي القريب يثيرون شفقتي أكثر من الحالمين بالبعيد والغريب. الحالمون بالكبير، هم إما مجانين يؤمنون بما يحلمون محققين بذلك سعادتهم الخاصة، وإما هذيانيون بسطاء ممن يمثل الهذيان بالنسبة إليهم موسيقى روحية تهدهدهم بدون أن تقول لهم شيئًا. لكن من يحلم بالممكن لديه دوما الإمكانية الواقعية لخيبة الأمل الحقيقية. لا يمكن أن يؤثر فىّ كثيرًا لو تخليت عن أن أكون إمبراطورا رومانيًا، لكن يمكن أن يؤلمني عدم قدرتي على محادثة الخياطة التي تجتاز، حوالي الساعة التاسعة صباحًا، الزاوية اليمنى من الشارع. الحلم الذي يعدنا بالمستحيل يحرمنا منه بمجرد الاستسلام للحلم. لكن الحلم الذي يعدنا بالممكن يندرج فى الحياة الفعلية ويفوض لها إمكانية تحقيقه، الأول يحيا منفصلًا ومستقلًا؛ الثاني خاضعًا لاحتمالات الحدث” (2).

إن فرناندو بيسوا هنا يضع الحد الفاصل بين فضاء الحلم الذي يعيشه ويسكنه وبين الأحلام المقترنة بالممكنات والساعية للتقرب من الواقع، فالحالم مستقل بحلمه عن الواقع يحمله ويصيره كما يشاء وبالتالي يفتح للممكن مجال التمازج والتلاقح فيكون المعطى أصليًا مجددًا إبداعيًا، حيث لا تهم ممكنات التحقق على عكس الأحلام المنطقية ففي نهاية المطاف الأحلام مشاع للجميع، ما يجعلنا متمايزين هو القدرة على تحقيقها أو قدرة تحققها فينا. لقد أراد فرناندو بيسوا الحلم مستقلًا عن الواقع لا يتوق إلى الاقتراب منه ولا ينحدر الواحد منهما لملاقاة الآخر.

إن تجانس الرؤى بين الشاعر والفيلسوف تحيلنا إلى النظر إلى أهمية هذا المجال. يعتبر الخيال من بين المراحل الأولى للخلق الشعري حيث تصبح اللغة المجازية حرة طليقة في خلق العبارة الجديدة والعبارة الحقيقية. إن ما يميز هذا المجال لدى باشلار هو تحكم القوى النفسية في تحرير اللغة من القالب الاعتيادي والمقصدي إلى تفجير اللغة، فيصبح الفعل “الخيالي” /”الشعري” فعلًا إبداعيًا في كل تحركاته، فانفلات الشاعر أو الفيلسوف في الحلم لهو حركة نزول مطمئنة الخطى إلى أعماق الكينونة، وحيث لا بد للقولة الجديدة أن ثنبعث وللصورة الجديدة أن تكون تلك الصورة التي لا تعاد مرتين، ولا تستذاق لذتها إذا ما بحث القارئ فيها عن مغزى أو معنى.

إن مجال الحلم اليقظ هو فضاء الطاقات النفسية بامتياز، حيث تمتزج الأحاسيس والكائنات النفسية اللالغوية التي تحرك الصور الأولى، فتجعل من لحظة حرية تامة، إذ أن الحالة لا تطلب من الواقع أي اعتراف كان، ولا تطلب من اللغة أي حمولة، يصبح حينها الهاجس شعريًا محضًا، ولهذا وجب التساؤل عن ماهية المادة التي تسبق الخلق الشعري والتي تأخذ شكل هذه الصورة.

مراجع:

  • غاستون باشلار، شعرية أحلم اليقظة، باريس,1960 ص 129
  • فيرناندو  بيسوا، كتاب اللاطمأنينة، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2008

https://www.ultrasawt.com/%D8%BA%D8%A7%D8%B3%