حاوره: عبد اللطيف الوراري:

رشيد المومني شاعر مغربي مجدّد. لا تذكر قصيدة النثر في المغرب إلا مقترنة باسمه بوصفه أحد مؤسسيها الأوائل، وممن واصل الكتابة بها وتجويدها إلى اليوم. صدر له من الأعمال الشعرية: «حينما يورق الجسد» 1973، «مشتعلا أتقدم نحو النهر» 1979، «مهود السلالة» 2002، «ثلج مريب على جبهة الحطاب» 2009، «بأنامل الضوء» 2012، و»أقترب ولا أدنو 2014».
عدا كتابه التأملي والسيرذاتي المعنون بـ«إيقاعات الكائن» 2016، حيث تسمح الكتابة الفكرية عنده بإضاءة التجربة الشعرية التي تسكنه والاقتراب من أسرارها على نحو يساهم في إعادة تقويم الرؤية الشعرية للعالم داخل إطارها الجمالي والعقلاني الذي يروم تبديد غير قليل من الحجب النظرية والفلسفية المسكوكة. يقرأ الشاعر بنهم، ويتفلسف في ما يكتبه كضرورة خطابية، ويرسم باعتبار الرسم امتدادا طبيعيّا لكتابته الشعرية  في هذا الحوار الذي نستخلصه من حوار مطوّل، نكتشف جوانب من تجربة هذا الشاعر وآرائه في قصيدة النثر وجدلية الكتابة والتشكيل الموسيقي، كما الإقامة في العالم.

■ جعلت من المكتوب مسألة تعبيرية ووجودية في آن معا، وهو ما أنتـــج صفحة شعــــرية جديدة وفتح النص على شعرية اللغة، وعلى ممكنات مُتخيّل جديدة لم يكن معتادا عليها. ألا ترى أنّ مثــل هذه المغامرة الكتابـــية تقــــدّمت زمنها بقدر ما تضرّر منها نصّك من ناحية التلقي والنقد؟
□ لن أتردد في مشاطرتك الرأي نفسه، ذلك أن المبدع عموما، شاعرا كان أو روائيا، سيظل إلى الأبد يعاني من قدرِ تأكيدِ انتمائه القسري إلى سلالة ما، وهو الانتماء الذي يمكن أن يسمح له بضمان موقع محتمل، ومهما كان مبتذلا تحت شمس التلقي الجاهز، وتحت شمس القراءة النمطية، التي لا تعترف هي أيضا إلا بمن يمتلك حظوة الاندراج تحت فيء سلالة مؤطرة بمواثيقها، وقوانينها، وهي ظاهرة على درجة كبيرة من الخطورة، حيث يتحول معها هوس الانتماء إلى السلالة، إلى مطلب مركزي، يتجاوز مطلب الإخلاص إلى الكتابة، بما هي اختيارُ ذاتٍ مسكونة بأسئلتها الخاصة، التي ليس من الضروري أن تكون صدى لاختيارات الآخرين. إن الأمر هنا قريب الشبه من مفهوم الاحتماء بظل القبيلة، أي بالخوف من ضراوة اغتراب فكري وجمالي، قد يكون موضوع ارتياب وشبهة. ومن وجهة نظر شخصية، فإن قوة الكتابة، شرعيتها ومصداقيتها، تتجسد أساسا في هذا الانفلات، أي في ما وسمته في سؤالك بالمغامرة. وعندي، أن تغامر باجتراح مسار منسجم مع نداءات الدواخل، بدون أن تثير اهتمام الآخر، أهم بكثير من أن تخون هذا المسار بحثا عن موقع قدم تحت شمس لا يمكن أن تكون إلا سوداء، كما هو الشأن بالنسبة لـ»كتابة» تعيش على هبات الآخرين، على هبات القبيلة، المحتفية بحضور القطيع، وليس بجوهر الحضور. وهي الأوهام التي لا يلبث أن يعريها الزمن في حركيته الاختراقية، التي لا ترحم هذا النوع من التعاقدات المرحلية والظرفية. إنه الزمن ذاته الذي لم يتردد بالإلقاء إلى هاوية النسيان الكثير من النصوص، التي كانت في مرحلة سابقة، تتلذّذ بتواجداتها الاحتفالية.

■ في مجمل دواوينك الشعرية، ثمة توكيدٌ على مدوّنة قصيدة النثر باعتبارها شكلا نوعيّا مفتوحا. إلى حد يصحُّ القول بأنّ للشاعر رشيد المومني أسلوبه المتفرد داخل هاته المدوّنة بشكلٍ يفارق الفهم الذي تواضع عليه النظر النقدي بخصوص قصيدة النثر، وبالتالي تدعو قرّاءك أن يهتمّوا بجماع سماته؟
□ من المفترض في الكتابة الشعرية، أن تكون محكومة بقانون الاختلاف الكبير، انسجاما مع طبيعتها التي تتميز بذهابها إلى البنيات اللامرئية، والخفية لدى الكائن، التي لا يمكن بحال، أن تتماهى مع أي بنية إنسانية أخرى.
إنه الاختلاف المبدئي والمشروع، الذي تستحيل التضحية به، بتقديمه قربانا على مذبح النوايا المبيتة، الساذجة، أو الغامضة الحريصة على حشر الطبائع البشرية في خانة المشترك والعام. ذلك أن المشترك يستمد أهميته عادة، من تواجده في سياقات مغايرة، لا علاقة لها بسياق الكتابة الشعرية، الذي يمكن اعتبارها الكوة الأخيرة والوحيدة، التي يمكن ان نكتشف عبرها القليل من أسرار الكائن، التي بها أو منها تنهض أهميته التي لا حدود لها في هذا الكون؛ بما يعني أن كل بنية تعبيرية تتحقق على مستوى الشعر، تظل محتفظة بخصوصيتها التامة والمطلقة. ولعل أهم مكسب اقترحته علينا قصيدة النثر، هو تحقيق هذا الاختلاف والفوز به بعيدا عن القصيدة العمودية، أو قصيدة التفعيلة، اللتين تلزمان شعراءها بالتواجد بشكل أو بآخر، على الرقعة نفسها، التي مهما تعددت وتنوعت حركية الكتابة عليها فإنها تظل هي هي، مخلصة لمرجعية العام والمشترك، علما بأن خصوصية قصيدة النثر، تتمثل في تدميرها للحدود المشتركة، كي تعبد الطريق تجاه تلك التضاريس الدلالية، المنفتحة على احتمالاتها. وهو ما لم يتم استيعابه من قبل حشود طوفانية من الشعراء، الذين اختزلوها عن جهل، في معادلات لغوية وهندسية ثابتة، لا يتجاوزونها إلى غيرها، فأمست الكتابة تبعا لذلك جاهزة سلفا، وفي غنى تام عن أي مجهود شعري أو فكري يمكن أن يبذل في كتابتها.
لقد تم تلويث فضاء قصيدة النثر، مع استثناءات قليلة طبعا، فلم تعد صالحة لاحتواء أي حياة، حيث ستكون مجبرا على البحث في أطنان من القصائد المتشابهة، والنمطية، عن إمكانية قراءة نص مختلف، ومنكتب فعلا بروح قصيدة النثر، التي يسميها بعض النقاد عن جهل بالشعر المنثور. والملاحظ أن إدمان الكثيرين لهذا النوع من الكتابة – كي لا أقول الشعر- يكون عادة بدافع غياب كافة القوانين، التي كانت من قبل تثنيهم عن كتابة الشعر، حيث لن يكون من الضروري في عرفهم الإلمام بالحد اﻷدنى من قوانين الكتابة الشعرية، التي يتداخل فيها الفكري بالجمالي، خاصة بالنسبة لقصيدة النثر التي تستدعي كتابتها معرفة مضاعفة بإواليات القول الشعري وبإيقاعاته الأكثر تعقيدا من إيقاعات الخليل، باعتبار أن اﻷمر يتعلق بالانفتاح على إيقاعات الهوامش المنسية، التي ليس من الضروري أن تكون مستوفاة من قبل القصيدة العمودية، أو قصيدة التفعيلة. إنها الهوامش المقبلة من تحوُّلات المعيش، ومن تحولات اليومي، وأكثر من ذلك، من حالات الإنصات الدائمة إلى أصوات الدلالات الخفية المعتملة في قلب العناصر، وفي قلب الأزمنة المتعاقبة، التي لا يقرُّ لها قرار. وهو ما يوحي ضمنيا باستحالة الحديث عن نموذج جاهز من نماذج كتابة قصيدة النثر؛ ذلك هو رهانها الصعب والقاسي، أن تكون وباستمرار ما لم تكنه من قبل، وهو ما سميته في بياني المنشور عند مطلع التسعينات بـ»كيمياء الاستحالة»، وبالتالي فإن الشاعر الذي تعود على السير في قلب السرب المألوف والمتعاقد عليه سلفا، لا يمكن أبدا أن يزجّ بخطواته المرتبكة في قلب متاهة قصيدة النثر، على الرغم من الأوهام الكبيرة التي يزوبعها حول قصائد هي محض «نَسيخةٍ» كما سبق لي أن أشرت إلى ذلك في كتابي «إيقاعات الكائن» الصادر حديثا.

■ أنت شاعر «نجيّ الحبر» مأخوذ بالضوء والألوان، فجعلت الشعري والتشكيلي في صميم تجربتك ككلّ رؤية وإيقاعا. ماذا أعطتك هذه التجربة وماذا أخذت منك؟
□ إن الاهتمام بالتشكيل هو امتداد طبيعي للاهتمام بالجمالي العام، الذي يفترض أن يكون متوافرا لدى كافة المبدعين، بصرف النظر عن اختصاصاتهم، بدون أن يعني ذلك مطالبة الشاعر بأن يكون فنانا تشكيليا، أو موسيقيا، والعكس بالعكس، باعتبار أن الهاجس التعبيري لا يطمئن بشكل نهائي إلى نوع فني دون آخر، فثمة ما يتم التعبير عنه بالموسيقى أكثر منه بالكلمات، وثمة أحوال تجد ضالتها في اللغة الشعرية أكثر مما تجده في الرقص الكوهيغرافي، وهكذا دواليك.
أيضا ما من حالة تستنفد ذاتها من خلال تبلورها في نسق تعبيري محدد وثابت، فدائما يظل ثمة شيء، لم نتمكن من استكناه أسراره إﻻ عبر توظيفنا لصيغ تعبيرية ما، حيث يمكن لموضوع واحد أن يُتناول من خلال وجهات نظر فنية وإبداعية مختلفة، وهو ما يفسر حضور اهتمامات فنية وجمالية متعددة لدى المبدع الواحد، خاصة بالنسبة للشاعر الذي تستحضر لغاته كل العناصر، التي تنبني بها جماليات الكون وبشاعاته، من ألوان تشكيلية وإيقاعات موسيقية وتجسيمات، لا حدود لأنواعها. وهو أمر لا يتحقق إلا من خلال حضور إلمام متقدم بآليات اشتغال الدلالة في مختلف المجالات. بالنسبة إلي، كنت محظوظا بانجذابي إلى حقل التجربة التشكيلية، التي كنت أعتبرها، وما أزال، بمثابة حديقة خلفية للكتابة الشعرية. فالهاجس التشكيلي، ومعه الموسيقي، حينما يتسرب بشكل أو بآخر، إلى فضاء الكتابة الشعرية، وبالتدقيق، إلى فضاء الصفحة، فإنه يشحنه بجمالية مضاعفة جدا. هذه الجمالية تصبح وبشكل مباشر مكونا من مكونات النص الشعري؛ إنه نوع من الاحتفاء بالجانب البصري للنص، الذي يظل مغيبا خلف حجاب الإلقاء. أيضا، في قلب الشعرية التشكيلية، يمكن الاهتداء إلى الحيز الملتبس الذي يتميز به البعد التعبيري، حيث تُؤثر اللغة أن تنسحب قليلا مفسحة المجال لسلطة الأشكال، التي تظل عندي محتفظة بضوء الحبر الذي يسعفني في كتابة قصائده، التي هي أيضا قصائدي. وفي أكثر من مناسبة تحدثت عن علاقتي البيولوجية بالرائحة، التي يحتل فيها عطر الحبر مكانته الخاصة به. إنّها الرائحة الفردوسية التي تستبد بغبطة الجسد، كي تقوده عبر الحروف وعبر الإشارات الخطية، إلى محتمل القول. وبالتالي، فإن ما أهدتنيه هذه التجربة، هو متعة رؤية زوار معارضي، وهم يتغنون على طريقتهم بأحرف القصيدة المتوزعة وفق هندسة مرنة وصارمة في آن، على تفاصيل الشكل الشعري. وهي تجربة استثنائية يمكن توصيفها بتجربة القراءة الجماعية، المتحررة من إكراهات المشترك؛ أي تجربة القراءة المتاحة في المكان ذاته، وفي الزمان ذاته، لعدد قليل أو كثير من القراء، تبعا لخصوصية التوقيت الذي تتحقق فيه الزيارة. أما ما أهديته أنا للتجربة ذاتها، فيمكن اختصاره في إمكانية اكتشاف القصيدة لهوية الأرحام البصرية التي تشكلت في قلب دُكْنتها، كي تظل محتفظة بأبعادها المرئية، إلى جانب أبعادها المسموعة. أعني الكتابة المتمفصلة بين هويتها الحروفية، وهويتها الأيقونية. وهو ما سميته في سياقات سابقة «أرق النقطة في سماء النون» أو «الشعر في مسكن الأيقونة».

■ هل لك طقوس وحالات مخصوصة في كتابة القصيدة؟ وهل تعود إليها من أجل تنقيحها وإعادة كتابتها؟
□ من الممكن الحديث عن طقوس الكتابة بخصوص الدراسات الفكرية والأكاديمية التي تستلزم حضور فكرية مؤثثة بأسئلتها، لأن حضور الأرضية يستدعي بالضرورة توافر شروط منضبطة، وشبه إدارية تساعد على التركيز الكفيل بضمان عامل التحكم في آلية تنامي وتبلور القضايا واﻷفكار، وهو أمر لا يتحقق بشكل عشوائي أو اعتباطي، بل على أساس القابلية الجسدية والمزاجية، وتوافر ما يكفي من الأقلام، وما يكفي من الأوراق، فضلا عن توافر الحد الأدنى من التناغم والانسجام بين الذات والفضاء المحيط بها. فبدون هذه الطقوس يستحيل على الفكر أن يمارس حركيته ومهامه. والشيء نفسه بالنسبة للاشتغال على الطرس التشكيلي الذي سيستضيف آجلا، أو عاجلا، نصوص الشعري. فأنت مطالب بأن تكون متواجدا في قلب محترفك، ومحاطا بصمتك وبعزلتك وموسيقاك ومواد العمل، غير أن الأمر يختلف تماما بالنسبة للكتابة الشعرية التي ترفض أن تمتثل لأي طقس محتمل، حيث سيكون عليك أن تكون مهيأ في أي لحظة لتلقي غيث شعري ما، وبيمينك ما تيسر من الأوراق والأقلام. غير أن أجمل لحظة من لحظات الاستمتاع بالمنجز، هي لحظة نقل الوارد من مسوداته إلى الصفحة، التي أكاد أسمع الآن خفق مواويلها، فتكون فيها مطالبا باﻻبتعاد عنك وعن الآخرين، في انتظار أن يستقر عالمُ ما كتبت، على عوالم ما محوت.

((القدس العربي))