منذ أوّل إصداراته، “السيرة الذاتية في فرنسا” (1971)، أخذ المنظّر الأدبي الفرنسي فيليب لوجون (1938)، موقعاً أساسياً في مشهد الدراسات الأدبية، سرعان ما تدعّم بصدور كتاب ثانٍ بعنوان “الميثاق السيرذاتي” (1975).

في هذين العملين، طرح لوجون محاولات لتعريف السيرة الذاتية وضبطها للدراسة المنهجية، وقد أخذ يطوّر جهازه النظري في هذا الجنس الأدبي ويراجعه، ثم ترك تطوير الجانب النظري، وبدأ يوسّع في دائرة المدوّنة التي يشتغل عليها، وصولاً إلى تحويل السيرة الذاتية إلى ما يشبه المشروع الاجتماعي، مسار ربما يلخّصه العنوان الفرعي لآخر إصداراته “من الميثاق إلى التراث السيرذاتي”. فأي مسارات خاضها بين هاتين النقطتين؟

لقد أصبح العملان الأوّلان لـ لوجون مصدراً أساسياً لمقاربة الأعمال السيرذاتية، لكن مؤلّفهما يقول في لقائه بـ”العربي الجديد”: “لست واضع تعريف للسيرة الذاتية. كل ما في الأمر هو أنني بدأت في ذلك الاتجاه، حيث كانت نقطة الانطلاق هي اعتبار معيار السيرة الذاتية أن يتطابق اسم المؤلف والراوي والشخصية الرئيسية، غير أنني انتقلت بسرعة مع فكرة الميثاق السيرذاتي إلى أن عدم تطابق هذه العناصر لا يُسقط الطابع السيرذاتي لنصوص كثيرة، ثم تواصل البحث في اتجاهات أخرى“. يقول بشيء من المرح “كل ما في الأمر هو أن الباحثين والنقّاد خرجوا فرحين بوجود تعريف، فجعلوا منه نهاية البحث في مسائل السيرة الذاتية فيما اعتبرته منطلقها”.

وإذا كانت أعمال البدايات في السبعينيات لا تزال مثل شجرتين تحجبان بقية أعمال لوجون، فهو يرى أن أهمّ لحظة في مسيرته وقعت في منتصف الثمانينيات. يقول “بعد أن اشتهرتُ كمنظّر للسيرة الذاتية، فاجأني والدي ذات يوم بقوله (ألست تشتغل على السيرة الذاتية؟ سأريك إذن شيئاً يهمّك)، ثم أتى بمخطوط وقال لي (هذه أوراق كتبها جدّي إيكزافييه إدوار عن حياته)”.

يتابع “أمسكت المخطوطات، وكانت مفاجأة كبيرة بالنسبة إلي؛ بداية بأسلوبها الذي وجدت فيه الكثير من الأدبية، وصولاً إلى اختراع المؤلّف لهوية وتغيير بعض معطيات حياته، وقتها ارتسمت في ذهني فكرة الخروج بالسيرة الذاتية إلى فضاءات أوسع من التي كنت أدرسها فيها”. يضيف “كنت في ذلك الوقت قد بدأت أتخلّص من فهم أوّلي للسيرة الذاتية، وأن أهمّيتها ليست في تلك المطابقات النظرية أو التثبّت من مصداقيتها التاريخية، بل في توفيرها لنظرة تلقائية وحميمة على النفس والعالم”.

في كتاب بعنوان “الأنا شخصٌ آخر.. السيرة الذاتية: من الأدب إلى وسائل الإعلام” (1980)، وسّع لوجون مدوّنته إلى الوثائق الصوتية التي يتحدّث فيها أصحابها عن حياتهم وذكرياتهم، وحين نشر كتاب “كاليكو” (1985)، وهو الاسم الوهمي الذي كتب به جدّ والده سيرته الذاتية، دخل إلى منطقة أوسع، حيث لم يعد يحصر دراسة السيرة الذاتية في مجموعة الأسماء المعروفة. ولاحقاً خصّص عملاً بحثياً بعنوان “أنا الآنسات” (1993)، لتحقيق الدفاتر الشخصية لمراهقات من القرن التاسع عشر، ثم واصل في توسيع هذا المبحث مع ثنائية “مسودّات الذات” (1998، 2013).

يقول لوجون “أعتقد أن المثابرة في الاشتغال على السيرة الذاتية أتاحت خلخلة حدود ما سمّاه بيير بورديو بـ(الحقل الأدبي)، تلك المنطقة التي لا يمكن دخولها إلا لفئة مخصوصة بمعايير حادة وحيطان عالية، مثل الموهبة وقوة الشخصية والاعتراف النقدي، وفقط هؤلاء يمكن أن يتناولهم الباحثون بالدرس أو تتحدّث عنهم الصحافة”.

لم يكن لوجون يعلم حين ارتسمت أبعاد هذا المشروع في مخيلته أن سنوات لاحقة ستجعل من الكتابة السيرذاتية منطقة أكثر فأكثر اتساعاً، فقد أتاحت تكنولوجيات التواصل فضاءات لعرض كتابات ذات طابع سيري. وقد ظهر ذلك كانشغال جديد في كتاب “عزيزتي الشاشة..” (2000)، تناول فيه علاقة الكتابة بمحاملها، فكما أنتج اختراع المطبعة أجناساً أدبية، منها الرواية، فإن وجود الافتراضي كمحمل جديد للكتابة يفتح على إمكانية ظهور أجناس جديدة أو تفرّعات، وهو ما سيلقي بأثره على الكتابة السيرذاتية أيضاً، خصوصاً أن هذه الوسائل الحديثة تتقاطع في نقطة أساسية مع السيرة الذاتية وهي توفير إطار لبناء هوية سردية.

كل هذه العناصر لا تمثّل سوى الجانب المكتوب من مسيرة لوجون، وبموازاتها يوجد جانب عملي، يتعلّق هو الآخر بالسيرة الذاتية، وهو تأسيس “جمعية السيرة الذاتية والتراث السير ذاتي” APA، بداية من 1992، وهي لحظة تعبّر عن شعور بأن البحث الأدبي لم يعد يمكنه ملاحقة هذا المدّ اللانهائي الذي أفضى له الحفر في مسألة السيرة الذاتية.

يقول لـ”العربي الجديد”: “منذ التسعينيات، بدأت تصلني الكثير من النصوص السير ذاتية، ويدعوني أصحابها لتضمينها في أبحاثي، وطبعاً لم يكن ممكناً فعل ذلك مع جميع النصوص، وحين كنت أعتذر كان أصحابها يطلبون مني أن أقرأها على الأقل، هكذا فهمت أن ما يحتاجه هؤلاء هو وجود (هيئة)، فردية أو جماعية، تكون أذناً صاغية للسيرة الذاتية، وبدأ التفكير بشكل جماعي في جمعية تلعب هذا الدور”.

يضيف “ثمة دور آخر لم يكن يسعني تأمينه وهو تخزين وتصنيف النصوص، كما أتاحت الجمعية أن تحضُر قراءات متنوّعة، ليست بالضرورة من الباحثين في الأدب، إذ التحق بالمشروع باحثون في علم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا وغيرها من الميادين”.

يعتقد لوجون أن ما حدث هو منطق تطوّر الأمور، أي “أن تنفتح الأفكار على الجماعي، وأن تتوسّع المنطقة المرئية من عالم السيرة الذاتية من مجموعة باحثين في الأدب إلى إطار أوسع، وصولاً إلى أن تأخذ بعداً اجتماعياً”. يشير أيضاً إلى أن قبول النصوص لا يخضع سوى إلى شرط وحيد وهو إمضاء صاحب النص على “الميثاق السير ذاتي”، وهي، بحسبه، خطوة رمزية ولكنها أيضاً ذات مغزى قانوني، إذ يشير إلى أنه ينبغي ألا ننسى أن “السيرة الذاتية يفترض أنها تتحدّث عن الواقع الذي لا يحضر فيه صاحب السيرة وحده بل من يعرفهم أو على الأقل يستحضرهم في نصّه”.

بحسب لوجون، أتاحت الجمعية فرصاً للعمل في اتجاهات أخرى في عملية التراكم المعرفي حول السيرة الذاتية، فمثلاً أصدرت “موسوعة السيرة الذاتية”، وتُصدر بانتظام مجلة “إنها غلطة روسو”، تتضمّن أفضل ما يصل إلى لجنة القراءة، وكذلك تصدر مطبوعة “حافظة الذاكرة”، وهي “كاتالوغ” يتضمّن كل التعليقات على النصوص المرسلة.

لكن كيف بدأ كل هذا المشروع حول السيرة الذاتية الذي كرّس له فيليب لوجون حياته؟ يقول: “كان لديّ منذ بدايات تذوّقي للأدب ميل لكل من جان جاك روسو ومارسيل بروست، مسائل السيرة الذاتية هي نقطة التقاء هذين الكاتبين، الأول باعتبار أن مؤرّخي الأدب اعتبروا كتابه (الاعترافات) أوّل سيرة ذاتية، والثاني لأن روايته (البحث عن الزمن المفقود) تطرح أسئلة السيرة الذاتية وتلاعباتها، فقد كان هناك سجال بخصوص إن كانت مستمدّة من سيرة المؤلف أم أنها تخييل بحت، وهذه الوضعية هي التي أفرزت كل البحث عن تعريف للسيرة الذاتية يمكن قياس عمل بروست عليه”.

تشيع في نصوص التاريخ الأدبي أن جان جاك روسو هو أوّل كاتب سيرة ذاتية، وهي فكرة يرجعها بعضهم إلى مركزية كامنة في الثقافة الفرنسية. حول ذلك، يقول لوجون: “لا يخلو اعتبار (اعترافات) روسو أوّل عمل سيرذاتي من عناصر إقناعية قوية، فقد كان كتابه فضيحة في عصره، فضيحة بمعنى ما صنعه من صدى، إذ قرئ في كل أوروبا، لأن الفرنسية وقتها كانت مقروءة من نخب ألمانيا وإنكلترا وإسبانيا، كانت مثل الإنكليزية اليوم، إذن قد تكون هناك كتابات سيرذاتية هنا وهناك، ولكن اللحظة التأسيسية المكتملة كانت مع روسو”.

يضيف “هناك سبب آخر، وهو ما ألمسه بشكل شخصي كقارئ، كتابة روسو بشكل عام، وسيرته الذاتية بشكل خاص، كتابة أخوية، وهي تمثّل قطيعة مع الكتابة الأبوية المهيمنة التي تفرض على القارئ صورة لكاتب ينطق بالحقيقة عن نفسه وعن الناس والكون”.

لفتْنا لوجون إلى وجود اهتمام نقدي وبحثي بالكتابة السيرذاتية في العالم العربي في السنوات الأخيرة، تتجلّى في مؤلّفات كالتي أصدرها صدوق نورالدين وشكري المبخوت وسلوى السعداوي ومحمد جبير وغيرهم، وهي لحظة ربما تشبه لحظة السبعينيات الفرنسية التي حضر فيها لوجون، فهل توجد عوامل موضوعية تخلق حالة من الاهتمام بهذا الجنس من الكتابة؟

يرى لوجون أنه تصعب عليه الإجابة عن سؤال كهذا لسبب بسيط هو أن “الإجابة توجد داخل الكتابة نفسها، وخصوصاً في جزئها المرئي الذي نسمّيه أدباً بناء على أسئلة يفرضها على متلقّيه، ما يعني أن عناصر الإجابة مركّبة ومشتّتة بين فضاءات عدّة، وهي لحظة تحتاج أن يحضر فيها تقاطع بين اهتمام أطراف كثيرة؛ الكتّاب والنقّاد والأكاديميون والناشرون والجمهور. كيف تتشكّل تلك اللحظة؟ حتى في الإطار الأدبي الذي أعرفه جيّداً لا أملك إجابة وافية، وحتى لو كانت لديّ اعتقاد بأنه لا سبيل إلى قياس وضعية بأخرى”.

يختم لوجون بالقول “السيرة الذاتية وثيقة على لحظة تاريخية، تتفرّع منها احتمالات عدة. وكما أن الأهم ليس إيجاد تعريف للسيرة الذاتية بل الاستماع إلى وعي ما وفهم المنطق الذي تنبع منه نظرة للعالم في لحظة معيّنة، فليس الأهم فهم لماذا توجد دراسات، بل ماذا يقول الباحثون من خلال درسهم للسيرة الذاتية، أي ماذا يقولون بها؟”.

https://www.alaraby.co.uk/culture/2018/3/9/%D9%81%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A8-%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D9%86-%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D9%85%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9