كتب الصديق العزيز الشاعر قاسم حداد ما يأتي: “الأصدقاء الأعزاء، سوف يتوقف موقع “جهة الشعر” عن البثّ لأسباب تتعلق بعدم توافر الدعم المالي. ونودّ هنا أن نتوجه بالشكر إلى كل من وفّر الدعم له على مدى العشرين سنة السابقة، والاعتذار لأصدقاء “جهة الشعر” الذين بمشاركتهم في الموقع، أسهموا فعلاً في الانجاز الذي تحقق طوال سنوات عمل الموقع منذ انطلاقه عام 1996″.

بعد التحية، تحية التقدير والإعجاب، للموقع وللشاعر الذي أداره، أقول ما يأتي: لا أريد أن أرثي “جهة الشعر”. كما لا أريد أن أرثي أيّ موقع شعري وأدبي وثقافي يتعرض للمصير نفسه. قَدَر الشعر، بل قَدَر الأدب مطلقاً، أن يكون أعزل، وأن تقوده عتمة عينيه المغمضتين إلى الضوء، الضوء الذي ينغمر بالحبر، بالحبر الأسوَد الذي من شأنه أن يعلن الفجر، ويسبق صياح الديك.

ليس من عادة الشعر أن يكون مدجّجاً. ومحميّاً. ومحصّناً.

ليس من عادته أن يكون له بيت. أو سقف. أو مخدة.

بل هو يزدري الأمان، والترف، والبحبوحة، والطمأنينة.

قوّة الشعر الخلاّقة، والفريدة، تكمن في أنه حرٌّ، حرية الهواء الذي لا بيت له يؤويه، ولا نجمة يحتاج إاليها لتقود خطاه إلى القصيدة.

عبقريته أنه شريد ذاته، وأن لا يكون ثمّة بوصلة تقوده، إلاّ بوصلة حبره العمياء المبصرة.

 

فهل يجب أن نرثيه، لأنه اكتشف أن العالم قد بات يضيق ذرعاً به؟

والحال هذه، أيّ عجبٍ، يا عزيزي الشاعر، ويا صديقي قاسم حداد، في أن تضطر إلى أن تغلق – بيدك – “جهة الشعر”، وفي أن يُغلَق، كلّ يوم، منبرٌ إضافي للشعر، للأدب، أو للحياة مطلقاً؟!

العجب، كلّ العجب، أن تبقى هذه المنابر مفتوحةً، كما لو أن كلّ شيء على ما يُرام في حياتنا العربية.

لا. كلّ شيء، ليس على ما يُرام في حياتنا، وفي سياستنا، وفي اجتماعنا، وفي ثقافتنا، وفي إعلامنا، وفي صحافتنا.

وأراني سأقول الآتي من الآن فصاعداً: لن يبقى مكانٌ، ولا موقعٌ للشعر، ولا للأدب في هذا العالم. وخصوصاً في العالم العربي.

خصوصاً في هذا العالم العربي التعس والنتن.

ستتدحرج المواقع والأمكنة، الواحد في إثر الآخر، وستنبئ على التوالي، بأن الزمن، في العالم العربي، هو زمن الأفول والموت.

هذا العالم العربي يتقدّم إلى الأمام بالطبع. لكنه لا يتقدّم إلاً صوب هاويته.

هاويته هذه، لا تشبع. إنها تفغر فاهها على الدوام، من أجل أن تزداد التهاماً. وكلّما ازدادت التهاماً، ازدادت جوعاً وفراغاً وخواءً وعدماً.

في مقدورنا أن نتخيّل كلّ شيء، على صعيد مستقبل الأدوات والمنصات الشعرية والأدبية، في العالم العربي، ومصيرها. كلّ الافتراضات ممكنة في هذا المجال. الأسوأ بينها هو الأكثر احتمالاً. بل الأقرب إلى اليقين. بل هو اليقين مجسَّداً.

 

من الآن سأقول ما يأتي: لن يبقى مقهى للشعر، وللأدب. ولا رصيف. ولا مكتبة. ولا مأوى. ولا ملجأ. في هذا العالم العربي الثقيل الدم، البشع، والصفيق الوجه.

ستُصادَر الكتب. والمجلات. والمواقع الافتراضية. وسيُصادَر الحبر. فقط لأن الشعر يُكتَب به. وإذا استُغنيَ عن الحبر، فسيُصادَر الكومبيوتر، لأنه هو أيضاً لا يطيق الاكتفاء بميكانيكا التكنولوجيا، وبتبسيطيتها المادية، وقد رأيناه يصطفّ – افتراضياً – إلى جانب فكرة الشعر. لأن الشعر هو وحده يخلّص العالم، ووحده يخلّص هذا العالم العربي الذي لا يريد أن يخلّص نفسه.

الآن، مع غلق موقع “جهة الشعر”، الذي جاهد صديقي قاسم حداد، الجهاد الحسن طوال عشرين عاماً، من أجل أن يكون موقعاً للجمال والخلق والدهشة، يهمّني أن أقول للشاعر المتألم بسبب ما آل إليه هذا الموقع الشعري الممتاز، إني أزداد اقتناعاً بأن الشعر سيكون أقوى، وأمنع، كلّما تكاثرت عليه الظلمات، وسُدّت في وجهه الأبواب.

akl.awit@annahar.com.lb

المصدر: “النهار”