في بحثه حول السياسي، يرى المفكر الفرنسي الراحل كلود لوفور (1924-2010) ضرورة أن نأخذ بعين الاعتبار الأسئلة التي تنبع من تجربة عصرنا. إنها المهمة التي ستشغل فكره منذ بداياته. فرغم الاختلافات الظاهرية لفكره إلا أن هدفه كان واحداً، وهو أن يجعلنا نعرف أنفسنا بشكل أفضل، وتسليط الضوء على المعاني الاجتماعية التي تحكم علاقتنا بالعالم والسلطة والمجتمع وتعميق فهمنا لمجتمعنا الراهن باعتباره مجتمعاً تاريخياً. ومن أجل الوقوف على تاريخية مجتمعنا، يتوجّب مقارنته مع مجتمعات أخرى.

إلى الستينيات من القرن العشرين، ظل تأويل الحداثة محكوماً بالخلاف بين موقفين أساسيين، الأطروحة المادية لماركس، والتي ترى أن سير التاريخ يحدّده تقدّم قوى الإنتاج، والتي تنبع عنها علاقات إنتاج محددة. ومن جهة ثانية الأطروحة الثقافية لماكس فيبر والتي تفسّر التحوّلات المادية عبر تحوّلات في المواقف، محكومة بمراجعات لأنسقة القيم. ففيبر يؤكد أن الاعتقادات الدينية لا يمكن استنباطها من الشروط الاقتصادية وأنه في ما يتعلق بالرأسمالية، فالمشكلة الكبرى لا تتعلق بأصل الرأسمال ولكن بتطوّر الروح الرأسمالية.

وعلى الرغم من قربه لسنوات من الماركسية، فإن لوفور لم يرتبط البتة برؤية اقتصادية محضة للواقع. وعبر تأكيده على ضرورة الاهتمام بالمعنى المعيش للسلوكيات، فإنه يبدو أقرب إلى فيبر، لكن دون أن يقترب منه بشكل حاسم لأن فيبر لا يعطي قيمة كبرى في نظريته لصراع الطبقات.

غير أن لوفور سيرفض التحليل الماركسي أيضاً، وخصوصاً فكرة أن طبقة البروليتاريا تملك وسائل إنهاء الانقسام الاجتماعي. كما أنه يؤكد أن الصراعات الاقتصادية لا يمكنها لوحدها أن تفسّر ظواهر السيطرة. إن أهم فكرة سيستقيها لوفور من ماكيافيلي هي أن المجتمع لا يتكوّن ولا يتلقى تعريفه إلا بالنظر إلى السلطة، أي إنه لا يمكن النظر إليه ككل إلا عبر التمثيل الرمزي لنفسه والذي تمثله السلطة. فالفرد لا يحسّ بانتمائه رفقة آخرين إلى فضاء اجتماعي واحد إلا عبر قدرته على تمثّل انتمائه إلى سلطة واحدة.

إن السياسي مكوّن للمجتمعي ولا يوجد مجتمع إنساني بدون سلطة، بعبارة أخرى: بدون مكان يتم فيه التفكير في المبادئ التي يقوم عليها النظام الاجتماعي. أما الفكرة الثانية التي يستقيها من ماكيافيلي فهي أن الانقسام الاجتماعي مكوّن للمجتمع وللعلاقة السياسية.

فخلافاً للنظرية الكلاسيكية التي ترى في كل معارضة للسلطة سيطرة للرغبات على العقل، يكتشف ماكيافيلي حتمية الانقسام المجتمعي، بدونه لن يكون هناك فضاء اجتماعي ولا مجتمع سياسي، أي إن المجتمع السياسي لا يتحقق كوحدة إلا بالنظر لانقسامه ولا يتحقق إلا بسبب هذا الانقسام.

ووظيفة السلطة حسب لوفور أن تنظم صراع الطبقات، وهو ما لا يعني البتة أن تجد للصراع حلاً نهائياً. لا يمكن البتة حل الصراع الاجتماعي بشكل نهائي. وعلى السلطة أن تحافظ على المسافة نفسها من مختلف القوى الاجتماعية، وعليها أن تحافظ على هذا الصراع بشكل لا يسمح له بأن يتطوّر إلى حد يهدّد فيه وحدة المجتمع.

يمكننا أن نلخّص ما استقاه لوفور من ماكيافيلي في فكرتين أساسيتين: أولاً، مفهوم المجتمع السياسي، وثانياً حتمية الانقسام الاجتماعي. أما الحلم العقلاني بمجتمع متصالح مع ذاته فهو مجرّد يوتوبيا، وقد يتسبّب في تدمير المجتمع إذا ما عرف طريقه إلى الواقع. ولهذا السبب يدعونا لوفور إلى بناء معرفة مناسبة عما هو الواقع الاجتماعي.

وإذا كان الانقسام الاجتماعي حتمياً فليست وظيفة السياسة أن تحذفه وتؤسّس مجتمعاً منسجماً، لأن من شأن ذلك أن يقود حتماً إلى الديكتاتورية، كما الحال مع النيوليبرالية اليوم أو بالأمس مع الاشتراكية. إن القوة الكبرى لموقف ماكيافيلي تتمثل في أنها تسمح لنا بالتفكير في الانقسام الاجتماعي والدينامية السياسية ككل. إنها تعلمنا بأن حل صراع الطبقات لا يتمثل في تجاوزه ولكن في الاعتراف به كمحدد للمجتمع والسياسة، إن موقف ماكيافيلي هذا هو ما سيعبّر عن نفسه في المقارنة التي سيقوم بها لوفور بين النظامين الديمقراطي والتوتاليتاري.

وفي رأي لوفور، فإنه من المستحيل أن نفكر في الديمقراطية دون أن نفكر في الوقت نفسه بالتوتاليتارية، ومن المستحيل أيضاً التفكير فيها إلا كمجتمع تاريخي قام على أنقاض المجتمع الملكي.

ولهذا سيقوم لوفور، لفهم السلطة الديمقراطية، بدراسة النظامين الملكي والتوتاليتاري. إن السلطة الديمقراطية هي برأيه مكان فارغ، وتلك عبارة تتردّد مراراً لدى لوفور، فخصوصية الديمقراطية كما يقول تتمثل في أن مكان السلطة فيها يقدّم نفسه كمكان فارغ. وهو ما يظهر بوضوح عند مقارنة الديمقراطية بالأنظمة الأخرى في التاريخ الانساني. فالسلطة في النظام الملكي كانت متجسّدة في الملِك، وبعبارة أخرى فإن السلطة لم يكن بالإمكان فصلها عن جسد الملك، إنه مالكها الشرعي والوحيد، كما أن الملك في الوقت نفسه فوق القوانين وخاضع لها، وفي اتباعه للقوانين فإن الملك لا يفعل أكثر من الانسجام مع طبيعته.

إن جسد الملك المتعيّن يشير إلى الجسد الخفي للمملكة، أما في الديمقراطية فلا جسد محدّدا يرتبط بشكل ثابت بالسلطة. فهنا السلطة صارت موضوعاً للمنافسة التي يحددها القانون ومن يصل الى السلطة لا يملك حق تغييرها، والنتيجة الحاسمة لذلك هي أنه لا يمكن لأي كان أن يتملك السلطة. فلا يمكن امتلاكها إلا لوقت محدّد قبل تسليمها لشخص آخر، كما أن من يصل إلى السلطة لا يملك حق قمع المعارضة.

إن فكرة أن “السلطة لا تنتمي إلى أحد” وأنه لا يمكن تملكها تشير أيضاً إلى فراغ أكثر جوهرية وهو أننا أمام نظام لا يفرض على المجتمع أي تصوّر معين عما يمكن أن يكون عليه مجتمع خيّر. وفي الوقت الذي يقوم النظام الملكي على نظرية الحق الإلهي ويشير بذلك إلى مصدر مفارق للسلطة، فإن النظام الديمقراطي يرفض كل مصدر مفارق وغريب عن العالم الانساني.

أجل، هناك شيء اسمه سيادة الشعب في النظام الديمقراطي ولكن لا فرد ولا طبقة ولا مجموعة يمكنها أن تستفرد بالتعبير عن تلك السيادة. لا يمكن للحكام في النظام الديمقراطي أن يمتزجوا بالسلطة، فهم غير قادرين على أن يمنحوا جسداً للمجتمع الديمقراطي.

إن هذا المجتمع يتميّز ببون لا يمكن تجاوزه بين ما هو رمزي وماهو واقعي. إننا أمام مجتمع يعيش خارج منطق اليقين. في حين يلعب الاستقرار دوراً حاسماً في المجتمع القروسطي، وهو استقرار يتمثل في إعادة إنتاج مستمرة وبشكل لانهائي للنظام القائم. وهذا ما يجعل الديمقراطية، كنظام لا يقوم على الحقيقة واليقين، ولا يستند إلى مصدر محدد. إنه نظام مستغرق في التحوّل، وهو لذلك أكثر قابلية لوجود معارضة في داخله. ولا يمكن للديمقراطية أن ترفض إلا تلك المعارضة التي ترفض نسبية اللعبة السياسية منذ البداية وتختار العنف منهجاً لفرض تصورها الثابت عن الأشياء. إن الديمقراطية تؤسس بذلك لمجتمع تاريخي بامتياز.

أما بالنسبة للنظام التوتاليتاري فإنه رغم قطعه مع مصدر مفارق للسلطة، إلا أن مشكلته تكمن في أنه يطلب الاستقرار واليقين وحذف كل أشكال اللايقين التي تميّز الديمقراطية. إنه يريد أن يملأ الفراغ الذي يميز النظام الديمقراطي، مرة وإلى الأبد، وأن يصنع شعباً على مقاسه، شعباً أريد له أن يكون موحداً وأن تكون له هوية ثابتة.

إن التوتاليتارية تخرج بسيادة الشعب الديمقراطية من مجال الرمزي إلى مجال الواقع ليعوّض البروليتاريُّ أو الرجلُ الآريُ المواطنَ باعتباره كائناً لا يقبل التحديد، ويعوّض الشعبُ الواحدُ أو أسطورةُ الشعبِ الواحدِ المنسجمِ الانقسامَ الاجتماعي.

 

 

((العربي الجديد))