سليم عبد القادر

زبيبة والملك – لصدام الغيطاني

 

– عمان / الأردن

 

 

مع الانتهاء من الحرائق الكبرى للحرب الصاعقة التي قصمت ظهر البلاد في أيام، بدأ انبعاث الروائح الكريهة في العراق بالتتابع، ليكشف النقاب ليس عن المقابر الجماعية التي دفن فيها البشر سراً. ولا عن حجم الجهل بالمواد النووية المشعة التي أصبحت مرتعاً للعب الأطفال واستعمالات الحياة المختلفة. ولا عن حفلات قطع الآذان والألسن في الساحات العامة. ولا عن كميات الدمار المهول الذي طال البنية التحتية. ولا عن مئات الملايين من الدولارات التي تقاسمها غلمان العائلة الحاكمة، عندما دفن كل منهم حصته من ثروة البلاد في المزارع والبيوت السرية الخاصة بهم. بل تعدت الكارثة كل ذلك، فتأتي الوثائق والشهادات لتكشف عن قيام رئيس النظام ورعاع العائلة بتدنيس الثقافة الوطنية وتدميرها في العراق، عندما أوكلت الإبن المعاق عدي مهمة رعاية الكتاب والصحفيين بقدمه، وليصبح أدب المختبرات الأمنية، طوال عقود من القمع والرعب وتنظيف العقول بحامض الأسيد. البديل الثقافي الأوحد في البلاد.

 

ومع تسارع الأحداث في العراق، تتكشف أسرار الدولة تباعاً. فقد تعمد صدام وغلمانه على أن يتركوا خلفهم الكثير من الوثائق الخاصة بشبكات الارتباط الخارجي، ليقلبوا الطاولة على رؤوس الجميع ممن شاركوا النظام في جرائمه المتعددة واستفادوا من أمواله وهباته. فصدام لا يريد الذهاب إلى الجحيم وحده. بل رغبته تتجسد في أن يأخذ الجميع معه دون استثناء.

 

زوال الدخان الكثيف في نهاية المطاف، كشف عن إن الأموال التي صرفت على الصحف والمجلات والكتاب والفنانين والفنانات من العالم العربي وخارجه، تقدر بملايين الدولارات. وهو أمر لم يكن مستغرباً. فقد ترك النظام وراءه الكثير من القوائم التي تعج بالأسماء والرواتب والتي يشرف عليها مكتب خاص من المخابرات الخارجية أطلق عليه اسم ((الخفافيش)) تهكماً وسخرية من صدام بالأشخاص الذين يقوم هذا المكتب بتمويلهم ومنهم شعراء وروائيون وسياسيون وجواسيس وقوادون ومرتزقة وممثلاث وراقصات ومطربات وكذلك من أصحاب مهن مختلفة.

 

واذا وصلت المغالاة عند بعض الشعراء العراقيين ومنهم الحثالات من العرب إلى درجة تعذيب النفس وتحطيمها، ذوباناً بحب القائد الرمز المقدس محرر العالم من ذنوبه، فإن هوايات صدام لم تبق في حدود ضيقة، بل تعدتها إلى عالم التأليف، فصار كاتباً في السياسة والايديولوجيا، كما ألف له الكاتب عزيز السيد جاسم غالبية كتبه المنشورة. ليكون الإعدام مكافأة للكاتب بعد سنوات من العمل. لكن الكتابة في السياسية لم تشف غليل الرئيس صدام، حتى صار روائياً، تُعقد لرواياته الندوات وتتم ترجمتها إلى اللغات الحية منها والميتة. وتمسرح وتنتج أفلاماً وتفتح لها آفاق العالم، كما جرى ذلك لرواية (زبيبة والملك) على مختلف الصعد العربية والعالمية، باعتبار الرواية ترجمة لأخلاق القادة العظام في الحياة، ومثلها كانت الرواية الثانية (القلعة الحصينة!!)

 

سقوط حيطان برلين البغدادية ما بين الحاكم والمحكومين، فتح أمام العراقيين خزائن الوثائق السرية، فاضحت نهباً سهلاً لكل من يريد. ومن هنا فان الثقافة العراقية التي خضعت لمهمة شراء الذمم والنصوص، تستنطق اليوم ضميرها الميت، براءة من ملف الماضي الأسود وتكفيراً عن قذارة الأدوار التي قاموا تحت سلطة، وهو ما يؤكده اليوم رعاع المستنقع الثقافي ممن كانوا بالأمس رموزاً ساقطة تعمل تحت سوط الغلام المعاق عدي زعيم الثقافة والصحافة والرياضة والأمن والتهريب والتقحب وجمع العملات الصعبة.

 

والسؤال : كيف أصبح صدام روائياً؟!!

 

على هذا السؤال يجيب اليوم شاعر العهد البائد رعد بندر الذي اختص بكتابة الغثاء المدائحي لصدام طوال أكثر من عقدين، حتى لقب بشاعر أم المعارك. وهي في كل الأحوال اجابة تأتي من داخل بئر النظام المظلمة.

 

يقول رعد: ما أن صدرت رواية ((زبيبة والملك)) حتى وجدت نفسي أمام عدي، ليحدثني عن رواية زبيبة والملك بتهكم وبذاءات. كان عدي وقتها ثملاً. ولم أستطع ابداء الرأي كالعادة. بعد ذلك ليكلفني بالذهاب إلى القاهرة في مهمة سريّة للغاية أن ألتقي بالروائي المصري جمال الغيطاني.

 

وأن أنقل له رغبته في كتابة رواية أهم من (زبيبة) لينشرها عدي باسمه، فهو لم يستسغ فعلة والده، عندما نشر الرواية ووضع عليها – رواية لكاتبها -. وعندما عرضت عليه أن أقوم بتكليف القاصة بثينة الناصري بكتابة ما يريه، فزمجر بوجهي غاضباً بسخط: أريد مؤلف زبيبة نفسه لا بثينة التي تكتب بكسـ… !! أنذاك عرفت حقيقة من كان الكاتب الحقيقي لرواية زبيبة والملك. التي لم تكن بهذا العنوان الأصل. لأن صدام أضاف عليها من خربشاته ما اضاف, استبدل العنوان بآخر.

 

وكما يبدو فان تجربة أهل النظام مع الروائي المصري الكبير الأستاذ جمال الغيطاني طويلة ومثمرة على الدوام. فقد كتب الغيطاني رواية (حراس البوابة الشرقية) الخاصة بموقفه المساند الى جانب الحكم في بغداد في الحرب ضد إيران. و قبض أكثر من عشرة آلاف دولار ثمناً لتلك الرواية مع شهور من النوم والأكل والشرب في فندق بغداد المطل على نهر دجلة والمقابل للقصر الجمهوري بالضبط.

 

أما بالنسبة لرواية ((زبيبة والملك)) فكانت لها ترتيبات سريّة خاصة قام بها المدعو عبد حمود مدير مكتب الرئاسة الخاص في القصر الجمهوري، مع المدعو نجم التكريتي مندوب العراق لدى الجامعة العربية في القاهرة أنذاك، عندما نقل الأخير رسالة مغلقة بالشمع الأحمر من القصر الجمهوري في بغداد الى الغيطاني، وكانت كما يبدو في أغلب الظن، تحتوي على خربشات لفكرة لقصة أراد تحويلها الى رواية وكان له ما أراد. فما دفعه صدام من مال – وهنا لا أحد يعرف كم كان سعر كتابة الرواية بالضبط. بعد يومين على لقائي بعدي , تم استدعائي. فوجدت لي جواز سفر باسم مزور هو (عبد المنعم سامي) وصورتي عليه مع مبلغ من المال لي ورسالة للروائي جمال الغيطاني لا اعرف ماذا كانت تضم في داخلها بالضبط. أمرني عدي بالسفر الى الأردن. ومنها الى القاهرة طيراناً. لكن الأمور لم تمض على خير ما يرام، فقد فضح تلك المهمة السائق (محمد عبادي) المكلف بايصالي الى الأردن، بغير قصد منه، عندما اتصل بأحد من أقارب عائلته من أحد تلفونات مكاتب اللجنة الاولمبية ليخبرها عن سفره الى عمان وما إذا كان يحتاج إلى شراء بعض البضائع من هناك. وأنذاك لقط الخبر الكاتب نجمان ياسين ليكتب تقريراً لوزير الثقافة حامد يوسف حمادي عن سفرتي المفاجئة للأردن.

 

وما هي إلا ساعات حتى أصبحت أمام عبد حمود للاستجواب في القصر الجمهوري. ولم أخرج من القصر لثلاث ليالٍ متتالية. حيث قضيت الوقت سجينا ً في سجن ما من سجون القصر. ليدرك بعدها عدي بأن والده قد وضع يده على القصة كلها. فتم طردي من عملي، ليبدأ بعد ذلك بشن الهجمات تلو الهجمات الاعلامية العنيفة على وزير الثقافة حمادي.

 

اعترافات الشاعر رعد بندر بالدور الذي قام به طوال السنوات الماضية من حكم حزب البعث، يشكل كشفاً للمختبرات السرية المنتجة للعمل الأدبي، وهي في كل الأحوال خيانة للثقافة الإنسانية عموماً. لكن باب الفضائح سيبقى مفتوحاً على مصراعيه أمام أرتال أخرى من أدباء العهد القديم. ومع ذلك فرعد بندر الهارب في معسكر الرويشد على الحدود العراقية الأردنية، هو وسواه من مخلفات كتّاب النظام العراقي، لن يستطيعوا تبرئة أنفسهم من الأدوار الأمنية التي اضطلعوا بها خلال مناصبهم الرسمية، والتي كان في معظمها مهمات ضد كثير من الأدباء الخلاقين.

 

فهل حسب رعد بندر حساباً للمستقبل، فاحتفظ لنفسه ببعض الوثائق التي كانت تهم الوضع الثقافي وعلاقات الكثير من المرتزقة بالنظام، ستشكل له طوق نجاة مستقبلاً؟!

 

ولدى بندر قوائم باسماء كتاب من سورية ومصر واليمن وموريتانيا وتونس والمغرب وبعض البلدان، ممن حصلوا على هبات ورواتب شهرية من حكومة بغداد في عهد الرئيس صدام.

 

الفضائح هذه الايام تبدو مثل الدخان المتطاير من اعماق مداخن ضاربة في القدم

 

وإذا كان صدام لم يسجل رواية (زبيبة والملك) ولا (القلعة الحصينة) باسمه. تركهما روايتين لكاتبهما، فتلك دلالة على تعلقه بالدور المخابراتي الامني حتى في المسائل التي لا تعنيه لا من قريب أو من بعيد، على الرغم من معرفة القاصي والداني بأن الروايتين له وإن لم يطبع اسمه على غلافيهما. فعل ذلك بقصد الاستنكاف من أن يوصف رئيس الجمهورية وقائد الجيوش وبطل أم المعارك و الحواسم وأمين عام القيادتين القطرية والقومية للحزب بكاتب روائي مثله مثل مئات الروائيين العرب، ممن تضيق بهم مقاهي العالم العربي قمعاً وجوعاً وحرماناً وتشرداً.

 

 

 

الإمبراطــور

´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´

 

 

بين العراقيين والعرب: مماحكات ثقافية لها بعد سياسي

 

علاقة المثقف مع الحاكم، علاقة ملتبسة على مر العصور، فيها منافع وولاءات وميول، فكرية وثقافية، والمأساة، ضمن تلك الفصول، تغلب احياناً على ما عداها، فالمغريات ضخمة، مثلما ان المغامرة قد تقود الى الموت او الفضيحة، والتمثلات لا تحصى، اذ كشفت قضية الروائي المصري جمال الغيطاني، واتهامه بكتابة رواية “زبيبة والملك”، المنسوبة الى الرئىس العراقي المخلوع صدام حسين، الازمة الكامنة بين المثقفين العراقيين وعدد من المثقفين العرب، ممن ربطتهم علاقات معينة مع النظام، او دافعوا عن توجهاته السياسية وحروبه. الازمة تلك، لا علاقة لها بالابداع، والرؤية الثقافية. الاختلاف والتشنج وتبادل الاتهامات، مردها الى خلفيات سياسية، او على وجه الدقة، الموقف من الانظمة العربية الحاكمة.

سقط نظام صدام حسين وبدأت الاوراق السرية لثلاثين سنة من حكم البعث في العراق تظهر الى العلن. المؤتمر الوطني العراقي وضع يده على ارشيف وزارة الاعلام العراقية، ويحتوي على كل الصحف والمجلات التي كان النظام يمدها بالأموال كي تروج لوجهة نظره، وتدافع عن سياسته القائمة على البطش والارهاب وقمع حرية الرأي وتهميش الثقافة الجادة ودفع المثقفين العراقيين والمفكرين الاحرار الى الهروب نحو المنفى، وتبرير الحروب المغامرة بأبشع الذرائع عنصرية وفجاجة. وفضلاً عن الدفوعات المالية للصحف والمجلات، تكشف ان عدداً لا يستهان به من المثقفين العرب والصحافيين، وبعض ذو مكانة مرموقة في عالم الثقافة، يقبضون مرتبات شهرية من سفارات العراق، عدا المنح المناسباتية التي اثروا من ورائها.

وقضية جمال الغيطاني، لم تكن الاولى في ملف الثقافة العراقية، ومعاركها السياسية ضد النظام، سبق ذلك الكثير، تركزت كلها على رفض المثقفين العراقيين لأي مثقف عربي يتعامل مع نظام صدام حسين، لا يهم ان كان مبدعاً كبيراً او صغيراً، بل ان العتب اجلى وأضخم على المبدعين العرب الكبار، فالأعظم بينهم هو الذي احتل مساحة الحديث او النقد والادانة. السوري شوقي بغدادي، دعي قبل سنتين الى امسية شعرية في المنتدى الثقافي العراقي في دمشق. تكلم عن معاناة المثقفين العراقيين مع النظام الديكتاتوري ورأسه صدام حسين، فوجئ المثقفون اياهم بسفر شوقي بغدادي الى آخر مؤتمر للمربد، ملبياً دعوة وزارة الثقافة العراقية، متمثلة برموزها المعروفين حميد سعيد وسامي مهدي ورعد بندر، “شاعر ام المعارك”، ومتهم الروائي الكبير جمال غيطاني بكتابة “زبيبة والملك”، وعبدالرزاق عبدالواحد. خصصت له سيارة، من قبل وزارة الثقافة العراقية، هو ويوسف الخطيب. القصائد التي ألقيت كانت آخر طراز لنصرة الشعب العراقي الذي رقد تحت عباءات الغازات الكيماوية في حلبجة والنفط خالة وأهوار الناصرية. مداميكها، ومفرداتها، من عظام الشعب العراقي الذي رقد بسلام، قبل سنوات طوال، في مقابر جماعية.

صحافيون وشاعرات جميلات وأشباه روائيين ظلوا حتى اللحظة الاخيرة يتبجحون بانتصاراتهم على خمسة ملايين عراقي في الشتات وعشرين مليوناً كانوا، كما اخبر الرواة، يضعون اكفهم على قلوبهم خوفاً من موت جورج دبليو بوش، قبل ان يطيح صدام حسين. حدثت طرائف وفضائح في هذا المجال، ابطالها لا يزالون يعيشون بيننا في الساحتين العربية والعراقية. ولعل مشاركة الشاعر الكبير محمود درويش في مربد 1986، ظلت خير مثال على ذلك. الحرب مع ايران كانت في اوجها، وطاحونة الموت قائمة، لا على الحدود الايرانية – العراقية فقط، انما في الداخل العراقي. حزب الدعوة اقتلع من جذوره، الشيوعيون صاروا وباء في انوف اجهزة النظام، الاكراد جربت فيهم آخر منجزات التصنيع العسكري، بقيادة حسين كامل، الذي جز رأسه من قبل علي حسن المجيد. جاءت مشاركة محمود درويش مؤلمة للمثقفين العراقيين الذين دافع ووقف درويش معهم، ومع نضالاتهم في اقامة حكم وطني، وثقافة وطنية لا تمجد احداً، كل ذلك في اوقات ماضية من ازقة بيروت وتل الزعتر ومخيمات الفلسطينيين.

العراقيون، مثقفين وقراء، يكنون لدرويش مودة استثنائية من بين الشعراء العرب، فهو ليس شاعراً فقط، بل مدافع عن حقوق شعبه الفلسطيني. مجدد القصيدة العربية، ساحر الكلمات، مغني احمد العربي في بغداد، كيف اذن؟ شن المثقفون العراقيون هجوماً واسعاً على درويش، سواء في مجلة “الثقافة الجديدة” التي يديرها الحزب الشيوعي العراقي، او في الصحف العربية، منطلقين من ان درويش، رمز مقاومة الصهيونية والارهاب الاسرائيلي، والشاعر الذي تتجسد فيه قيم النضال الفلسطينية التي دعمها ولا يزال معظم مثقفي العراق، لم يوفق بتغزله بقمر بغداد المطل على البصرة؟ الفترة ذاتها، شارك الشاعر السوري الكردي سليم بركات في احد المرابد. الشاعر العراقي خالد المعالي المقيم في ألمانيا، الذي عانى ما عاناه في اروقة الأمن، وأسس دار الجمل لاحقاً، وجّه له على عنوانه في قبرص، وكان سليم وقتها سكرتير تحرير مجلة “الكرمل”، طرداً بريدياً مملوءاً بالعظام. حكم قاس يطلقه المثقفون العراقيون، بحق او من دونه، على كل من يمد يده الى النظام. فالعلاقة مع النظام العراقي معضلة. قضية دالة، لم يساوم عليها اي مثقف، سواء من اليمين او اليسار، من الاكراد والعرب والتركمان او غيرهم، ممن يعيشون خارج العراق. بل في داخل العراق. روى محمد مظلوم، الشاعر العراقي الذي غادر بغداد في 1991 انهم كمثقفين وشعراء طالما دانوا المثقفين العرب في خلواتهم، بسبب مجيئهم الى المرابد او المهرجانات. دانوهم بصمت طبعاً، فمايكرفونات الاستخبارات مزروعة في كل فندق وقطار وحافلة. كيف تأتون الى بغداد وخيرة مثقفيها مطاردون؟

 

ظل معيار المثقف العراقي مع رديفه العربي، شدة عدائه للنظام البعثي في العراق. قضية الابداع كانت تأتي في المقام الثاني. لا يهم ان كان محمد عابد الجابري عبقري الفكر العربي، وجمال الغيطاني فذّ الرواية التراثية، وجمال باروت مفكر القومية المخلّد، وميشيل كيلو داعية للمجتمع المدني في سورية، اذ ان قسوة الساحة العراقية لم تترك اي هامش امام المثقفين، فكل من بقي تحت جناح السلطة اجبر او اغري على التعاون معها، او صمت على الاقل. كل من لم يقبل ذلك سافر خارج العراق، بطرق سوريالية، حفاظاً على حياته وابداعه. كثير من المثقفين العرب كانوا يقيّمون النظام العراقي ليس على اساس عقلاني، فثمة اتجاهات تجعل منه حارساً للبوابة الشرقية، اي ضد ايران (الفارسية) الطامعة في ارض العروبة، وتجعل منه بطلاً قومياً سيقيم دولة عظيمة تهدد اسرائىل، ألا يمتلك برنامجاً لصنع قنبلة نووية؟ ألا يصنع الانثراكس والسيانيد والمحاليل الكيماوية والقنابل البيولوجية؟ وصفوه في مصر وسورية والمغرب بالمستبد العادل، الذي جلب البحبوحة المعيشية للشعب، وجعل من العراق مصدر رزق لملايين العالم العرب، المصريين منهم خصوصاً، إضافة الى ان السلطات العراقية كانت في الحقيقة تغدق الاموال والهبات على اي مثقف عربي يزور بغداد حتى لو كان يختلف قليلاً في الرأي معها.

 

وقف قسم من المثقفين والصحافيين العرب مع العراق بفجاجة في حربه مع ايران، وحادثة توزيع النظام لسيارات خاصة لبعض الصحافيين معروفة، خصص كذلك رواتب لقسم منهم، لم تتوقف حتى سقوطه. النظام لا يطلب من المثقف العربي اكثر من بيان تأييد للقائد، او اشادة بحروبه واضفاء مشروعية عليها، او على الاقل السكوت عن مظالمه. فخ محكم، لم يسقط فيه إلا طلاب الجعالات. في كتاب مهم اسمه “حوارات مع المثقفين العرب حول القضية الكردية”، للكاتب الصحافي سالار اوسي، ذكر ان بعض المثقفين العرب الذين اتصل بهم للادلاء بدلوهم في الموضوع رفض المشاركة. فسر اوسي الرفض بخوف المثقفين العرب من الجهر برأيهم حول قضية شائكة كالقضية الكردية. ألم يتهم البارزانيون في السبعينات باقامة صلات مع اسرائىل؟ ألم ينتفض الاكراد ضد نظام صدام حسين ابان الحرب مع اميركا؟ ما هي الفيديرالية؟ انها تقسيم العراق! الوطن العربي آلة مصمتة لا تضم بحسب آرائهم النقية لا الامازيغ ولا الاكراد ولا الاقباط ولا الشركس ولا الاحيائيين في السودان ولا السواحيليين ولا الطوارق ولا ولا ولا؟ كلا فنحن أمة مصمتة، اسسها ميشيل عفلق، ونظّر لها، شعراً، سليمان العيسى، تمرد عليها ادونيس ومحمد شكري الامازيغي وشيركو بيه كس الكردي. بطلها صدام حسين، قائد أم الحواسم والمعارك والتشرينات والقوميات، وكاتبها الأوحد، متنبينا، الذي كتب ترنيمة الطفولة: بلاد العرب اوطاني، من الشام لبغدان.

كانت القضية الكردية واحدة من نقاط الخلاف مع المثقفين العرب، القوميين بالذات. المثقفون القوميون، كعبدالرزاق عيد وجمال باروت ويوسف القعيد والغيطاني وميشيل كيلو وعبدالباري عطوان ومئات غيرهم، يعتبرون اي تأييد لحقوق الشعب الكردي في الفيدرالية، خصوصاً، تهديداً لوحدة العراق، وتقسيماً له. ظلت المعارك مشتعلة على صفحات اخبار الأدب، بعد ان قام مئات المثقفين العراقيين والعرب بزيارة كردستان العراق للاحتفاء بمئوية الجواهري، ونصب تمثالين له في مدينة السليمانية وأربيل. كيف يحتفل المثقفون العراقيون والعرب بالجواهري، شاعر العرب الأكبر، في مدن كردية؟ لمَ لا يتم الاحتفال في بغداد؟ وهذا سؤال يوسف القعيد، القاص والروائي المصري الذي يعرف اكثر من غيره ان قائمة عدي صدام حسين، نقيب الصحافيين ورئىس اللجنة الاولمبية وقائد منظمة فدائيي صدام ورائد الرفق بالحيوان في العراق، كانت تضم اكثر من ثلاثمئة مثقف وفنان، رقابهم لن تصمد امام سيفه، وألسنتهم أرق من أن تقطع. كيف يحتفلون بالجواهري في عاصمة الرشيد اذاً؟ السوريالية العربية في بعدها القومي وحدها تعرف ذلك. الاحتفاء بالجواهري في كردستان العراق التي غنى مآثرها، عد تمهيداً للانفصال، او على الاقل تأييداً للروح الانفصالية الكردية. ان الحصار الذي عاناه الشعب العراقي، وليس النظام، لامس ضمير كبار الكتّاب والمثقفين والصحافيين، ودعا الجميع الى رفع ذلك الحصار. قامت حملات تضامن مع الشعب العراقي، وارتفعت اصوات نقية، دانت عسف النظام مثلما دانت الحصار، الا ان قسماً من المثقفين العرب جيّر حملات التضامن تلك لمصلحة رأس النظام، وإن بكلمات مواربة.

رأينا اوسع مشاركة عربية في آخر مؤتمر لاتحاد الكتّاب العرب عقد في بغداد، وإن ظلت الاسماء المشاركة رسمية عموماً. لكن ما فاجأ المثقفين العراقيين بيانات التضامن مع النظام، (بعد) وقوفه في وجه الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية وتأسيس جيش القدس الذي سيعبر، بحسب الذهنية العربية الخرافية، صحراء الرطبة، مجتازاً الاردن ليدخل ارض فلسطين ثم يؤم تل أبيب بلمح البصر. القضية في الحقيقة لا تعدو ان تكون ضحكاً على ذقن المواطن العربي من الخليج الى المحيط. لا احد يسمح بتجاوز حدود الاردن، ولا احد يسمح اطلاقاً بالدخول الى ارض فلسطين. فالتوراة وحماتها المدججون بالأسلحة النووية واقفون على الأبواب. والستة ملايين فرد ليسوا سوى اكذوبة لتمتين كرسي الحاكم. خلط الأوراق واضح، وإن لم يميزه بدقة سوى العراقيين. العراقيون يعرفون ويمتلكون الخبرة بنظامهم، وكيف يجيّر أهواء العرب المساكين، الى مصلحته. الأصوات القومية العالية، التي بدأت تصرخ بتقسيم العراق اذا سقط النظام، او ان الدماء ستسيل في الشوارع دفاعاً عن العراق، وان اسلحة الدمار الشامل ستحيل المنطقة الى جحيم، لم تكن، وكما تبين لاحقاً، الا رغبة غير مباشرة، او حيّة، في التعبير عن رعب ازالة نظام فاشي عنصري دموي لا يمت الى العروبة بصلة مثل نظام صدام حسين. لم يتصوروا عراقاً من دون صواريخ العباس، والانثراكس والمدفع العملاق، وبرنامج الاسلحة النووية وتجييش ستة ملايين لتحرير القدس. لم يتصوروا عراقاً من دون حزب، حوّل البلد الى سجن كبير ومقبرة جماعية للشعب. عراق مثل ذلك لن يوزع شيكات ولا دولارات ولا ناقلات نفط لفنانات مترغدات.

واحد من العراقيين ذكر انه ناقش مثقفاً سورياً، يكتب الرواية، حول قضية صدام حسين وقوة العراق وقتل الناس وتشريد المثقفين. قال ذلك المثقف، وصلعته تتنور بعرق التاريخ العربي، المملوء بالرعب، ان صدام حسين يمتلك مشروعاً قومياً حضارياً، ومن يمتلك مشروعاً مثل ذلك لا يهم ان يضحي بمليون مواطن، ثمناً لذلك المشروع. عمر شبانة الكاتب الفلسطيني، المشهور في عمان، وفي ذلك المساء المخمور على حافات مخيم اليرموك، استشاط غضباً، وأنحى على بوذا باللائمة. ثم ترك الموضوع الى ضمير التاريخ، تاريخ العرب المضمخ بالدماء، منذ ايام محمد علي باشا. ظل المثقف العراقي المعارض فاغراً فمه دهشة، في ضوضاء مخيم بائس، وسط دمشق، وقد انتصب امامه هتلر صغير، وعدد من افران الغاز، والمقابر الجماعية، ومدينة حلبجة الكردية، وسلام عادل وصفاء الدرة ومئات من اصدقائه الاكراد والعرب والشيعة والمسيحيين والقوميين والصابئة ودراويش عبدالقادر الجيلي، ومن هب ودب في سهوب ما بين النهرين، وفي ما بين البحرين.

والمثير للتساؤل هو: لمَ كان المثقفون العرب والمفكرون يعلقون احلامهم على صدام حسين كلما دخل في مواجهة خاسرة مع أميركا والغرب؟ ولمَ يقفون دائماً معه حتى لو حارب ضد الجميع؟ ثمة مثقفون كانوا يكيلون النقد الخفيف او الحاد احياناً للنظام العراقي، لكن ما إن بدأت وتيرة الاستعدادات الاميركية لاسقاط النظام حتى ألقوا بثقلهم كله خلف قيادته، واعتبروا نصرته على الأميركيين نصرة للعراق، وتلك أكذوبة لم يتمسك بدحضها، حتى النهاية، سوى العراقيين، ونفر قليل من المثقفين العرب المتماسكي الروح والضمير والثقافة. لا يمكن القول ان المثقفين العراقيين كانوا على صواب دائماً، في علاقتهم مع المثقفين العرب، بمختلف تلاوينهم. كلا، فهناك عدد منهم تطرفوا لعراقيتهم اكثر مما ينبغي. في مقال للشاعر العراقي عواد ناصر كتبه في “الشرق الاوسط” دعا الى تسمية الجنود البريطانيين والأميركيين الذين قتلوا في حرب العراق بالشهداء. فكرة تستفز، من دون شك، الكثير من المثقفين العرب، وتستفز المسلمين كذلك، وفيها تطرف غير مبرر في العراقية المتعصبة. على رغم ان هذا المصطلح يتطلب اعادة النظر، فالجلاد والضحية صارا يوصمان بذلك مع افتقاد المعايير. رجل أمن يمكن ان يصبح شهيداً بتوقيع من رئيس الجلادين، وارهابي يقتل الابرياء يحصل على اللقب بآية قرآنية فسّرت في غير محلها.

الشاعر جمال جمعة، المقيم في الدنمارك، وجّه رسالة غاضبة الى الشاعر عباس بيضون، في جريدة “السفير”، لأن الأخير دعا في واحدة من مقالاته الى التسامح، ونسيان الماضي الأليم في الواقع العراقي، والبدء بتأسيس ثقافة وطنية حرة. طالب جمال جمعة جميع المثقفين العرب بالكف عن الحديث عن وضع العراق والعراقيين، بل هدد الجميع بالويل والثبور، إن ابدوا اي رأي حول وضع العراق.

وهذه نظرة، اقل ما يقال عنها انها تعيد خطاب البعث العراقي السابق وفاشيته في التعامل مع الرأي المخالف، فالعراقي يبقى مركباً في محيط عربي، لغة وثقافة وانتماء وروحاً. لا يختلف في هذا عرب وأكراد وتركمان وصابئة وتلكيف ومسلمون. تلك من دون شك، حالات لا يمكن فصلها عن القسوة التي عاشها المثقف العراقي المنفي، الذي حرم رؤية أهله ووطنه عشرات السنين من جانب نظام بربري ما زال قسم من المثقفين العرب يمتدح افضاله. تطرف المثقفين العراقيين اخيراً، نتج، في جانب منه، من تطرف بعض المثقفين العرب في الدفاع عن النظام. تطرفهم في اغماض العين عن بؤس الواقع العراقي في ظل صدام حسين. بدأ المثقفون العراقيون يأملون في قرب سقوط النظام، وذلك قبل اشهر من الحرب، وراح عدد كبير من المثقفين والفنانين العرب يدخلون العراق بحجة اقامة دروع بشرية، تبيّن لهم لاحقاً انها كانت دروعاً للنظام، اذ اشرفت على تلك الدروع اجهزة الاستخبارات العراقية وفدائيو صدام حسين وأجهزة الحزب. ولم يتجرأ احد من المدرعين الا ان يقول انه ذهب للدفاع عن الشعب العراقي، لكن حقيقة الأمر، او على الأقل كانت تلك مشاعر غالبية العراقيين، انهم ماضون للدفاع عن النظام. عن ديمومة الجزار البشري في الحكم، وهذا ما اجج التطرف لدى المثقف العراقي. الشعب كله يحلم بسقوط النظام، ومساعدة الشعب هي بالامتناع عن ابداء اي تضامن مع النظام. قسم من المدرعين البشريين راح يخوّن المثقفين العراقيين علانية، سواء شفهياً او في الجرائد والمجلات.

صوِّر المثقف العراقي المعارض عميلاً لـ”سي آي إي”، ومرتبطاً بالسياسات الانكلو-أميركية وعميلاً ضد بلده وشعبه. وحين يفتقد العقل منطقه، يصعب على المتحاورين الوصول الى نتيجة، فكيف تقنع شخصاً برداءة صدام حسين ونظامه وحزبه، وهو لم يقتنع بذلك بعد كل تلك الدلائل والمآسي التي جلبها الى المنطقة لا الى الشعب العراقي فقط؟ وضع المثقف العربي، الرسمي او المتطرف قومياً، العربة قبل الحصان. تناسى كل قيمه التحررية وحقوق الانسان وغيرها. كانت الحجة ان الوطن يتعرض الى غزو، وينبغي الدفاع عنه حتى لو تطلب الامر الوقوف مع نظام بائس مثل نظام صدام حسين. وتلك حجة عرفها العراقيون منذ الحرب الايرانية – العراقية. لم يأخذ العراقيون بحجة مثل تلك. تمثلوا بالحكمة القائلة: أهل مكة ادرى بشعابها.

 

 

شاكر الأنباري – الحياة –

2003/06/15

+++++++++++++++++++++

نبيل شـرف الدين

 

الغيطاني ينفي مؤكداً لجوئه للسلطات ورفع دعوى قضائية:

“زبيبة والملك” عنوان أولى حروب المثقفين بعد سقوط صدام

 

 

القاهرة

 

 

 

 

 

بدأت في ما يبدو بوادر تداعيات انهيار نظام صدام حسين على الوسط الثقافي العربي، إذ انطلق الفصل الأول من مسلسل يتوقع أن يمتد طويلاً، ويدور حول مسألة إفساد ذمم صحافيين وكتاب وأدباء عرب طالما اتهم بها النظام العراق المخلوع، وفي هذا الفصل “التمهيدي” من الحرب الأهلية بين المثقفين المصريين والعرب، جاء اتهام عبر موقع على الإنترنت للروائي المصري الشهير جمال الغيطاني، بأنه مؤلف رواية “زبيبة والملك” التي نشرت باسم صدام حسين، وزعم الموقع الإليكتروني المعنون باسم (الامبراطور*)، والذي تتصدره إشارة إلى أن مؤسسه هو الشاعر والكاتب العراقي اسعد الجبوري، وتحت عنوان فرعي في الموقع هو (فضح الرموز) ورد به أن الغيطاني هو الكاتب الحقيقي لرواية (زبيبة والملك)، والرواية كما جاءت على لسان الشاعر العراقي رعد بندر الذي كان مقرباً من القصر الرئاسي في بغداد، أن هذه الرواية كانت لها ترتيبات سريّة خاصة قام بها عبد حمود مدير مكتب الرئاسة الخاص في القصر الجمهوري مع نبيل نجم، الذي كان يشغل قبل سنوات منصب مندوب العراق الدائم لدى الجامعة العربية في القاهرة، نقل رسالة شخصية مغلقة بالشمع الأحمر من الرئيس العراقي المخلوع إلى الغيطاني، الذي يشغل منصب رئيس تحرير أسبوعية “أخبار الأدب” المصرية.

 

ومضى الموقع في نشر تفاصيل تلك الرواية التي تضمنها مقال منسوب للكاتب سليم عبد القادر المقيم في العاصمة الاردنية عمان، موضحاً أن رسالة صدام كانت على ما يبدو تحتوي على ما أسماه “خربشات لفكرة لقصة”، التي طلب صدام تحويلها الى رواية وكان له ما أراد، فما الذي دفعه صدام من مال لا أحد يعرف كم كان سعر كتابة الرواية بالضبط، ولا المقابل الذي يزعم أن الغيطاني تقاضاه عن هذه المهمة “الأدبية”.

 

وتابع قائلاً : “بعد يومين على لقائي بعدي , تم استدعائي. فوجدت لي جواز سفر باسم مزور هو (عبد المنعم سامي) وصورتي عليه مع مبلغ من المال لي ورسالة للروائي جمال الغيطاني لا اعرف ماذا كانت تضم في داخلها بالضبط. أمرني عدي بالسفر الى الأردن. ومنها الى القاهرة طيراناً. لكن الأمور لم تمض على خير ما يرام، فقد فضح تلك المهمة السائق (محمد عبادي) المكلف بايصالي الى الأردن، بغير قصد منه، عندما أتصل بأحد من أقارب عائلته من هاتف بأحد مكاتب اللجنة الاولمبية ليخبرها عن سفره الى عمان وما إذا كان يحتاج إلى شراء بعض البضائع من هناك. وأنذاك لقط الخبر الكاتب نجمان ياسين ليكتب تقريراً لوزير الثقافة حامد يوسف حمادي عن سفرتي المفاجئة للأردن”، وما هي إلا ساعات حتى أصبحت أمام عبد حمود للاستجواب في القصر الجمهوري. ولم أخرج من القصر لثلاث ليالٍ متتالية. حيث قضيت الوقت في سجن من سجون القصر. ليدرك بعدها عدي بأن والده قد وضع يده على القصة كلها، فتم طردي من عملي، ليبدأ بعد ذلك بشن الهجمات تلو الهجمات الاعلامية العنيفة على وزير الثقافة حمادي.

 

حكايات رعد

 

ومضى المقال قائلاً ان الشاعر العراقي “رعد بندر”، الذي وصفه بأنه “شاعر العهد البائد” ، و”مداح صدام” قد اكد انه فهم من هذا السياق ان جمال الغيطاني قد كتب رواية صدام إثر لقائه مع عدي، الابن البكر للرئيس العراقي المخلوع، واضاف إن عدي طلب منه الذهاب الى القاهرة ومقابلة الغيطاني، وطلب منه أن يكتب رواية أخرى، لكن لعدي هذه المرة، طالباً أن تكون أجمل من تلك الرواية التي كتبها لوالده، وذلك في إطار العلاقة المتوترة والملتبسة بين عدي وأبيه.

 

وتابع الموقع قائلاً في المقال المنسوب سليم عبد القادر “إن اعترافات الشاعر العراقي رعد بندر بالدور الذي قام به طوال السنوات الماضية من حكم حزب البعث، يشكل كشفاً للمختبرات السرية المنتجة للعمل الأدبي، وهي في كل الأحوال خيانة للثقافة الإنسانية عموماً، لكن باب الفضائح سيبقى مفتوحاً على مصراعيه أمام أرتال أخرى من أدباء العهد القديم، ومع ذلك فرعد بندر الهارب في معسكر الرويشد على الحدود العراقية الأردنية، هو وسواه من مخلفات كتّاب النظام العراقي، لن يستطيعوا تبرئة أنفسهم من الأدوار الأمنية التي اضطلعوا بها خلال مناصبهم الرسمية، والتي كان في معظمها مهمات ضد كثير من الأدباء”.

 

وأضاف “لدى بندر قوائم باسماء كتاب من سورية ومصر واليمن وموريتانيا وتونس والمغرب وبعض البلدان ، ممن حصلوا على هبات ورواتب شهرية من حكومة بغداد في عهد الرئيس صدام، وإذا كان صدام لم يسجل رواية (زبيبة والملك) ولا (القلعة الحصينة) باسمه. تركهما روايتين لكاتبهما، فتلك دلالة على تعلقه بالدور المخابراتي الامني حتى في المسائل التي لا تعنيه لا من قريب أو من بعيد، على الرغم من معرفة القاصي والداني بأن الروايتين له وإن لم يطبع اسمه على غلافيهما. فعل ذلك بقصد الاستنكاف من أن يوصف رئيس الجمهورية وقائد الجيوش وبطل أم المعارك و الحواسم وأمين عام القيادتين القطرية والقومية للحزب بكاتب روائي مثله مثل مئات الروائيين العرب، ممن تضيق بهم مقاهي العالم العربي قمعاً وجوعاً وحرماناً وتشرداً.

 

الغيطاني ينفي

 

ومن جانبه نفى جمال الغيطاني هذا الأمر جملة وتفصيلاً، وقال في تصريحات خاصة لـ “إيلاف” إنها افتراءات تمثل مرحلة جديدة في تشويه المثقفين المصريين والعرب الذين رفضوا الحرب على العراق، لافتاً إلى أنه أبلغ أجهزة الامن المختصة في مصر، فضلاً عن تكليف محام متخصص في القانون الدولي لدراسة إمكانية رفع دعوى قضائية على الموقع الذي يتخذ من الدنمارك مقراً له، ومطالبته بتكذيب ما ورد في الافتراءت المنشورة.

 

ومضى الغيطاني قائلاً إن هذا الاسلوب الشرير يعد استغلالاً سيئاً لوسيلة نشر عصرية هي الانترنت، في عملية تشويه سبق أن تعرض لها عدد من المثقفين المصريين والعرب سواء عبر صفحات الويب أو من خلال البريد الالكتروني التي طالت مثقفين مناهضين للحرب الاميركية البريطانية على العراق واولئك الذين يدينون الممارسات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، لافتاً إلى أن عدداً من المثقفين المصريين تقدموا بشكاوى الى أجهزة الامن والنيابة العامة ونقابة الصحافيين المصريين قبل أسابيع مطالبين بملاحقة مواقع ترسل رسائل باسمهم ومن خلالها تقوم بتشويه مسيرتهم وتتهمهم بأنواع من الشذوذ الجنسي وتزعم إصابتهم بمرض الأيدز وغير ذلك من التهم المفتراة عليهم، والتي تشكل محاولات اغتيال معنوي للشخصيات العامة.

 

جدير بالذكر أن للغيطاني رواية معروفة هي “حراس البوابة الشرقية” والتي تضمنت إشادة بدور الجيش العراقي في حماية “البوابة الشرقية” للوطن العربي

 

إيلاف – الخميس 15 مايو 2003 04:43 – نبيل شرف الدين

 

´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´

وائل عبد الفتاح

 

حروب المثقفين بين نميمة المخابرات وسقوط الديكتاتور

هل جمال الغيطاني هو الذي كتب رواية صدام حسين؟

 

 

 

 

 

 

انه موسم البحث عن فضيحة.

 

سقط صدام حسين بطريقة تشبه النهايات الاميركية لأنظمة مثل الاتحاد السوفياتي. ديكتاتور. وحزب تحول إلى دولة. ومخابرات تدير الدولة. وهذه اجواء اسطورية تخرج من بينها الفضائح والحكايات التى تشغل اثارتها البال وتلبي غريزة النميمة وتبعد الناس عن التفكير الحقيقى فيما حدث ويحدث.

 

تكرر هذا عندما سقط هتلر والحزب النازي. وعندما ذهب عواجيز موسكو والكي جي بي.

 

من بين الانقاض تخرج الحكايات مثل الاشباح. وتتسرب في ثنايا كل جملة. حتى تشبه الحقيقة في حضورها. بل وتتجاوزها. فيختلط الامر بين الحقيقة والحكايات الخرافية. وبين الاشاعات والوقائع. وبالتدريج يصبح للاشاعة حضور يفوق الحقيقة.

 

هذا يحدث الآن. وعلى المكشوف. ظلت اخبار نظام صدام حسين تعيش مثل غيره من الانظمة العربية المتمتعة بقوة اخفاء الحقائق. الناس استعانت بقدرتها على تأليف الاشاعات لتقاوم فكرة الحقيقة الممنوعة. الاشاعة ليست كاذبة تماماً لكنها تقوم على لعبة خيالية تحاول فيها تفسير ما يحدث.

 

فى بعض الدول تتحدث الاشاعات بقوة عن وزراء مرتشين أو قوادين أو مثلَيْ جنس. وهي كلها ليست حكايات كاذبة بل ربما تعبر عن جزء صغير من الحقيقة. فالخيال الشعبي احياناً يعجز عن متابعة ما يحدث في قصور الحكم.

وهنا يحتل صدام حسين موقعاً فريداً. فهو ينتمي إلى موديل الحاكم الكامل صاحب الرسالة الخالدة. الحاكم في هذا الموديل هو كل شيء. الجنرال والنبي. المخبر والمثقف… كل شيء له فيه خبرة وموهبة. هكذا يستعين صدام بالشعر ومغرم بهواية جمع المثقفين وشراء المداحين من شعراء وقصاصين. هذه الهواية عرف قديم في الدولة العربية كان فيه السلطان يضم إلى حاشيته شاعر ونديم. الاول مختص بقصائد المديح والثاني بتسلية السلطان بالحكايات.

هذه الهواية ايضاً من خصائص الزعماء الملهمين في العصر الحديث من هتلر إلى اتاتورك وحتى عبد الناصر. يهتمون بالثقافة والمثقفين. ولهم تصورات عن الادب والرسم يكملون بها نظرتهم الشاملة عن العالم.

 

من هنا تنشأ كل فترة حكايات مثيرة عن العلاقة بين المثقفين واجهزة المخابرات. اشهر هذه الحكايات الآن نشرها موقع على الانترنت اسمه “الامبراطور” وفي باب اسمه “فضح الرموز” تضمن مقالاً يتهم جمال الغيطاني بأنه هو الذي كتب رواية صدام حسين “زبيبة والملك”….المقال موقع باسم سليم عبد القادر. عمان. الاردن. وهو اسم لم نتعرف على معلومات عنه الا فيما توقع البعض انه الزوج السابق لروائية مصرية هي نعمات البحيرى (كتبت رواية عن تجربتها معه في العراق فهو قبل مغادرة بغداد في السنوات الاخيرة كان من المقربين إلى النظام). اما موقع “الامبراطور” فمؤسسه شاعر عراقي يعيش في الدانمارك اسمه اسعد الجبورى (منشور على الموقع سيرته الذاتية والاسم مأخوذ من احد كتبه). وفي واجهته صورة كبيرة لرأس حشرة كبيرة (ربما بعوضة) على جسم انسان يرتدي بدلة كاملة. يتحرك فوق الكائن العجيب كلمات شعار اعجب: “تمتع بتاج المخيلة.. تكن امبراطور كل العصور”.

 

قصة الغيطاني مع رواية صدام حسين هي اكثر الحكايات اثارة للدهشة في موسم حروب المثقفين.

 

رواية ” الخفافيش”

 

هل كتب جمال الغيطاني رواية صدام حسين؟

 

يعجب السؤال كل عشاق النميمة. لان اي اجابة ستفتح ملفات وحكايات لا تنتهي. والاهم ان لا احد يستطيع ان يحسم الاجابة. الذين قالوا “نعم” لا يستطيعون التأكيد على ان اسم الغيطاني موجود على قوائم المنتفعين بأموال المخابرات العراقية. ولا الذين قالوا “لا” تأكدوا من ان قصة كتابة رواية صدام من الباطن غير صحيحة تماماً. وتسمع هنا عبارات من نوع “لا دخان من غير نار” للتأكيد على ان القصة حقيقية.

 

لا احد فكر في القضية بعيدا عن الغيطاني.

 

ولا احد اراد مواجهة الاسلوب لا الحكاية.

 

ببساطة لان القصة تبدو متقنة بالنسبة لعشاق روايات الجيب البوليسية.

 

الراوي مناسب: رعد بندر شاعر “ام المعارك” المقيم في بلاط صدام حسين وعائلته. وهو موقع يتيح له الاقتراب من: “مكتب خاص في المخابرات الخارجية أطلق عليه اسم “الخفافيش” تهكماً وسخرية من صدام بالأشخاص الذين يقوم هذا المكتب بتمويلهم ومنهم شعراء وروائيون وسياسيون وجواسيس وقوادون ومرتزقة وممثلاث وراقصات ومطربات وكذلك من اصحاب مهن مختلفة”.

 

أي ان عناصر المؤامرة كلها موجودة. خاصة ان الحكاية تعتمد على صراع خفى بين الديكتاتور الاب.. ووريثه صدام وعدي. الأخير يريد رواية مثل ابيه. يحكي شاعر الديكتاتور: “ما أن صدرت رواية “زبيبة والملك” حتى وجدت نفسي أمام عدي، ليحدثني عن رواية زبيبة والملك بتهكم وبذاءات. كان عدي وقتها ثملاً. ولم أستطع ابداء الرأي كالعادة. بعد ذلك ليكلفني بالذهاب إلى القاهرة في مهمة سريّة للغاية أن ألتقي بالروائي المصري جمال الغيطاني. وأن أنقل له رغبته في كتابة رواية أهم من “زبيبة” لينشرها عدي باسمه، فهو لم يستسغ فعلة والده، عندما نشر الرواية ووضع عليها – رواية لكاتبها – . وعندما عرضت عليه أن أقوم بتكليف القاصة بثينة الناصري بكتابة ما يرويه، زمجر بوجهي غاضباً بسخط: أريد مؤلف زبيبة نفسه لا بثينة التي تكتب بـ (……ها)!! آنذاك عرفت حقيقة من كان الكاتب الحقيقي لرواية زبيبة والملك. التي لم تكن بهذا العنوان الأصل. لأن صدام أضاف عليها من خربشاته ما اضاف واستبدل العنوان بآخر”.

 

وبقية الحكاية هي اكتشاف “رعد بندر” المعروف بشاعر ام المعارك تفاصيل الترتيبات السرية لرواية “زبيبة والملك”… “قام بها المدعو عبد حمود مدير مكتب الرئاسة الخاص في القصر الجمهوري، مع المدعو نجم التكريتي (المقصود هنا نبيل نجم) مندوب العراق لدى الجامعة العربية في القاهرة أنذاك، عندما نقل الأخير رسالة مغلقة بالشمع الأحمر من القصر الجمهوري في بغداد إلى الغيطاني، وكانت كما يبدو في أغلب الظن، تحتوي على خربشات لفكرة لقصة أراد تحويلها إلى رواية وكان له ما أراد. فما دفعه صدام من مال – وهنا لا أحد يعرف كم كان سعر كتابة الرواية بالضبط”.

 

قصة مثيرة خاصة اذا عرفنا ان “زبيبة والملك” عن مأساة حاكم يقع في غرام امرأة متزوجة تعيش حياة تعيسة (زبيبة وهي رمز العراق) التي تنفصل عن زوجها لكنها ترفض الزواج من الملك. تتعرض للاغتصاب في السابع عشر من يناير وهو نفس اليوم الذي شنت فيه قوات تقودها الولايات المتحدة هجوماً في عام 1991 لطرد القوات العراقية من الكويت. ويموت الملك بعد ان يتم الانتقام لشرف زبيبة واسر المغتصبين (بينهم شخصية أرستقراطية الأصول لكنها متزلفة للأجانب وأطلق عليها اسم “نوري الجلبي”، وكان يقصد بها غالباً جنرال البنوك الطامع في حكم العراق أحمد الجلبي). المخابرات الامريكية اهتمت بتحليل الرواية التي تعالى صدام حسين على كتابة اسمه عليها وتركها بلا مؤلف مع اشارة على الغلاف انها “رواية لكاتبها” . المخابرات الامريكية في تقريرها ان “صدام حسين ليس المؤلف الحقيقي للرواية من ألفها إلى يائها) على رغم أنه حاضر فيها بقوة. وترجح أن “الكاتب الخفي” لا بد أن يكون أحد كبار كتاب الرواية في العراق، وأن هذا الكاتب كاتب يعرف شخصية صدام حسين حق المعرفة من رأسه وحتى أخمص قدميه”.

 

هل جمال الغيطاني هو هذا الكاتب الخفي؟!

 

اسلوب “وش المدفع”

 

… “يبدو ان صدام حسين يريد ان يرجع إلى الاضواء.. ويتمحك بي..” ضحك جمال الغيطاني عالياً. كانت هذه الجملة هي منتصف كلامه. قبلها كان متوتراً. يقول ما يشبه التصريحات الرسمية. بعدها كان اكثر راحة وحكي ربما اشياء خارج النص.

 

فى البداية تحفظ: “..من الطبيعى ان اقول انني لم اكتب الرواية. وهذا ما يمكن ان يكون دفاعاً عن نفسي. وانا لن ادافع عن نفسي..” ربما كان يقصد ان فكرة الدفاع عن النفس هى رد طبيعي لأي متهم. وهو لا يريد مناقشة التهمة من اساسه لانها “تهمة مشينة”. هكذا قال الغيطاني مشيراً إلى انه يجهز الآن لإقامة دعوى قضائية ضد صاحب الموقع (عنوانه في الدانمارك منشور على الانترنت). ويبدو ان فكرة اللجوء إلى القضاء كانت رسالة مثالية يريد بها الغيطاني التعبير عن قوة موقفه. وهي رسالة وصلت لأنها اصبحت عنوان الخبر في الصحف العربية ووكالات الانباء. الخبر نشر غالباً في الصفحات السياسية على اساس انها بقايا تركة نظام صدام حسين. الغيطاني رأى عكس ذلك: “..هذا جزء من حملة منظمة للتشوية. هل قرأت المقال المنشور في نفس الموقع عن الشعراء الذين حصلوا على مرتبات من صدام وبينهم احمد عبد المعطي حجازي. انها حملة وليست مجرد رصاصة موجهة لي. انا إللي اتحطيت في “وش المدفع”. لكنني لن أكون الأخير. انها حملة كما قلت لك. واعتقد ان المقصود منها التصفية المعنوية لكل من وقف ضد امريكا في الحرب فالموقف من الحرب كان واضحاً فيما كتبت وفي الاتجاه العام لجريدة اخبار الادب التى أرأس تحريرها.. لم يكن موقفي دفاعاً عن نظام صدام حسين لكنه ضد الغزو والاحتلال. الحملة تترصد الذين اتخذوا موقفاً رافضاً للحرب”.

 

لماذا بدأت بك أنت؟!، سألت الغيطاني:”…لا اعرف. وانا متفاجئ اساساً بالابداع في فبركة القصة. انها تشبه قصص الاطفال. فالجميع يعرف انني لم ادخل بغداد من 1988. بالتحديد منذ مقتل عدنان خير الله”.

 

عدنان خير الله هو ابن خالة صدام حسين وشقيق زوجته. هو ايضاً معلمه السياسي الذي جنده في حزب البعث. وبعدما ترقى صدام في سلم القيادة كان سنده الرئيسي حتى اصبح رئيساً. وقبل موته في 1988 كان وزيراً للدفاع. ويقال انه كان مثل عبد الحكيم عامر محبوباً من ضباط الجيش بطريقة ربما اثارت صدام نفسه. وهذا ما يبني عليه قصة موته التى تشبه ما حدث للمشير احمد بدوي حين ركب الهليكوبتر بعد احتفال عسكري وفجأة انفجرت به في الصحراء.

 

الغيطاني التقى عدنان خيرالله على الجبهة السورية في حرب تشرين الأول 1973. وقتها كان يعمل مراسلاً عسكرياً لجريدة الاخبار. واتاحت له التغطية مقابلة عدد من الضباط العرب. عدنان خير الله واحد منهم. وهو الذي كان مفتاحاً لكتاب كامل عن دور الجيش العراقي في الحروب العربية مع اسرائيل بداية من نكبة 1948. الكتاب صدر في العراق تحت عنوان “حراس البوابة الشرقية”. وظل مادة خصبة في حروب النميمة التى يكون الغيطاني طرفاً فيها. الاشارة لـ “حراس البوابة الشرقية” كافية للتلميح بأن هناك علاقة سرية بينه وبين المخابرات العراقية.. وهذا على ما يبدو هو ما اعطى مبرراً لصاحب قصة تأليف رواية صدام حسين فهو يحيل إلى ما يعتبره تأكيداً على العلاقة القديمة.. يقول ” وكما يبدو فإن تجربة أهل النظام مع الروائي المصري الكبير الأستاذ جمال الغيطاني طويلة ومثمرة على الدوام. فقد كتب الغيطاني رواية (حراس البوابة الشرقية) الخاصة بموقفه المساند إلى جانب الحكم في بغداد في الحرب ضد إيران. وقبض أكثر من عشرة آلاف دولار ثمناً لتلك الرواية مع شهور من النوم والأكل والشرب في فندق بغداد المطل على نهر دجلة والمقابل للقصر الجمهوري بالضبط”.

 

هكذا فان حبكة القصة اضطرت صاحبها للتغاضي عن هفوات من نوع انه كتاب وليس رواية وانه “عن حرب اكتوبر وليس عن الحرب العراقية الايرانية..” هكذا علق الغيطاني على سؤالي عن الدور الذى لعبته حكاية “حراس البوابة الشرقية” في الحكاية الجديدة عن “زبيبة والملك”.

 

الغيطاني قال انه يتعامل بسخرية مع الحكاية : “… تعرف عندما افكر في الامر بعيداً عن السياسة اكتشف انها اهانة روائية ان اكتب مثل هذه الرواية.. يعنى الشخص الذي روج للتهمة كان قصده ان يهينني ايضاً..”.

 

هل قرأت الرواية؟، ” لا..” قال الغيطاني واكمل:”…انا لا اجد وقتاً لقراءة الاعمال المهمة.. فما بالك برواية قالوا لي عن مستواها الركيك.. ونحن هاجمناها في اخبار الادب حين صدرت من القاهرة.. وانتقدنا نشرها ضمن روايات الحصار..”.

 

الرواية نشرت فعلاً في القاهرة بعد اسابيع من نشرها في بغداد في اطار سلسلة تصدر تحت عنوان “ثقافة ضد الحصار” عن دار “عشتار” التي تشرف عليها كاتبة عراقية مقيمة بالقاهرة (بثينة الناصري) جمعت تبرعات من المثقفين المصريين لكي تصدر السلسلة اعمال الادباء المحاصرين.

 

الدار اضفت على الرواية قيمة كبرى بنشرها في ظل الاعمال المصادرة بل انها.. كتبت كلاماً فخيماً على الغلاف الاخير للطبعة القاهرية: “..هذه ليست مجرد قصة حب رومانسية بين امراة من الشعب وملك، فهي حافلة بمعاني الخير والشر والكبرياء والخنوع والتضحية والخيانة وأيضاً المكائد والمعارك” ليس هذا فقط بل ان.. ” احداثها توجز تاريخ أمة وتثير العديد من التساؤلات التي تدفعك للتفكير والتأمل”.

 

سألت الغيطاني: “..هل تعتقد ان هناك من كتب الرواية لصدام من الباطن؟”.

 

اجاب.. “.. احساسي يقول لي ان صدام هو مؤلفها.. انه شخص لا يرضى ان يساعده احد.. هو يفعل كل شيء.. وليس هناك اديب محترم يرضى ان يكتب رواية لتنسب إلى اي احد.. وهذا ما يجعلني مندهشاً من الابداع في الافتراء.. ومن الرغبة في التشنيع… اعلم الآن ان الحرب قد بدأت.. الحرب القذرة التي تجعل صحيفة تعيد نشر ما ورد في موقع الانترنت.. رغم انها تعرف انه مجرد فبركة.. لكنها تفرح به وتلتقطه وتبرزه في الصفحة الاولى كنوع من الترويج لمثل هذا الجو المسموم”.

 

نظرية “تقطيع الهدوم”

 

حكاية الغيطاني مثالية اذن على فكرة التلسين. او الاتهام فقط باللسان دون وجود ادلة او مستندات. ويمكن اشارة ايضاً إلى استخدام هذه الاتهامات في الحروب الاهلية” بين المثقفين. وهذا ما حدث عندما نشرت جريدة “القاهرة” (لسان حال وزارة الثقافة) مقال الاتهام “مرة اخرى مع محاولة في التذاكي بحذف اسم جمال الغيطاني. لكن مع عنوان يؤكد انها تصدق قصة “الامبراطور” رغم انها في الصفحة الأولى اهتمت بنفي اتهام مشابه لعادل امام من محطة “سي ان ان”. ورغم انها تهاجم فكرة “التخوين” بين المثقفين. لكن على ما يبدو استسلمت لغريزة الانتقام السهلة من خصومتها مع الغيطاني واخبار الادب ودخلت في لعبة “تلويث السمعة” مجاناً. هذا هو التفسير الممكن. خاصة ان الاتهام يمكن ان يفتح ملفات مغلقة عن علاقة المثقفين بالانظمة. وعن فكرة شراء المواقف بالاموال. والعلاقة الشائكة بين المثقف والسلطة. الحكاية تافهة. لكنها كما تصلح لجلسات النميمة يمكن ان تدير حواراً ينتقد بقوة الطريقة التي تعامل بها المثقف مع الديكتاتور. حوار لا يعتمد اسلوب “تقطيع الهدوم” او يستسهل فكرة “اعترافات التائبين”.

 

لكن هناك من يتمسك بالنميمة والانتقام. ويروج لفكرة الاتهامات لمجرد الاختلاف. سواء كان الاختلاف خصومة مصالح، او طريقة تفكير. وكما كان السادات يمسك المختلفين معه تحت شعار “امسك شيوعي” وكما كان مكارثي يطارد الفنانين والمثقفين في امريكا تحت نفس الشعار (تمر هذه الايام خمسين سنة على محاكم مكارثي التى اعتبرت فضيحة على جبين الليبرالية الامريكية). هناك اتجاه الآن لكي تبدأ حروب التصفية تحت الشعار الجديد: “امسك عميل صدام حسين”.

 

 

 

المستقبل – الاربعاء 21 أيار 2003 – العدد 1301

´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´

مصطفى محمد غريب

 

مهزلة زبيبة والملك والغيطاني والحديث عن الماضي اليساري

 

 

 

 

 

برزت خلال فترة قصيرة من تداعيات وانهيار الدكتاتورية في العراق، كتابات ومقالات حول أسماء وأعمال بعض المثقفين والكتاب العرب الذين كانوا يساندون الدكتاتورية محاولين التمجيد بشخص صدام حسين وتحويل أعماله وممارساته إلى أعمال بطولية وطنية و تقدمية، وقد أسندوا هذا الدعم للمتغيرات المستجدة في العالم وهيمنة القطب الواحد دون منازع، أو لغاية في نفس يعقوب..

 

وقد أثيرت في السابق الكثير من الشكوك حول بعض الأسماء العربية التي حاولت استغلال محنة العراقيين والعراق لحسابات ذاتية مبتذلة وبيع أقلامهم وضمائرهم من أجل مكاسب مادية ضيقة لا يمكن ان يحترمها كل إنسان ذو ضمير ونزاهة، وقد أثيرت سابقاً شكوك أيضاً حول ” صدام المؤلف ” وجرى البحث عن أسباب لجوء صدام حسين في الفترة الأخيرة من خلف الستار إلى الأدب الروائي، وطرحت تساؤلات عديدة من بينها، من هو المؤلف الحقيقي للروايتين اللتين تم نشرهما حين ذاك؟ واقيمت الدنيا في العراق ولم تقعد لهما؟.. وإدعاء بإبداعية النصين وضرورة تعميمهما للإستفادة منهما، لابل حتى دعي لترجمتهما إلى لغات عديدة لما فيهما من قيم أدبية وإنسانية واستشفاف المستقبل.

 

التغيرات عمليات تحصل بين تفاعل الأشياء والظواهر والتأثير المتبادل بعضهما على البعض الآخر، وليست جميعها محكومة بإرادة البشر أو حتى قدرتهم، وبما ان التغيرات تتسم بطابع موضوعي وشامل فقد يجري في مجرى التغيرات تبديل كيفة الموضوع أو الشيء، وقد يكون التغير إيجابياً في حياة البشر إذا ما كان هناك فعالية في الإداء لما هو مكلف به، أو سلبياً إذا جرى تبسيط بنية التغيرات.. وتنشأ مواقفنا مع إمكانيات البشر ووعيهم في عملية التغير، لأن قيمة ما هو إيجابي أو سلبي، تقدمي أو رجعي، تحدده النتائج المرتبطة بالظواهر، وبهذا يحدد جوهر الإختلاف مع من يبالغ في تغير الظواهر بما لها من استقرار وثبات أو المحافظة على بنية الشيء بحدود معينة، إضافة إلى الإختلاف الثاني الذي يقول ” باستقرار الظواهر ولا تاخذ بالحسبان تغييراتها، أو ترد هذه التغييرات إلى مجرد انتقال خارجي”

 

ما دفعني لتناول موضوع التغيير والتفاعل هو بروز بعض التحولات والتطورات التي تغيرت وتفاعلت مع سقوط الدكتاتورية بواسطة العامل الخارجي ” الإحتلال” وارتباطها بمواقف بعض المثقفين العراقيين أو العرب وقيمة النصوص التي انتجوها خلال فترة التسلط الدكتاتوري، ومحاولة خداع الذات بما جسده من ديماغوغية في الشعارات التي اصبحت قيد إلإستهلاك كبضاعة فاسدة ” الصراع ضد الإمبريالية.. والدفاع عن مصير الأمة ” والقضيتين الخاسرتين هما من اسقاطات السياسة التي حاولت وتحاول الدكتاتورية كنظام شمولي تمريرها على وعي الجماهير..

 

ان قيمة النص الإبداعي هو ليس تلامسه مع الحقائق الظاهرة المنتشرة في عالم المتغيرات فقط وإنما الدخول في جوهرها وجوهر نشوء الظاهرة ومعرفة حقيقة تغيراتها وتفاعلاتها الإجابية أو السلبية، التقدمية أو الرجعية..

 

في هذا المضمار الواسع رأينا ونرى الإسقاطات المبتذلة لبعض المثقفين العراقيين والعرب وحتى من غير العرب..

 

لقد ظهرت بعض الحقائق حول موضوعة بقيت طوال فترة ظهورها محط مناقشات واستنتاجات جر إليها العديد من المثقفين العراقيين.. هذه الموضوعة ” صدام الكاتب والمثقف ” التي احتلت بدون فائدة مساحات واسعة في الصحف والمجلات فكانت بحق عملية اعلامية كبيرة أدت بالنتيجة على الرغم من النيات المختلفة ” معَ.. أو بالضد ” إلى إظهار القيمة الأدبية والإبداعية لذات القائد الإسطورة، إضافة إلى إحلال قناعة راسخة عند هذه الذات بإمكانياته التي تستطيع جر الآخرين إلى الحديث عنها وعن ذاته مثلما كان يفعل في المجالات الكثيرة والمختلفة والتي لم يكن يختص بها إلا من خلال القائد الفلتة في كل شيء، فدخل عالم الأدب ليس بواسطة ” زبيبة والملك”، و”القلعة الحصينة ” أو غيرها وإنما بواسطة السلطة التي منحها لنفسه بدون منازع، واقلام بعض الصحفين والأدباء والمثقفين إن كانوا بالضد من الدكتاتورية أو الذين يعيشون على موائدها ناهيك من اولئك المؤمنين بها وبافكارها أمثال مداح صدام حسين رعد بندر وغيره من المثقفين العراقيين الرسميين..

 

وعلى الرغم من أن الحديث في الآونة الأخيرة أخذ في الإتساع عن الإرتزاق الأدبي، أو ما يسمى بالأدب الرخيص، أو الرشوة الأدبية، أو شراء ذمة المثقف، أو إفساد الذمم، وكشف الوقائع بعد انهيار النظام الدكتاتوري، وقديماً كان الحديث مطولاً عن أمير اسكندر والمبلغ الذي حصل عليه من ” قائداً ومفكراً ومناضلاَ ” وتوفيق صالح ” والأيام الطويلة ” فإن اموراً وحقائقاً بهذا الصدد مازالت مخفية وقد تظهر حولها ارتباط اسماء عربية أدبية مشهورة في العديد من البلدان كانت ترتشي أو تمنح لها هدايا لشراء ذممها الرخيصة أو لديها رواتب يقدمها النظام الدكتاتوري لها.

 

الجميع يعرف أن صدام حسين رجل أراد الحصول على كل شيء فحقق الكثير من رغباته بواسطة الحزب والسلطة والأمريكان، والجميع يدرك أن هذا الرجل ليس له علاقة بالأدب كأديب وإنما علاقته عدم ترك هذه الساحة لأسماء يستطيع اخضاعها واستغلالها بسبب فساد النفوس بالمال.. والجميع يعرف لماذا لم يضع اسمه على الروايتين بشكل علني لكي يثير هذه الزوبعة الإعلامية خادعاً جميع الذين كتبوا حوله أو حول هذين العملين فأوقعهم بمصيدة العمل من أجل شهرته في هذا المجال بدون ان يدفع لهم فلساً واحداً.. فهنيئاً لهم.

 

ومع هذا يجب علينا أن ندقق بما يكتب عن بعض الأسماء الأدبية والحرص على توخي اليقضة والحذر بعدما أوقع هذا الموضوع البعض في مطبة خدمة الطاغية وليس العكس، كما علينا البحث وبخاصة بما صدر في الآونة الأخيرة حول الكاتب المصري جمال الغيطاني، وبالرغم من أننا نعرف روايته ” حراس البوابة الشرقية” وكأن أيران هي التي بدات الحرب على العراق في 22 / أيلول / 1980، وإشادته بالجيش العراقي في حماية هذه البوابة والجميع يعرف ماذا فعل البعض من هذا الجيش في المحمرة وغيرها من المناطق العربية التي احتلها “ولا نعرف هل كان احتلال الكويت دفاعاً عن البوابة الجنوبية ؟ وأن الكويتين ليسوا بالعرب؟”

 

وعلى الرغم من أن جمال الغيطاني أنكر التهمة ونفاها جملة وتفصيلاً وقال عنها في تصريحاته لإيلاف ” إنها محط افتراءات تمثل مرحلة جديدة في تشويه المثقفين المصريين والعرب الذين رفضوا الحرب… الخ”

 

هذه التي تقول أن جمال الغيطاني هو الكاتب الحقيقي” لزبيبة والملك” يبقى السؤال يطرح نفسه..

 

هل حقاً أنه تشويه للمثقفين المصريين والعرب الذين رفضوا الحرب على العراق؟

 

مع العلم أن اكثرية المثقفين العراقيين والكثيرين من العرب لم يرفضوا الحرب بل كانوا ضدها بما تحمله من فواجع وكوارث إضافة إلى الإحتلال.. وهل رفض الحرب على العراق يشوه بأساليب شريرة تستغل للتشويه ؟ ولماذا لم تتهم أسماء ادبية كبيرة بهذه الإتهامات مع العلم أنهم كانوا ضد الحرب.. وماذا نقول عن المسيرات والمظاهرات والإحتجاجات التي تقدر بمئات الآلاف التي وقفت ضد الحرب؟ وكانت في الوقت نفسه تحمل شعارات ضد الدكتاتورية في العراق ” لا للحرب..لا للدكتاتورية ”

 

لن نتهم الأخ جمال الغيطاني أو غيره إذا لم تكن هناك قضايا مادية وحقائق لا يمكن أن تطمس إلى الأبد..

 

لكن ألا يعتقد الأخ جمال الغيطاني أن هناك من باع ضميره وثقافته بدراهم معدودات مفضلاً الظلم والدكتاتورية على الحرية والديمقراطية؟ وهل يعتقد جمال الغيطاني بما كانت تدعيه الدكتاتورية وصدام من مواقف قومية أو إيمانية أو معادية للإمبريالية؟

 

أليس الذي فعله النظام طوال تواجده كان ضد القومية وضد القضية الفلسطينية بالذات مهما أدعى ” عاشت فلسطين حرة أبية ” وخدمة للصهيونية والإمبريالية؟

 

أن الحرب لها لغتها ومفرداتها واهدافها ولا يمكن أن يقف معها إلا الذين لهم مصالحهم الخاصة النفعية فيها، ونحن هنا نميز الذين يقفون ضد الحرب على العراق لكن هدفهم هو الإبقاء على تسلط الدكتاتورية على رقاب الشعب، ونميز الذين يقفون مع الحرب على العراق بدافع احتلاله وهم عملاء مأجورين مهما حاولوا تغطية ذلك بدكتاتورية صدام وجرائمه، واننا نميز ايضاً أن الذين وقفوا قبل الحرب الأخيرة بزمن بعيد لا بل قبل قيام الحروب ضد تسلط الدكتاتورية والعقلية الميكافيلية التآمرية، ووقفوا ضد الحروب التي شنتها الدكتاتورية ضد الشعب الكردي او في الجنوب او على إيران والكويت، وهؤلاء وقفوا ويقفون ضد احتلال العراق لا من أجل سواد عيون صدام ونظامه المقيت لكن من اجل هذا الوطن واستقلاله ومن أجل هذا الشعب وحريته.

 

أما اليوم وقد حصل ما حصل فعلينا أن نفكر لا على طريقة أبقاء الإحتلال إلى الأبد تحت حجة الصداقة العراقية الأمريكية والإعتراف بالجميل، ولا على تنصيب من تريدهم الولايات المتحدة الأمريكية، بل عن طريقة ايجاد الحل الوطني بحكومة وطنية منتخبة وبتعددية في الحياة السياسية وبرلمان يمثل الشعب بجميع طبقاته وفئاته وقومياته واتجاهاته الفكرية والايديولوجية، وبحرية وديمقراطية لجميع الذين يريدون للعراق وشعبه الخير والتطور والأمان، وليس على طريقة الشعار المذل والمبتذل ” بالروح بالدم ” الذي رفع رأسه مؤخراً مرحباً بمعارض كان ضد هذا الشعار وصاحبه القديم، أو حكم طائفي يفرق الشعب او حكم ديمقراطي شكلاً جوهره دكتاتوري، ولا نريد من الذين ارتشوا وكتبوا خلافاً للواقع والحقيقة سوى وقوفهم مع ذاتهم ومراجعة مواقفهم التي كانت تصب في مجرى البقاء على الإرهاب والدكتاتورية.

 

واليوم لا يهم من كتب “زبيبة والملك ” أو ” القلعة الحصينة ” أو الكذب وتزوير التاريخ على طريقة ” صدام قائداً ومفكراً ومناضلاً ، وفلم الأيام الطويلة.. أو الدفاع عن البوابة الشرقية ” لأن التغيير حصل وهو تغيير كان من المفروض أن يكون بيد الشعب الذي ابتلى وما زال مبتلي ببعض القوى التي كانت تسمي نفسها معارضة واليوم هدفها السلطة لتحتل مكان الدكتاتورية.

 

بقى لنا أن نعتب على الذين يلصقون كلمة ” يسار وعلامة تعجب على أسماء كان يقال عنها أو تقول عن نفسها يسارية ” وهم يذكرون هذا الأسم أو ذاك بتعاونهم مع الدكتاتورية أو مع الأنظمة الشمولية ، فمن حق كل شخص ان يقول عن نفسه أنه يساري وأنه يميني أو شيوعي أو ديمقراطي أو قومي، أو اسلامي، أو مستقل أو معتدل الآراء، أو من الحياد الإيجابي، هذا الحق الشخصي لا يمكن تعميمه بشكل صحيح على أساس المسلمات الأولية إلا من خلال الموقف الآني المتخذ من الظواهر المستجدة والمعلنة التي يتعامل معها أي شخص من هؤلاء.. ومن هنا نستطيع أن نحدد الإتجاهات الفكرية للأشخاص وإنتماءاتهم السياسية.

 

وإذا كان البعض يعتقد من خلال لعبة يختفي خلفها غرض جاهز باطلاق الصفة على الأسم لأنه كان في يوماً ما يمثل كذا إتجاه ويبقون على الوتيرة نفسها بدون رؤية المستجدات على مواقفهم .. فإنهم يقعون في خطأ عدم المعرفة بجوهر التغيرات التي تجري من حولنا وحولهم.. ويقعون في استتاجات تظهرهم وكأنهم أغبياء أو معادين لإتجاه فكري بدون حق، فكم من يسارين ثورين استقطبوا بواسطة شراء الذمم فلم يبق من يساريتهم إلا الاسم القديم، وكم من يمينين تحولوا بفعل ادراك الحقيقة وتعميق الوعي وزيادة المعارف إلى صف اليسار إذا كان المقصود باليسار التقدم أو التقدمية، لهذا يشير الفلاسفة والمفكرين على ” أن التغيير حصيلة تفاعل الأشياء”.

 

 

 

إيلاف – لجمعة 16 مايو 2003

+++++++++++++++++++++++

وليد العاني

 

جمال الغيطاني من أصحاب السوابق!!

 

ورواية ( حراس البوابة الشرقية ) دليل مادي بإدانته كمجرم حرب

 

 

 

 

 

في الخامس عشر من مايو، وفي موقع جريدة (إيلاف) الإليكترونية، نشر نبيل شرف الدين من القاهرة نفي الروائي جمال الغيطاني عن دوره بكتابة روايات الرئيس العراقي السابق صدام، وفقاً لما ورد في مقال نشر في الموقع الثقافي (الإمبراطور) على شبكة الأنترنت، ومؤكداً لجوئه للسلطات ورفع دعوى قضائية برفع بحق الشاعر والروائي العراقي أسعد الجبوري صاحب الموقع المذكور، لنشره موضوعاُ لكاتب من الأردن يتعلق برواية ((زبيبة والملك)) والتي أكد فيها كاتب المقال المذكور كون الغيطاني هو مؤلف تلك الرواية، وذلك بالاعتماد على مصادر مقربة جداً من عدي صدام الذي كان مسؤولاً عن الصحافة والأدب.

 

هنا نقول: أن المادة التي قام الموقع بنشرها، هي مادة أدبية بحتة، ولا تتعلق بالقدح أو التشهير الأخلاقي. وبالتالي فمن حق المشار إليه نفي تلك المعلومة، والبحث عما وراء التسريبات التي يقوم بها القدامى من أصحاب الشأن الثقافي في العراق!! خاصة وإن شاعر (أم المعارك) رعد بندر يفاوض بعض الأطراف السياسية على تأمين طريق الهرب عبر حدود العراق – الأردن، مقابل تسليم أكوام من الوثائق الخاصة بالشأن الثقافي خلال أكثر من ربع قرن من حكم صدام!!

 

أما بالنسبة للتهمة التي حاول الغيطاني لصقها بالشاعر الجبوري، بسبب نشره لتلك المقالة، فهي من العيارات النارية التي عادة ما يتم استخدامها لأغراض التهويش والتخويف. وتثير السخرية حقاً. وألا فكيف يعتبر نشر تلك المقالة (بداية حملة مشبوهة ضد المثقفين الذين رفضوا الغزو الأمريكي البريطاني للعراق !!)

 

وأمام تهمة بلهاء مثل التي أطلقها الغيطاني، لابد من فتح سجلات، ومنها ملفه الشخصي ككاتب ارتبط اسمه بأقذر حرب للإبادة الشاملة، ألا وهي حرب الخليج الأولى. وهنا نسأل: من هم المثقفون العرب الذين رفضوا الغزو الأمريكي البريطاني قبل رفض الكتّاب والأدباء العراقيين وإدانته؟!

 

وللعلم، فان الغزو الأمريكي لبلادنا ليس جديداً كما يعتقد الغيطاني، إنما يمتد إلى حقبة الثمانينات، أيام كنا تحت جنازير الدبابات في القادسية الشؤم، حيث كانت طواحين الدم تدور في جبهات الموت العراقي – الإيراني. فيما كان الغيطاني نفسه جندياً في إدارة التوجيه المعنوي العراقية في فندق بغداد، يأكل السمك المسقوف و يكتب الملاحم الروائية والمقالات عن فرسان القادسية وبطلها التاريخي صدام حسين!

 

وثانيا.. وفيما كان كتاب العراق ونجوم آدابه وفنونه وصحافته، في قوافل التهجير والتعتيم والسجن والشتات، ولا يملكون الأوراق التي تثبت شخصياتهم عبر حدود العالم، رأينا العراق تتحول من أرض الحضارات إلى رقعة شطرنج، يتقاطر نحوها الدواب من الثعالب والجنود وسقط المتاع، وحتى الامتلاء بباعة الخناجر وخردة الكلمات وثقافة نواب الضباط، ممن فاضت الأمية بهم، لتتحول البلاد إلى علبة لسردين العائلة وخدمها فقط.

 

أين كان الغيطاني من تلك الحالة؟

 

هل يفخر بنفسه كراوي لطواحين الدم وشلالاته، وممجداً القتل والموت والدمار في رواية ((حراس البوابة الشرقية))؟ أم كان يعد نفسه أراجوزاً لتسلية غلمان السلطة في أوقات غياب ربّ علبة السردين صدام حسين؟!!

 

هنا.. نذكر الغيطاني – وقد لا يحتاج حتى إلى مثل موعظة التذكير هذه – عن مصير الأدباء والكتّاب، ممن ساندوا هتلر في حقبته النازية؟

 

ألم يحاكموا؟ ألم تذهب بهم كتاباتهم إلى المشانق، مثل قادة تلك الجيوش االذين نالوا العقاب في ساحات الإعدام ، بحيث كانت العقوبة شبه متعادلة ما بين من يقتل الآخر بالرصاص، وبين من يحرض على الموت المجاني تحت راية الرايخ الدموية؟!!

 

الغيطاني في العراق.. حرض رئيساً هو بالأساس من المصابين بهوس القتل. حرضه بامتياز. أو قدم له ما يبرر له شن تلك الحرب. ومن هنا.. يكون الحق لكل من فقد شهيداً من أهل العراق وإيران على حد سواء في حرب الخليج الأولى، مقاضاة الغيطاني، باعتباره كاتب محرض ومساند في أدبه لقائد القوات المسلحة صدام حسين!!

 

تهمة جرائم الحرب هنا، لا تنطبق على القاتل الذي يستعمل السلاح وحسب، بل إن الجريمة تشمل التحريض، كسلاح يقود إلى ارتكاب أعمال العنف والمجازر. والغيطاني متهم. وأهل الضحايا، وهم أكثر من مليوني قتيلاً، لديهم في رواية ((حراس البوابة الشرقية)) الدليل المادي لإنجاز التهمة وما يترتب عليها من استحقاقات في العقاب. هل في هذا ما يلومنا الغيطاني عليه؟ أم أن كتابة الروايات لعب أولاد. كل واحد يكتب رواية أو قصيد، فيقبض مالاً، ثم يدير ظهره ويختفي عن المسرح؟!!

 

قد يقول الغيطاني بأنه متعاطف مع صدام. يحبه. وهذا ما لا نعترض عليه، فيما لو كان صدام شخصاً عادياً بلا سلطة. فمن حقه أيضاً، أن يضعه في حضنه ويعتبره مشاعاً لهواه ورغباته. لكن الأمر يختلف هنا. فمحبوب الغيطاني رئيس دولة العظام. للعراقي الحق في معارضته مقاتلته.

 

إن مصر لو ذهبت منساقة وراء أهواء صدام وأفلامه الطويلة، لباع كل مصري ما كان يستر به جسده من ثياب، ودون أن يشهد نهاية لحروب البهلوان العسكري بخواتم الهزائم الدائمة.

 

لكن مصر، أذكى من أن يجرها مهووس دعي وفاشي مراوغ مثل صدام أو طبوله القابضة في القاهرة إلى تلك المستنقعات الدموية. فقد حافظت على البلاد والعباد من رياح خماسين الدم المجاني، لتترك صدام جرذاً يلوذ في جحر تحت الأرض، وتلك نهاية طبيعية لطغاة الاستبداد والمرضى بنزعات القتل والعنف والتخريب.

 

ثم لا أدري كيف يعتقد الغيطاني بأن ما نشر ضده، يعتبر بداية حملة مشبوهة ضد المثقفين الذين أدانوا الغزو الأمريكي البريطاني للعراق؟ فهل قاتل هو ومؤذن صدام مصطفى بكري الغزاة على أبواب البصرة؟ أم أهلنا هم من فعلوا ذلك لمدة أسبوع، فيما سلم صدام البهلوان البوابة الشرقية والغربية والجنوبية والشمالية مفاتيح بغداد للأمريكان في غضون ساعات، أعتبر سقوط مخيم جنين الفلسطيني أمامها أسطورة؟ لذلك.. فوقفة الغيطاني مع صدام في حربه الخليج الأولى، هي وقفة مع أمريكا باعتراف الجميع.

 

إما التلويح باللجوء إلى القضاء والأمن ضد الشاعر العراقي أسعد الجبوري، فهو أمر يراد منه قطع الطريق على ما سيأتي من فضائح لاحقة. وربما الغيطاني ليس وحده يخشى من العار الآتي. فالرياح القادمة من العراق، ما تزال تكنس الفظائع تلو الفظائع، لتؤكد كم كان قائد ((حراس البوابة الشرقية)) مهولاً في القتل والعنف والإرهاب وحاكماً موحداً لشعبه في أكياس العظام.

 

المفاجأة المدهشة هنا .. أن الغيطاني وبدلاً من أن يطالب بمحاكمة رئيس النظام صدام على فظاعة جرائمه بحق القتلى المصريين ممن تقاسموا الموت مع اخوتهم العراقيين في المقابر الجماعية، فضل رفع دعوى ضد موقع أدبي!

 

قد يكون للغيطاني دور سياسي أو فلسفة لتبرير مواقفه؟

 

لكننا لا نجد في ذلك إلا الوقاحة. الاستهتار بالأرواح الآدمية. التمتع بالمال الحرام. تكتيم للأصوات المناهضة للفاشية الجديدة، وتعتيم على جرائم لا يوجد في التاريخ ما يماثلها. ترى أين صوت مصطفى بكري مؤذن صدام وحرافيش النفط من جريمة قتل المصريين؟

 

إلا يستحق هؤلاء ندوةً أو مؤتمراً نسمع فيه ولو خيط نواح عن جرائم صدام بحق أبناء جلدته من أهل النيل؟

 

وهل المقابر الجماعية وإعدام الناس بواسطة ربطهم بكتل الديناميت كوميديا؟!!

 

ماذا يفهم محمد صبحي من وراء تلك الرقة التي وصف بها الطاغية صدام؟

 

أم أن المهرج ضرب هو الآخر ضربته من النفط، وهرب مثله مثل سقط متاع النفاية السياسية معن بشور في لبنان؟!!

 

لقد بات الكل سيوفاً مشرعة ضد معارضي الإبادة الشاملة، بدءاً بالمهرجين وباعة الضمائر، وليس انتهاء برغدة التي هددت بتمزيق جنسيتيها السورية والمصرية معاً، بعدما أخذتها العزة والحماس بحب الجنس العراقي، ولكثرة إعجابها بالجنسية الملونة التي وعدها بها صدام أثناء السهرة العائلية في قصر من قصوره!!

 

ما أكبر حاجة العراقيين إلى محكمة عدل أدبية، لمقاضاة كل من شارك بقتلنا وجلدنا ونفينا وتحطيمنا على مدار أكثر من ثلاثين سنة من الإبادة الشاملة. من التهم الزائفة. من الملاحقات عبر الحدود. لم نعد نحتاج إلى معلمين في الأدب والسياسة والوطنيات. ولا نريد أن نغمد رؤوسنا في الرمال إلى الأبد، فنترك المرتزقة من شعراء ونفايات أحزاب ورقاصات ورقاصين، يتمتعون بسحت النفط الحرام، فيما الملايين من العراقيين تشرب الماء الخابط بديدانه، وهم لا يعلمون بدخول العالم عصر الألفية الثالثة؟!!

 

كيف يؤتمن على كاتب شارك في جريمة حرب، أن يستمر مسؤولاً ثقافياً في جريدة أسبوعية مثل ((أخبار الأدب)) في بلد عريق كمصر؟!

 

وما التنسيق الذي تقوم به بثينة الناصري المقربة من أعمدة النظام البائد مع بعض رموز النصب والاحتيال القومي في القاهرة راهناً ؟!!

 

لن نقتل الأسئلة ونعتذر من ((الكبار)) دون مسائلتهم؟

 

وفضح الرموز شأن يساعدنا على التخلص من الملوثات وطغيان مريدي دولة العظام.

 

وتسقط أمريكا.

 

الإمبراطـور – 21-05-2003

´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´

 

الآداب تضامنا / مثقفون عرب يتضامنون / الغيطاني يقاضـي

 

 

«الآداب»… تضامناً مع جمال الغيطاني

الغيطاني يقاضي موقعا إنترنتيا اتهمه بأنه كاتب رواية صدام «زبيبة والملك»

مثقفون يتضامنون مع كاتب مصري تعرض للهجوم بعد سقوط صدام

مثقفون عرب يتضامنون مع جمال الغيطاني المتهم بكتابة رواية لصدام حسين

 

 

 

“الآداب”… تضامناً مع جمال الغيطاني

 

 

 

اصدرت مجلة “الآداب” بياناً اعلنت فيه تضامنها مع الروائي المصري جمال الغيطاني، ووقّع البيان عدد من الكتّاب العرب، وجاء في البيان: “عرف العالم العربي قبل سقوط بغداد اجتهادات فكرية لا تميّز الاحتلال من التحرير، ولا الديموقراطية من الإخضاع. وشهد بعد سقوط بغداد تنديداً بالعروبة في مختلف وجوهها، وخلطاً لازماً لا فكاك فيه بين الوحدة العربية والديكتاتورية. بل أرجع بعض المثقفين كلّ تطلّع وحدوي عربي الى موروث متخلف بائد، مسوّغين السيطرة الأميركية على العراق وغير العراق.

 

في هذا السياق انطلقت حملة من التشهير والذم والاتهامات البذيئة ضد الروائي والمثقف المصري العربي جمال الغيطاني، الذي اختار ان يدافع عن الهوية العربية وأن يلتزم أخلاقية الكتابة. ولا يخفى على احد ان اصوات النميمة والتزوير تتهم في الغيطاني التزامه ذاك، الذي يتضمن العراق وفلسطين ويتجاوزهما، وتستنكر فيه رفضه للتبشير الكاذب وتشويه الحقائق. إننا ككتّاب عرب نشجب الحملة التي يتعرض لها جمال الغيطاني، ونرفض مبدأ الاتهام الذي لا يأتلف مع القيم الثقافية بل يقمع حرية الرأي بالنميمة والتشويه، مدركين ان الدفاع عن الغيطاني دفاع ضروري عن الثقافة الوطنية العربية التي اسهم هذا الكاتب في إثرائها وتطويرها”. ومن الموقعين: سهيل ادريس، عبد الرحمن منيف، فيصل درّاج، سماح ادريس، يمنى العيد، محمد دكروب، محمد جمال باروت، نبيل سليمان، عبد الرزاق عيد، بطرس الحلاق، نهاد سيريس.

 

لتواقيع اضافية او لبحث هذه المسألة:

 

http://fr.f416.mail.yahoo.com/ym/Compose?To=d_aladab@cyberia.net.lb

 

 

“الغيطاني يقاضي موقعا إنترنتيا اتهمه بأنه كاتب رواية صدام «زبيبة والملك»”

 

 

 

قال الاديب المصري المعروف جمال الغيطاني انه سيرفع دعوى قضائية ضد موقع على شبكة الانترنت زعم انه كاتب رواية الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين «زبيبة والملك». واضاف الغيطاني في اتصال هاتفي اجرته معه «الشرق الأوسط» انه ابلغ السلطات الامنية المصرية للتصدي لمثل هذه الافتراءات التي تستهدف تشويه ابداعه وإلصاق التهم به. واشار الى انه لم يذهب الى العراق منذ عام 1989 . وفي مقال نشره موقع «الامبراطور» على شبكة الانترنت في الدنمارك نسب الى شاعر عراقي ان مندوب العراق الدائم لدى الجامعة العربية نقل رسالة من القصر الجمهوري في بغداد الى جمال الغيطاني كانت مختومة بالشمع الاحمر وتحتوي «خربشات» لفكرة قصة اراد صدام تحويلها الى رواية.

 

المصدر: الشرق الاوسط – (2003/05/15)

 

مثقفون يتضامنون مع كاتب مصري تعرض للهجوم بعد سقوط صدام

 

اعرب يوم الثلاثاء عدد من المثقفين العرب من بينهم نجيب محفوظ الحائز علي جائزة نوبل في الاداب عن تضامنهم مع الروائي المصري جمال الغيطاني منددين بما وجهته اليه بعض مواقع الانترنت “من تشهير وذم واتهامات بذيئة.”

 

وتعرض الغيطاني في الفترة الاخيرة ومنذ سقوط بغداد في ايدي القوات الامريكية يوم ٩ ابريل نيسان الماضي لاتهامات وجهها اليه بعض الكتاب العراقيين عبر الانترنت من بينها انه كتب رواية الرئيس العراقي صدام حسين وعنوانها (زبيبة والملك).

 

وقال الغيطاني يوم الثلاثاء لرويترز ان “هذه الحملة المنسقة التي شارك فيها بعض المصريين ايضا تهدف الى تصفية الحسابات معي بسبب موقفي المبدئي الرافض للحرب التي شنتها امريكا وبريطانيا على العراق وانتهت باحتلال البلد الشقيق.”

 

ومن بين الذين وقعوا بيان التضامن نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وفيصل دراج وسهيل وسماح ادريس ويمنى العيد ونبيل سليمان.

 

واشار البيان الى ان العالم العربي شهد بعد سقوط بغداد “تنديدا بالعروبة وخلطا لازما لا فكاك فيه بين الوحدة العربية والدكتاتورية بل ارجع بعض المثقفين كل تطلع وحدوي عربي الى موروث متخلف بائد مسوغين السيطرة الامريكية على العراق وغير العراق.”

 

وقال البيان انه في هذا السياق ” انطلقت حملة من التشهير والذم والاتهامات البذيئة” ضد الغيطاني.

 

وعزا البيان ذلك الى ما قال انه اختيار الغيطاني”ان يدافع عن الهوية العربية وان يلتزم باخلاقيات الكتابة.”

 

واصدر الفرع المصري لنادي القلم الدولي بيانا استنكر فيه “كل محاولات التشويه والنيل من الادباء والمثقفين ” مشيرا الى تصاعد هذه الحملة مع “تصاعد

 

الحملة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة.”

 

القاهرة – رويترز – 27.05.2003

 

مثقفون عرب يتضامنون مع جمال الغيطاني المتهم بكتابة رواية لصدام حسين

 

 

 

القاهرة: اصدر مثقفون وكتاب عرب بيانا تضامنيا مع الروائي المصري جمال الغيطاني الذي اتهمه موقع على شبكة انترنت بكتابة رواية الرئيس العراقي السابق صدام حسين “زبيبة والملك”.

 

وتضمن البيان الذي تلقت وكالة فرانس برس في القاهرة نسخة منه “اننا ككتاب عرب نشجب الحملة التي يتعرض لها الروائي جمال الغيطاني، ونرفض مبدأ الاتهام الذي لا يتوافق مع القيم الثقافية”.

 

واكد البيان ان “الدفاع عن الغيطاني وعن حريته في التعبير دفاع ضروري عن الثقافة العربية التي اسهم هذا الكاتب في اثرائها وتطويرها”.

 

واستنكر البيان “حملة التشهير والذم والاتهامات البذيئة” ضد الغيطاني. وحمل البيان تواقيع عدد من المثقفين العرب بينهم اللبنانيون سهيل ادريس وسماح ادريس ويمنى العيد ومحمد دكروب والسوريون جمال باروت ونبيل سليمان وعبد الرزاق عيد ونهاد سريس.

 

وفي اتصال هاتفي مع الروائي الغيطاني اكد ان البيان تم توقيعه ايضا من قبل عدد من المثقفين المصريين ابرزهم “الروائي المصري الحائز جائزة نوبل للاداب العام 1988 نجيب محفوظ والروائيون يوسف القعيد ومحمد البساطي وعزت القمحاوي اضافة الى المفكر محمود امين العالم واستاذة الادب العربي في الجامعة الاميركية فريال غزول واخرين”.

 

وكان موقع على شبكة الانترنت اسمه “الامبراطور” نشر مقالة اتهم فيها الروائي المصري بكتابة رواية “زبيبة والملك” التي نشرت في بغداد قبل عامين في بغداد على انها من تأليف صدام حسين.

 

(أ ف ب)

 

الثلاثاء 27 مايو 2003

 

عن: الإمبراطـور

+++++++++++++++++++++

د. احسان طرابلسي (كاتب لبناني)

 

الغيطاني و”الزبيبة” والقاضي

 

 

 

 

 

 

 

الضجة التي أثارها جمال الغيطاني حول براءته من كتابة رواية (زبيبة والملك) لصالح فرعون العراق المقبور، والتي دافع عنها عبده وازن قبل أيام، وتضامن معها مجموعة من المثقفين العرب، ومجلة “الآداب” البيروتية، تبدو غريبة، ونافرة، وتستدعي التوقف عندها في هذه الأيام، بعد سقوط الأصنام، وبدء تساقط عبدة وسدنة وكهنة هذه الأصنام كذلك.

 

فقد قالت مجلة “الآداب” البيروتية المعروفة بولائها السابق لنظام فرعون المقبور، والتي لم توجه كلمة نقد واحدة ضد نظام الديكتاتور المقبور طيلة عشرين سنة ماضية، وهو النظام الذي كان يشترى نسخاً كثيرة من أعداد المجلة، ويدعم اصدارات “دار الآداب”، قالت المجلة: “عرف العالم العربي قبل سقوط بغداد اجتهادات فكرية لا تميّز الاحتلال من التحرير، ولا الديموقراطية من الإخضاع. وشهد بعد سقوط بغداد تنديداً بالعروبة في مختلف وجوهها، وخلطاً لازماً لا فكاك فيه بين الوحدة العربية والديكتاتورية. بل أرجع بعض المثقفين كلّ تطلّع وحدوي عربي الى موروث متخلف بائد، مسوّغين السيطرة الأميركية على العراق وغير العراق”.

 

فلماذا هذا التكالب والحرص والتفاني كله غير المسبوق للدفاع عن الغيطاني الذي لم يكن أول من اتهم بالكتابة للآخرين، ولن يكون آخرهم في ظل فساد الثقافة العربية، وفساد وارتزاق بعض المثقفين العرب الذين يتزاحمون دائماً على أبواب السلاطين طلباً للعطايا والهدايا؟

 

فلقد اتهم عدد من المثقفين العرب في الماضي بالكتابة للآخرين، ولم يتحرك أحد من المثقفين المحترمين للتضامن مع هؤلاء المتهمين بالكتابة لحساب الآخرين، كما تحرك السادة المثقفون في هذه الأيام لنصرة الغيطاني.

 

فما هي الأسباب يا ترى؟

 

هل هو استباق لدفع ما هو قادم ومخفي وأعظم مما يقال عن كشف لقوائم طويلة لأسماء السادة المثقفين العرب من كتاب ومعلقين وصحافيين، ممن كانوا ينعمون بعطايا ومطايا وهدايا الفرعون المقبور في العالم العربي ولندن؟

 

أم أن السادة المثقفين العرب ما زالوا متعلقين بظل ورمز القائد الرائد صدام حسين والذي وصفه بعضهم بعد سقوطه وقبره، بأنه “الشهيد والرمز” كما قال الكاتب المتأسلم ابراهيم العجلوني في صحيفة “الرأي” الأردنية إثر سقوط فرعون؟

 

لقد سبق أن اتهم بعض الكتاب والشعراء بالكتابة للآخرين، وصدرت بحق هؤلاء كتب ودراسات، فلم يتحرك ساكن للمثقفين العرب، ولم يدافع عنهم أحد من السادة المثقفين، ولم يتضامن معهم أحد كما تضامنوا هذه المرة مع الغيطاني.

 

فقد اتهم نزار قباني من قبل، بأنه كان يكتب كثيراً من الأشعار للشاعرة الكويتية سعاد الصباح. وتبني هذه الحملة الكاتب والصحافي اللبناني المعروف جهاد فاضل، وأصدر كتاباً من القاهرة بهذا الخصوص تحت عنوان (فتافيت شاعر) فلم يتحرك أحد للتضامن مع نزار قباني، ولم يتصد “القاضي الثقافي” عبده وازن أو غيره للحكم بهذه القضية وتبرئة نزار قباني كما يفعلون الآن مع الغيطاني.

 

واتهم الشاعر العراقي سعدي يوسف بأنه هو كاتب رواية الكاتبة الجزائرية أحلام مستغماتي (ذاكرة الجسد) فلم يتحرك أحد من السادة المثقفين للتضامن مع سعدي يوسف، أو الدفاع عنه، ولزم “القضاة” و “الحُماة” الصمت .

 

واليوم تقوم الدنيا ولا تقعد على اتهام الغيطاني بأنه كاتب رواية (زبيبة والملك) التي نسبت لمقبور العراق.

 

لقد حاول عبده وازن بفهلوته اللبنانية المشهورة أن يُنصّب نفسه “قاضياً ثقافياً” للحكم النهائي في قضية الغيطاني وروايات فرعون، وأن يثبت بأن الغيطاني ليس كاتب هذه “الرواية” عندما قال بأن هذه الرواية ركيكة، ولا يمكن أن يكون كاتبها هو الروائي المجيد الغيطاني. وفات على القاضي وازن أن الغيطاني سيكون أهبل وعبيطاً لو كتب رواية (زبيبة والملك) باللغة وبالأسلوب وبالبناء نفسه الذي كتب رواياته الأخرى كـ “الزيني بركات” و “وقائع حارة الزعفراني” و “رسالة البصائر في المصائر” وغيرها.

 

وهل بلغت “العباطة” حداً بالغيطاني – وهو المصري الصعيدي الذكي والفصيح – لكي يكتب رواية تنسب إلى صدام حسين بلغة وأسلوب روايات الغيطاني لكي يُقبض على الغيطاني في يوم من الأيام بالجرم المشهود، والغيطاني يدرك أن هذا اليوم المشهود لنهاية الفرعون العراقي آتٍ لا ريب فيه. وأن كتابه (زبيبة والملك) بأسلوب الغيطاني المعتاد هو الحبل الثقافي الذي سيلتف حول رقبة الغيطاني في يوم من الأيام؟!

 

لقد قال “القاضي الثقافي” عبده وازن في حثيثات تبرئته للغيطاني “إن أدب جمال الغيطاني كفيل بدحض هذا الاتهام. فالرواية (زبيبة والملك) الكلاسيكية البناء واللغة، غاية في الركاكة والضعف. وقد أضفى البعد الترميزي عليها طابعاً “أخلاقياً” و”وطنياً” يتجلّى في النقاشات المضحكة التي تدور بين “زبيبة” وهي امرأة من عامّة الشعب و”الملك” حول مفاهيم نافرة: كالوطن والوطنية وأطماع الأعداء وانفتاح السلطة على الشعب وسواها…”

 

ولكن فات على “القاضي” عبده وازن أن الغيطاني أذكى مما يتصور وازن. وأن الغيطاني الذي كان صديقاً حميماً للنظام العراقي المقبور كان يحسب حساباته جيداً، ولم يدع في الصفقة مجالاً للشك أو الريبة. والدليل إن هذه التفاصيل الدقيقة بالأسماء والوقائع التي وردت في اتهام الغيطاني من خلال موقع “الامبراطور” الاليكتروني لم تأت من فراغ. فلا دخان دون نار. وما هي مصلحة المتهمين لاتهام الغيطاني بالذات دون بقية المثقفين المصريين الكثر الذين كانوا يتقاطرون زرافات ووحدانا على عراق الفرعون ويقدمون له قرابين الولاء والطاعة كما كانوا يقدمون لفراعين مصر السابقين واللاحقين من آلاف السنين وحتى الآن. (…)

 

إن ما ينفي تهمة الغيطاني بالفساد الثقافي، ويضع الأمور في نصابها السليم، تشكيل لجنة من النقاد العرب المحترمين والشرفاء للبت في هذه القضية وقضايا أخرى مشابهة، ولتكن هذه اللجنة بمثابة “محكمة ثقافية” أهلية تبتُّ بمثل هذه القضايا، ولا تترك هذه القضايا للفزعات الأخوية، والنجدات القبلية، واصحاب المصالح المشتركة من شِلل وعُصب المثقفين.

 

الخميس 29 مايو 2003

 

´´´´´´´´´´´´´´´

عبده وازن

 

ملفات وفضائح

 

 

 

 

 

الملفات الثقافية “السرية” التي يزعم بعض المثقفين العراقيين (والعرب) ان حزب البعث تركها وراءه بعد سقوط “الديكتاتور”، تحوّلت ما يشبه “الزيت” الذي يحتاج اليه هؤلاء ليصبّوه على نار حروبهم الأهلية والعربية، “الباردة” والمستعرة في أحيان. ويزعم هؤلاء أن الملفات البعثية تحوي الكثير من الفضائح التي ستشمل – إن هي كُشِفت – الكثير من الأسماء التي انتفعت من نظام صدام حسين وأدّت له خدمات “جليلة” وربما وظائف غير “نظيفة”.

 

يبالغ حتماً هؤلاء المثقفون في كلامهم “التهويلي” ووعيدهم وفي مواقفهم “البطولية” والفضائحية التي لا تخلو من بعض الانتقام والتشفّي والناجمة عموماً عن حجم الضغينة التي يكنّونها للنظام الديكتاتوري الذي نفاهم وشرّدهم وجوّعهم… فمثقفو الداخل العراقي الذين تعاملوا مع النظام وكانوا خداماً له هم معروفون جيداً ويستطيع أيّ عراقي منفيّ أن يسمّيهم وخصوصاً الأشخاص البارزين منهم الذين جاهروا بولائهم وأغدقوا مدائحهم علانية وليس في السرّ. وقد توارى بعض هؤلاء بعد سقوط النظام لا خوفاً من الاحتلال الأميركي ولائحته وإنّما خجلاً من ماضيهم القريب ومواقفهم غير الحميدة. أما المثقفون العراقيون الذين زرعهم النظام في المنافي – كما يزعم البعض أيضاً – فلا أحد يعلم إن كانوا عملاء حقاً أم أنهم متهمون – مجرّد متهمين – من غير إدانة، ناهيك بالمثقفين الذين كانوا موظفين في سفارات النظام ومراكزه الثقافية وبعضهم معروف بالإسم والوظيفة…

 

إلا أنّ قضية المثقفين العرب المتّهمين بنزعتهم الصدامية وهواهم البعثي العراقي وتعاملهم مع النظام، تختلف عن قضية زملائهم العراقيين. ومعظم المثقفين العرب هؤلاء معروفون أيضاً أو شبه معروفين، وأسماؤهم لا تحتاج الى لوائح ولا الى فضائح… ومَن زار بغداد البعثية يعلم جيداً كيف كان النظام يكرّمهم ويهيل عليهم الهدايا وينعم عليهم بالجوائز والأموال… وكان هؤلاء يتنعّمون علناً في الفنادق الفخمة والسيارات الحديثة والمطاعم فيما كان المثقفون العراقيون المنفيون يعانون الفقر المدقع والجوع والتشرد في العواصم العربية والعالمية.

 

قد تستحق حفنة من المثقفين العرب “المتعاملين” مع النظام العراقي بعض المغفرة تبعاً لمثاليتهم القومية وأوهامهم العروبية التي جعلتهم ينزلقون في أشراك النظام الديكتاتوري. فهؤلاء عقدوا آمالاً كبيرة على شخص صدام حسين بعد أن وجدوا فيه صورة الزعيم الطالع من قلب الفكر البعثي، وتغاضوا عن الأفعال الشنيعة التي اقترفها إيماناً منهم بأنّ إزالة الشرّ تحتاج الى مقدار من الشرّ نفسه.

 

أما المثقفون العرب الآخرون الذين سعوا الى الانتفاع من النظام البعثي قصداً “وعن سابق تصوّر وتصميم” كما يقال، فهؤلاء يصعب تجاهل ذنوبهم وربّما آثامهم الصدامية التي ارتكبوها طمعاً بمال أو جاه على حساب العروبة والبعث والنضال… وهؤلاء معروفون أيضاً وقد انتقل بعضهم قبل سنوات الى خنادق أخرى ومواقع مواجهة، وخصوصاً عندما شعروا أن النبع الصدامي بدأ يشحّ وأن “النعم” بدأت تتضاءل. وكان بعضهم مدح صدام وانتصاراته العسكرية من غير هوادة ولا سيّما في أوج المعارك التي دارت بين العراق وإيران.

 

لم تبق “الملفات” التي يتحدّث عنها مثقفون عراقيون وعرب مثيرة ورهيبة، ولا كذلك “الفضائح” التي يهدّدون بها ويتوعّدون. فما فات فات، ومن انتفع انتفع، ومن خاب يقطف الآن ثمار خيبته… أما النظام العراقي الذي بدا هشاً وضعيفاً وكأنه من “كرتون”، فهو ليس مشابهاً مثلاً للنظام الأميركي الذي كان استخدم خلال حربه الباردة مع الاتحاد السوفياتي عدداً من المثقفين الأميركيين والأوروبيين الكبار من أمثال جورج أورويل وشارلي شابلن وبرتراند راسل وسارتر وتيد هيوز وسواهم… وبعض هؤلاء لم يكن على علم بما ورّطه النظام الأميركي فيه، وبعضهم كان على علم بل وعلى أهبة للتعاون بغية مواجهة المدّ الشيوعي. ولعلّ كتاب “الحرب الباردة الثقافية” الذي كان بمثابة فضيحة أميركية كبيرة حين صدوره قبل ثلاث سنوات في نيويورك هو خير شهادة على خبث (وربما ذكاء) الآلة الأميركية التي عرفت كيف تورّط كبار المثقفين في حقول الاستخبارات والأمن، وكيف توظفهم لمصلحتها في حربها الشرسة ضدّ المعسكر الاشتراكي السابق. والكتاب الذي صدرت ترجمة عربية له عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة سيظلّ إحدى الوثائق الأليمة والمخزية في تاريخ الحركة الثقافية الأميركية والأوروبية. فالأسماء التي ورّطها النظام من دون علمها أو التي تورّطت قصداً هي من الأسماء الكبيرة التي ساهمت في صنع ثقافة العصر المنصرم وأدبه وفنّه.

 

طبعاً تستحيل المقارنة بين أجهزة صدام حسين الغبيّة والساذجة والمجرمة وأجهزة الاستخبارات الأميركية الخبيثة والذكية. وتستحيل أيضاً المقارنة بين الآثار التي ترتبت عن اللعبة الاستخباراتية الأميركية والآثار التي نجمت عن اللعبة الصدامية. فالنظام العراقي لم يسع الى اغراء المثقفين العراقيين والعرب إلا بحثاً عن شرعية ثقافية له، هو القائم على البطش والظلم والاستبداد. أما نزوات صدام حسين الثقافية والأدبية فهي تفجرت لاحقاً ولا سيما بعدما اقتنع الديكتاتور أنّه مؤهل لأن يكون مثال الحاكم الشامل والكلّي “القدرات”. ولم يكن يضيره أن يجلس هو على المنبر وأن يقف الشعراء في الصالة ويكيلوا له القصائد المدحية!

 

هل يستحقّ المثقفون العراقيون والعرب الذين كانوا مقرّبين من النظام أو “متعاملين” معه أن تُشن ضدّهم حملة الإدانة التي نشهدها اليوم؟ ألا يستحقّ معظمهم بعض التغاضي والتجاهل وخصوصاً أولئك الذين لا يمثّلون من الثقافة العراقية والعربية إلا ظلالاً واهية وضئيلة؟

 

قد يكون المستقبل وحده قادراً على ايجاد “خاتمة” ما لهذه القضية المتفاقمة والتي لم يبق فيها ما يثير ولا ما يستحق مثل هذا اللغط الكبير.

 

 

 

القاهرة –  الحياة 2003/05/25

 

+++++++++++++

عبده وازن

 

رواية صدّام الركيكة… هل يمكن ان يكتبها الغيطاني؟

 

 

 

الاتهام الذي وجّهه موقع “الامبراطور” على الانترنت الى الروائي المصريّ جمال الغيطاني بأنّه كاتب رواية صدام حسين “زبيبة والملك” يكاد يصبح قضية من القضايا الملحّة التي تشغل الوسط الأدبي القاهري وسواه من الأوساط العربية. إلا أنّ من يقرأ المقال الذي ورد الاتهام فيه وهو من توقيع سليم عبد القادر يدرك أنّ الاتهام هذا ضرب من الافتراء كونه يفتقر الى أيّ دليل ولو كان ضئيلاً، إضافة الى عجزه عن اقناع القارئ بما يحوي من “معلومات” مدبّرة تدبيراً “بوليسياً” وربما “غرائبياً”. ما إن نشر المقال على الانترنت حتى تناقله بعض “خصوم” جمال الغيطاني وقد وجدوا فيه ذريعة للانتقام منه ومن مواقفه الجريئة. وعلّق عليه البعض (عبر الانترنت أيضاً) بغية نشر المزيد من النميمة والضغينة. أمّا الإساءة الحقيقية فكانت في إقدام جريدة “القاهرة” على نشره كاملاً مع حذف اسم جمال الغيطاني ممّا زاد من صلافة المقال ولؤمه. ومن المعروف أنّ حالاً من العداء والكراهية تقوم بين جمال الغيطاني وجريدة “القاهرة” الأسبوعية التي تصدر عن وزارة الثقافة تبعاً للحملات العنيفة التي شنّها الغيطاني في “أخبار الأدب” ضدّ الوزارة وسياستها. وعمدت كذلك جريدة “صوت الأمّة” القاهرية على ابراز “الفضيحة” تحت عنوان “إمسك عميل صدام حسين”، وبدا المقال الذي كتبه وائل عبد الفتاح عن القضية لا يخلو من روح التشفّي أو السخرية علماً أنه حوى ردّاً واضحاً من الغيطاني على الاتهام.

 

وإن كان جمال الغيطاني من الأصدقاء السابقين للعراق الذين دأبوا على زيارة بغداد فهو كما أكد لـ”الحياة” انقطع عن السفر الى بغداد منذ العام 1988، أي بعد مقتل عدنان خيرالله، وزير الدفاع العراقي الذي مات في طريقة غامضة، والذي كانت تربطه به علاقة “قومية” قديمة. وكان جمال الغيطاني تعرّف اليه في الجبهة السورية إبان حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 عندما كان يعمل مراسلاً عسكرياً لصحيفة “الأخبار”. حينذاك أجرى الغيطاني حوارات عدّة مع بعض الضباط العرب ومنهم الضابط العراقي عدنان خيرالله. وعلاقة الغيطاني بخير الله كانت حافزاً لوضع كتاب عن تاريخ الجيش العراقي والدور الذي أداه في الحروب المتوالية مع اسرائيل منذ العام 1948. صدر الكتاب عام 1975 في بغداد تحت عنوان “حراس البوابة الشرقية” أي قبل سنوات من مجيء صدام حسين. إلا أنّ الكتاب لم يلبث أن أصبح بمثابة “قميص عثمان” وراح خصوم الغيطاني يستخدمونه مادة للافتراء عليه ولربطه بالاستخبارات العراقية مع أن الرواية بعيدة عن مثل هذه التهمة. وارتكب كاتب المقال الاتهامي سليم عبد القادر خطأ جسيماً في اعتباره كتاب “حراس البوابة الشرقية” يدافع عن العراق في حربه مع ايران، وقد فاته أنّ الكتاب يدور على الحرب مع اسرائيل، مما يؤكد جهله المطلق بخلفيات المادة التي يكتب عنها وبأدب الغيطاني أيضاً. قد يكون هذا الكتاب فعلاً هو الخيط الذي استطاع خصوم الغيطاني (المعروفون والمجهولون) أن ينسجوا منه “الشرك” الذي حاولوا أن يوقعوه فيه متّهمين إياه بأنه كاتب رواية “زبيبة والملك”. وبدت الحملة ضدّه شبه منظمة نظراً الى تصاعدها عبر المقالات السلبية التي نشرت متتالية.

 

ينسب كاتب المقال سليم عبد القادر (قد لا يكون الاسم حقيقياً) الاتهام الى شاعر من شعراء النظام العراقي يدعى رعد بندر (يحمل لقب “شاعر أم المعارك”)، ويسوقه على لسانه من غير أن يحدّد كيف قابله وأين، متبنّياً عبارة: “يقول رعد”. أما ما يقوله رعد فلا يخلو من الطرافة والغرابة اللتين تسمان عادة القصص المتوهمة والمتخيلة. يشير رعد الى أنّ عدي استدعاه بُعيد صدور “زبيبة والملك” ليسخر أمامه من الرواية التي لم تحمل اسم صدام حسين بل حملت عبارة “رواية لكاتبها” ويطلب منه الذهاب الى القاهرة “في مهمة سرّية للغاية” هدفها الاتصال بجمال الغيطاني والطلب منه أن يكتب رواية أخرى “أهمّ” من رواية “زبيبة” لينشرها عدي باسمه. ولم يكن أمام رعد إلا أن يعرض على عدّي أن يوكل المهمة الى القاصة العراقية بثينة الناصري (موظفة في السفارة العراقية في القاهرة) فغضب عدي وزمجر حانقاً وتلفظ بجملة بذيئة تسيء كثيراً الى بثينة الناصري. ويقول رعد: آنذاك عرفت حقيقة من كان الكاتب الحقيقي لرواية “زبيبة والملك”.

 

لا يستطيع القارئ أن يصدّق بسهولة مثل هذا الزعم: من هو رعد بندر ليبوح عدي أمامه (وهو ثمل كما يقول، يا للمفارقة) بمثل هذا السرّ الصدّامي؟ هل يستطيع من يكشف سراً من أسرار صدام أن يستمر حيّاً في عالم الديكتاتور؟ وإن كان الكاتب العراقي عزيز السيد جاسم هو الذي وضع سابقاً كتب صدام حسين السياسية والفكرية – وكانت مكافأته الإعدام، كما يقول رعد أيضاً – فهل من الممكن أن يوكل صدام الى كاتب غير عراقي ويعيش خارج العراق مهمة كتابة روايته الأولى؟ ألا يخشى صدام نفسه الفضيحة التي يمكن أن يثيرها هذا الكاتب العربي؟ ألا يدري صدام جيداً أن ليس في مقدوره أن يطال ذلك الكاتب العربي عندما يشاء كما يفعل في الداخل؟

 

ترتيبات سرّية أما ذروة “التخييل” أو “التركيب” في إفادة رعد التي باح بها الى كاتب المقال سليم عبد القادر فتكمن في سرده “الترتيبات” السرّية (يا لها من سرّية) التي قام بها عبد حمّود مدير مكتب الرئاسة في القصر الجمهوري العراقي مع نجم التكريتي مندوب العراق لدى الجامعة العربية في القاهرة. وقد نقل التكريتي – بحسب الرواية المختلقة – رسالة سرّية، مختومة بالشمع الأحمر(؟) من القصر الجمهوري العراقي الى الغيطاني. وتضيف رواية رعد أنّ الرسالة كانت تحتوي – في غالب الظن – على “خربشات لفكرة قصة” أراد صدام تحويلها رواية. ويجزم: “وكان له ما أراد” ويضيف: “لا أحد يعرف كم كان سعر كتابة الرواية بالضبط”. تُرى ألم يكن في وسع جمال الغيطاني، لو هو تقاضى مبلغاً كبيراً عن الرواية أن يتوقف عن العمل الصحافي المرهق والذي يتأفف منه دوماً لينصرف الى الكتابة الروائية؟

 

إلا أنّ “القصة” لن تنتهي هنا. فقلم الغيطاني والرواية المزعومة سيثيران غيرة عديّ الذي كان يحلم بأن يصبح بدوره روائياً(؟). فهو سرعان ما أرسل رعد بندر (يا لهذا الرعد) في مهمة سرّية مع مبلغ من المال (لا يقرّ بقيمته) ورسالة الى الغيطاني وبجواز سفر مزوّر آمراً إياه بالسفر الى الأردن ومنه الى القاهرة بالطائرة (أي سهولة في الانتقال الاستخباراتي)… لكنّ الأمور لم تتمّ على خير ما يرام إذ فضح السائق المكلّف نقل رعد بندر الى الأردن “المهمّة” من غير قصد…

 

ولئلا تطول التفاصيل الغريبة (والعجيبة) يقر بندر بأن “المهمة” فضحت في الختام ولم يكن على صدام إلا أن يضع يده على القضية ويمنع ابنه “عدي” من تحقيق حلمه الروائي عبر قلم جمال الغيطاني. فالوالد أو الديكتاتور الكبير لا يريد لابنه الديكتاتور الصغير أن ينافسه روائياً ومن خلال قلم الغيطاني أيضاً… ولعله من سوء حظ جمال الغيطاني ألا يكتب أيضاً رواية لعدي ويتقاضى مبلغاً خرافياً، فيؤسس مجلة ويدعو أصدقاءه الى الكتابة فيها… ولكي يمنح سليم عبد القادر (الكاتب المزعوم) مقالته عبر موقع “الامبراطور” طابعاً حقيقياً يصف مرجعه (الشاعر المزعوم) رعد بندر بـ”الهارب في معسكر الرويشد على الحدود العراقية – الأردنية”.

 

لا أحد يدري لماذا اتُهم جمال الغيطاني بأنه كاتب أسوأ روايات صدام حسين بل وباكورته “زبيبة والملك” ولم يُتّهم بالروايتين الأخريين اللتين صدرتا لاحقاً وهما “القلعة الحصينة” و”رجال ومدينة”! ترى هل استغنى صدام عن “خدمات” الغيطاني بعدما حسده عليها ابنه عديّ فاستعان بروائي آخر؟ هذا السؤال لا تستطيع “مخيّلة” رعد بندر أن تجيب عليه ولا “أرقام” سليم عبد القادر.

 

وإن كان نفي الاتهام أشبه بالضرب العبثي كون الاتهام ذا طابع افترائي واضح، ومفتقراً الى أي إثبات أو دليل، فانّ المقارنة بين رواية “زبيبة والملك” (صدرت في القاهرة في سلسلة “أدب الحصار” تحت اشراف بثينة الناصري) وأدب جمال الغيطاني كفيلة بدحض هذا الاتهام. فالرواية الكلاسيكية البناء واللغة، غاية في الركاكة والضعف. وقد أضفى البعد الترميزي عليها طابعاً “أخلاقياً” و”وطنياً” يتجلّى في النقاشات المضحكة التي تدور بين “زبيبة” وهي امرأة من عامّة الشعب و”الملك” حول مفاهيم نافرة: كالوطن والوطنية وأطماع الأعداء وانفتاح السلطة على الشعب وسواها… وعقب النقاشات هذه تتخلى زبيبة عن حكمة الشعب وتتبع “عبقرية” الملك الذي كان يأتيها متخفياً (يا لهذا التخفي الذي طالما سحر صدام)… وفي تفاصيل الحكاية (السخيفة) أن زبيبة تصاب في احدى المعارك بسهم(؟) في صدرها وتتحول الى شهيدة من شهداء الشعب بعدما وطّدت العلاقة بينه وبين الملك. ووفاء لها يعلن الملك عقب وفاتها أنّه تزوّجها قبل المعركة الأخيرة…

 

يستحيل على جمال الغيطاني أن يكتب رواية في سذاجة هذه الرواية حتى وان انطلق من “خربشات” صدام حسين – كما قال رعد بندر. ولعلّ المقارنة أيضاً بين هذه الرواية وبين الروايتين التاليتين اللتين صدرتا لصدام تؤكّد أيضاً هشاشتها نظراً الى “خصائص” تينك الروايتين. قد تكون أفضل من الباكورة الروائية ولكنهما طبعاً لن تكونا عملين حقيقيين كما بدا واضحاً من خلال العروض التي تناولتهما و”المدائح” التي كيلت لهما في بغداد. وهي المدائح نفسها التي كالها المدّاحون أنفسهم لرواية “زبيبة والملك” التي سرعان ما تحولت عرضاً مسرحياً وفيلماً سينمائياً وأدرجت ضمن الأدب المدرسي والجامعي خلال حكم البعث. ولعل ميل صدام حسين الشخصي الى الشعراء ولغتهم العالية قد يساعد على افتراض ان كاتب الروايات الثلاث أو كتّابها هم من الشعراء. فرواية “زبيبة والملك” تنتهي نهاية شعرية: “المجد للشهداء/ المجد لزبيبة/ عاشت زبيبة/ عاش الشعب/ عاش الشعب”. ومن المعروف أن صدام حسين كان عهد الى الشاعر الراحل عبد الأمير معلّة مهمة كتابة سيرته الشخصية والحزبية والسياسية في رواية، وأنجز الشاعر الرواية تحت عنوان “الأيام الطويلة” وحوّلها المخرج المصري توفيق صالح فيلماً سينمائياً أدّى فيه دور صدام حسين قريبه وصهره لاحقاً صدّام كامل وهو الذي قتل في ما بعد على يد جماعة صدام حسين.

 

قد يصعب تصديق “الاتهام” الذي وجّه ضدّ جمال الغيطاني وأخذه “على محمل الجدّ” كما يقال. وقد لا يستحقّ أيّ اهتمام أو مبالاة كونه أقرب الى “النكتة” أو “الطرفة”. لكنّ صدور مثل هذا الاتهام في هذه المرحلة التي يسعى فيها بعض المثقفين العراقيين والعرب الى فضح “ملفات” البعث العراقي، قد يسيء الى روائي مصريّ هو في طليعة جيله وبات يحظى بشهرة عالمية بعد رواج رواياته المترجمة الى لغات عدّة. وقد دخلت بعض رواياته أخيراً سلسلة “كتاب الجيب” في فرنسا.

 

عندما سألت جمال الغيطاني عن هذه “القضية” والضجة التي أحدثتها راح يضحك قائلاً لي: هل يمكن تصديق مثل هذه التهمة؟ وإذ طلبت منه أن يتحدّث عن ملابساتها قال انه في صدد رفع دعوى ضدّ موقع “الامبراطور” الذي نشر المقال والذي يديره الشاعر العراقي أسعد الجبوري في الدانمارك وقد طلب منه المحامي ألا يدلي بأيّ تصريح في انتظار أن تسلك الدعوى طريقها القانوني. لكنّ جمال الغيطاني يعتبر أنّ التهمة لا تستهدفه وحده بل كل المثقفين المصريين والعرب الذين ندّدوا بالحرب الأميركية – البريطانية على العراق ودافعوا عن الشعب العراقي والأرض العراقية وليس عن نظام صدام حسين. وكان الغيطاني نشر مقالات عدّة جريئة في “أخبار الأدب” شجب فيها الحرب الأخيرة وندّد بسرقة تراث العراق وحضارته.

 

ترى هل ستتمكن المحكمة من الإجابة على السؤال عن هوية كاتب رواية صدام حسين أم أن الجواب سيظل طيّ الكتمان مثل أسرار صدام حسين نفسه؟

 

القاهرة –  الحياة 2003/05/27

++++++++++++++++++

زبيبة والملك

لا أصدق إطلاقا أن الغيطاني قد فعلها!!

 

شوقي بغدادي – دمشــق

 

 

 

 

اسمعوا هذه القصة الطريفة واحكموا انتم عليها، هل التهمة فيها صحيحة ام كاذبة ؟ وسوف أؤجل حكمي الشخصي الى نهاية الحديث.

المتهم هو الكاتب الروائي المصري الشهير جمال الغيطاني صاحب الرواية الرائعة « الزيني بركات» وغيرها من الروائع . اما التهمة الموجهة اليه فهي انه هو الذي كتب سرا رواية « زبيبة و الملك» التي نشرت في العراق منذ سنوات قريبة من دون ذكر اسم كاتبها الا ان الجميع عرفوا انه رئيس البلاد نفسه وذلك من خلال الاهتمام المبالغ فيه للكتاب والنقاد بالرواية والثناء على عبقرية كاتبها الى درجة انتاج فيلم سينمائي ومسرحية عنها. ‏

وقد انكشف السر ـ كما يقال ـ بعد سقوط النظام العراقي بأن الكاتب الحقيقي للرواية هو جمال الغيطاني بتكليف «خاص » من سيادة الرئيس العراقي صدام حسين لقاء مبلغ « فلكي» من المال وقد جاء ذلك عبر الانترنت في مقالة لكاتب اسمه « سليم عبد القادر» يروي فيها على لسان وذمة الشاعر العراقي المعروف باسم شاعر ام المعارك «رعد بندر» ان عدي، الابن البكر لصدام، كلف شاعر ام المعارك هذا بالذهاب الى مصر لمفاوضة جمال الغيطاني على كتابة رواية لصالح «عدي» تكون احسن من الرواية التي كتبها لابيه لقاء مبلغ «فلكي» اخر، الا ان عدي صرف النظر عن الموضوع خشية الدخول في منافسة غير مأمونة العواقب مع والده الجبار. من هنا فهم «رعد بندر» السر في حقيقة كاتب « زبيبة والملك» وتطوع للبوح به لسليم عبد القادر. ‏

وماكادت هذه المقالة تذاع حتى تناولتها الصحف المصرية بين مؤيد ومعارض مما اثار كثيرا من الغبار الملوث حول سمعة الكاتب المصري المعروف، ودفع اصدقاءه للدفاع عنه وخاصة في البيان الذي نشرته مجلة « الاداب» اللبنانية ووقعه عدد كبير من الادباء العرب، الا ان الغبار لم ينحسر بعد ولم تزل الزوبعة دائرة في الشارع الثقافي العربي والمصري خاصة ضد الغيطاني او معه!.

وحجة الرافضين لهذه التهمة ان جمال الغيطاني كاتب وطني معروف لايصح اتهامه بانه كان عميلا لاي نظام حاكم، وان علاقته بالنظام العراقي كانت من خلال صحبته القديمة لوزير الدفاع العراقي عدنان خير الله في الجبهة السورية ابان حرب تشرين عام 1973 عندما كان خير الله قائدا لوحدة الجيش العراقي الذي شارك في هذه الحرب، وكان الغيطاني مراسلا عسكريا لصحيفة « الاخبار» المصرية ومن المعروف ان عدنان خير الله لقي مصرعه فيما بعد بطريقة غامضة ـ وقد الف الغيطاني من خلال هذه العلاقة كتابا عن تاريخ الجيش العراقي وبطولاته صدر عام 1975 في بغداد تحت عنوان «حراس البوابة الشرقية» قبل انفراد صدام حسين بالسلطة ومن دون ان يجتمع به الغيطاني. اضافة الى ان حبكة الرواية ركيكة وساذجة اذ تترك زبيبة ـ وهي مواطنة عراقية شابة من وسط شعبي عادي ـ تترك جانب الشعب المتآمر على الملك وتنضم لجانب الملك الذي كان يزورها سرا الى ان سقطت شهيدة في احدى المعارك وهي تدافع عن قضية مليكها المفدى!!.. وان جمال الغيطاني لايعقل ان يهبط الى هذا المستوى من الركاكة والسذاجة، اضافة الى ان مظاهر النعمة الجديدة التي تظهر عادة على من يغدو مليونيرا لم تظهر على الغيطاني الذي لايزال يعمل رئيس تحرير مجلة « اخبار الادب» ويعاني من عمله الصحفي الذي يعيقه عن التفرغ للكتابة الابداعية. ‏

اما حجة المؤيدين للتهمة فتتلخص في ان اسفار الغيطاني للعراق كانت كثيرة جدا، وان تأليفه كتابا عن الجيش العراقي ـ وهو عمل بعيد عن اختصاصه كروائي ـ مبالغ في صحة ودقة معلوماته مما يوحي بان المؤلف منحاز للنظام الحاكم، وان ركاكة رواية «زبيبة والملك» كانت بسبب تقيد الغيطاني بالاحداث التي ذكرها الرئيس العراقي في المخطط او المسودة التي صنعها للرواية واصر على الاحتفاظ بها ووافق الغيطاني على ذلك مادامت المسألة كلها سرية.. وهكذا!.. ‏

القضية الان امام القضاء بعد ان رفع الغيطاني دعوى ضد الذين اتهموه، فما رأيكم دام فضلكم : هل فعلها الغيطاني. ام لا؟! ‏

انا شخصيا ارفض رفضا تاما هذه التهمة اذ ليس من المعقول ان ينزل الغيطاني الى هذا المستوى بالرغم من احواله المادية السيئة «كمعظم الكتاب» ، وتاريخه السياسي والشخصي لاينسجم مع هذه التهمة اطلاقا مهما كان المبلغ الذي قبضه ـ بالدولار ام باليورو ـ كبيرا وبالرغم مما يقال عن علاقاته الجيدة بالنظام العراقي السابق !. ولكن السؤال الذي يحيرني حتى الان : ما الذي يدفع حاكما مطلقا بعد ان استقر له السلطان زمنا طويلا، وبعد «الامجاد» و « الاوسمة» الغزيرة التي حصل عليها.. ما الذي يدفعه الى اقتحام ميدان الابداع الادبي برواية ركيكة ساذجة مثل «زبيبة والملك» ؟ اليس هذا دليلا على ان تمتع الانسان بموهبة ادبية لايقل شأنا عن تمتعه بموهبة سياسية كبرى؟ ‏

فلماذا يشكو الادباء اذن من فقرهم مادام بعض الحكام يحسدونهم على موهبتهم ويطمحون الى الحصول عليها.. ولماذا لايقال بان كاتبا ما موهوبا قد يساعد حاكم البلاد على كتابة الرواية تشجيعا له على ان يقترب من عالم الادب والادباء ويفهم عن قرب همومهم حين يغدو واحدا منهم، وقد يدفعه هذا الى التحول شيئا فشيئا من ديكتاتور الى حاكم ديمقراطي؟ ‏

ومع ذلك فانا لا اصدق اطلاقا ان الغيطاني قد فعلها!!

 

 

صحيفة تشرين – الثلاثاء 3 حزيران 2003

++++++++++++++++

فاضل السلطاني

 

يهاجم إدوارد سعيد والغيطاني ومنيف ومجلة الآداب

 

 

 

 

 

كنت اتمنى على ادوارد سعيد، وهو قيمة ثقافية كبيرة عربيا وعالميا وصوت مسموع  اكبر من كتيبة مثقفين، وبالتالي مسؤوليته اكبر بكثير، ان يكتب عن الجثث  العراقية المنثورة ليس تحت اديم الارض، كما يقول المعري الذي يحبه صاحب “خارج  المكان”، ولكن فوق اديم الارض.

 

كنت اتمنى ان يلتفت للصورة في جريدة “الغارديان” التي يكتب فيها، ويرى صورة تلك  الزوجة التي حجزت مقعدين واحدا لها، والآخر لزوجها. المتكوم في حقيبة عظاما  رميما.

 

لكن يبدو ان صاحب “الثقافة والامبريالية” لم ير تلك الصورة، لأنه مشغول بمعاركه  الكبرى مع كنعان مكية.

 

عذرا ايتها السيدة المجهولة، ولتأخذي عظام زوجك الى الجحيم. فالسيد ادوارد سعيد  مشغول بمعركة اهم. لو كان قاتل زوجك شخصا آخر غير صدام حسين، ولنقل شارون او  عرفات، لقامت الدنيا ولم تقعد. لكن مهلا ها هو الرجل يخبرنا للمرة الاولى بعد  سقوط صدام حسين، وفي سطرين من مقال نشره قبل ايام فقط، وخصصه لعدم شرعية  الاحتلال الاميركي، بأن صدام لم يكن سوى رجل شرير فظ. شكرا لصاحب “الاستشراق”

على هذا الاكتشاف المثير، وقري عينا ايتها السيدة.

 

كنت اتمنى ان يكتب صاحب “شرق المتوسط” عن ذلك الانسان الذي حفر التراب بيديه  ليجد جمجمة اخيه، واخذ يقبلها كما يقبل الخد الحي، بدل ان يكتب نداءه لانقاذ  الدكتورة “جراثيم”، والدكتورة “انثراكس”.

الا يرى منيف ان هذا المشهد يمكن ان يشكل جزءا ثالثا لروايته الشهيرة؟ (…)

 

كنت اتمنى من محمد عابد الجابري، ان ينبش في التاريخ العربي والاسلامي ليثبت  لنا ان المقابر الجماعية كانت موجودة عبر هذا التاريخ، وبالتالي ان صاحبه،  بسمارك العرب، ليس استثناء.

كنت اتمنى على الكاتب “العسكري” صاحب “حراس البوابة الشرقية” ان يخط سطرا واحدا  عن “حراس بوابات المقابر” ويفتح عينيه قليلا ويقرأ ما قاله ذلك الفتى العراقي  الذي لم يستطع ان يتعرف على أبيه بعد، رغم زياراته اليومية لكل المقابر الجماعية المكتشفة لحد الآن.

 

“سأعرف أبي حين احمل عظامه فوق ظهري”.

 

المفروض ان الاب يعرف الابن، حين يحمل عظامه فوق ظهره، وليس العكس. اليس كذلك؟ انه موضوع رائع لرواية. ونقترح ان يكون مفتتحها هذا السؤال: اية مهمة هرقلية محكوم على هذا الفتى الغض ان يؤديها! كم اكواما من العظام سيحملها على ظهره ليعرف أباه؟

 

ها هي حبكة جاهزة لرواية قادمة.

 

كنت اتمنى على صاحب مجلة “الآداب” ووريثه ـ كما في اية جمهورية عربية مثالية ـ  ان يخصصا ملفات عن اكبر مأزق اخلاقي وادبي يتعرض له الضمير العربي بعد اكتشاف  مقابر النظام القومي الجماعية، لننسى ما فعله الاب عام 1963 حين اشاد، في  التلفزيون وامام الملأ، بالانقلاب البعثي، بينما كان الكتاب العراقيون، عماد  مجلته، في السجون او قتلى.. وكان الدم غزيرا في الشوارع.

 

بدلا من ذلك تقود “الآداب” الآن حملة “قومية” للتضامن مع الروائي المصري جمال الغيطاني لماذا؟ ليس لأنه سجن او عذب او منعت روايته، او منع من حرية التعبير  في بلاده، وانما لأن احدهم، وفي موقع ضائع على الانترنيت في مكان ما من الدنمارك، اتهم الغيطاني بأنه كتب رواية صدام حسين “زبيبة والملك” والقضية الآن  امام المحاكم كما صرح الغيطاني نفسه.

 

ووقع البيان اسماء بارزة في الثقافة العربية ومنهم، لحد الآن، نجيب محفوظ، جابر عصفور، سهيل ادريس، عبد الرحمن منيف، بهاء طاهر، محمد البساطي، يمنى العيد،  فيصل دراج، محمد دكروب.الخ. الذين اعتبروا ان الحملة ضد الغيطاني تجيء انتقاما  من مواقفه الجريئة ضد الاحتلال الاميركي للعراق. و”ان الدفاع عنه وعن حريته في  التعبير دفاع ضروري عن الثقافة الوطنية العربية”.

 

لا ضير في ذلك، ولكن كنت اتمنى ان ارى تواقيع ربع هؤلاء احتجاجا على المجازر  الثقافية والانسانية الحقيقية في البلد الذي يحتله الآن الامريكيون ويوهموننا  انهم يدافعون عنه، وعن ثقافته وتراثه وانسانه وعرضه المسفوح!

 

مجلة “الآداب” تركت موقعها الالكتروني مفتوحا لمزيد من التواقيع في حملة قومية  كبرى. فاضيفوا تواقيعكم ايها المثقفون، قبل فوات الاوان، دفاعا عن حرية  التعبير!

 

أية أمة هذه يا الهي

 

 

 

 

(عن الشرق الاوسط).

´´´´´´´´´´´´´´´´´´´

محمد أسليــم

 

تدبير قضية («الإمبراطور» – «جمال الغيطاني»)

صفعة للثقافة العربية وإهانة للرأي العام الثقافي العربي..

 

 

 

 

 

 

 

– 1 –

 

أن يكون «جمال الغيطاني» اسما لا يحتاج إلى تعريف بالنظر إلى إسهاماته القيمة في الرواية العربية، فهذا ليس بالأمر غير العادي. أعمال المبدعين الكبار بطاقات تعريف لهم. لكن أن يكون الغيطاني نفسه قد تعامل مع نظام بلد آخر كشفت الإطاحة به عن أشكال للبطش والتقتيل أغرب من الخيال، فهذا ما يحتاج إلى توضيح ليس من الغيطاني وحده، بل وكذلك من سائر المثقفين العرب الذين كانوا على صلة بسفاح بغداد.

 

كان بإمكان المسألة ألا تطرح أصلا لو تعلق الأمر بكاتب عراقي يقيم قسرا في العراق؛ فيد الديكتاتور كانت أطول من أن يفلت – أو يتملص – منها الكتاب والفنانون والمبدعون الراغبون في الاستقلال والابتعاد عن دوائر بلاطاته وممارساتها المشبوهة. ولكن عندما يتعلق الأمر بكاتب ينتمي إلى دولة أخرى، لا أحد يجبره على الانحناء لرغبات الزعيم، فالمسألة تغدو بدون شك مثار تساؤلات عن خلفية هذا الارتباط. تساؤلات قد ترشحها إلى التحول إلى قضية ما لم يقدم المعني بالأمر التوضيحات اللازمة في شأنها. وذاك ما كان؛ إذ لا نبالغ إذا قلنا إن ما يمكن تسميته بـ «قضية الإمبراطور – جمال الغيطاني» يشكل الآن حديث الساعة في الأوساط الثقافية المصرية أولا، والعربية ثانيا، سواء في حلقات النميمة في المقاهي أو في عدد من الصحف ومجموعات المحادثة والكثير من المواقع الثقافية في الشبكة العنكبوتية.

 

كما كان بإمكان القضية نفسها ألا تؤول إلى ما آلت إليه لو لم يلجأ الغيطاني ومن سينضم إلى صفه – فيما بعد – إلى إعادة إنتاج سلوكات معظم النخب الحاكمة في الوطن العربي مع مواطنيهم: فبدل الاعتراف بما اتضح الآن أنه كان خطأ فادحا، والقيام بنوع من النقد الذاتي ومراجعة المواقف، بما يترتب عن ذلك من طلب للصفح من الشعب العراقي، على نحو ما فعل مؤخرا الكاتب الفلسطيني زياد خداش (إشارة راقية وفي منتهى النبل)، تم السعي إلى تكميم أفواه مثيري المسألة بنعت هذه الإثارة التي تظل مشروعة، وليست سابقة في بابها، بالسلوك «البوليسي المشبوه»، «ذي النوايا السيئة» طبعا، «المحرك من لدن جهات خارجية»، والساعي إلى «الإساءة» للثقافة العربية والوحدة العربية والقومية العربية إلى آخر النعوت التي تواجه بها معظم الأنظمة العربية، على المستويات المحلية، أشد مقلقيها من المعارضين.

 

تقتضي الحكمة حل القضية حبيا، وذلك بأن يمتلك الشجاعة المثقفون العرب الذين كانوا يحصلون على هبات وعطايا ورواتب بعراق جبينهم، فيجتمعوا ويكفروا عن ذنبهم السابق بعقد لقاء يفضي إلى إصدار بيان أو كتاب أبيض ينورون فيه الرأي العام الثقافي العربي حول سلوكاتهم السابقة، ويعتذرون فيه للشعب العراقي. أما الإصرار على التملص من كل مسؤولية واستغلال تواري الديكتاتور لتغيير البذلة أو ملازمة الصمت المطبق أو محاولة نفي كل صلة بالنظام البائد توهما بأن الحجج قد اختفت باختفاء الجلاد، والتظاهر بمظهر البراءة والطهرانية، فذلك ملازمة لوضع الشبهة. وقد تنقلب هذه الشبهة إلى حالة للتلبس، والجريمة ستثبت بالتأكيد إذا ظهرت الحجج المكتوبة في يوم من الأيام، بالنظر إلى ما يروج اليوم من وجود أدلة للإثبات. وحتى إذا ثبت وجود هذه الحجج وتم الحيلولة دون إخراجها للرأي العام الثقافي العربي، فإن هذا الإقبار سيطرح أكثر من سؤال حول الصفقة التي ستفضي إلى هذا الإخفاء مع ما سيترتب عن ذلك تأكد شبهات أخرى…

 

إن السعي إلى طمس ملف علاقة مجموعة من المثقفين العرب بنظام صدام هو ضربٌ من محاولة مغالطة الرأي العام الثقافي العربي والمهتمين بشأنه، وإظهارٌ لصفوة مثقفي هذا السياق بمثابة أشخاص قدسيين لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم. ولعمري ذلك نوع من استبلاد الرأي العام الثقافي العربي، بل ومعاملته معاملة القاصر الذي لا يليق مكاشفته بأمور «لا يملك النضج الكافي لفهمها واستيعابها». أليس هذا ما تفعله معظم النخب الحاكمة بالوطن العربي؟!

 

– 2 –

 

انطلق فتيل القضية من «الإمبراطور»، وهو الموقع الرسمي، في الشبكة العنكبوتية، للشاعر الروائي العراقي المقيم في الدنمرك؛ مثقف ومبدع غير عاد بالنظر إلى حضوره الشعري والروائي المتميزين؛ أصدر 7 دواوين شعرية، ضمنها واحد نشره اتحاد كتاب العرب (صخب طيور مشاكسة، 1978)، هو موجود ضمن المنشورات الإلكترونية لموقع الاتحاد. كما كتب روايتين، إحداهما صدرت أيضا عن اتحاد كتاب العرب (التأليف بين طبقات الليل، 1997)، وموجودة في موقعه، والثانية عن الشركة العربية الأوروبية للصحافة والآداب والنشر (الحمى المسلحة، 2000). هذه الأخيرة كانت ستشكل دون شك حدثا ثقافيا عربيا فريدا ومتميزا يتمثل في ولوج أحد نصوص لغة الضاد قلعة هوليود الحصينة لولا أحداث 11 شتنبر 2001؛ ذلك أن المخرج السينمائي الدنماركي «لارس فون ترير»الذي حصد السعفة الذهبية في مهرجان كان، برسم دورة سنة 2000، عن فيلمه «راقصة في الظلام»، حولها إلى سيناريو، وبحث لها عن الموارد المالية الضرورية لإخراجها سينمائيا، فنجح، وكان التصوير سيبدأ، في إطار إنتاج مشترك أوروبي – أمريكي، ولكن سقوط برجي نيويوك أرجأ إنجاز المشروع إلى تاريخ غير محدد. فضلا عن ذلك، وهذا للتذكير لا غير، فأسعد عضو الموسوعة العالمية للشعر وعضو في اتحاد الكتاب العرب وفي اتحاد الكتاب الدنمركيين.

 

المقال الذي أشعل الفتيل لم يكتبه أسعد، وإنما حرره صاحبه سليم عبد القادر بعمان (الأردن) تحت عنوان «زبيبة والملك – لصدام الغيطاني»، ساردا فيه مجموعة من المعلومات المثيرة حول تفاصيل كتابة رواية «زبيبة والملك» المنسوبة إلى صدام حسين، مؤكدا أنه استقاها من رعد بندر شاعر البلاط الملقب بـ «شاعر أم المعارك» الذي عاش في قصور صدام ومدحه وآله لمدة تفوق 20 سنة. فكان من الطبيعي أن يجد فيه «الإمبرطور» مادة صالحة للنشر ضمن إطار موجود سلفا هو صفحة «فضح الرموز» التي يذكر عنوانها لا محالة بكتاب نيتشه «أفول الأصنام»، هذه الصفحة لا تخص الغيطاني وحده، وإنما مجموعة من الأسماء الأخرى عربية وأجنبية (النفري، نيتشه، محمد الماغوط، مداحو صدام والقذافي)…

 

وسيصير هذا المقال نصا مرجعيا لكل الذين سيكتبون عن المسألة فيما بعد، سواء الذين سيقفوا ضد الغيطاني أو معه؛ فوجدت فيه صحيفة وزارة الثقافة المصرية نفسها (القاهرة) الذريعة المثلى لتصفية حساباتها السابقة مع الغيطاني، وأعادت نشر «زبيبة والملك – لصدام الغيطاني» بتصرفات بسيطة، ومضت صحيفة «صوت الأمة» أبعد، فنشرت «الفضيحة» تحت عنوان «امسك عميل صدام»، وسعى وائل عبد الفتاح إلى تقصي حقيقة ما ورد في النص فانقلب إلى شبه مدافع عن الغيطاني، ثم نصب عبده مازن نفسه قاضيا للبث في النازلة فانقلب إلى محام يدافع عن الروائي المتهم…

 

– 3 –

 

ثمة من لم يتردد في اعتبار أن القضية نفسها لا تشكل سوى بداية لمسلسل للكشف عن فضائح عدد كبير من الرموز الثقافية العربية، قد يحول الكتابة في هذا الباب إلى ساحة لاقتتال ميليشيات المثقفين العرب وعشائرهم… وإذا كنا لا نأمل أن يصدق هذا التوقع، لكونه لن يخدم الثقافة العربية بأي حال من الأحوال، فإنه لا يسعنا في الوقت نفسه إلا الاعتراف بأنه يصعب فهم المقاربة التي تبناها الغيطاني لمعالجة المشكل بقدر ما يشق تصور تبني هذه المقاربة من لدن صفوة من المثقفين أنصار العقلانية والحداثة والفكر الديكارتي والتمدن، إلى آخر النعوت التي يصعب على كل مثقف عربي ألا يفتخر بالاتصاف بها:

 

قام الغيطاني، على التوالي بـ:

 

أ – تكذيب أن يكون هو «كاتب زبيبة والملك»، مرجحا أن يكون كاتبها الرئيس المخلوع نفسه، علما بأن المخابرات الأمريكية عكفت على النص المذكور لمدة سنة، وبعد تحليله تحليلا معمقا ومتأنيا خلصت إلى «رأي نقدي مفاده أنّ الرواية قد لا تكون من تأليف صدام حسين، الأمر الذي لا ينفي إشرافه علي إنتاجها، وحشوها بكلماته وأفكاره»، خلاصة سيصوغها تقرير حكومي (أمريكي) على النحو التالي: «إنّ أسلوب صدّام، وبنية جملته وتعابيره، ماثلة في الرواية علي نحو واضح». وقد دعم الغيطاني هذا التكذيب بالإحالة إلى تاريخ انقطاع أسفاره للعراق (1988)، تاريخ سابق لظهور الرواية. وسيتولى دفاع الغيطاني مهمة التوسع في سوق الحجج المكذبة، على نحو أن الرواية «ركيكة»، وأن نعمة المكافأة المفترض أن يكون قد تلقاها الكاتب جزاء كتابته لم تظهر عليه، وأن «جمال الغيطاني كاتب وطني معروف لا يصح اتهامه بأنه كان عميلا لأي نظام حاكم»… ومن طريف ما جاء به بعض هؤلاء سعيهم إلى تنكير كل شيء، فوصف بعضهم الأيقونة – الشعار المتصدر لموقع الإمبراطور، بعين غرائبية وكأن هذا الإمبراطور كوكب مجهول تقطنه كائنات غريبة، وحاول بعضهم الآخر أن يدرج في باب النكرات ليس كاتب مقال «زبيبة والملك لصدام الغيطاني»، بل وكذلك رعد بندر شاعر «أم المعارك»، وصاحب موقع الإمبراطور نفسه !

 

ب – مواجهة الاتهام باتهام مضاد، حيث وصف المعلومات المنشورة بأنها: «افتراءات تمثل مرحلة جديدة في تشويه المثقفين المصريين والعرب»؛ وأنها أسلوب شرير «يعد استغلالاً سيئاً لوسيلة نشر عصرية هي الانترنت، في عملية (الـ) تشويه»؛ اتهام سيتولى دفاع الغيطاني التوسع فيه وشرحه، فيفترض أن مقال الاتهام موقع باسم مزور، وتصير المعلومات الواردة في المقال «مدبّرة تدبيراً “بوليسياً” وربما “غرائبياً”»، وتوصف بأنها «نميمة» و«تلسين» واتهام «فقط باللسان دون وجود أدلة أو مستندات»…

 

ج – السعي لتحديد سياق عام، وطني وقومي، تذوب فيه القضية، بحيث يصير المستهدف ليس الغيطاني وحده وإنما فئة كاملة من الأشخاص تتمثل في «المثقفين المصريين والعرب الذين رفضوا الحرب على العراق» و«الذين يدينون الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني (أطروحة ستجد ترجمتها العملية في بيان مجلة «الآداب»)؛ لكن أيضا محاولة تصنيف ما يسميه «تشويها» ضمن ما يسمى بـ «جرائم الأنترنيت» أو «الجرائم الإلكترونية»، حيث أشار إلى وجود مواقع ترسل رسائل باسم المثقفين ومن خلالها تقوم بتشويه مسيرتهم وتتهمهم بأنواع من الشذوذ الجنسي وتزعم إصابتهم بمرض الأيدز وغير ذلك من التهم المفتراة عليهم». إلا أن مثل هذا التصنيف لا يمكن ينطوي إلا على مغالطة أو جهل بالأبجديات الأولى لثقافة «النت»؛ فمرتكب الجريمة الإلكترونية لا يكشف عن هويته أبدا، ولو كان الهدف هو الإساءة إلى الغيطاني على نحو ما أساءت الرسائل المذكورة لما قامت الحاجة إلى موقع معروف الهوية. فبالإمكان إنشاء، وفي وقت قياسي (موقع في ظرف 10 دقائق)، عشرات المواقع مجهولة الهوية، وتضمينها سائر أنواع الافتراء والشتم والقدح، ثم تسجيلها في آلاف محركات البحث لتصير بعد ذلك قي متناول متصفحي الشبكة قاطبة…

 

د – تبني رد فعل من جنس الذي قام به ضحايا الرسائل الإلكترونية؛ فمثلما تقدم عدد المثقفين المصريين بشكاوى إلى أجهزة الأمن والنيابة العامة ونقابة الصحافيين المصريين قبل أسابيع مطالبين بملاحقة تلك المواقع، أبلغ الغيطاني أيضا أجهزة الأمن المختصة في مصر للتصدي للافتراءات التي تستهدفه، وأكد أنه سيرفع دعوى قضائية ضد موقع الإمبراطور (تصريحات أدلى بها لعبده وائل، وصحيفتي «الشرق الأوسط» و«إيلاف» (الإلكترونية)، بغاية تحقيق أمر واحد، يتمثل في «مطالبة الإمبراطور بتكذيب ما ورد في الافتراءت المنشورة». وهو مطلب لا يتناسب والخسائر المفترض أن يكون المقال قد ألحقها (أو سيلحقها) به، بالنظر إلى قوة رد الفعل وعنفه والزوبعة المثارة حوله، فرديا وجماعيا.

 

ج – السعي إلى «تدويل» الأزمة – إن جاز التعبير – بإصدار بيان يعبر عن استياء نخبة من المثقفين والكتاب اللبنانيين والسوريين والمصريين (والبقية آتية لا محالة)، نشرته مجلة الآداب اللبنانية، وسُلمت نسخة منه إلى وكالة «فرانس برس» بالقاهرة، لتنشره وكالة رويتر بعد ذلك، يستنكر “حملة التشهير والذم والاتهامات البذيئة” ضد الغيطاني، بل ويذهب إلى حد مماهاة الثقافة العربية معه، بحيث صار «المسُّ» به «مسًّا» بها، و«الإساءة» إليه «إساءة» إليها. ورد في البيان:

 

«”عرف العالم العربي قبل سقوط بغداد اجتهادات فكرية لا تميّز الاحتلال من التحرير، ولا الديموقراطية من الإخضاع. وشهد بعد سقوط بغداد تنديداً بالعروبة في مختلف وجوهها، وخلطاً لازماً لا فكاك فيه بين الوحدة العربية والديكتاتورية. بل أرجع بعض المثقفين كلّ تطلّع وحدوي عربي إلى موروث متخلف بائد، مسوّغين السيطرة الأميركية على العراق وغير العراق.

 

في هذا السياق انطلقت حملة من التشهير والذم والاتهامات البذيئة ضد الروائي والمثقف المصري العربي جمال الغيطاني، الذي اختار أن يدافع عن الهوية العربية وأن يلتزم أخلاقية الكتابة. ولا يخفى على أحد أن أصوات النميمة والتزوير تتهم في الغيطاني التزامه ذاك، الذي يتضمن العراق وفلسطين ويتجاوزهما، وتستنكر فيه رفضه للتبشير الكاذب وتشويه الحقائق. إننا ككتّاب عرب نشجب الحملة التي يتعرض لها جمال الغيطاني، ونرفض مبدأ الاتهام الذي لا يأتلف مع القيم الثقافية بل يقمع حرية الرأي بالنميمة والتشويه، مدركين أن الدفاع عن الغيطاني دفاع ضروري عن الثقافة الوطنية العربية التي أسهم هذا الكاتب في إثرائها وتطويرها”

 

من لبنان وقع كل من سهيل ادريس وسماح إدريس ويمنى العيد ومحمد دكروب، ومن سوريا جمال باروت ونبيل سليمان وعبد الرزاق عيد ونهاد سريس، ومن مصر نجيب محفوظ (نوبل للآداب، 1988)، ويوسف القعيد، محمد البساطي، عزت القمحاوي، محمود أمين العالم، فريال غزول … والبقية ستأتى لا محالة بالنظر إلا أن مجلة «الآداب» وضعت رهن الراغبين عنوانا إلكترونيا لـ «لتواقيع إضافية أو لبحث هذه المسألة».

 

والملاحظة البارزة في هذا البيان هي هذا التعارض الوجداني بين وضع القضية في إطار عام واعتبارها مسألة شخصية تهم الغيطاني وحده: فمن جهة ثمة إقرار بوجود حملة تستهدف مناهضة العروبة والقومية والوحدة ورفض السيطرة الأمريكية، وهو ما يقتضي وقوع أسماء كثيرة تحت طائلة العملية التي المنعوتة بـ «حملة للتشهير والذم والتهامات البذيئة» و«القامعة لحرية الرأي والتعبير»، لكن، من جهة أخرى، بدل سرد بعض هذه الأسماء (انظر مقال «شعراء صدام والبعث» في الإمبراطور، مثلا) أو الإشارة إلى توقع مهاجمة أسماء أخرى، تم حصر قائمة ضحايا الحملة في شخص واحد، وهو ما يحول مسألة السياق إلى مجرد إشارة باهتة. أمر غريب لا تضاهيه إلا غرابة التفسير المقدم لمستهل الحملة المفترضة: لقد هوجم الغيطاني لأنه «اختار أن يدافع عن الهوية العربية وأن يلتزم أخلاقية الكتابة»، ولأنه «يرفض التبشير الكاذب وتشويه الحقائق». تفسير لا يمكن أن يجيب عن أسئلة من نوع: إذا كانت الحملة تستهدف الصفتين السابقتين، فهل الغيطاني هو المثقف الوحيد الذي يتحلى بهما في الوطن العربي؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك فلماذا الغيطاني دون غيره؟ هل المسألة شخصية بالقدر الذي يراد إظهارها به؟ وإذا لم تكن كذلك فأي أشياء تهدد هذه «الحملة» في العمق بتعريتها، بما يجعل إضفاء الطابع الفردي عليها طوق نجاة وحيد لإبقائها مستورة؟ ثم ماذا لو كشف المستقبل عن تلطخ أسماء ثقافية أخرى بمستنقعات صدام؟ هل سيطلع علينا هؤلاء المثقفون في كل مرة ببيان يدافع عن المتهم الجديد؟…

 

ولحد كتابة هذه الأسطر لا زال دفاع الغيطاني يصر على تكذيب أن يكون مؤلف «وقائع حانة الزعفراني» هو كاتب «زبيبة والملك». فقد ظهر يومه (03/06/2003) مقال يلخص مضمونه في عنوانه: «زبيبة والملك. لا أعتقد أن الغيطاني فعلها!!».

 

إذا كان بيت القصيد في القضية (من زاويتها الضيقة) – على نحو ما يبدو الآن على الأقل، إن أخذنا أقوال الاتهام والدفاع مجتمعة – هو (إثبات أو نفي) دليل تعامل الغيطاني مع الديكتاتور المخلوع، ألا يشكل كل من كتاب «حراس البوابة الشرقية» الحامل توقيع الغيطاني وأسفار الغيطاني للعراق دليلا – بديلا ماديا على هذا التعامل؟ لماذا هذا الإصرار، من لدن الغيطاني وأنصاره، على حصر القضية في مسألة تأليف كتاب أو كتابين في الوقت الذي يقوم صك الاتهام على مبدأ التعامل مع النظام العراقي، وهو ما يؤكده الغيطاني ضمنيا عندما يصرح بأنه كان يتردد على العراق إلى حدود سنة 1988؟ هل كان حكام العراق قبل هذا التاريخ ملائكة ثم تحولوا إلى شياطين؟ وبالمناسبة هل ثبات هذا التردد هو ما يفسر حصر البيان الحملة في نطاق الغيطاني أم أن البيان اتخذ ضمنيا من الروائي «المظلوم» مشجبا لتعليق / تأجيل (إلى تاريخ غير مسمى) كل حديث عن أسماء أخرى؟

 

– 4 –

 

يحدد المقال الصادر في «الإمبراطور»، بتاريخ 21 / 05 / 2003، تحت عنوان: «جمال الغيطاني من أصحاب السوابق!! ورواية “حراس البوابة الشرقية” دليل مادي بإدانته كمجرم حرب» السياق الذي تندرج فيه القضية، وهو ظاهرة محاكمة مجرمي الحروب التي اهتدت إليها المجتمعات البشرية غداة الحرب العالمية الثانية، والتي لم تطل العسكريين النازيين والفاشيين وحدهم بل، وكذلك الشعراء والكتاب الذين صفقوا للديكتاتوريات، إذ وضع الشاعر الأمريكي عزرا باوند في مستشفى الأمراض العقلية بواشنطن، بسبب نشاطه في إيطاليا الفاشية ودعايته لها، واتهم الشاعر النرويجي كنوت هامسون بالخلل العقلي وحوكم وأدين، كما حوكم الكتاب المصفقون للرايش وتعرضوا للشنق… وإذا كان هذا الطرح يشكل تصعيدا في المسألة، فإن هذا التصعيد قد لا يجد مبرره سوى في عنف رد الفعل الصادر عن الغيطاني ودفاعه، المتمثل في إدراج طرح مثل هذه القضايا ضمن دائرة العمالة و السلوكات البوليسية المشبوهة، والإساءة للعروبة والقومية ، الخ.، وتجاوز ذلك إلى استدعاء الأمن والتوسل إلى القضاء. وهكذا، بعد التقاط هذا العنف والتشنج، يصوغ المقال صك الاتهام على النحو التالي:

 

«هنا.. نذكر الغيطاني – وقد لا يحتاج حتى إلى مثل موعظة التذكير هذه – عن مصير الأدباء والكتّاب، ممن ساندوا هتلر في حقبته النازية؟ ألم يحاكموا؟ ألم تذهب بهم كتاباتهم إلى المشانق، مثل قادة تلك الجيوش االذين نالوا العقاب في ساحات الإعدام ، بحيث كانت العقوبة شبه متعادلة ما بين من يقتل الآخر بالرصاص، وبين من يحرض على الموت المجاني تحت راية الرايخ الدموية؟!!

 

الغيطاني في العراق.. حرض رئيساً هو بالأساس من المصابين بهوس القتل. حرضه بامتياز. أو قدم له ما يبرر له شن تلك الحرب. ومن هنا.. يكون الحق لكل من فقد شهيداً من أهل العراق وإيران على حد سواء في حرب الخليج الأولى، مقاضاة الغيطاني، باعتباره كاتب محرض ومساند في أدبه لقائد القوات المسلحة صدام حسين!!

 

تهمة جرائم الحرب هنا، لا تنطبق على القاتل الذي يستعمل السلاح وحسب، بل إن الجريمة تشمل التحريض، كسلاح يقود إلى ارتكاب أعمال العنف والمجازر. والغيطاني متهم. وأهل الضحايا، وهم أكثر من مليوني قتيلاً، لديهم في رواية «حراس البوابة الشرقية» الدليل المادي لإنجاز التهمة وما يترتب عليها من استحقاقات في العقاب. هل في هذا ما يلومنا الغيطاني عليه؟ أم أن كتابة الروايات لعب أولاد. كل واحد يكتب رواية أو قصيد، فيقبض مالاً، ثم يدير ظهره ويختفي عن المسرح؟!! »

 

وواضح أن وضع القضية في هذا المستوى يجعلها لا تهم الغيطاني وحده، بل مجموع المثقفين الذين صفقوا للديكتاتور المخلوع، مقدمين له سندا للممارسة جنون القتل ليس في حق الشعب العراقي فحسب، بل وكذلك في حق الشعب الإيراني:

 

«ما أكبر حاجة العراقيين إلى محكمة عدل أدبية، لمقاضاة كل من شارك بقتلنا وجلدنا ونفينا وتحطيمنا على مدار أكثر من ثلاثين سنة من الإبادة الشاملة. من التهم الزائفة. من الملاحقات عبر الحدود. لم نعد نحتاج إلى معلمين في الأدب والسياسة والوطنيات. ولا نريد أن نغمد رؤوسنا في الرمال إلى الأبد، فنترك المرتزقة من شعراء ونفايات أحزاب ورقاصات ورقاصين، يتمتعون بسحت النفط الحرام، فيما الملايين من العراقيين تشرب الماء الخابط بديدانه، وهم لا يعلمون بدخول العالم عصر الألفية الثالثة؟!! ».

 

لا يدخل هذا المطلب ضمن ما يمكن أن يثير استغرابا، لأنه يتوفر على شرعية ومرجعية؛ فهو، من جهة، صادر من جهة عراقية، من متضررين من النظام الأسبق، الأمر الذي يجعل المسألة أكبر من أن تكون مجرد تصفية حساب بين مثقفين، وشاهد الضرر آلاف ضحايا القمع من سجناء ومعطوبين وهياكل مقابر الإبادات الجماعية ومشردين في بقاع العالم؛ ويتخذ له، من جهة أخرى، بمثابة مرجعيته ذلك الإنصاف الذي قامت به مجموعة من الشعوب غداة التخلص من ديكتاتورياتها. بكلمة واحدة إنه مطلب ليس شاذا في بابه، ولا يمكن لأي إنسان حداثي ونزيه ومتمدن إلا أن يتفهمه.

 

لكن ماذا حصل؟ ابتداء من يوم 26/06/2003 تناقلت وكالات الأنباء (بما في ذلك فرانس بريس ورويتر) خبر بيان مجلة «الآداب» (انظر أعلاه) متجاهلا هذا الطرح تجاهلا كليا، واضعا المسألة في سياق السعي للنيل من العروبة والقومية والوحدة العربية، وتكريس الهيمنة الأمريكية، إلى آخر الشعارات والاتهامات التي راحت حقلا لكل المزايدات، ثم حاصرا إياها فيما يبديها صراعا شخصيا بين الغيطاني ومثيري مسألة ضرورة محاكمة أدباء صدام ومثقفيه، ليغدو الحديث عن القضية «تبشيرا كاذبا» و«تشويها للحقائق» و«اتهاما لا يأتلف مع القيم الثقافية» و«قمعا للرأي بالنميمة والتشويه» وهجوما على «الثقافة الوطنية العربية» ممثلة في الغيطاني، مع ما يقتضيه ذلك كله طبعا من دفاع عن هذه الثقافة ممثلة في روائينا الذي صار هو هي وهي هو.

 

أن تحول مسألة علاقة مجموعة من المثقفين العرب بالديكتاتور المخلوع إلى ضرب من التابو والحقل الممنوع عن الكلام، بما يلازم ذلك من رفض للقيام بنقد ذاتي ومراجعة للمواقف واعتراف بالأخطاء وعزوف عن تنوير الرأي العام الثقافي العربي، فتلك صفعة كبرى توجه للثقافة العربية من قبل كبار مثقفيها وإهانة كبيرة للرأي العام الثقافي العربي من لدن كبار رموزه!!

 

ما ألفنا مثل هذا إلا من فقهاء الظلام والحكام المتسلطين!!

 

 

03/06/2003

+++++++++++++++++++++

ا.خ

 

“زبيبـة والملك” والغيطـاني

 

 

 

 

 

 

 

 

اصدرت مجلة “الآداب” بيانا وقّعه عدد من المثقفين (سهيل ادريس، عبد الرحمن منيف، فيصل درّاج، سماح ادريس، يمنى العيد، محمد دكروب، نبيل سليمان، عبد الرزاق عيد، محمد جمال باروت، بطرس الحلاق، نهاد سيريس) يندد بالحملة التي يتعرض لها جمال الغيطاني ويرفض “مبدأ الاتهام الذي لا يأتلف مع القيم الثقافية، بل يقمع حرية الرأي بالنميمة والتشويه…” (“الحياة” 27 ايار الجاري). الطريف ان البيان لا يشير الى المسألة التي يتصدى لها، فجاء في كلمات غامضة تحفل بالبلاغة القوموية والوطنية اكثر من اهتمامها بالموضوع الذي تدافع عنه.

 

 

 

لا أفهم سبب هذا النوع من البيانات، التي تكتفي بالمواقف العامة. الموضوع الذي يريد البيان الاشارة إليه هو الإتهام الذي وجهه شاعر “أم المعارك” العراقي رعد بندر الى الروائي المصري جمال الغيطاني، بأنه كتب الرواية المنسوبة الى الديكتاتور العراقي صدام حسين والتي تحمل عنوان “زبيبة والملك”.

 

 

 

اتهام الغيطاني بكتابة الرواية نُشر على موقع “الامبراطور” على الانترنت، ووقّعه كاتب يُدعى سليم عبد القادر، ويستند الى شهادة مزعومة لرعد بندر تفيد بأنه علم من عُدي بأن الغيطاني هو كاتب الرواية، وانه طُلب منه أن يلعب دوراً في رواية كان عُدي يعتزم كتابتها بقلم كاتب رواية ابيه.

 

 

 

الحكاية مثلما نُشرت في موقع “الامبراطور” مركّبة ولا هدف لها سوى التشهير والنميمة، وهذا واضح من اسم كاتبها المستعار، ومن عناصرها المختلفة. ولقد اتخذ الغيطاني، مثلما أعلن، اجراءات لرفع قضية تزوير على الموقع الذي قام بنشرها، ومن المنطقي أن يدعم المثقفون الدعوى التي اقامها الغيطاني، وأن يعملوا على كشف الحقائق منعاً لاستغلال سقوط الديكتاتورية البعثية الصدامية، في سبيل تشويه الثقافة العربية.

 

 

 

غير أنهم في المقابل، يجب أن يساهموا في الكشف عن جميع عناصر الفضيحة الاخلاقية التي صنعها الديكتاتور العراقي، وخصوصاً في المجال الثقافي. من اختفاء بعض مثقفي النظام وموتهم الى القمع الوحشي الذي مارسه صدام حسين ضد الثقافة والمثقفين في العراق، بحيث صار المنفى العراقي هو اكبر منافي المثقفين في العالم.

 

 

 

وعلينا ايضاَ أن نكشف عن كتبة النظام والمرتشين، والاقلام التي باعت نفسها من هذا النظام العربي الوحشي، الذي كان انجازه الأكبر استدعاءه للاحتلال، وعدم مقاومته المخجلة لجيوش الاجتياح الأميركي – البريطاني.

 

 

 

لذا تبدو المقدمة الايديولوجية لبيان “الآداب” ملصقة على الموضوع، مثلما تبدو الصيغة التعميمية للدفاع عن الغيطاني غير منطقية. فالمسميات يجب أن لا تُحجب بحجة التنوير او الدفاع عن العروبة أو في مواجهة الاحتلال الأميركي. المسألة واضحة وبسيطة كاتب اتهم برواية، ميزتها الأولى هي الرداءة، ومن حقه وحقّنا رفع دعوى قضائية من اجل رد التهمة، والكشف، وهذا هو المهم، عن الكتّاب الحقيقيين الذين كتبوا روايات لصدام او قصص للقذافي او قصائد وكتب لغيرهما من الامراء والضباط وقادة اجهزة الاستخبارات.

 

 

ا.خ

 

 

 

 

 

عـن:

http://www.annaharonline.com

´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´

علي عبد الأمير

 

عراقيون يتهمون سامي محمد بتأليف “رواية” صدام حسين

 

بغداد

 

 

 

 

 

في شباط (فبراير) العام 2000 كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين، التقى عدداً من كتّاب القصة والرواية والسيناريو، شارحاً لهم “الفارق بين أسباب كتابة الرواية وأسباب كتابة القصة القصيرة” ومشدداً على ان مواجهة مركبة مثل “أم المعارك” لا يمكن التعاطي معها أدبياً إلا عبر الرواية، بينما المعارك الأخرى “الأقل شموخاً” تجد في القصة شكلاً يناسبها.

 

المفاجأة في ذلك الاجتماع لم تكن في ربط صدام حسين بين “أم معاركه” والرواية، انما كانت في اعلانه عن نيته كتابة رواية. وهذا ما تحول “أمراً رئاسياً” كان على وكيل وزارة الإعلام في حينه الشاعر حميد سعيد أن يجد له مخرجاً ويحوّله نصاً مكتوباً بالاعتماد على أحاديث مسجلة بصوت صدام حسين.

 

ما تردد عن ان الروائي المصري جمال الغيطاني هو “المؤلف الحقيقي” لرواية “زبيبة والملك”، نفاه صحافيون عملوا في “المكتب الصحافي” التابع لرئاسة الجمهورية، مشيرين الى ان “صدام كان يسرد أحداث الرواية شفاهياًَ في تسجيلات صوتية، يتم ارسالها الى المكتب، وكان العاملون يحوّلون الأحاديث نصاً مكتوباً يرسل الى مكتب الرئيس للوصول الى شكل نهائي للنص”.

 

وذكروا ان مسودّة رواية “زبيبة والملك” كانت عرضت على كاتب السيناريو والمترجم الراحل سامي محمد بترشيح من حميد سعيد الذي تربطه صداقة عميقة بالراحل. وكان محمد توفي بعد شهور على صدور الرواية “في ظروف غامضة”.

 

ويرجح كتّاب عراقيون اسناد مهمة المراجعة النهائية لروايات صدام التي صدرت بعد “زبيبة والملك” وهي: “القلعة الحصينة”، “رجال ومدينة” وأخيراً “أخرج منها يا ملعون” التي تكدست نسخها في مطابع “دار الحرية” ولم توزع بعد سقوط النظام في بغداد، الى “لجنة من الكتّاب”. ولم يستبعدوا ان يكون من بين أعضائها الشاعر فاروق سلوم الذي كان أوضح الى “الحياة” قبل عامين “ان صدام يعكف على كتابة روايتين”.

 

وفيما كان كتّاب وشعراء ونقاد عراقيون يتسابقون لنشر مقالات في صحف بغداد، تكيل المديح الى “الروائي العبقري” و”الكاتب الفاضل” و”الروائي النجيب” بعد أيام على صدور كل رواية من روايات صدام، أصبح الوقت هذه الأيام مخصصاً في أحاديث الأدباء العراقيين الجانبية للسخرية في تلك المقالات، ومن قدرة أصحابها على التحول من “مادحين” الى مدبجي مقالات في التنديد “بإرهاب صدام وجرائمه”!

 

بيان جديد ورسالة

 

ومن ناحية أخرى ما برحت قضية الاتهام الذي وجّه الى جمال الغيطاني تلقى ردود أفعال عربية. وقد أصدر اتحاد الكتّاب الفلسطينيين بياناً حمل عنوان “ارفعوا ايديكم عن الروائي جمال الغيطاني”، وجاء فيه:

 

“يتابع الكتّاب الفلسطينيون بقلق بالغ الحملات المسعورة لأجهزة الإعلام الإمبريالية والاستعمارية الصهيونية التي ترافق العدوان البشع الذي يتعرض له شعبنا في العراق الشقيق والنيات المبيتة للنيل من استقلال الأقطار العربية في أجواء صراع الحضارات وان ما يتعرض له الروائي جمال الغيطاني الآن من اتهامات حول كتابته لرواية “زبيبه والملك” هو جانب من جوانب العدوان على واحدة من أهم القيم الإنسانية وهي حرية الرأي وحرية التعبير وان محاولة اغتيالهما انما هو اغتيال للثقافة العربية التي هي الركن الأساس في حضارة الأمة ومستقبل وجودها وان هذه الحملة ضد الروائي العربي المعروف جمال الغيطاني المهتم بتوظيف التراث العربي في روايته، انما هي ضد الكتاب والمثقفين العرب الذين يرفضون منهج العدوان والاحتلال ويتمسكون بثقافتهم العربية وتراثهم.

 

وأضاف البيان: “ان الكتّاب الفلسطينيين وعبر اتحادهم “اتحاد الكتّاب الفلسطينيين” يستنكرون بشدة حملات التشهير والذم والاتهامات التي تعرض لها الغيطاني ويناشدون أشقاءهم الكتّاب العرب بوحدة الصف والكلمة والموقف ويؤدون على ضرورة التكاتف والتضامن في وجه الهجمة الشرسة التي تستهدف الحضارة والثقافة الإنسانية في مهد ولادتها ووجودها الأول وهم يواصلون الصمود في وجه المخططات الاحتلالية حتى النصر وتحرير الأرض وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف”.

 

وتلقى الغيطاني رسالة من وزيرة الثقافة السورية السابقة نجاح العطار تقول فيها: “لم أصدق أن يجرؤ أحد على توجيه مثل هذه التهمة التي وجهوها اليك، مع أننا في زمن يسهل فيه الافتراء وتسقط القيم وتنضاف الى المحن الكبيرة والأليمة المتتالية تفاهات صغيرة تزيد من احساس الفرد بالانهيارات المحيطة، والكل يعرف موقعك في النضال على جبهة الفكر وسلاح الكلمة، والكل أيضاً يعرف أسلوبك الذي لا يختلط بغيره، وحجمك الروائي الذي به نعتز، ولقد كنت دائماً، ومنذ عرفناك، إنسان قيم ينافح عن مبادئ الوطن بجرأة وعزيمة. انا واثقة من أن هذا الافتراء لن يضعف من عزيمتك، ولن يترك أثراً في نفسك الصافية”.

 

وواصل عدد من الأدباء العرب توقيع بيان “الآداب” المتضامن مع جمال الغيطاني ومن هؤلاء: نجيب محفوظ، جابر عصفور، بهاء طاهر، محمد البساطي، يوسف القعيد، وسواهم.

 

 

 

 

 

الحياة 2003/06/05

++++++++++++++++

بيان التضامن مع حراس البوابة الشرقيـة

 

 

 

 

 

 

 

ما أسرع المثقفين العرب إلى إصدار بيانات التضامن، وما أحرصهم على حرية الكلمة وعلى سمعة الكتاب العرب! الأمة بخير وثقافتنا العربية بخير.. أقول هذا بعد اطلاعي على حملة التضامن التي أطلقتها مجلة الآداب البيروتية، أعرق المجلات الثقافية العربية، ووقّع بيانها كتّاب لامعون مثل نجيب محفوظ وسهيل ادريس وسماح ادريس وعبد الرحمن منيف وفيصل درّاج ويمنى العيد ومحمد دكروب وغيرهم.

الحملة تسعى إلى إعلان التضامن مع الكاتب المصري جمال الغيطاني ضدّ الافتراءات التي أطلقها ضدّه كاتبٌ عراقيّ اتهمه فيها بأنه المؤلف الحقيقي لرواية “زبيبة والملك” المنسوبة إلى الرئيس العراقي الهارب صدّام حسين. ولأنّ أيّ مثقفٍ لا يقبل بتوجيه تهمة من هذا النوع ودون دلائل مقنعة إلى كاتبٍ معروف فإن على المثقفين العراقيين أن يفرحوا بهذا التضامن وعليهم أيضاً أن يكتموا تساؤلاتهم المريرة عن صمت هؤلاء المثقفين العرب الكبار إزاء جرائم أكبر بكثير من تلفيق تهمة تسيء إلى سمعة كاتبٍ عربي. صمتهم مثلاً على عشرات المقابر الجماعية التي يجري اكتشافها يومياً على أرضٍ بلدٍ عربي . أو لكي نبقى في حدود القضايا الثقافية، صمتهم على وجود آ لاف المثقفين العراقيين خارج وطنهم منذ عقود، وعلى جريمة كمّ الأفواه ومحاصرة المثقفين ومصادرة حرياتهم في بلاد الرافدين. صمتهم على إعدام المفكر الاسلامي الكبير محمد باقر الصدر وشقيقته الكاتبة آمنة الصدر. صمتهم على إعدام القاص الشاب حاكم محمد حسين وعلى تغييب الكاتب عزيز السيد جاسم الذي لم يعرف مصيره حتى الآن وقد فتحت السجون السرية والعلنية. صمتهم … إلى آخر الصمت.

عليّ كعراقيّ أن أكتم مرارتي وأشارك المثقفين العرب تضامنهم مع الكاتب جمال الغيطاني، لكنّي لا أستطيع كتم مرارةٍ أخرى، مصدرها جمال الغيطاني ذاته الذي هبّ كل مثقفي العرب للدفاع عنه وتسابقت كلّ الصحف لنشر حملة التضامن معه. جمال الغيطاني قرر ألا يردّ على التهم تنفيذاً لنصيحة محاميه الذي سيتبنى مقاضاة الموقع الالكتروني العراقيّ الذي نشر التهمة على صفحاته. لكنه اغتنم الفرصة ليشرح طبيعة علاقته بالنظام العراقي الهارب، ويبعد عن نفسه صفة التعاون والارتزاق مع ذلك النظام، ولا يجد غضاضة لتحقيق هذا الهدف في تزوير تاريخه الشخصي وتزوير مضمون كتاب ألفه أواسط السبعينات ليدّعي في مقالة كتبها عبده وازن في جريدة الحياة وتضمنت تصريحات للغيطاني بأن كتابه ذاك الذي يحمل عنوان “حراس البوابة الشرقية” كان يتحدث عن دور الجيش العراقي في فلسطين.

قبل أن أتحدث عن ذلك الكتاب وعن المساهمات القومية الأخرى للغيطاني المدفوعة الأجر من وزارة الثقافة والاعلام العراقية، لا بدّ أن أقول رأيي في حكاية “زبيبة والملك” وما قيل عن علاقة الغيطاني بها.. وتلك مرارةٌ أخرى!

لا أفهم ميل بعض العراقيين إلى المبالغة والاختلاق لتأكيد إجرام النظام الهارب ودمويته وكأن الحقائق الموثقة والمثبتة غير كافية لذلك. وفي السياق نفسه تأتي الاتهامات المبالغ بها التي يسوقها كتّاب عراقيون ليثبتوا أن عدداً كبيراً من المثقفين والاعلاميين العرب خدموا النظام الفاشي في العراق لقاء أموالٍ وهدايا ودعوات. فهذه الحقيقة معروفة وهناك الكثير من الوقائع المؤكدة التي تدعمها فما الحاجة إلى اختلاق قصص بوليسية مهلهلة كالقصة التي نشرها الكاتب العراقي سليم عبد القادر حول الغيطاني ودوره في كتابة رواية “زبيبة والملك” .. قصة مضحكة تفتقر إلى الذكاء وأول ما يدحضها هو الكتاب نفسه. وكتاب “زبيبة والملك” ليس رواية على الاطلاق بأي مقياسٍ أدبي ولا يعقل أن يكتب جمال الغيطاني هراء مملا كالذي تضمنه كتاب “زبيبة والملك” . لقد بذلتُ جهداً كبيراً لقراءتها ولم أتمكن من إكمالها رغم أني أستمتع أحياناً بقراءة الأدب الرديء. إنها من الرداءة بحيث لا يمكن أن يكتبها إلا صدّام حسين نفسه، وهي تحمل الكثير من أسلوبه السمج الذي يعرفه من استمع إلى أحاديثه المملة والطويلة على التلفاز. ومن المؤكد أن أديباً عراقياً ما قد قام بمراجعتها لغوياً، وربما عدّل بعض فقراتها . لكنها في مجملها لا تختلف عن أحاديث صدّام المملة والسمجة. ومن الواضح أن نسبتها إلى جمال الغيطاني لا تستند إلى أيّ دليل وتتعارض مع المنطق.

أليس من الأنفع للثقافة العراقية فضح الأدوار الحقيقية للكتاب العرب الذين خدموا الفاشية بدلاً من تسخيف الأمر باختلاق قصص غير معقولة؟ أليس في السيرة المثبتة لجمال الغيطاني وغيره من الكتاب العرب ما يدينه ويبرّر محاسبته أمام الضمير الثقافي العراقي والعربي والانساني؟ فلنعد إذن إلى “حرّاس البوابة الشرقية” الذي يزعم الكاتب عبده وازن نقلاً عن الغيطاني نفسه أنه يدور حول دور الجيش العراقي في فلسطين. لقد صدر الكتاب في عام 1975 عن وزارة الاعلام العراقية ومكان أحداثه ليس فلسطين بل كردستان العراق . وهو يصوّر بطولات الجيش العراقي الذي كان يقوم بأعمال تصفية عرقية ضدّ أكراد العراق، والكتاب يصفهم بأنهم إنفصاليون حاقدون على العروبة وعملاء لأعدائها. وحين شنّ النظام العراقي حربه القذرة على إيران استخدم الاعلام العراقي الرسمي عبارة ” حرّاس البوابة الشرقية” بكثرة وكان الغيطاني يفخر بأنه مبدعها. وطوال عقد الثمانينيات كان الغيطاني ضيفاً مكرما لدى الحكومة العراقية، ولم يتفوه يوماً بكلمة تدين ولو تلميحاً الجرائم القومية الكبرى التي ارتكبها النظام ولا بدّ أن الغيطاني قد سمع ببعضها من العراقيين الذين يلتقيهم في زياراته أو من المنفيين الذين يلتقيهم خارج العراق. ويقول الغيطاني إن زياراته إلى العراق توقفت بعد مصرع وزير الدفاع عدنان خير الله (ابن خال صدّام وشقيق زوجته) الذي تربطه به علاقةٌ “قومية” ! مرحى لإنسانية الأدب ومرحى لهذه العلاقة القومية التي تربط كاتباً عالمياً بجنرال زائف صعد إلى سدّة الوزارة على جماجم ضحاياه!!

إن تاريخ صدور كتاب الغيطاني سيء الذكر يؤكد أنه وبجدارة من الروّاد الأوائل في حفلة السمسرة الثقافية العربية التي كان العراق القوميّ ميدانها. وإنه لأمر مشين يسيء إلى الجوهر الانساني للكتابة والأدب أن يأتي كاتبٌ مصري (صار الآن كاتباً عالمياً كما ورد في مقال الحياة) ليمجد عملية إبادة عرقية بدافع التضامن القومي العروبيّ . ومع أن المرتزقة من الكتاب العراقيين بلغوا شأواً بعيداً في تمجيد العنف والجريمة إلا أنني لا أعرف أحداً منهم تجرأ على تأليف كتابٍ عن بطولات الجيش العراقي في إبادة الكرد. ذلك أن الكتاب العراقيين مهما بلغت درجة ارتزاقهم فإنهم أعرف من غيرهم بخطورة هذا الأمر وحساسيته.

في التسعينات أقيم في مدينة أربيل (عاصمة كردستان العراق) مهرجان تكريمي لشاعر العرب محمد مهدي الجواهري دعي إليه عدد من المثقفين العراقيين والعرب، وبدلاً من النظر إلى هذه المبادرة بوصفها تقريباً بين الثقافتين العربية والكردية، وتعبيراً عن عراقية الكرد، شنّ جمال الغيطاني هجوماً شرساً على المشاركين الذين وصف مشاركتهم بأنها خدمة للمخططات الاستعمارية لتقسيم العراق وتكريس الواقع الانفصالي في شمال العراق. ولا أدري ما الذي على الكرد أن يفعلوه أكثر من إقامة مهرجان للجواهري ليثبتوا لجمال الغيطاني أنهم عراقيون، أكثر منه بالتأكيد، ثمّ هل هناك كاتبٌ يدّعي العالمية يبني مواقفه الثقافية كلها على أسسٍ قوميةٍ مليئة بالعنصرية مهما حاول الغيطاني وغيره من القوميين استخدام مصطلحات تبدو أكثر إنسانية وبراءة؟ ألم يكن الأجدر بجمال الغيطاني أن يذهب بنفسه إلى أربيل ليتحقق من مزاعم العمالة التي يتهم بها كرد العراق، أما كان الأجدر به أن يستثمر تلك الفرصة ويقدّم اعتذاره إلى الأكراد عن كتابه الذي أطلق فيه على جلاديهم لقب “حراس البوابة الشرقية”؟ أما كان الأجدر به الآن، في أسوأ الأحوال، أن يتجاهل ذلك الكتاب بدل أن يزوّر مضمونه ويدّعي أن أحداثه تدور في فلسطين؟

 

وأخيراً.. أخاطب مجلة الآداب البيروتية، والأدباء الذين تضامنوا مع الغيطاني.. من الأجدر بالتضامن، الأشخاص أم الحقيقة؟ الأسماء اللامعة أم الشعوب المقهورة؟ الكاتب الذي يمجّد العنصرية أم الكتـّاب الذين غيّـبتهم الايديولوجيا العنصرية أو قتلتهم أو شرّدتهم إلى جهات العالم الأربع ؟؟؟

 

(خاص بأصداء)

شعلان شريف – الخميس 29 مايو 2003

 

 

+++++++++++++++

عبده وازن

 

مدّاحو أدب الزعيم

 

 

 

 

 

كان – ولا يزال – من عادة بعض أهل الأدب أن يطمحوا الى الوصول الى مقاعد السياسيين وليس العكس. فالسياسيون مهما بلغت بهم “قريحتهم” الأدبية ما كانوا ليطمعوا في احتلال مقاعد الأدباء. بعض “الزعماء” جاؤوا من الأدب الى السياسة وظلّوا أدباء وصالحوا بين الأدب والسياسة من غير ادّعاء. لكنّ معظم الذين جاؤوا من “الزعامة” السياسية الى الأدب ظلّوا بمثابة الـ”متأدّبين” الذين اكتشفوا متأخرين مواهبهم الأدبية. سنغور وفاكلاف هافل وجورج بومبيدو وسواهم – وربما فارغاس يوسا الذي سقط في انتخابات الرئاسة في البيرو – جاؤوا السياسة من الأدب، لكنهم لم يستغلّوا مناصبهم “الرئاسية” ليفرضوا أدبهم على مواطنيهم – ولا على الطلاب والبرامج المدرسية والجامعية.

الديكتاتور المخلوع صدام حسين نجح في “كسر” القاعدة ودخل عالم الأدب من الباب الواسع ونال من التقريظ النقدي ما لم ينله أديب عراقي وأجبر الجامعات والمدارس على إدراج أدبه المسروق والمنحول في البرامج بغية نشر أفكاره المثلى ومبادئه في أوساط الطلاب والناشئين. وبلغت به صلافته شاؤها عبر تحقيره الأدباء وجعلهم خدّاماً ورعاعاً لا يأنفون من مدحه وهو يرتقي المسرح فيما هم تحت قدميه.

الزعيم الليبي المعمّر القذافي شاء قبل سنوات ان يكون قصاصاً فأصدر مجموعة قصصية ما برحت يتيمة وبدا عنوانها غريباً: “القرية القرية، الأرض الأرض وانتحار رجل الفضاء”. لكنّه – على ما يبدو – أراد من الأدب ان يكون “في خدمة النظرية” كما يشير أحد “النقدة” فأصدر بعد المجموعة القصصية كتاباً سياسياً عنوانه أغرب من العنوان السابق وهو “دولة الحقراء”، وجاء في سلسلة “منشورات ضدّ القانون”. وطبعاً لا يمكن نسيان أو تناسي “الكتاب الأخضر” الذي بات بمثابة الكتاب الشعبيّ والرسمي، الرائج والمعتمد في الجماهيرية الليبية.

ليس المهمّ أن يكون القذافي هو صاحب القصص أو ألاّ يكون صاحبها، هذه مسألة أخرى. المهمّ أنّ القذافي أصبح بين ليلة وضحاها أكبر كاتب ليبي وواحداً من كبار القاصين العرب بحسب ما أفادت الأبحاث الجديدة التي تناولت كتابيه: المجموعة القصصية اليتيمة و”دولة الحقراء”. والأبحاث كتبها 32 ناقداً وكاتباً من ليبيا وبعض الدول العربية. ولو لم يرفض عدد – لا بأس به – من الكتّاب والنقاد العرب الآخرين المشاركة في الأبحاث لكان بلغ عددها المئة.

قدّمت الأبحاث في ندوة عنوانها “القذافي كاتباً ومبدعاً” وعقدت على هامش الاحتفال بالدورة الأخيرة لـ”جائزة القذافي الدولية لحقوق الإنسان” وكان فاز بها كتّاب غربيون وعرب من أمثال: روجيه غارودي، جون زيغلر، نديم البيطار، أحمد الفقيه، ابراهيم الكوني، محمد الفيتوري وسواهم.

قد يكون الفوز بجائزة القذافي أقل عبئاً من المشاركة في ندوة حول أدبه الإبداعي، فالفائز ليس مضطراً لمديح أدب القذافي بل قد يكتفي بمدح سياسته أو شخصه. ومديح زعيم مثل القذافي أسهل كثيراً من مديح أدبه، ولعل القذافي – كما يقال – يعلم ذلك تمام العلم. فالتراث العربي أصلاً حافل بما لا يحصى من المدائح التي كالها الشعراء للحكام والسلاطين، ونادراً ما خلا ديوان قديم من المديح الذي كان يعتبر “نوعاً” من الأنواع الأدبية الفريدة.

ليس القذافي هو الذي دعا النقاد والكتّاب العرب الى المشاركة في الندوة، فهو على الأرجح لم يحضر الاحتفال ولا الندوة كما ورد في المجلة الليبية “الفصول الأربعة” التي خصصت ملفاً لأدب القذافي، إذ رفع المشاركون في الختام “برقية للأخ قائد الثورة”. فالقذافي يملك من الهموم ما يجعله غير قادر على ملاحقة “الآثار” الإبداعية التي تركها أدبه. انها طبعاً “رابطة الأدباء الليبيّين” التي تولّت المهمّة رغبة منها في ترسيخ صورة القذافي الأديب والمبدع. وهذا ما يعني أنّ ما من كاتب أو ناقد عربي كان مجبراً أو مضطراً للمشاركة في ندوة “المديح”، وقد يعني أيضاً أنّ الكتّاب والنقاد العرب لبّوا الدعوة نزولاً عند رغباتهم الشخصية وطمعاً بما تعني هذه المشاركة من ومن…. على أن السؤال الأليم الذي يطرحه أي مثقف عربي على نفسه هو: ما الذي يضطر هؤلاء الأدباء والنقاد لمديح أدب هم على قناعة تامة أنّه لا يستحقّ – أو يحتمل – مثل هذه الندوات الكبيرة التي يفترض بها أن تدور حول نتاج الأدباء الكبار الذين كانوا بمثابة المنائر في العالم العربي؟ ياسين رفاعية، كوليت خوري، عبد الله أبو هيف من سورية، عز الدين ميهوبي رئيس اتحاد الكتّاب الجزائريين، واسيني الأعرج الروائي الجزائري الطليعي، الروائي العراقي شاكر نوري، الناقد المغربي بشير القمري، القاص المغربي إدريس الخوري، الروائية المصرية الشابة ميرال الطحاوي، الكاتب السوداني طلحة جبريل وسواهم من أمثال: حسن حميد، رجب أبو دبوس، عبد القادر الحصيني، محمد الخالدي، لطفية القبائلي، فؤاد قنديل، عبد الرسول عريبي، شكري البكري وسواهم وسواهم…

هل تستحق المجموعة القصصية اليتيمة التي نشرها القذافي أن يُدعى الى “مائدتها” مثل هؤلاء الكتّاب والنقاد وأن يقدموا عنها دراسات و”يحبّروا” لها أوراقاً كثيرة؟ ترى، ألا يعلم القذافي أنّ في الأمر مبالغة فاضحة ونيّات غير أدبية ونقدية؟ يخبر أحد الذين شاركوا سابقاً في ندوة عن أدب القذافي كيف التقاهم في خيمته وكيف جعلهم يدركون أنّه على علم بما يضمرون وهو ما يختلف تماماً عمّا يكتبونه في دراساتهم ومقالاتهم. ويروي هذا الناقد كيف أنّه شعر بما يشبه الذلّ حين فضح القذافي بنفسه تلك الأكاذيب النقدية.

الشاعر محمد الفيتوري ألقى قصيدة عصماء في الاحتفال مدح فيها القذافي ولم يمدح أدبه. وحاولت الروائية ميرال الطحاوي – التي تُرجمت رواياتها الى لغات أجنبية – أن تتحايل في ورقتها على الموضوع، متطرّقة الى أدب الصحراء، لكنها اضطرت في الختام أن تتحدث عن “الإيماءات المشبعة بالحنين” وعن “أوجه اليوتوبيا” في قصص القذافي. الناقدة فاطمة سالم الحاجي كتبت دراسة بنيوية عن إحدى قصص القذافي واستعانت أيضاً بالمنهج “الثاناتولوجي” بغية “دراسة الموت في أدب القذافي وهو مجال علمي جديد”. واكتشفت لدى الزعيم الليبي “رؤية فنية مركّبة للموت ومخالفة لمنظورنا الاعتيادي”. وتحدث الكاتب هاني العمر عن خطب القذافي التي أحدثت “تحولاً فكرياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً سواء في ليبيا أو في العالمين العربي والغربي”.

دخل نتاج القذافي “معترك” الأدب العربي من أحد أبوابه الكبيرة التي شرّعها عدد من النقاد والكتّاب العرب، وبات هو واحداً من القاصّين العرب الذين ما عادوا يحتاجون الى أي شهادة أو اعتراف. وأدبه الذي كان ولج سابقاً الجامعة الليبية، أصبح الآن في حكم الأدب الراسخ والثابت وغير القابل للشك والمساءلة.

ترى، هل كان يظنّ الأدباء والنقاد العرب الذين شاركوا في الندوة أن خبر الندوة سيظل محصوراً في العاصمة الليبية ولن يتخطى جدرانها الى الخارج؟ إنّها مجلة “الفصول الأربعة” فضحت أعمال الندوة ظناً منها انها تؤدّي لهم خدمة جليلة. ويا لها من خدمة جليلة حقاً.

 

 

الحياة – 2003/06/08

´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´´

مخيلة اليورانيوم

علاقة الغيطاني بوزير الدفاع العراقي المقتول؟!!

 

 

 

 

 

(1)

من غبار الساعات الصاعد من الهاوية النائمة فينا.. إلى غبار الكلمات المتطاير فوق الرؤوس وفي أبار الذوات وعلى كراسيّ العقول المتمدّنة بالفضائح والأسمدة الخاصة بالأفكار، نتجلى في الهذيان العالي، مبتعدين عن كل حكمة تخدم كمّ الأفواه أو تسدّ على الأحلام منافذ الطيران من القفص، أو تبلط ممرات الحنجرة بالديناميت، فتجعل الكلام سيرة مفخخة بالخوف وبالإرهاب وبالصمت الذي إذا ما دنى من ضفة البوح، ارتفع كصخرة سيزيف عالياً، ليهوّي ثانية داخل النفس، مُحطماً آخر بقايا الأحياء في الحديقة الجيروسيكية: مكان المنقرضين وأضرحة أصواتهم الذابلة.

سنوات مرت قروناً. لم نر من صورة بلادنا غير جنازة تمر أمام مرآة في نهاية البرزخ الموصل ما بين الحكومة والله. تلك الجنازة. أو بلادنا الافتراضية، كانت تتناسخ بالانشطار الحر، حتى تحولت ذرات من قتلى الحروب. وذرات من قتلى المقاصل والسراديب. وذرات دخان تعقب كل حفلة إعدام بواسطة الرومونت كونترول. وذرات آدميين يسقون بعصير الثاليوم الزلال، تنضج فيهم فاكهة الموت العظيمة بطيئاً بطيئاً وحتى تساقط شعر تلك الفاكهة واهتراء لحمها.

وإذا كانت الجنائن المعلقة من ابتكار البابليين الأوائل، فتلك ميزة تجاوزها الديكتاتور صدام، عندما قام بتشييد قبور في الهواء: تربط أجساد المعارضين وتُعلق في الهواء حتى التعفن وخراب الخلايا. فتأتيهم الطير والكلاب والنمور لتأكل خلاصة خلق الربّ.

لم يكن الموت في العراق فردياً. نعمة الديكتاتور، حولت الموت الفردي إلى حالة جمعية. فما من قتيل إلا ويذهب برفقة قتيل آخر، يتسلى الاثنان، فيقضيان بذلك على وحشة الطريق، وهما باتجاه الله.

أين البلاد الرومانسية؟

وكل ما في الأرض من ضوء، خارق حارق مفتت للعظام ومبيد للسلالة!!

هل تنبتُ العواطفُ في أرض اليورانيوم المحروقة، بقدر ما اخترع الديكتاتور من حروب وكوارث انتهت بتسليم مفاتيح بغداد لرعاة البقر وراكبي الأشباح والـ B-52 ومطلقي التوما هوك والكروز وآخر ما في جعبة القبضاي اليانكي من الألعاب النارية والمشاريع السوداء؟

هل تستطيع الأحلام أن تكمل دورتها في طبيعة صامتة، امتلأت بطنها بالمقابر الجماعية، بحيث كل الأرض لشقائق النعمان؟

شعوب العالم.. كانت وما تزال، تبحث عن الكنوز في باطن الأرض ، عدا شعب العراق، فهو مضطر للتناقض مع تلك المسألة، عندما دُفع لاختار مهنة البحث عن ثروة من نوع آخر: العظام الآدمية في أكياس النايلون!!

في بداية الألفية الثالثة.. يكتشف المرء، إن في اليوم العراقي ألف ليلة للقتل، لا تقابلها ليلة واحدة لتطهير الفراش من الدم أو تنظيف أسنان الديكتاتور من لحوم قرابينه، بعدما تحول فمه مدخنة كيمياوية. وقصره إلى مشرحة لاغتصاب النساء وفصل أعناق المشكوك في ولائهم.

ويوم كان بعض العرب يحتفلون مع الديكتاتور في ألعابه البهلواني على ظهر خشبة المسرح، كان العراقيون، ممن مُسرحَ بهم ومُثلَ بأجسادهم، باقات استغاثات تنتهي في البئر العميقة تحت أقدام المحتفلين بالمربد، فيدفنون على إيقاع أصوات أولئك الشعراء المشاركين في تلك المقابر الشعرية.

بل كم كان مهيناً للشعر وللشعراء أن يُطلق محمود درويش على وزير مومس فاشي كوزير الثقافة لطيف نصيف جاسم لقب ((وزير الشعراء))؟

نحن اليوم أمام تجربة قاتلة. تجربة يجب أن تفتح كل الأبواب من أجل عدم تكرراها هنا أو هناك . تجربة الاصطفاف مع نظام الفاشيست فرانكو ضد لوركا جسداً وشعرية.

أم هؤلاء يعشقون لوركا بالاسم فقط؟

سجل دموي تدميري ضخم بهذا الحجم، يستحق انقلاب حقيقي في الثقافة العربية ومؤسساتها وأزقتها ومقاهيها وجرائدها ومنابرها وبيوتاتها الشعرية وصالوناتها الثقافية ومراكزها الإعلامية من الماء وإلى الماء.

التعرية ليست ظاهرة تخص التربة وحدها. بل تخص الثقافة أولاً وثانياً وثالثاً.

عندما قلت ذلك وبدأنا بنشر ما يرد للموقع من مواد، اتهمنا جمال الغيطاني بالتعامل مع أمريكا. وكم ظهر هذا الروائي سخيفاً في لصق تهمة سيدفع ثمنها غالياً.

بل كم تبدو الأسماء الموقعة على بيان التضامن معه نفعية تسترية خائبة، استغفلها الغيطاني، ليس من أجل تبرئته من كتابة (زبيبة والملك) بالضبط، بل ربما لقطع الطريق على ملف علاقته مع النظام العراقي، وتلك قضية أخطر بكثير من الرواية التافهة. قضية تخص تورط كاتب بعلاقة سريّة مشبوهة مع وزير الدفاع العراقي السابق عدنان خير الله طلفاح الذي تمت تصفيته في حادثة تفجير طائرته المروحية شمال بغداد يوم 5/5/1989!!

لم يعلن الغيطاني أسباب قراره بامتناع عن مواصلة زياراته لبغداد حتى قبل تلك الحادثة بشهور تقريباً. فهل لليسار العربي أو من بقي من قطيعه أن يستفسر من الغيطاني عن أسباب تهربه من ذلك الملف الذي يخص ارتباطاته بأحد أبرز رموز السلطة الفاشية في العراق آنذاك، وزير دفاع النظام في حرب الخليج الأولى وحرب إبادة الأكراد، وابن خال صدام حسين. وشقيق ساجدة طلفاح زوج صدام الأولى، أي قبل أن يمارس الرئيس المثنى الثلاث الرباع، فيدخل لعبة ما ملكت أياديه من حريم العراق والفرنجة؟!!

يبدو أن كتاب عرائض التضامن، هم من الطبيعة الصامتة التي لا تهش ولا تنش، شيوخ طريقة قطنية، تعتمد تقنية تقنين أصوات الاحتجاج، فلا ترفع نباحاً إلا عن موت كلب في تشيلي أو مقتل دابّة في نيكاراغوا .والعراقيون بغنى عن كل هؤلاء. فلديهم من اليسار أكوام وطوابير وحاويات في كل شارع. ولديهم من بكاء الشيعة ولطمهم وسيوفهم، ما يسد رمق العراق والأمة قروناً.

لا أحد يريد تصديق علاقة الروسي الشوفيني جيرنوفسكي بصدام. ولا علاقة العنصري الفرنسي لوبان بصدام. ولا علاقة اليتيم القومي بن بيلا بصدام. ولا عن علاقة البريطاني جورج غالاوي بصدام. ولا علاقة عبد البار عطوان بصدام. ولا عن قراءة شوقي بغدادي لأشعاره تحت ظلال صدام. ولا عن مديح الغيطاني لـ (حراس البوابة الشرقية) برئاسة صدام. ولا عن سهرة رغدة في قصر من قصور صدام ورغبتها بتمثيل دور زبيبة. ولا علاقة النازي النمساوي الجديد هاير بصدام. ولا عن ازدواجية المعايير والأخلاق لصاحب مجلة (الآداب) سهيل إدريس بطباعة أعداد خاصة بثقافة الفاشية في العراق.

هؤلاء نماذج. والأمثلة طوفان.. لا باب أو سد سيوقفه. كيف يمكن أن تنقذ المخيلة الشعرية من كل هذا كل هذا الوباء الذي استجلب للعراق يورانيوم أمريكا ومنضبات الاحتلال الأجنبي المتعددة الأخرى، كي يكون التدمير شاملاً: العقل والأرض معاً!..

أسعد الجبوري

 

´´´´´´´´´´´´´´´´´´

بغداد – رويتـرز

 

روايات صدام كتبتها لجنة بوزارة الإعلام وآخرها بعنوان «اخرج عليك اللعنة»

 

 

 

 

 

بغداد ـ رويترز: لم تنه اطاحة صدام حسين حكمه فحسب، بل وضعت ايضا نهاية لطموحاته الادبية التي تبين انه كان يكلف لجنة من الكتّاب والمثقفين في وزارة الثقافة والاعلام في بغداد تحقيقها له. فرواية صدام الاخيرة «اخرج من هنا عليك اللعنة» كانت على وشك ان تطرح في الاسواق عندما وقع الغزو الاميركي ـ البريطاني في 20 مارس (آذار) الماضي وبالتالي لم تر النور.

وحسب الكاتب العراقي علي عبد الأمير «كانت تلك رواية صدام الرابعة وكتبت عام 2002». لكن عبد الامير، يقول ان الرئيس المخلوع لم يكتب تلك الروايات بنفسه لكنه كلف لجنة في وزارة الثقافة والاعلام كتابتها. واضاف «صدام كان يحدد الخطوط العريضة لروايته على شريط صوتي مسجل، وكان موظفو القصر الجمهوري يكتبون ما يقول ويقدمونه للجنة التي كانت تضم كتّابا ومثقفين». وقال عبد الامير «ان اعضاء اللجنة كانوا يكتبون الرواية ويعيدونها الى صدام، وكان ذلك يتكرر الى ان تحظى الرواية بموافقته». وكانت نسخ رواية صدام الاخيرة «اخرج من هنا عليك اللعنة» التي لا تحمل، مثل سابقاتها ومنها «زبيبة والملك»، اسم صدام بل عبارة «كتاب بقلم كاتبه»، مخزونة في مبنى وزارة الاعلام وجاهزة للتوزيع، لكن الحرب اندلعت ولم يسلم منها إلا بضع نسخ. وتدور احداث الرواية حول نبيل عربي اسمه «سالم»، يقول عبد الامير انه صدام، يمثل القومية العربية ويدحر اعداءه الاميركيين واليهود. ويحاول سالم توحيد القبائل العربية في العراق لدحر «حسقيل»، الاجنبي الدخيل الذي يجسد الجشع والشر والقذارة، والمتحالف مع زعيم قبيلة رومانية، يرمز بها الى اميركا.

 

 

 

 

 

عن الشرق الأوسط – 12/06/2003

 

+++++++++++++++

محمد رضا نصر الله

 

هؤلاء شاركوا في الجريمة

 

 

 

 

تقدم قناة الجزيرة هذه الأيام لقاءات مباشرة – كل مساء – مع مواطنين عراقيين من مختلف الطبقات والتوجهات، ليفضفضوا عما في صدورهم من غثاء، تراكم على امتداد خمس وثلاثين سنة، هي عمر نظام حزب البعث، الفاشي في حكم العراق المنكوب.

وما تقدمه الجزيرة هذه الأيام، بعد سقوط حكم الطاغية، يكشف مدى الإجرام البنيوي، الذي مارسه نظام صدام حسين، ضد شعب شعر للحظة انه تعرض للاختطاف، ولم يعد في إمكانه مقاومة حديدية النظام الاستبدادي، بعدما دمرالنسيج الاجتماعي للوطن العراقي، تدميراً شديداً، لن يبرأ منه إلا بعد محاولات إسعافية عاجلة، وإعادة تأهيل نفسي واجتماعي وثقافي واقتصادي وسياسي مضنية.. تعيده إلى تذوق طعم الحرية، والاستمتاع بالحياة، التي افتقدها العراقيون، واحتكرها صدام حسين وزمرته الفاسدة، ببناء القصور وتبذير الثروات، والانهماك في الملذات المحرّمة.

@@ لكن ما يجعلني أستغرب استمرار قناة الجزيرة، في عرضها المتأخر لمسلسل الإجرام الصدامي!! هو أنها كانت إلى وقت قريب، قبل أن يهوي الصنم.. تدافع عنه بوسائل شتى! سواء تم ذلك عبر مقابلات “أحمد منصور” مع “سمير نجم” وكيل وزارة الخارجية، ووزير النفط بعد إبعاد “عامر الرشيد” في الأيام الأخيرة المتبقية من عمر النظام المخلوع.. وأتذكر أن “أحمد منصور” قد استمات وهو يجري لقاءه المفتوح والصريح! مع المسؤول العراقي، دون إيصال الأصوات الناقدة للنظام وممارساته الوحشية.. وذلك استمرار لنهج قناة “الرأي والرأي الآخر”! في محاولة تلميع نظام صدام حسين عبر برنامج “أكثر من رأي” لسامي حداد، حين كان يصادر حرية آراء المعارضة العراقية في الخارج، بل أنه لم يتردد – أحياناً كثيرة – من الانتقاص من معاناتها القاسية في الغربة؛ بمجرد إبدائها النقد لمن طردها من بلادها، واستحل محارمها، وغيّب أهلها في غياهب السجون!!

@@ أما فيصل القاسم المذيع الثوري!! الذي عمم ظاهرة الشعبوية السياسية، عبر برنامجه “الاتجاه المعاكس” فإنه كثيراً ما استثار مشاعر الخليجيين، وهو يأكل على مآدبهم، ويشتمهم قبل أن ينتهي من أطايب أكلهم وشهرتهم وتكريمهم.. كلما ورد موضوع الغزو العراقي للكويت، حتى ظن البعض أنه يقبض من النظام العراقي، لقاء تقديم صناعة صورة إيجابية عنه!! وقد كشفت وثائق الاستخبارات العراقية -هذه الأيام – أن عميلها المرموز اليه بـ “الجزيرة 2” قام بتسهيل الاجراءات الخاصة، بدخول الاستخبارات العراقية شخصياً على برنامجه “الاتجاه المعاكس” يوم 12/4الذي كان محور حلقته “أفغنة العراق”.!!

وقد كشفت هذه الوثائق التي ستطاول، إعلاميين ومثقفين وأدباء وشعراء وناشطين سياسيين، في داخل العالم العربي وخارجه.. أن هدايا ذهبية قدمت لعناصر داخل محطة الجزيرة.. بل إن “فيصل القاسم” نشرت له صورة تجمعه مع “عبد حمود” سكرتير صدام حسين. وأحد المشرفين المهمين على أجهزة استخباراته وأمنه.

@@ أما السؤال الذي لا يغادر مكانه الصميم، في وجدان الضمير الإنساني.. فهو أين كان هؤلاء، ممن بدأوا -مؤخراً – ينتقدون أبشع نظام استبدادي، في التاريخ الإنساني المعاصر.. من معاناة الشعب العراقي.. هذه التي بدأت تتكشف في شهادات من بقي على قيد الحياة، على جرائم الطاغية الممتدة بطول العراق وعرضه، شماله ووسطه وجنوبه.. نعم فلم يسلم أحد من شرور النظام البغيض، الذي كشف عن أنيابه الكاسرة، منذ وصول صدام إلى الحكم، بارتكابه المجازر ضد رفاقه وأصدقائه، بينما صمت عن كل هذا، سياسيون وإعلاميون و(مثقفون) و(مبدعون) عرب كبارحين قاموا لقاء دراهم معدودة بتغطية جرائم السفاح الجديد عن دائرة الضوء وشمس الحقيقة.. وكانت قناة الجزيرة، بتأثيرها الإعلامي الكاسح، في مقدمة هذا الركب إلى آخر لحظة من عمر النظام المتوحش المهيمن ،على العراق المظلوم المفجوع الحزين.

 

 

محمد رضا نصر الله – الخميس – 2003/05/22 – عن الإمبراطور

+++++++++++++++

سـلام عـبـود

 

من يكون «الروائي» صدام حسين؟ عن «زبيبة والملك» وكرة الثلج

 

 

 

يوما بعد يوم، تكبر قضية اتهام الكاتب والروائي المصري جمال الغيطاني بتأليف رواية “زبيبة والملك” لصالح صدام حسين. ويوماً بعد يوم تتوضح مسؤولية الكاتب العربي تجاه نفسه وتجاه مجتمعه. اسوج… بدأت القضية باتهام، ألقي كما يلقى حجر مهمل على جبل من الاحجار المتكلسة عبر العصور، وما لبث هذا الحجر ان تحول سلسلة طويلة من الاتهامات والاتهامات المضادة، الى مواقف للادانة ومواقف للتأييد. ثم أخذ منحى جديدا بتحوله بيانات للشجب والتنديد وحملات لجمع التواقيع. وبذلك استقرت كرة الثلج الثقافية العربية عند هذا الحد المعترف به، شرعيا وعقليا، لدى النخب الثقافية العربية. وإذا قُدّر لهذه الكرة الاستمرار في التدحرج الى مسافة ابعد، فمن المؤكد أنها لن تكتسي إلا بالمزيد من أوساخ الطريق. فذلك هو القدر المقرر لقضايانا، كما يبدو، أو كما يحلو للبعض ان تكون. وهنا، لا نستبعد أن يظهر لنا فجأة، من بين طيات الضباب والرمل، فارس ثقافي مزود حكمة العصور كلها – حكمة الاذلال والاستخفاف بالعقل – لينصح الجميع بالركون الى العقل والحكمة، ويدعوهم الى مناقشة قضايا الامة المصيرية بقدر عال من التبصر. وحبذا لو كان الجدل والصراع هامسا، حنونا، يليق بأمتنا، التي تنظر اليها الامم الطامعة بعين الشك والريبة! حينما يبزغ في سمائنا مثل هذا المثقف العربي، ستذوب آنذاك كرة الثلج الثقافية العربية من تلقاء ذاتها، وتعود الى أصلها، محض كرة من الهباء. فحينما تتوارى كحدث، لن تترك وراءها من أثر يدل عليها سوى كومة الاقذار التي حملتها في معركة تدحرجها العبثية الخاسرة. السهو المرتّب قضية “زبيبة والملك” تعبير جدي عن واقع حال الثقافة العربية. واكاد أجزم فأقول، إنها تلخيص نموذجي للحياة العقلية العربية وبناها الثقافية ومؤسساتها ورموزها. إنها سهو مرتب يشير الى خصوصيات البحث المعرفي والثقافي العربي في ما يتعلق بقضايانا الكبيرة اجمع: من قضية فلسطين، وقضية نمو الارهاب السياسي في كنف النظم المُخدًّرة المصنوعة دوليا، الى قضايا التعدد العرقي والطائفي والديني، وقضية الحريات، وقضية قيام ديكتاتوريات إرهابية لم يعرف التاريخ لها مثيلا، من بينها حكومة صدام حسين التي امتدت لثلاثة عقود ونصف العقد; مرورا بالحرب العراقية – الايرانية، التي دامت ثماني سنوات بمساعدة علنية، مالية وثقافية وسياسية عربية، وصولا الى احتلال الكويت، وما تلاه من حرب لتحرير الامارة من براثن العراق، التي منحت وجود القوات الاجنبية شرعية دولية، بغطاء ومباركة عربيين. ثم تم إختتام المشهد بحرب العراق، التي جعلت العراق نفسه، اسوة بالمنطقة كلها، مادة للاحتلال العلني السافر. هنا، في هذا التسلسل المقبل، والمرتب، تدحرجت في طرق حياتنا كرة من نوع آخر، كرة من نار، احترق كثيرون في لهيبها، وتدفأ كثيرون أيضا، من الكتّاب خاصة، على جمرها. وفي هذا السياق لم تكن حرب “تحرير” العراق او “احتلاله” سوى الخاتمة المنطقية لسلسلة الاحداث التي تراكمت على مر حقب ماضية، والتي جعلت من احتلال العراق السافر سوى تحصيل حاصل، ومطلب “عادل ومشروع” في نظر البعض. ولأن التاريخ يمضي قُدما الى أمام، ولأن ما حدث قد حدث، فلم يبق أمامنا الآن سوى نتائج تلك الاحداث المأسوية. فكُرَةُ النار، حالها كحال كرة الثلج، لا تخلّف وراءها سوى أكوام الأوساخ. تطفو الآن على السطح قضية الغيطاني، الذي يتهم اليوم، اليوم فقط، بعد صداقة وزواج ثقافي متينين داما لعقود، وأنجبا كتبا ومراكز ثقافية وحملات تأييد وإسناد، والأهم من هذا كله أنجبا سياسة ثقافية مهادنة – في أهون النعوت – لمشاريع الحرب والقمع والارهاب التي سادت المنطقة، وفي وجه خاص العراق. قضية الغيطاني هذه ليست سوى واحدة من كرات الثلج، التي أعقبت تساقط كرات النار. سيقول المثقف العربي، ما هكذا تورد الابل! فلم تكن الامور واضحة الى هذا الحد، الذي تتحدث فيه الآن. نعم، بكل تأكيد، لم تكن الأمور واضحة الى هذا الحد. ولكن في نظر قطاع واسع من المثقفين العرب فحسب. عودوا الى وثائقنا، عودوا الى عويلنا تجدوا أننا نبحنا حتى بُحّت حناجرنا. وإذا كنتم لا تثقون بنا وبنصوصنا، التي لم تقرأوها، فسلوا أمهاتنا الاميات، سلوهنّ كم بكين وصرخن دما! نعم، لم تكن الأمور واضحة. فعقل المثقف العربي المبرمج وفق قواعد المنطق السائد هو الذي كان يرى ولا غرابة لو أنه لم ير شيئا. فأولئك الناظرون الى مأساتنا يتساوون في الفطنة والبصيرة مع مثقفي الوهم القومي، الذين سحرتهم حروب الطاغية. وهم يتساوون تماماً مع المثقفين العراقيين والعرب، الذين يهللون اليوم لاحتلال “مهد الحضارات”. انها كرة الثلج الثقافية، التي لا تخلف بعدها سوى الأوساخ. بيد ان كرة الثلج هذه، وهي تتدحرج، لا تنظر الى الطريق. لأنها ببساطة، لا اكثر من كرة عمياء. ففي قضية الكاتب جمال الغيطاني، تجرف كرة الثلج في تدحرجها الأعمى كل شيء. وأهم شيء. هي تجرف في طريقها العقل والوعي. وبذلك تتحول ردود الفعل الثقافية مباريات في الشتم والاتهام او التأييد والشجب. ولكن: أين العقل الموجه لبوصلة الحقيقة؟ أين البصيرة الثقافية لهذه الأمة؟ مما لا شك فيه، أننا مطالبون بالوقوف أمام أي موجة تهدف الى الحاق الأذى بالبشر، والى الوقوف أمام أيّ هجمة ظالمة تنوي النيل، من غير وجه حق، من اسم ثقافي عربي مثل جمال الغيطاني أو غيره. بيد أن المثير في قضية “زبيبة والملك” أنها تقوم على مصادر غاية في الدونية والتهافت. فالمصدر الوحيد والاساسي لهذه الواقعة يتمحور حول عدد من أكثر كتّاب الحرب ورموز ثقافة العنف إخلاصاً لمشروع الطاغية الثقافي. بل هم، حتى في تقدير كتّاب الحرب ورموز ثقافة العنف إخلاصا لمشروع الطاغية الثقافي. بل هم، حتى في تقدير كتّاب السلطة نفسها، أحطّ ممجدي نظام الارهاب في العراق قدراً. أهي تصفية حساب؟ أم هي محاولة، بعض الفرقاء المختلفين، لنيل شهادات البراءة وصكوكها بحق، ومن دون وجه حق؟ عفاريت القمقم إن إتهام جمال الغيطاني دفعة أولى من الأبخرة السامة لمرحلة ما بعد فتح غطاء القمقم، ومفتتح لسلسلة آتية من كرات الثلج والعفاريت، التي ستتدحرج في طرقاتنا الثقافية، والتي ستشدنا اليها بتدحرجها المسلّي، ناسين أو متناسين لا فقط ما ستخلّفه هذه الكرات من أوساخ، بل متجاهلين عمدا ما خلفته من آلام وكوارث سياسية وثقافية. سننسى، كالعادة، تركة الديكتاتور الثقافية. سننسى ثقافة العنف المؤكدة والموثّقة، وسنذهب راكضين بشغف خلف كرات الثلج، غير عابئين بما ستخلّفه بعد ذوبانها الحتمي. ليست “زبيبة والملك” كرة الثلج الوحيدة، التي قذفت في طرقنا. عديد من كرات الثلج تدحرجت أمامنا، وستتدحرج أخريات وأخريات. فجأة، أفاق شاعر عربي، في مأواه الاوروبي البارد، على دويّ المدافع، بعد ثلاثة عقود ونصف العقد من مجيء سلالة القتلة. بعد ثلاث حروب طاحنة، بعد أكثر من مليون قتيل، وثلاثة ملايين مشرد. صحا الشاعر بعد اختفاء الديكتاتور ليكتشف للعراقيين العُمي الحقائق المرعبة الثلاث الآتية: وجود شخص على كوكب الأرض اسمه صدام حسين. أن هذا الشخص طاغية عتيق. بيد أن الاكتشاف الأعظم للشاعر هو انه تنبأ بسقوط الطاغية. أما الدليل على نبوءته فكالآتي: بما أن صدام طاغية، وبما أن كل طاغية مآله الى السقوط حتما. اذاً فسقوط صدام أمر واقع لا محالة! رغم هذا القدر من السخرية البشعة، التي تنطوي عليها هذه النبوءات، فقد عمّنا الفرح لأن أحد الشعراء سجّل أخيرا، باسمه الشخصي، إكتشافا مثل هذا. ولم يكن الشاعر الشقيق هذا وحيدا في نزول الوحي عليه، فقد كثر المتنبئون في الاسابيع الماضية، الى حد أنهم كادوا أن يفسدوا متعة الاكتشاف السرية. الامر الذي جعل البعض يتطير، خشية ان يكون هذا الاكتشاف مجرد خطوة أولى تهدف الى تجميع المكتشفين في خندق ثقافي واحد لصالح طاغية قيد التكوين! من غير شك، لا نريد الطعن في ذمة هذا الشاعر أو غيره، فنحن نعرف أن لقمة العيش شيء وما في القلوب شيء آخر. بيد أننا تمنينا لو أنه لم ينطق، ليس احتراما لنا نحن الاحياء، وإنما احتراما لقتلانا، الذين لم نتمكن بعد من تجميع عظامهم في قبور تليق بهم. إنها كرة الثلج، التي لا تخلّف وراءها سوى الهباء. شاعر عراقي، ممن عاشوا حربي الخليج الأولى والثانية، في وهاد الدم، وممن استقبله المنفى بمعية ملايين من العراقيين الفارين من جحيم العنف او مرارة الفاقة، التي ولّدها الحصار المزدوج، حصار صدام وحصار الاميركان، صحا هذا الشاعر فزعا، وهاله ما رأى، فراح يطلق صرخات متتالية، غريبة، شاذة سياسيا واخلاقيا، وحتى نفسيا. صرخات مخصصة لذمّ العرب، وبشكل خاص الذين يقومون بأمر الثقافة. ورغم أننا لا نعرف الدوافع الشخصية والسياسية التي تقف خلف هذا الصراخ، إلا أننا لا نستطيع أن نصمّ آذاننا عنه، ولا نستطيع انكار نبرة الحرقة فيه. إعتاد هذا الشاعر أن يقف منتصبا ويقول لشعب يكوّن افراده الغالبية المطلقة من سكان العراق: “أيها العرب العراق يكرهكم وتكرهونه… يكرهكم بعمق وهدوء”. هذا الشاعر الصارخ صرخته النابية، ليس وحيدا في بابه. فقد شاركه في ذلك العويل عدد غير قليل من المغتصبين روحيا. حينما صحا هذا الشاعر فزعا وجد نفسه محاطا بصباحات عربية مشمسة. صباحات تسيل على جنباتها دماء العراقيين من غير رقيب او حسيب. دماء العرب والكرد، دماء المسلمين والمسيحيين والصابئة. كانت عصافير العروبة تزقزق جذلى فوق أغصان الشجرة الأم، بينما كان العراقيون يسيرون قوافل قوافل، جيلا بعد جيل، نحو محرقة الحرب والطغيان الجنوني. مثقفو المنفى من الاتجاهات الديموقراطية المختلفة، المعادون للحرب والديكتاتورية، لم يصابوا بالبهتة قط. أولئك، اعتادت أعينهم الانفتاح على صباحات عربية منقوعة ببرودة الدم والخذلان. كانت جلودهم قد دبغت منذ وقت مبكر في مدابغ محبذي حماة البوابات القومية. فعدا قوة الموهبة والحظ، وبقايا الصلات الشخصية التي نسجها هذا المثقف او ذاك، في معارك الهم المشترك في بيروت ودمشق وعدن والجزائر ومع المقاومة الفلسطينية، اضافة الى بقايا الصلات الحزبية والسياسية وحتى الطائفية والعرقية، ما كان في مقدور هذا التيار ان يجد له ملاذا على أرض الثقافة العربية بيسر. فقد عاش مستفردا، مقموعا على الهوية. وحتى الهوية، المتبقية من بعض العلاقات الحزبية والطائفية والعرقية، التي شفعت للبعض، لم تكن شفيعا دائما للجميع. فقد أعانت هذا الفرد أو ذاك، لكنها لم تعن الجميع، ولم تكن راغبة من قريب او بعيد في إعانة الكل، ككيان. كانت مهادنة سلطة الموت هي الاستراتيجيا المعلنة والخفية لمؤسسات الثقافة العربية عامة، وكانت عملية تطويق الاتجاه الديموقراطي العراقي وتحجيمه جزءا اساسيا من هذه الاستراتيجيا، المجيّرة لصالح بقاء هيمنة جهاز الارهاب الثقافي، حتى هذه اللحظة. فخلال العقد الأخير، ورغم تصادم ارادة الديكتاتور مع ارادة صنّاعه الدوليين، لم تتقدم مؤسسات الثقافة العربية خطوة واحدة في اتجاه اسناد التيار الديموقراطي، الذي اضطر الى ايجاد ملاذ له في المهجر الغربي. وشيئا فشيئا راح هذا التيار يخسر مواقعه واحدا بعد الآخر. فماتت او ذوت صحفه ومجلاته واحدة بعد الاخرى، واستنزفت طاقاته الروحية في معارك من اجل لقمة العيش، وفي خصومات لانهائية، هي جزء اساسي من عوارض فقدان المناعة والوقوع في فخ الاحباط والشعور بالخذلان. الامر الذي مهد لظهور نوع من المثقف المتهالك ثقافيا وروحيا، المستعد لبيع نفسه الى أحط الشياطين بأبخس ثمن. وهو عين البضاعة الثقافية التي تنشدها مرحلة مجيء “المحررين الدوليين”. ولم يتوقف الامر على تطويق الاتجاه الديموقراطي في المنفى، بل تعداه الى إهمال شأن الاتجاهات الثقافية العراقية المستقلة في داخل العراق. مئات الفنانين التشكيليين والاكاديميين والمسرحيين والكتّاب المستقلين تُركوا يواجهون مصيرهم المظلم بصمت. تُركوا عزّلا، مستضعفين، مهانين، من دون أن تمتد اليهم يد العون الثقافية العربية، ولو باستضافة قصيرة تعينهم على تحمل قدرهم القاسي لأطول فترة ممكنة، وتمدهم ببصيص أمل. والأهم من ذلك تُشعر جهاز القمع، ولو من بعيد، ان ذلك الرهط الحزين محاط بعيون تراقب مصيره بقلق وخشية. لكن ذلك لم يحدث. فقد تمتع اوشاب السلطة وحدهم بهذا العطف. وحتى من قُدّر له الفرار من طوق الموت، لقي مصيرا مظلما. فقد مات أجلّ علماء العراق وأعظمهم منزلة، الاستاذ ابرهيم السامرائي، وهو يطرق عبثا أبواب الجامعات العربية. بينما استقبلت مؤسسات الثقافة العربية رموز جهاز العنف الثقافي بالأوسمة والنياشين. لقد تيبست وضمرت كلمات عديد من شعراء الداخل وكتّابه، بسبب جفوة الخارج لهم، وفي المقابل أغدقت السلطة عطاياها وجوائزها الثقافية والمادية على كتّاب الحرب ومروّجي ثقافة العنف والموت. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد أيضا. فحتى أولئك الذين غادروا سطح السفينة الآيلة الى الغرق على عجل، في اللحظات الاخيرة، عوملوا بتمييز مريب. فمنهم من استقبل بالاحضان، رغم ماضيه الأسود، ومنهم من عومل بجفاء. وحتى أولئك الذين استقبلوا استقبال الأبطال، سرعان ما جرى نبش ماضي بعضهم وهتك أسرارهم، ثم عادوا ثانية وشملوهم ببركة التسامح القومي، ثم عادوا ثالثة الى لعبة التشكيك، حالما ظهرت بوادر اصطفافات سياسية وثقافية جديدة، تتطلب اعداد أوراق جديدة لمائدة اللعب. إنها كرة الثلج الثقافية العربية التي لم تخلّف وراءها سوى الهباء. كرات الثلج الثقافية هذه لن تكف عن التدحرج، وما تخلّفه وراءها من أوساخ جزء عضوي من منطق الاحداث، التي تجري أمام أبصار المثقف العربي، المشغول والمفتون بمراقبة ذرات الكرة البيض وانعكاسات الشمس الذهبية على هذه الذرات. ثقافة الرشوة والموت مالك عربي لأحد مواقع الانترنت يدحرج في موقعه الالكتروني كرة ثلج شبيهة بـ”زبيبة والملك”، يقول فيها مفتخرا فخرا لا حدود له، انه أحد القلة الذين “لم يقدم” لهم صدام رشوة عند لقائه بالطاغية. ومما لا شك فيه أننا لا نعرف لماذا لم يقدّم له صدام رشوة، لكن ما نعرفه جيدا ان هذا المتباهي الثقافي، ذهب بمعية من ذهبوا لتقديم الطاعة والعون في حرب الديكتاتور على الجارة ايران، تقديم العون في حرب بشعة راح ضحيتها جيل كامل من العراقيين والايرانيين، وكانت سببا لكل ما حدث. حرب كهذه ما زالت تُذكر على أنها مصدر فخر. لقد ذهبت الحرب ومات من مات، وقتل من قتل من العراقيين والايرانيين، وذهبوا طيّ النسيان. أما أوساخ كرة الثلج فما زالت باقية، والأهم أنها ما انفكت تشكل مصدر فخر ومباهاة عند البعض! إنها الكرة ذاتها تتدحرج. ما الفرق بين كرة الرشوة هذه و”زبيبة والملك”؟ لا فرق في الجوهر. كلا الواقعتين جزء من بقايا ثقافة الموت، وجزء من ضريبة تاريخ مبقع بالدم. فالقضيتان بعض من اختلاقات جهاز القمع الثقافي، الذي فقد سلطته المباشرة لصالح خصم أكثر جبروتا. وخلف متانة الاتفاق الجوهري هذا لا يوجد سوى تعارض سطحي واحد بين القضيتين. تعارض يكمن في أن كرة الرشوة تعبّر عن إرادة المنتصرين. أما “زبيبة والملك” فتعبّر عن إرادة المهزومين. فالقضيتان تستندان الى اساس باطل وفاسد واحد. وما يفرق بينهما هو درجة الانحياز الى المنتصر. فحينما تكون في صف المنتصر تغدو خطيئة الاتصال بالديكتاتور ضربا من البطولة النادرة، التي تؤرخ للفطنة والطهر والشجاعة. إنها كرة الثلج! الجيوش الغازية تصادر وثائق المخابرات العراقية ووثائق حزب البعث ووثائق الاجهزة السرية والمعاهدات والاتفاقيات الثنائية، بل تقوم حتى بمصادرة قوائم الموتى والمعتقلين السياسيين، الذين غيّبهم النظام الباغي. إنهم يسرقون علنا، وبتأييد تام من مرتزقة الثقافة والسياسة كل ما يشير الى الطرق التي مرّ الطغاة بها. إنهم يسرقون تاريخ الموت والارهاب علنا، ويقذفون لنا بكرات من الثلج عبر صحيفة “واشنطن بوست” وغيرها، في هيئة خبر صغير، كي نلهو به، نعضعض به، كما تلهو الكلاب الضالة بقطعة عظم. انها كرة المنتصرين السحرية التي فتنت صغار البشر على مر التاريخ! كرات الثلج هذه ستظل تتدحرج، ولن تخلّف وراءها سوى الأوساخ. فلا “زبيبة والملك”، ولا التباهي برشوة لم تحدث، ولا الهجوم على شاعر بأثر رجعي، ولا التلذذ بفتات ما ترميه الصحافة الغربية الينا من وقائع نحن أولى بها وبأصولها، وأحوج من غيرنا الى دراستها بتمعن، للخروج منها بنتائج تقود الى صحوة اجتماعية وانسانية حقيقية. لا هذا ولا ذاك له صلة بمعارك الثقافة العربية الحقيقية. فذلك كله كرات ثلج. وربما يتساءل القارىء، لماذا هي كرات ثلج؟ هي كذلك، لأن الملعب الثقافي، بكل بساطة، لا يدرج في قوائم العابه، عادة، مباريات لا تخلّف سوى الوسخ الثقافي. فلا “زبيبة والملك”، ولا رشوة صدام لهذا الكاتب او ذاك هي جوهر المسألة. مسؤولية الكاتب العربي إن مسؤولية الكاتب العربي تجاه واقعه هي القضية الاساسية. ان محاكمة جوهر ردود فعل المثقف العربي، وأولهم المثقف العراقي، ازاء القضايا الكبرى، كالديموقراطية والتقدم الاجتماعي والسيادة الوطنية والحرية الفكرية وفي درجة اساسية الموقف من الانسان، كحلقة اساسية من حلقات الوجود الاجتماعي، هي القضية الاساسية. ولا يمكننا الفرز بين قضية أساسية وكرات الثلج الثقافية، بين النتائج المترتبة على سلسلة الهزائم الروحية والسياسية والعسكرية والاجتماعية وبين النتائج الناشئة بفعل معارك هامشية لا تقود الى تأكيد الحقيقة، من دون دراسة الذات الثقافية، محتواها واصولها ودورها وآليات عملها وما انتجته من ثمار سامة أو صالحة للأكل. إن مراجعة المثقف العربي لدوره بأمانة وشرف وشجاعة هي القضية الاساسية الماثلة امامنا، التي تجعلنا مؤهلين بعض الشيء للوصول الى طرق أكثر رحابة. وكل ما عدا ذلك لا يعدو ان يكون كرات ثلج يلهو بها صغار الكتبة. ومن أجل ان لا تتحول هذه القضية دوامة من غبار، نقول: إن جمال الغيطاني كتب “حراس البوابة الشرقية” في النور، وحصل على تقريظ علني من كبار رموز السلطة الثقافية في بغداد: حميد سعيد ووزير الثقافة لطيف نصيف جاسم، اللذين اعتبرا مساهمة الغيطاني عملا قوميا فذا. إن الغيطاني وغيره من المثقفين العرب، والعراقيين ايضا، مطالبون اليوم، في العلن أيضا، في النور أيضا، بتقديم كشف حساب أخلاقي وليس محض اكتشافات خائبة. تقديم كشف حساب لا لصالح تاريخ مقاومة العنف والارهاب الثقافي والسياسي، وانما لصالح كل من ساهم في حالة التواطؤ التي سادت على مدى ثلاثة عقود. تقديم كشف حساب أخلاقي لصالح انفسهم أولا، ولصالح الثقافة العربية ثانيا، ولصالح الشعب العراقي المغلوب على أمره ثالثا واخيرا، إن استطاعوا.

 

 

سـلام عـبـود – النهار – 15/06/2003

 

+++++++++++++

حسين كركوش

 

أحقا هي حملات صهيونية يتعرض لها جمال الغيطاني؟

 

 

 

 

هل حقا “ان ما يتعرض له الروائي جمال الغيطاني الان من اتهمات حول كتابته لرواية زبيبة والملك، هو جزء من الحملات المسعورة لاجهزة الاعلام الامبريالية والاستعمارية والصهيونية”؟

 

نشرت صحيفة الحياة في الخامس من يونيو / حزيران الجاري تقريرا لمراسلها من بغداد، علي عبد الأمير، بعنوان (عراقيون يتهمون سامي محمد بتأليف ” رواية ” صدام حسين).

 

وذكر التقرير ان صحافيين عراقيين عملوا في “المكتب الصحافي” التابع، سابقا، لرئاسة الجمهورية ذكروا ان مسودة رواية ” زبيبة والملك ” كانت عرضت على الراحل سامي محمد بترشيح من حميد سعيد.

وبالطبع، يتذكر القراء ان لغطا تردد، أو كلاما قيل، أو معلومات نشرت في مواقع على شبكة الانترنيت، ذكرت، أو افترضت، أو أشارت، أو أكدت على ان الروائي المصري، جمال الغيطاني، هو الذي كتب رواية صدام المذكورة.

وحالما نشر هذا الكلام بادر الروائي جمال الغيطاني فكذب الخبر، جملة وتفصيلا. وكان يفترض ان تقف الأمور عند هذا الحد، لان القضية بأكملها لا تتحمل اكثر من ذلك. فهذه ليست المرة الأولى التي يتهم فيها كاتب ما بأنه كتب عملا أدبيا، أو غير أدبي لشخص اخر. واكثر ما يفعله الكاتب المتهم، في حالات كهذه هو، ان يحتكم للقضاء للبت في الاتهامات الموجهة اليه. وقد أعلن الغيطاني، وهذا من حقه تماما، انه سيلجأ للقضاء، لتفنيد ما قيل بحقه.

لكن الأمور لم تقف عند هذه النقطة. فقد أثيرت زوبعة ثقافية ونشر بعض الأدباء العرب بيانا تضامنيا مع الغيطاني. وكتبت وزيرة الثقافة السورية السابقة د. نجاح العطار، رسالة للغيطاني قالت فيها ” لم اصدق ان يجرأ أحد على توجيه مثل هذه التهمة التي وجهوها إليك “.

وذكر تقرير صحيفة الحياة، المذكور توا، ان اتحاد الكتاب الفلسطينيين نشر، هو الآخر، بيانا حمل عنوان ” ارفعوا أيديكم عن الروائي جمال الغيطاني “، وجاء فيه ما يلي : ” يتابع الكتاب الفلسطينيون بقلق بالغ الحملات المسعورة لأجهزة الأعلام الإمبريالية والاستعمارية والصهيونية التي ترافق العدوان البشع الذي يتعرض له شعبنا في العراق الشقيق والنيات المبيتة للنيل من استقلال الأقطار العربية في أجواء صراع الحضارات. وان ما يتعرض له الروائي جمال الغيطاني ألان من اتهمات حول كتابته لرواية زبيبة والملك، هو جانب من جوانب العدوان على واحدة من أهم القيم الإنسانية وهي حرية الرأي وحرية التعبير . وان محاولة اغتيالهما انما هو اغتيال للثقافة العربية التي هي المركز الأساس في حضارة الآمة ومستقبل وجودها”.

لا نظن ان مثقفا واحدا لا تفرحه مواقف تضامنية يبديها مثقفون آخرون مع زميل لهم يتعرض لمحنة، مهما كانت.

ولا اعرف، شخصيا ، إذا كان اتحاد الأدباء العرب، أو اتحادات الكتاب في البلدان العربية، قد أصدرت بيانات تضامنية مماثلة، عندما تعرض الكتاب حيدر حيدر ونوال السعداوي وليلى العثمان والبغدادي ونصر حامد أبو زيد والموسيقي ميشيل خليفة، أو الكثير من الكتاب الجزائريين ، الى تهديدات بالقتل، واتمنى من الأعماق ان تلك الاتحادات فعلت ذلك.

ولا نعرف، أيضا، ان كانت اتحادات الكتاب العرب قد أصدرت بيانات مماثلة عندما أصدرت الكاتبة الأيطالية أريانا فلاتشي، كتابها الحاقد عن العرب والفلسطينيين والمسلمين، أو عندما أصدر الروائي الفرنسي، ميشيل ولبيك، روايته (الرصيف) التي أثارت احتجاجات منظمات مناهضة العنصرية، بسبب القدح الذي تضمنته ضد العرب والمسلمين.

لكن، ما ذكره بيان اتحاد الكتاب الفلسطينيين بشان ” الحملات المسعورة لأجهزة الأعلام الإمبريالية والاستعمارية والصهيونية (… ) وصراع الحضارات (… ) ومحاولات اغتيال الثقافة العربية ” هي أمور مبالغ فيها، ان لم نقل تثير الضحك، حقا.

يعرف الجميع، ان ما ورد من كلام بشأن احتمال ان يكون الروائي المصري، جمال الغيطاني، هو من كتب رواية صدام حسين( زبيبة والملك)، ورد على ألسنة كتاب عراقيين، وفي مواقع عراقية على شبكة الانترنيت ، وليس على مواقع ” أجهزة الاعلام الامبريالية والصهيونية”.

ولا أظن ، شخصيا، ان هولاء الأدباء العراقيين كانوا يضمرون الشر لكاتب بعينه، بقدر ما كانوا يسعون لمعرفة حجم الدمار الثقافي الذي لحق ببلدهم، طوال حقبة صدام حسين. وهو دمار حقيقي.

ويكفي، للتدليل على حجم هذا الخراب، ان نذكر أمرين لا ثالث لهما ، أولهما هو، ان آخر عمالقة القصيدة الكلاسيكية، محمد مهدي الجواهري، مات بعيدا عن بلده، والثاني هو، ان مراهقا مخبولا، بشهادة أقاربه، قبل أعدائه، أسمه عدي صدام حسين ، احتل نفس الكرسي الذي كان يشغله الجواهري، في رئاسة اتحاد الادباء.

وضمن مسعاهم هذا، فان الأدباء العراقيين واصلوا، وعلى الأرجح سيواصلون، طرح المزيد من الأسئلة، من اجل تقصي الحقائق. ولن يكون غريبا ان ترد اتهمات أخرى ، قد تكون صحيحة، مثلما قد تكون باطلة، لشخصيات ثقافية، تحملت دورها في عملية الخراب الثقافي، وتزوير الحقيقة في العراق.

وقد ذكر تقرير صحيفة الحياة الذي أوردناه، آنفا، ان بعض المثقفين العراقيين بدءوا يتهمون كاتب عراقي منهم ، هو سامي محمد، بأنه وراء كتابة زبيبة والملك. وربما طال الاتهام، غدا، كاتبا عراقيا اخرا.

فهل ان “أجهزة الأعلام الإمبريالية والصهيونية” هي التي تقف وراء هذا الاتهام؟

 

للمرة الآلف نقول، ان أية حملة تضامن يبديها مثقفون عرب، تضامنا مع زميل لهم، هي أمر يستحق التقدير.

 

ولكن، أليس من حق أدباء العراق ومثقفيه ان يطالبوا زملائهم في البلدان العربية، ان يتخذوا موقفا إزاء المقابر الجماعية التي يتم اكتشافها تباعا داخل العراق، هذه الأيام؟

ألم نتعلم منذ الصغر، وبفضل كتابات الكثير من الأدباء العرب، بان الكاتب هو، ” ضمير وشاهد عصره”؟

فمتى يدلي الأدباء العرب بشهاداتهم، بشان المقابر الجماعية في العراق؟

 

بلى، قد تكون هذه المقابر ” مفبركة ” اصلا. وربما كانت جزءا من ” الحملات الإمبريالية والصهيونية”. وقد تكون مجرد أنباء بولغت في تصويرها ونقلها جهات أجنبية حاقدة.

 

لكن، أليس من الأجدر، ان تسارع اتحادات الكتاب العرب والهيئات الثقافية والمنابر الإعلامية في البلدان العربية، بإرسال وفود لتقصي الحقائق، حتى إذا تأكد لأعضاء هذه الوفود، ان هذه المقابر الجماعية مجرد اكاذيب، فضحوها أمام الرأي العام العربي، وان كانت وقائع حقيقية، اتخذوا موقفا بشأنها، وليكن موقفهم مثلما يشاؤون.

نحن، شخصيا، نقترح ان يتشكل وفد من الأدباء العرب، وليكن برئاسة الروائي العربي الكبير والحائز على جائزة نوبل للآداب، نجيب محفوظ، لما له من منزلة كبيرة عند العراقيين، ويعاونه الروائي المصري، جمال الغيطاني، حتى يكون تواجده في العراق مناسبة لرأب الصدع، الذي قد يكون حدث، بينه وبين بعض زملائه العراقيين. وليضم الوفد الأساتذة جابر عصفور ود. نجاح العطار وبهاء طاهر ويوسف القعيد وصاحب دار الآداب، سماح إدريس، وفاءا منه لموقف المثقفين العراقيين الذين احتضنوا “الآداب” منذ عددها الأول قبل عقود ، وكل من يرغب من الأدباء والمثقفين الأخرين في البلدان العربية.

وسيكون تواجدهم في العراق فرصة يطلعون خلالها على ما يجري هناك، سواء فيما يخص تواجد قوات الاحتلال الأميركية، أو ما يقال من شائعات عن وجود مقابر جماعية، أو التعرف عن قرب على المشاكل الكبيرة التي يعيشها العراقيون، والمثقفون من بينهم.

نحن نعرف ان هذه الشخصيات الأدبية الرفيعة، وغيرها، لن تعيد الحياة الى أكوام العظام العراقية، لكنها ستعيد الحق الى نصابه، وربما جففت دمعة في عين ثكلى عراقية، أو حتى لمجرد الإلمام بما حدث من مأسي، إن كانت هذه المأسي قد حدثت، حقا.

ألم يشد الفرنسي، جان جينة، الرحال الى مخيمات الفلسطينيين، ويكتب عنهم أخر كتاب في حياته؟

ألم يتظاهر فوكو ودوراس وسارتر في شوارع باريس، دفاعا عن حقوق المهاجرين الأجانب؟

ألم يرفع أدباء بريطانيا شعارهم العتيد “اعط، اعط، حتى الألم”، أبان أندلاع الحرب الأهلية الأسبانية عام 1936، ويجود بحياته هناك، على الأرض الأسبانية، الشاعر جوليان بيل، والمنظر الأبرز في علم الجمال، كريستوف كادويل، ومواطنه الأديب، رالف فوكس؟

 

نعم. أختلفت الظروف والاماكن والأسباب والمسميات، لكن، هل أختلفت قضايا الحرية والعدالة، والظلم والسعادة وألام البشر؟

 

 

 

حسين كركوش – إيلاف – 11 يونيو 2003

 

 

 

موارد نصيـة

 

قضية «الإمبراطور – جمال الغيطاني»

 

 

المحتـوى

 

سليم عبد القادر: زبيبة والملك لصدام الغيطـاني

نبيل شرف الدين: «زبيبة والملك» عنوان أولى حروب المثقفين بعد سقوط صدام حسين

وائل عبد الفتاح: حروب المثقفين بين نميمة المخابرات وسقوط الديكتاتور.

مصطفى محمد غريب: مهزلة زبيبة والملك والحديث عن الماضي اليساري

وليد العاني: جمال الغيطاني من أصحاب السوابق!!

الآداب تضامنا / مثقفون عرب يتضامنون / الغيطاني يقاضـي

د. إحسان طرابلسي: الغيطاني و«الزبيبة» والقاضي

عبده وازن: ملفـات وفضائـح

عبده وازن: رواية صدام الركيكة.. هل يمكن أن يكتبها الغيطاني؟

شوقي بغدادي: «زبيبة والملك». لا أعتقد أن الغيطاني قد فعلها!!

فاضل السلطاني يهاجم ادوارد سعيد والغيطاني ومنيف ومجلة الاداب

محمد أسليم: تدبير قضية («الإمبراطور» – «جمال الغيطاني»)

ا. خ. «زبيبة والملك» والغيطـاني

علي عبد الأمير: عراقيون يتهمون سامي محمد بتأليف «رواية» صدام حسين

شعـلان شريف: بيان التضامن حراس البواية الشرقية

عبده وازن: مداحو أدب الزعيم

أسعد الجبوري: مخيلة اليورانيوم.

روايات صدام كتبتها لجنة بوزارة الإعلام

محمد رضا نصر الله: هؤلاء شاركوا في الجريمة

سلام عبود: من يكون «الروائي» صدام حسين؟ عن «زبيبة والملك» وكرة الثلج

حسين كركوش: أحقا هي حملات صهيونية يتعرض لها جمال الغيطاني؟

مصطفى محمد غريب: الرواية الرابعة “أخرج عليك اللعنة” والروايات السابقة.. حقيقة مؤلفها وليس كاتبيها

علي عبيد: ليس دفاعاً عن الغيطاني

محمد ناجـي: الضميـر العربي في اجازة!

شاكر الأنباري: بين العراقيين والعرب: مماحكات ثقافية لها بعد سياسي

د. نصار إبراهيم: تعقيب على تعقيب الأستاذ أسليم

محيي الدين السامرائي: ذعر الغيطاني والحنين إلى رئيس المقابر والتماثيل

جماليـــات          إضـــــاءات

حــوار

+++++++++++++++++++

مصطفى محمد غريب

 

الرواية الرابعة “أخرج عليك اللعنة” والروايات السابقة.. حقيقة مؤلفها وليس كاتبيها

 

 

 

كثر الحديث عن رواية زبيبة والملك، وتضاربت الآراء حول كاتبها، إلا أن الجميع على ما يظهر متفقين أن المخطط لخطوطها العريضة وواضع فكرتها هو صدام حسين.. هذه الضجة التي افتعلت أو التي هي طبيعية في زمن الخردة التي انتج وأسقط صدام وشرطته الثقافية تأخذ في كل يوم منحاً جديداً.. والبحث على ما يبدو مستمر عن من الذي كتب لصدام رواياته، ويزداد هذا الإهتمام اتساعاً بين الكتاب والمثقفين ووسائل الإعلام اكثر من القراء، لما لهذه الموضوعة من أهمية استثنائية عندهم، لأسباب عديدة ولكن في مقدمتها الفضول لمعرفة تلك الأسماء التي قبضت وساهمت في هذا المشروع المربح.. البحث يقود إلى معرفة الحقيقة، وإذا تجلت هذه الحقيقة فسوف تظهر النتائج والأسباب التي دعت الكتاب المساهمين في الكتابة وقبولهم عدم ذكر أسمائهم حتى بأي شكل كان. لقد لعبت أكثرية الأجهزة الإعلامية دوراً كبيراً في الدعاية ونشر ما يسمى انتاجات صدام حسين الأدبية حيث كان في قمة السلطة، ولم تشر أكثريتها إلى نوع من الشكوك لا من قريب أو من بعيد حول مؤلف هذه الروايات، وانبرت بعض صحف المعارضة العراقية وقليل من الأصوات الثقافية إلى تحليل شخصية صدام حسين الطاغية والسفاح وأسباب تأليفه لهذه الروايات وبالأخص لروايته الأولى زبيبة والملك، هذا التحليل والمتابعة أريد بها التوصل إلى أمرين أولاً سخافة موضوع الرواية وهي قريبة لصورة المؤلف ، وهل صدام حسين كتبها بيديه، أم ألفها وهي من بنات أفكاره لغاية يبتغيها؟ ثم أوعز لآخرين بالكتابة عن ماقدمه لهم من خطوط عريضة ومنهاجية لأفكاره التي كان يهدف طرحها للناس. وهذا يدل أن هؤلاء الباحثون لم يجزموا في أي بحث كتبوه على عدم أمكانيات صدام حسين التألفية مادات له القدرة على وضع الفكرة والخطوط لكتابة الرواية، أما مهمة الكتابة السردية والتنقيحات اللغوية فقد كلف موظفين أوربما كتاب معروفين بهذه المهمة التي دفع لها نقداً.. بعد ما توالت الروايات قلت الإهتمامات إلا في الوسط الإعلامي الثقافي الرسمي وكتاب السلطة عراقيين أو عرب.. كما تناقلت الأنباء بأن هناك مشروعاً كبيراً لترجمة هذه الأعمال إلى لغات عديدة لما تحتويه من افكار لها فائدة عالمية وليس عراقية أو عربية فقط. وبسقوط نظام صدام حسين بدأ البحث في تجاه آخر، لكن في نفس المضمون والهدف ، البحث عن الأسماء ، وأثار هذه الضجة موقعاً في الانترنيت ” الامبراطور ” حيث سرب خبراً عن اسم الروائي المعروف جمال غيطاني، وحكاية شاركت فيها بعض الأسماء.. لكن الغيطاني لم يسكت فأعلن عن أقامة دعوى قضائية فضلاً عن حملة التضامن معه من قبل كتاب ومثقفين معروفين…الخ.. لقد اثيرت هذه الموضوعة مرة أخرى بخصوص ما يسمى روايته الرابعة ” أخرج عليك اللعنة ” ويبدو أن مثل هذا الموضوع لن ينتهي مادام الهدف منه اشباع الفضول ومعرفة المترفيين الذين كانوا يكافئون على اعمالهم الكتابية.. وعلى ما يظهر ان هذا النبش المستمر يراد به نبش جثث المتسوليين المتهافتين السابقين على موائد النظام وصدام حسين.. والشيء غير المميز في البحوث السابقة التي جرت في عهد صدام أن الباحثين الجدد لا يرفضون فكرة صدام المؤلف وصاحب الفكرة وواضع الخطوط العريضة لهذه الأعمال.. وإنما يشككون بصدام الكاتب ” الأرضحلجي “. الموقفان متقاربان في المضمون تقريباً.. أما التفاصيل الهامشية فلها أدواراً ثانوية.. وان صحت هذه الوجهة فالجميع متفق على الرغم من طريقة البحث.. ان الرواية الرابعة “أخرج عليك اللعنة” التي قيل عنها انها طبعت وهي كانت مخزونة في وزارة الإعلام العراقية والحاضرة للتوزيع غير أن الحرب أنهتها فقد قيل عنها غير ما قيل عن زبيبة والملك.. ففي هذه المضمار أشار الكاتب علي عبد الأمير “صدام حسين كان يحدد الخطوط العريضة لروايته على شريط مسجل وكان موظفوا القصر الجمهوري يكتبون ما يقول ويقدمونه للجّنة التي كانت تظم كتّاباً ومثقفين” لا نعرف كيف توصل علي عبد الأمير إلى هذه الحقيقة؟ واية طريقة اتبعها ليعرف أن بعض الموظفين في القصر وأعضاء اللجّنة التي تضم كتاباً ومثقفين كانوا يكتبون ويصلحون تلك الأعمال؟ ولكن ان صح ذلك فالجميع هم “أرضحلجية فقط لا أكثر ولا اقل” وهاذ الشيء يدعم كون صدام مؤلفاً.. ثم يقول عبد الأمير “ان أعضاء اللجنة كانوا يكتبون الرواية ويعيدونها إلى صدام وكان ذلك يتكرر إلى أن تحظي الرواية بموافقته” وهو لم يقل أنهم كانوا يألفون الرواية، وهذا الكلام يدعم ما رحنا إليه في المقدمة.. ان رواية ” أخرج عليك اللعنة ” لم تر النور وكنا نتمنى أن تراه ولعل الحظ يسعفنا في المستقبل لكي نعرف بشكل أفضل ذلك السر وتلك الأسماء حتى وان كانوا موظفين في القصر الجمهوري أو شرطة الثقافة العراقية أو العريبة الذين كانوا يتهافتون نحو نثار فتات أفواه السادة في الأعالي.. ، ولعلنا نعرف أيضاً من هو الي عناه صدام ” حسقيل ” أو غيره بعدما خرج هو عليه اللعنة. و نقول اكثر أن الحقيقة في الكثير من الأحيان مرة وتحتاج إلى بعض الصبر للكشف عنها وبها ومنها بعد ذلك ستنجلي أكثرية الأسرار والعقد المخبئة.

 

 

 

 

 

 

 

خاص بأصداء مصطفى محمد غريب – الخميس 12 يونيو 2003

++++++++++++++

علي عبيد

 

ليس دفاعاً عن الغيطاني

 

 

 

لا أعرف إلى أين وصلت القضية التي أثارها موقع «الامبراطور» الالكتروني موجهاً الاتهام إلى صديقنا الروائي المصري جمال الغيطاني بكتابة رواية «زبيبة والملك» المنسوبة الى الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين. وكان آخر عهدي بأخبارها ما نشر عن اتجاه نية الأديب الغيطاني رفع دعوى ضد الموقع الذي يديره الشاعر العراقي أسعد الجبوري في الدنمارك. ولا أعرف أيضاً إن كان من المناسب العودة إلى هذا الموضوع بعد أن أخذ طريقة إلى موقعه الذي يستحقه، وهو سراديب النسيان لتفاهته وعدم معقوليته. ولكنه موضوع شائق على كل حال لأنه طرح غريب غرابة ما آلت إليه الحقبة البعثية العراقية نفسها برمتها، ولأنه يتعرض لرموزنا الأدبية التي نعتز بها وينال من قناتها بالغمز واللمز متهما إياها بدعم الطواغيت، كأنه لا يكفي هذه الأمة انهيار القيادات السياسية حتى تسعى أطراف، غاياتها معروفة، إلى تحطيم الرموز الأدبية وإدخالها معارك تصرفها عن الإبداع إلى الدفاع عن نفسها وتبييض صفحتها التي تتعرض لمحاولات التلطيخ هذه. «زبيبة والملك» رواية لا تحمل اسم كاتب محدد رغم نسبتها إلى صدام حسين (فعل ذلك بقصد الاستنكاف من أن يوصف رئيس الجمهورية، وقائد الجيوش وبطل أم المعارك والحواسم، وأمين عام القيادتين القطرية والقومية للحزب، بكاتب روائي، مثله مثل مئات الروائيين العرب، ممن تضيق بهم مقاهي العالم العربي قمعاً وجوعاً وحرماناً وتشرداً).. هكذا يبرر موجه الاتهام عدم وضع صدام حسين اسمه على الرواية التي يشير غلافها إلى أنها (رواية لكاتبها). أما التمهيد الذي يتصدرها فيقول: (بتاريخ 12/شباط/2000 التقى السيد الرئيس القائد صدام حسين «حفظه الله ورعاه» بعدد من كتاب القصة والرواية في العراق.. وطلب منهم كتابة روايات طويلة لكي يأخذوا كامل مداهم عندما يكتبون ويعالجون شئون الحياة خلال أحداثها، أي أن يأتي الكاتب بمزيج من الصلة بين الحياة البيتية العادية وأحداث الرواية حتى تصل إلى مستوى المقاومة خلف الرشاش الذي يقاوم طائرات العدو.. وقال لهم: إنكم بحاجة إلى نفس أطول في كتابة الرواية التي يجد فيها القارئ مزيجاً من معلومات جديدة لم يعرفها سابقاً عن التاريخ أو الاجتماع أو علم النفس، سواء تعلق الأمر بالمرأة أم بالرجل، بكبير السن أم بالشباب، بالمريض في ظرفه أو وصفه أم بالمتعافى، بالمقاتل عندما يأتي مجازاً إلى بيته، وكيف تكون أحاسيسه عندما يعود إلى الجبهة، أو يغادر بيته إليها.. وبذلك يكون القارئ قد اطّلع على رواية، باستطاعتها أن يرويها بدوره، وعلى فكرة مركزية وسلسلة من الأفكار المتصلة بها في كل شئون الحياة.. وقد تلقف نجيب غيور من أماجد العراق هذه الكلمات البديعة، فكانت هذه القصة ـ الرواية التي بين يدي القراء الآن.. ولكنه لم يشأ أن يكتب اسمه عليها تواضعاً، شأنه شأن أبناء العراق، الذين يبذلون النفس والنفيس، ولا يتحدثون حتى عن جليل ما يفعلون.. وكانت الرواية بقلم كاتبها). هذه هي إذن حكاية الرواية التي تحولت إلى عرض مسرحي وفيلم سينمائي وأدرجت ضمن مناهج الأدب المدرسي والجامعي لتتفوق على روائع الأدب العالمي خلال حكم البعث للعراق. ولا أحد يعرف ماذا كان ينتظرها لو لم يزل ذلك الحكم من الوجود، إذ ربما كتبت بماء الذهب وعلقت هي ورواية صدام الثانية «القلعة الحصينة» على أسوار بغداد التي لم ينتحر عليها أحد كما وعدنا رأس النظام وقتها وردد خلفه أعوانه ووزراؤه الذين كان أشهرهم وأكثرهم حماسة وزير إعلامه. من يقرأ الرواية يستطيع أن يدرك ببساطة أن كاتبها لا يمكن أن يكون هو الروائي الأديب جمال الغيطاني لعدة أسباب منطقية وموضوعية، أولها أن من يعرف الغيطاني يعلم أن أخلاقه لا تسمح له بأن يكتب رواية ويضع عليها اسم مؤلف آخر حتى لو كان هذا الآخر حاكماً، فإحساس الكاتب بأنه الحاكم المطلق والملك المتوج على ما كتب إحساس لا يقل عن شعور الجالس على كرسي الحكم وتمسكه به. وأعتقد جازماً أن الصديق الغيطاني لا يمكن أن يتنازل عن نتاج من نتاجات فكره وعقله لكائن من كان حتى لو كان هذا الكائن حاكماً. أما اولئك الذين يمكن ان يتبادر لأذهانهم أن لبريق المال تأثيراً على الأديب الغيطاني فهم لا يعرفونه حتماً. ولست مضطراً لتوضيح ذلك لمن لا يعرفه لأن معادن الناس لا تعرف إلاّ بالتجربة والمواقف النبيلة، وقد شهدت للصديق الغيطاني موقفاً نبيلاً لست في حل من ذكره، لكنه يضع الرجل في مكانة لا تسمح له بتقديم تنازل من هذا النوع، أو أي نوع، من أجل حفنة من المال مآلها إلى الزوال كما زال من قيل إنه قد استكتب الغيطاني وحذف اسمه لينسب الرواية لكاتبها المعروف المجهول. ثم يدفع عن الغيطاني التهمة أيضاً فكرة الرواية الأقرب للسذاجة وبناؤها غير المحكم اللذان يبعدان بها عن موهبة الغيطاني المعروفة في البناء القصصي وأسلوبه المميز عبر رواياته العديدة التي ترجم الكثير منها إلى لغات عدة منحته شهرة عالمية تجاوزت به حدود العالم العربي، مما يشكل مبعث فخر للأدب العربي المعاصر، كما يشكل في الوقت نفسه مبعثاً للحسد الذي ربما كان هو الدافع الرئيسي لاتهام من هذا النوع إذا ما استبعدنا فكرة المؤامرة التي تطل برأسها علينا في مثل هذه المواقف وغيرها. وتأتي بعد ذلك الرواية غير المنطقية التي وُجِّه من خلالها الاتهام على الموقع الالكتروني. وهي رواية مفككة بعيدة عن المنطق، يزيد من الإثارة فيها أنّ زعم كتابة الغيطاني للرواية ونسبتها إلى صدام حسين قد أثار غيرة الابن عديّ الذي كان يحلم أن يصبح هو الآخر روائياً، ولذلك فقد بادر إلى إرسال شاعر النظام الملقب بـ «شاعر أم المعارك» رعد بندر في مهمة سرية إلى القاهرة مع مبلغ من المال ورسالة إلى الغيطاني للطلب منه أن يكتب رواية أخرى أهم من رواية أبيه «زبيبة والملك» لينشرها عديّ باسمه. ولكن المهمة السرية انكشفت عندما زوّد عديّ مبعوثه بجواز سفر مزور آمراً إياه بالسفر إلى الأردن ومنها إلى القاهرة بالطائرة، إذ يفضح السائق المكلف بنقل رعد بندر إلى الأردن المهمة عن غير قصد، فيضع صدام يده على الموضوع، ويمنع ابنه عديّ من تحقيق حلمه الروائي عبر قلم جمال الغيطاني. فالوالد أو الديكتاتور الكبير لا يريد لابنه الديكتاتور الصغير أن ينافسه روائياً من خلال قلم الغيطاني أيضاً (هكذا تقول الرواية الملفقة). وبهذه اللمسات البوليسية التي لا تخلو من الإثارة والتشويق تكتمل قصة اتهام صديقنا الروائي جمال الغيطاني بكتابة رواية «زبيبة والملك» التي ستظل «رواية لكاتبها» أو «رواية غاب كاتبها» بعد أن أثار كل هذه الزوابع في حياة الناس، ولم يسلم الأدب وعالم الرواية من زوابعه حاضراً وغائباً. هل يحتاج الأديب الغيطاني دفاعاً منا؟ الجواب: لا بالتأكيد، لأن أعماله وتاريخه هما اللذان يدافعان عنه. ولكنها كلمة حق يجب أن تقال عن أديب أثرى المكتبة العربية، وعن زميل مازال يطل علينا من خلال هذه الصحيفة بالممتع من كتاباته المتنوعة.. فتحية له منا.. أما «زبيبة والملك» التي تحولت إلى لغز يبحث الجميع عن صاحبه فقد أصابت لعنتها من نُسبت إليه كما يبدو فتحول هو الآخر إلى لغز أكبر يبحث الجميع عن جواب له. أما هذا الجدل الدائر حول «زبيبة» و«الملك» فسيظل دائراً حتى تقطع «زبيبة» قول كل خطيب.. وما أظن ذلك قريبا.

 

 

 

 

 

علي عبيد – جريدة البيان – 15/6/2003

++++++++++++++++++

محمد ناجي

 

الضمير العربي في اجازة!

 

 

 

للقضية العراقية, اليوم, اكثر من بعد, و تفرض تداعياتها حضورا واضحا في مختلف الساحات وعلى اكثر من صعيد. واحدة من هذه التداعيات, مايجري من متابعة ومراجعة لدور المنظومة السياثقافية العربية, والتي في جانب منها يتم فضح الدورالمشين والمتواطيء الذي قامت به هذه المنظومة ونخبهاالسياثقافية, في دعم الطاغية صدام واطالة فترة تسلطه بالضد من ارادة ومصلحة الشعب العراق.

فبالامس اثيرت قضية كوبونات النفط والسيارات المرسيدس والهدايا والمنح التي استلمها عدد من المثقفين والسياسيين العرب مقابل خدماتهم للنظام العراقي. وبينما لايزال هذا الفصل يتفاعل نشر احد المواقع العراقية على الانترنت (بيبان) وثيقة, كانت صحيفة الشرق الاوسط قد نشرتها ايضا, تؤكد ان الاخ المناضل الرئيس (ياسر عرفات قد عمل مخبرا لصدام! والبقية حتما في الطريق, مع استقرارالوضع في العراق.

واللافت للنظر, ان من يعنيهم الامر بدلا من مراجعة انفسهم وتصحيح مواقفهم أو التزام الصمت, وهو سيد الاخلاق, تجدهم يراوغون في محاولة التملص من استحقاق عليهم مواجهته بشجاعة. فالسيد جمال الغيطاني (مؤلف كتاب) حراس البوابة الشرقية عن حرب الابادة ضد الشعب الكردي عام 1974, كتب مقالا في صحيفة خليجية يتذكر فيه, اثناء فترة تأليفه لهذا الكتاب بالذات, زياراته للمتحف العراقي, حينكان يجد فسحة من الوقت بعد انتهاء زياراته لدائرة التوجيه السياسي التابعة لوزارة الدفاع العراقية, واعجابه بالعيون البابلية التي شاهدها في المتحف, ويبدي حزنه واسفه لما تعرضت له هذه التحف من نهب واتلاف, ولكنه لم يتأس او ينبس ببنت شفة لعيون الثكالى والصبايا اللائي غيب النظام, الذي كان على صلة به حتى عام (الانفال) 1988, احبتهن! أما السيد (محمود عبد العزيز), وهو مدير ادارة الاعلام بجامعة الدول العربية, فهو يضطر في موقع (ايلاف) للرد على كاتب عراقي, ليس لاهمية الموضوع الذي تناوله الكاتب, بل لانه تعرض الى رئيس المؤسسة التي يأ كل السيد محمود منها عيش, ولولا هذا التعرض لالتزم السيد عبد العزيز الصمت كموظف وكمثقف ايضا, وياليته فعل لكان هذا افضل له ولنا.

ولتبريره مواقف الامين العام للجامعة العربية يشيرالسيد عبد العزيز الى ان ماتبنته الامانة العامة, وتبناه الامين العام, من توجهات في الشأن العراقي انما جاءت طبقا لقرارات مجلس الجامعة, على مستوى القمة وعلى مستوى وزراء الخارجية… (و) ان الجامعة مؤسسة, ولها جهاز صناعة قرار.. ولم يذكر لنا السيد عبد العزيز مالذي يتوجب عليه والسيد الامين العام ان يفعل, بعد ان ثبت بالملموس ان هذه التوجهات فاشلة؟ فهي لم تمنع حربا أو احتلالا أو مقبرة! وان هناك شعبا, بل شعوب, دفعت من ارواح ابناءها ومستقبل الاجيال القادمة ثمنا باهضا لهذا الفشل, وان القتلة من مرتكبي المجازر الجماعية وحروب الابادة كانوا يجلسون ويلتقون ويشاركون معهم في كل مؤسسات الجامعة وصولا الى القمة, وهؤلاء ساهموا بصياغة هذه التوجهات, وانه والامين العام لمينصتوا لصراخ الضحايا الذي بلغ عنان السماء.

اما مايذكره السيد (عبد العزيز) من استضافة الجامعة (لقاء!) فكري يضم مجموعة من المثقفين.. (لتطلع!) منهم على رؤى وتصورات.. حول اصلاح النظام العربي… فأعتقد بأن هذا لايخرج عن ماسبقه من لقاءات ومؤتمرات ولجان, فالنظام السياسي العربي ومنه الجامعة العربية يبقى هزيلا وهو فاقد للصدقية, منذ زمن, واسألوا اي مواطن عربي للتأكد من هذه الحقيقة. واخيرا أرى بأن المنتظر والمتوقع من السيد عبد العزيز, وغيره, ان كانت وظيفته تمنعه من ذلك, فعلى الاقل كانسان ومثقف ان يعلن ادانته لمرتكبي المجازر والمقابر, بدلا من ان يمر عليها مرورا عابرا! وبعد ذلك فليقل مايشاء عن الاصلاح… ولكن يبدو اننا نطلب المستحيل.

محمد ناجي

 

 

 

خاص بالإمبراطور – 19 حزيران 2003

 

============

د. نصار عبد الله

 

تعقيب على تعقيب الأستاذ أسليم

 

 

 

مع تسليمى بوجاهة كثير من الحجج التى انطوى عليها تعقيب الأستاذ محمد أسليم حول قضية (الإمبراطور) جمال الغيطانى إلا أننى أختلف مع سيادته فى تعقيبه الذى يبدو فى مجمله رافضامن حيث المبدأ لحملة التضامن مع جمال الغيطانى ومعتبرا إياها نوعامن إعادة إنتاج سلوكات معظم النخب الحاكمة في الوطن العربي مع مواطنيهم: فبدل الاعتراف بما اتضح الآن(فى رأى محمد أسلبم) أنه كان خطأ فادحا، وبدلا من القيام بنوع من النقد الذاتي ومراجعة المواقف، بما يترتب على ذلك فى رأى سيادته من طلب للصفح من الشعب العراق، بدلا من ذلك كان يتعين على المثقفين العرب الذين كانوا يحصلون على هبات وعطايا ورواتب كان يتعين عليهم فى رأيه ـ أن يمتلكواـ فى رأيه شجاعة الإعتراف بذنبهم السابق بعقد لقاء يفضي إلى إصدار بيان أو كتاب أبيض ينورون فيه الرأي العام الثقافي العربي حول سلوكاتهم السابقة، ويعتذرون فيه للشعب العراقي. أما الإصرار على التملص من كل مسؤولية فذلك فى رأى سيادته ملازمة لوضع الشبهة. التى قد تنقلب يوما إلى حالة للتلبس ويخلص الأستاذ أسليم من هذا إلى أن حملة الدفاع عن الغيطانى هى محاولة لتكميم أفواه من أثاروا القضية وهى ليست السابقة الأولى من نوعها *** أختلف مع سيادته فى رفضه لحملة التضامن مع حمال الغيطانى ودفاع سيادته الضمنى عن حق الذين يوجهون إلى الغيطانى ما وجهوه إليه من الإتهامات وأعتقد أن الخطأ الأساس الذى وقع فيه الأستاذ أسليم هو تجاهل السياق الذى وردت فيه هذه الإتهامات إلى الغيطانى لو أن الدعوة لى محاكمة الغيطانى كمجرم حرب كانت قد جاءت فى زمن الحرب العراقية الإيرانية لربما قلنا إنها تجئ فى سياق محاولة مالإيقاف نزيف الدماء وهى محاولة ينبغى أن تحتشد من أجلها كل القوى المؤمنة بقيمة الحياة ولو أن الهجوم على الغيطانى قد جاء فى سياق الهجوم على ما كان يمارسه صدام حسين من الطغيان أيام أن كانت قبضته محكمةعلى العراق لقلنا إتها جزء من الحرب على الطغيان الذى يمثله صدام حسين وغير صدام حسين من الطغاة العرب لكن النظام الذى كان يراد له أن يذهب قد ذهب بالفعل والمعارك أو المحاكمات الفكرية التى كان يمكن أن تكون منتجةفىأوان معين لصالح الأمة العربية قد فات الآن أوان طرحها أو على الأقل فإن طرحها لم يعد منتجالذات الثمار التى كان يمكن أن ينتجها طرحهافى سياقها المنطقى والطبيعى لماذا تطرح الآن الإتهامات ضد الغيطانى فى سياق كل ما فيه من الشواهد تؤكد أن هناك تياراإعلاميا وثقافياعاما يحاول أن ينسب إلى التيارالعروبى مسئولية جميع الكوارث التى حلت بنا فالتصدى للهيمنة الأمريكية ومحاولةالإلتفاف حول مصلحةواحدةعلياللعرب وتراث واحد لهذه المنطقة ومحاولة إيجاد قرار وطنى مستقل كل ذلك هو الذى جلب لنا الهزائم المتوالية *** من الطبيعى أن ينشأ التخوف لدى كل أنصار التيار الوطنى العروبى وهو تخوف مشروع له ما يبرره من أن تكون الهجمةضد الغيطانى مقدمة للهجمة ضد التيار المناوئ للهيمنة الأمريكيةعلى إطلاقه خاصة وأن هذه الهجمة تجئ خارج سياقها المنطقى وخارج توقيتها الطبيعى ثم أجيب على التساؤل الذى يطرحه الأستاذ أسليم وهو هل كان الغيطانى هو العروبى الوحيد وهل هو المناوئ الوحيد للهيمنة الأمريكية بالطبع لا ولكنه حالة يمكن أن يلتبس فيها الحق بالباطل وبتعبير الأستاذ أسليم نفسه حالة يمكن أن يلتبس فيها لدى البعض ما يمكن أن يمثل شبهة بما يمكن أن يتحول من خلال الإلحاح الإعلامى إلى وضع إدانة فإذا نجح التشويه فى حالة الغيطانى تحول من هم أبعد منه عن شبهة تأييد نظام صدام حسين من العروبيين تحولوا جميعا إلى موقع المتهمين وهو ما يفسر انضمام كثير من الكتاب الوطنيين الذين لا يشك أحد فى إيمانهم بقيمة الحرية ولا يشك أحد كذلك فى رفضهم المطلق الدائم والمعلن لنظام صدام حسين انضمامهم لجبهة الدفاع عن جمال الغيطانى.

 

د. نصار عبد الله – شاعر وكاتب مصرى

 

 

(عن الشرق الاوسط).

—————-

محي الدين السامرائي

 

ذعر الغيطاني والحنين إلى رئيس التماثيل والمقابر

بماذا تختلف بيانات المثقفين العرب عن تصريحات الصحاف ؟!!

بعد التخبط في إدارة الشأن الثقافي عربياً ، تبرز للعيان ظاهرة التبعية الأدبية لتفرض هيمنتها على قطيع محدد من الكتّاب والمثقفين العرب ، فتجعل منهم طابوراً يعمل في منظمة رعوية، وبالتالي لتصور في الوقت نفسه الواقع الثقافي بالمحفل الماسوني الذي تتحرك عقارب ساعات أعضاءه وفقاً لمخطط عقل الظلام .

نقول ذلك ونحن نراقب حركة مرور الثقافة في ساحات العالم العربي ومواسيره وأنابيبه الدقيقة ، بل وداخل ترع مؤسساته التي لم ما تزال مشلولة دون خلق أو إبداع أو تقدم باتجاه الحداثات التي ما تزال موضع شك من قبل السلطات التي عادة ما تمارس دورها التأديبي القمعي بحق كل ظاهرة ثقافية أو موجة أدبية تحاول التخلص من شوائب عصر الانحطاط وغباره وأمراضه .

البيانات التي تلاحقت بجمع عشرات من التواقيع لمساندة الكاتب المصري جمال الغيطاني حول ما نسب إليه بتأليف رواية ( زبيبة والملك ) في موقع ( الإمبراطور )* ظاهرة فكاهية في غاية السذاجة والغباء ، فبدلاً من أن ينفي الموقعون التهمة ، أكدوها على الغيطاني . خاصة وإن أغلب الموقعين لم يقرأ ما ورد في مقالة الكاتب سليم عبد القادر في الموقع المذكور ، مما يمزج الموقف الثقافي بالمسرح الكوميدي .

ويبدو إن أغلب الموقعين متورطون ، بعدما أرسلوا بصمات أصابعهم بواسطة الفاكس على وقع الفزعة العشائرية . والطريف كما كتب ( ا . خ ) _ إلياس خوري كما نظن _ في جريدة النهار عن بيان مجلة الآداب ( إن البيان لا يشير إلى المسألة التي يتصدى لها ، فجاء في كلمات غامضة تحفل بالبلاغة القوموية والوطنية أكثر من اهتمامها بالموضوع الذي تدافع عنه …

 

وبعد أن يستعرض كاتب المقال جوهر الموضوع ورفع الغيطاني لقضية تزوير على الموقع يضيف قائلاً : من المنطقي أن يدعم المثقفون الدعوى التي أقامها الغيطاني ، وأن يعملوا على كشف الحقائق منعاً لاستغلال سقوط الديكتاتورية البعثية الصدامية في سبيل تشويه الثقافة العربية .

غير أنهم في المقابل يجب أن يساهموا في الكشف عن جميع عناصر الفضيحة الأخلاقية التي صنعها الديكتاتور العراقي ، وخصوصاً في المجال الثقافي . ومن اختفاء بعض مثقفي النظام وموتهم الى القمع الوحشي الذي مارسه صدام حسين ضد الثقافة والمثقفين في العراق ، بحيث صار المنفى العراقي هو أكبر منافي المثقفين في العالم .

وعلينا أيضا أن نكشف عن كتبة النظام والمرتشين ، والأقلام التي باعت نفسها من هذا النظام العربي الوحشي ، الذي كان انجازه الأكبر استدعاءه للاحتلال وعدم مقاومته المجلة لجيوش الاجتياح الامريكي – البريطاني .

 

لذا تبدو المقدمة الأيديولوجية لبيان (( الآداب )) ملصقة على الموضوع ، مثلما تبدو الصيغة التعميمية للدفاع عن الغيطاني غير منطقية . فالمسميات يجب أن لا تحجب بحجة التنوير أو الدفاع عن العروبة أو في مواجهة الاحتلال الأمريكي ) .

هذا التلخيص البارع للأزمة الحاصلة ما بين الغيطاني وموقع (الإمبراطور) الذي نشرته جريدة النهار ، يدفعنا إلى الذهاب بالاتجاه الأقصى المتعلق بنزوع بعض مثقفي الطائفة القوموية المنقرضة

وبعض مثقفي الاستكتاب في الجرائد والمجلات الممولة من حكومات القمع وسلاطين التطبيع ، ممن أفلسوا ، لا بالدفاع عن قضايا الأمة ولا بتثوير شعوب العرب على حكامها الدمويين الفاشيين ، يحاولون الآن تبني مشروع خرافي مضحك ، وذلك عندما قاموا بتحويل مقالة ( زبيبة والملك ) من فضيحة إلى قضية قومية كما ورد في بيان باريس الذي لوح بوجود مؤامرة و(( حملة ترهيب متنكرة بقضية أدبية مزعومة _ هدفها _ إقصاء الآخر العربي المدافع عن موروثه وثقافته والمحاسب على مواقفه السياسية … والحملة تتزامن مع الشكوى الأمريكية من ثقافة الممانعة العربية .. والشكوى الإسرائيلية الدائمة من ثقافة المقاومة )) !!

 

يا لها من نكتة : كأن تتحول الثقافة العربية لامرأة تمانع معاشرة الأمريكان ، وتمارس شهوانية الصهيوني بالمقاومة التي بطلها القومي الوطني التقدمي اليساري الدفاعي الخارق الحارق والوحيد في العالم العربي : جمال باشا الغيطاني !

نحن لا نعلم كيف حدث ذلك بعد مقالة واحدة ، كان يمكن أن تمر لولا حجم الرعب الذي لبس الغيطاني فجأة . فهاج على إيقاعه فزعاً ، ليقوم بمناشدة الضمير الثقافي العربي أن يصحو قبل أن تسقط القومية العربية في البئر . وقبل أن يأكل الذئب تراث العرب . وقبل أن يبتلع الجاموس ثقافة المقاومة التي يمثلها هو في سلوكها . وقبل أن تجتاح رأسه قوات الاحتلال بعد احتلال أراضيه !؟؟

من منع الغيطاني من أن يقاتل أمريكا أو يلعن والديها أو يضربها بالقنابل العنقودية إذا ما أراد ذلك ؟

ومن وقف سداً بوجه الغيطاني وقواته الأدبية ، ليحول دونه ودون منازلة إسرائيل ، هو الذي يعيش موظفاً من الدرجة الأولى في بلد يعقد صلحاً مع إسرائيل ويطبع معها ؟

ولماذا يريد الغيطاني أن يثور العراقي على أمريكا وحده ، فيما يقوم بدور المحرض من وراء مكتبه ، فيمتنع هو وغيره من كتّاب الشعارات الطائفية الرخيصة حتى عن رفع عقيرته بالاحتجاج ضد حكومة بلده ، ولو بتصريح مقتضب يندد بعلاقتها مع إسرائيل أو مع أمريكا ؟!!

أم إن وطنية الغيطاني ما تزال متأججة بعظمة مشروع صدام القومي للتحرير والنصر؟!!

أليست مسالة قبول غرب نوبل والكاو بوي ، جائزة ومالاً وتمويلاً ومساعدات ، ما يناقض هذر هذه الطائفة المنقرضة وفهمها في السياسة والأخلاق والثقافة ؟!

لماذا يلقي الغيطاني بتبعات احتلال العراق على العراقي الأعزل الآخر . العراقي المعدوم والمشرد والمنفي والمهجر أو المدفون في المقابر الجماعي ، فيما كان هو وسواه من جنود (( الكلمات )) الحرة في حضن الديكتاتور يسهرون . وعلى أعتاب بوابات قصوره يسكرون ؟!!

وفيما لو تركنا الهرج والمرج حول مؤلف الرواية الساقطة ( زبيبة والملك ) بعيداً ، بسبب انعدام الوثائق الدامغة ، فلماذا لا تتم مساءلة الغيطاني عما كتبه مدوناً وموثقاً وصريحاً باسمه ، أي فيما يتعلق بروايته الشهيرة (( حراس البوابة الشرقية )) التي كثيراً ما ينوه بأنها رواية بتمجيد الجيش العراقي في حرب أكتوبر ، وهذا ليس صحيحاً . لأن بوابة العراق الشرقية هي إيران . وقد كان الغيطاني وقتها في بغداد يشحن المعنويات بالهمم لسحق الثورة الإيرانية التي فتحت على أراضيها أول سفارة لدولة فلسطين ، ويرفع عقيرته بتحريض النظام الفاشي في بغداد وتبرير كل ما كان يقوم به في عمليات إبادة الأكراد في الشمال ، ممن ما يزال الغيطاني يعتبرهم (( بالكانتون الإسرائيلي )) في شمال العراق . وتشهد على ذلك حملته التشهيرية التي أطلقها على كل الكتاب والشعراء العرب ممن ساهموا في إحياء سنوية شاعر العرب الأكبر الجواهري في كردستان !!

إن رواية (( زبيبة والملك )) كما نعتقد ، ليست هي ما يثير الذعر الحقيقي في نفس الغيطاني ، ليقوم بتجنيد المثقفين بالدفاع عنه هنا وهناك . وقد يلمس هذا كل من يطلع على الملف المنشور في الموقع . فالبيانات في واد ، والحقائق في واد آخر . وكل ذلك يؤكد على أن تضامن بعض المثقفين مع الغيطاني يأتي مساندة مموهة للديكتاتور العراقي صدام حسين وحنيناً لنظامه الذي يعد أسوأ نظام عرفته بلاد الرافدين في تاريخها القديم والحديث على حد سواء . لذلك فثمة أسرار لم تظهر في القضية بعد . نترك ذلك للزمن الآتي . أي لزمن ما بعد تحرير العراق من الاحتلال على يد الغيطاني ونشامى اتحاد الكتاب العرب .

وإذا ما رفضنا أن ندخل بلادنا على ظهور الدبابات الأمريكية – البريطانية في المواكب الأولى .. فهل ستتحق أحلامنا ونركب ظهور خيولهم إلى العراق ؟!

 

المهم أن نصل إلى عاصمة ( زبيبة والملك ) لنقف على حقيقة تسليم فارس البوابات الشرقية والغربية والشمالية والجنوبية , للمحتل الأجنبي ، بعدما قام باستدراجه من وراء البحار ، ليسلمه مفاتيح البلاد ومفاتيح قصوره وغرف نومه على طبق من ذهب .

 

محي الدين السامرائي – لندن

 

 

عن: الإمبراطـور

————–