“هكذا في الأرض كما في السماء”، هو الديوان الشعري الأخير للشاعر النيكاراغوي إرنيستو كاردينال (غرناطة، 1925)، وكان الديوان قد قُدّم ضمن فعاليات “المهرجان العالمي للشعر” بغرناطة في نيكاراغوا.

يعتبر الشاعر إرنيستو كاردينال، الأبرز حالياً بين شعراء نيكاراغوا، البلاد التي أسّست منذ بدايات القرن الماضي للحداثة الشعرية في مجموع الشعر المكتوب باللغة الإسبانية، على يد شاعرها الكبير روبين داريو.

بل إن أسماء شعرية نيكاراغوية كبيرة رحلت عن عالمنا، استطاعت أن تبرز صحبة اسم كاردينال، من أمثال: بابلو أنطونيو كوادرا، وكارلوس مارتينيث ريباس، وكلاربيل أليغرِيا، ولا ننسى طبعاً الشاعرة جيوكندا بيلّي التي شاركت في المهرجان هذه السنة. ويتفق العديد من النقاد أن كاردينال هو الصوت الشعري الذي صاحب الثورة السندينية، فصارت بعض قصائده عنواناً لحالة التمرّد والعصيان المدنيالتي عاشتها البلاد إبان سنوات الثورة على نظام سوموزا، مثل قصيدته الشهيرة “صلاة من أجل مارلين مونرو”، أو قصيدة “سوموزا يزيح الستار عن تمثال سوموزا في ملعب سوموزا”، وغيرها.

كاردينال الذي احتفل مؤخراً بعيد ميلاده الثالث والتسعين، شاعرٌ أساسي في أميركا اللاتينية، لكنّه عُرف أيضاً باعتباره قسّاً كاثوليكياً متمرّداً ومغضوباً عليه من طرف الفاتيكان، لكونه أحد المحسوبين على ما عُرف بـ”الكنيسة التحرّرية”، التي حاولت التوفيق بين تعاليم المسيحية والماركسية خدمة لشعوبها الفقيرة، ففجرت غضب البابا خوان بابلو الثاني ثم بنيدكت السادس عشر بعده.

ساندت الكنيسة التحرّرية ثورة شعوبها، ودافعت عن المستضعفين الذين يعيشون مختلف أنماط القهر والاستعباد على يد الإقطاع والأوليغارشية المتحالفة مع الكنيسة البابوية والرأسمال. في هذا الصدد يقول كاردينال القسّ الثوري الذي تقلّد زهاء عشر سنوات منصب وزير للثقافة (1979-1987)، في الفترة التي أعقبت الثورة السندينية: “إن ما يسمى بالكنيسة الأم قد خانت الإنجيل وخذلته، فالفاتيكان في ممارساته مختلفٌ تماماً عن الروابط التي أسّسها المسيح مع بعض الصيادين […] إن تجربة “سولينتينامي” كانت تجربة متواضعة، لكنها تحوّلت إلى أسطورة، لقد كنّا في واقع الأمر جماعة صغيرة، أجل، كنا شبه كومونة على طريقة المسيحيين الأوائل، مسيحيون مجدّدون متبنون لنظرية “ثيولوجيا التحرير” بتوجه ماركسي، هكذا أخضعنا الإنجيل لتأويلنا، لقد كانت تجربة متفردة…”.

كان كاردينال قد عاش مضايقات عديدة من طرف النظام الذي يقوده رفيق الأمس دانييل أورتيغا، بعد أن حاول هذا الأخير بأساليب ملتوية الالتفاف على عقار تستغله الجمعية التي يترأسها كاردينال في جزيرة سولينتينامي، مما أثار موجة استنكار، انتهت بتراجع المحكمة عن الحكم بعد استئنافه من طرف دفاع الشاعر، مُنصِفة هذا الأخير وجماعته. هذا المشروع أطلقه الشاعر عام 1980، في الجزيرة الواقعة في بحيرة نيكاراغوا، تعزيزاً لتصوراته اللاهوتية في التحرير والفن والثقافة.

في ما يخصّ الإصدار الأخير، “في الأرض كما في السماء”، والذي يشتمل على قصيدة واحدة تتكوّن من متواليات شعرية، تقول لـ”العربي الجديد” مساعدة كاردينال الشاعرة لوث مارينا أكوستا، أنها تشبه بشكل ما صلاة وترنيمة تحتفي بالحياة وبالكون، بل إنها تعتبرها بمثابة قصيدة وداع لكاردينال، مما فتح الباب أمام العديد من التأويلات، خصوصاً أن الشاعر قد بدا في الآونة الأخيرة متعباً جداً، لكنه من الناحية الذهنية يبدو محتفظاً بكثير من وهجه وإشراقة أفكاره، وإن كان ما يزال يعبّر عن إحباطه من كل ما يحدث حوله في العالم وفي نيكاراغوا بوجه خاص.

ففي مذكراته التي نشرت منذ فترة كما في حواراته، عبَّرَ غير ما مرة عن خيبة أمله، بل وعن يأسه مما يحدث، إذ يقول بصدد الثورة السندينية وإسهامه في قيادتها والتحوّلات التي شهدتها: “هذا الأمر قد تسبّب لي في معاناة وآلام عميقة، لقد سميت تلك التجربة “الثورة الضائعة”، وهو عنوان الجزء الثالث من مذكراتي. ما تعيشه اليوم نيكاراغوا ليس ثورة، إنه دكتاتورية فردية لدانييل أورتيغا وزوجته وأبنائه، فدانييل ليس من اليسار، وهو ليس سندينياً، لقد خان الثورة”.

يمثل الديوان، مواصلة للمرحلة الأخيرة من تجربة شعرية، حاول كاردينال فيها أن يحاور مظاهر في الفضاء الكوني، معتمِداً على المعارف العلمية المستكشفة، وبعض خفايا وأسرار الكون، مع ربطه لها بتصور إيماني صوفي نابع من قناعات الشاعر الدينية، قناعات تتأسس على تصورات متحرّرة، وضمن هذه المرحلة يدخل أيضا عملٌ شعريٌّ آخرُ “نحن غبار النجوم” (2013) ضمن أعمال شعرية أخرى.

هذا ويتمّ حالياً إعداد مبادرة لاقتراح ترشيح الشاعر لـ”جائزة نوبل للآداب” هذه السنة، وتقف خلف هذا الترشيح العديد من المؤسسات الثقافية والشخصيات من عالم الفن والآداب والسياسة وعلى رأسهم الرئيس السابق للأوروغواي، بيبي موخيكا. فضلاً عن تبنّي “مهرجان ميلانو الدولي للشعر” للملف. وتتكوّن اللجنة الداعمة من الطبيب جيوسيبي ماسيرا، والشاعر غيدو أولداني، والصحافية أندريا سيمليتسي، كما تقول لـ”العربي الجديد” مساعدة كاردينال الشاعرة لوث مارينا أكوستا.

كان كاردينال قد اقتُرِح من قبل رسمياً لجائزة نوبل عام 2010، من قبل “الجمعية العامة للمؤلفين والناشرين” في إسبانيا، لكن الشاعر النيكاراغوي في تلك المناسبة أخبر وسائل الإعلام أن الجائزة لا تهمه.

والواقع أن كاردينال ليس من الشعراء الذين يحتفون كثيرا بالجوائز الشعرية أو يترصدونها، ومع ذلك فقد استلم من قبل على الأقل جائزتين شعريتين كبيرتين هما: “جائزة بابلو نيرودا” سنة 2009، و”جائزة الملكة صوفيا للشعر الإيبيروأميركي” سنة 2012.

إبان ترشيحه الأول لجائزة نوبل، كان الشعراء المشاركون في المهرجان الدولي السادس للشعر بغرناطة (2010) على لسان الشاعر الإسباني دانيال رودريغيث مويا، قد اعتبروا كاردينال (الصورة مع جيوكندا بيلّي) واحداً من أهمّ شعراء أميركا اللاتينية. فأميركا اللاتينية عرفت خلال تاريخها الحديث شاعرين أساسين: روبين داريو وبابلو نيرودا، عملا على ترسيخ قالب معياري للقصيدة الحديثة، لم يستطع أي شاعر زحزحته قبل نيكانور بارا وكاردينال.

https://www.alaraby.co.uk/culture/