الشاعر الكركوكي بامتياز: أنور الغساني

 

 

عبد القادر الجنابي من باريس: وشاعر عراقي آخر يرحل عنا، تاركا إيانا نتشبث في ذكرياتنا معه، في أعماله، في حياته التي عرفنا جزءا منها… وخصوصا في الحلم الذي نتقاسمه جميعنا، موتى وأحياء، أن نعود الى عراق متحرر نسبيا من كوابيس طغيان وإرهاب؛ عراق حيث تنام فيه هادئ البال. مات أنور الغساني محروما، كأصدقائه الذين ماتوا قبله، وربما الذين سيموتون بعده، من حقه في امتلاك حاضر عراقي يعيشه بملء طاقته على الإبداع، متخلصا من التشيؤ في ماض لم يعد له حتى بريق الماضي، فمنتحلي حيوات الآخرين وتجاربهم سطوا على كل ما كان للماضي العراقي من لحظات جميلة انتحالا تحولت معه ذكرياتنا الحقيقية البريئة مريعة ومثيرة للتقزز.
لقد عاش أنور الغساني بعيدا عن الأضواء لكن ليس كزاهد وإنما كاختيار جغرافي بعيد، لذا كان يلبي أي طلب يأتيه من أحدنا: مشاركة في الكتابة، في مشروع، في مهرجان… كان يقضي معظم أوقاته بين التدريس وكتابة قصائد، ذكريات ومسودات (كلها بالانجليزية والاسبانية) حول مستقبل العراق… وخصوصا “رسائل من بعيد”، التي كان يكتبها شهريا باللغة الانجليزية، لكي يحيطنا علما بنشاطاته ومشاريعه المستقبلية… وبأنه لا يزال حيا ويواصل… رسالة بسيطة من عدة صفحات، بعضها تتضمن ملاحظاته عن أولئك الناس البسطاء الذي عاشوا في كركوك مثلا، او في العمارة، او بغداد، وبعضها

تتضمن اقتراحاته حول الوضع السياسي والتاريحي للعراق.. الشيء المؤكد في كل نشاطاته هذه منذ تسعينات القرن الماضي، لا يوجد فيها أي ادعاء لدوره في ما سمي “جماعة كركوك” الوهمية * أو في مختبر الستينات التجريبي (بالرغم من انه فعلا لعب فيه دورا تجديديا أكثر من كل أولئك..، خصوصا في نشاطاته وإدارته لملحق الجمهورية الأدبي الأسبوعي)، وفي الحقيقة، كان… يتقبل صيغة “جماعة كركوك”، في السنوات الأخيرة، كتدليل على تلك الصداقة الجماعية في ظروف عراقية جميلة يتمناها اليوم كل عراقي، أكثر مما تدل على حركة أدبية أو تجمع ثقافي له أهداف ومنظور واضح؛ فالغساني البعيد عن التمذهب الحركي كان عندما يسمع كلمة “جماعة كركوك”، لا تتجلى في ذاكرته سوى مدينة كركوك برمتها التي من بين آثارها مجموعة من الأصدقاء “… تأصلوا في حلم، في كركوك الناقصة… يدفعون بالزخم المترسخ بالأمل رغبة في المعرفة. هذا عند وعيهم السري، تنافسهم السلمي، لكنهم يدركون الأوسع/ معرفتهم الواحد بالآخر…” على حد عبارته في احد نصوصه. يجب أن لا ننسى أن تدهور العراق اليوم نتيجة تحالف دموي بين الإرهاب العربي وطبيعة الشخصية العراقية المهادنة، دفع الكثير منا الى البحث في جارورة الماضي عن لحظة تاريخية لاحتضانها والذوبان فيها على نحو مبالغ أحيانا لا تسندها أي واقعة تاريخية.
يقوم شعر أنور الغساني على النثر البسيط والمباشر دون أي تزويق بلاغي أو اهتمام بالإيقاع النثري. فقصائده الغارقة في مظان التاريخ والوقائع المنسية، تكاد تكون وثائق عن علاقات، ذكريات، أماكن… ففيها المعلومة الواقعية والمعلومة المتخيلة في تقاطب هادئ لا يعتمد الصدمة الشائعة في شعر الجميع. إنها قصائد تروي… لحظات منسية لكنها محفورة في ذاكرة الكثيرين… وأحيانا بتجريد كامل حيث “الفكر يشك في نفسه، يجدد أدواته محتفظا بالأسئلة الجميلة، مسلما دارته للشعراء البحاثة، اللاعبين الضاحكين”. ومن الممكن إطلاق على مجمل قصائده تسمية “القصيدة الباحثة” التي تقترب في معالجتها كثيرا من قصائد لميروسلاف هولب، ومن قرأ لهذا الشاعر الجيكي سيفهم ما أقصده. انظر مختارات هولب “قصائد: قبل وبعد”، واجر مقارنة مع قصيدة الغساني: “في مديح النشاز والأخطاء والمزاح” (منشورة في إطار). لكن يجب أن لايفهم من هذا انه يقلد هولب، ذلك أن أنور الغساني يكاد يكون الشاعر الستيني الوحيد الذي لا يقلد كاتبا آخر، وربما لم يقرأ قطعا هولب.
لا يوجد شاعر عراقي حديث ركز اهتمامه حول تاريخ المدينة التي عاش فيها، كما فعل أنور الغساني المولود من أم عربية من العمارة ومن أب من كركوك ذي أصول تركية. فقصائده مهووسة بتفاصيل مدينة كركوك أو “كاركوك” كما يسميها التركماني. إذ “هي أرض عانت التعرية والبرد والحر، لهذا تحرضني في الأزمة. هكذا أغتني. ثم يأتي ربيعها، وفرة البلاستيدات والماء/ النور. أعرف أنني أستقر بحياتي في حبها”، كما كتب في قصيدة نثر جميلة تحت عنوان “دليل كركوك” (سننشرها قريبا). إنه الشاعر الكركوكي بامتياز.

كان الغساني يفكر قبل أعوام باصدار مجموعة شعرية له بعنوان “مصادر” والعنوان هذا يعبر في نظري عن الفعل الشعري لديه. فالمواد الكلامية (الصيغ المعفية من بريق الغنائية المعهودة في الشعر) حوائج غُنمت خلال رحلة تفقد في واقع تعيشه الذاكرة جزرا: فقرات. القصيدة لملمة اثنوغرافية؛ تركيب يذوب فيه الجٌمل. وها هو الشاعر قد اجتاز خلية من خلايا الذاكرة. ومن المعروف ان البحر هو احدى اهتمامات الغساني ايضا. إلا ان هذا الانهمام بالبحر وروّاده ليس مجرد هواية، إنه ابحار في عُرض الحياة المعيشة، لخلق مواض بوجه ذاك الماضي الكبير الذي تندرج تحته كل الأزمنة.

لا توجد لدى أنور الغساني علاقات عاطفية سنتمنتالية مع أصدقاء، وإنما هناك صداقات قائمة على الاحترام أو على ماض في مسألة ما. فالجلوس مع أنور تسوده البرودة، بل أحيانا تشعر وكأنه يتكبّر… يستمع إليك بانتباه لا يقاطعك فرأيه في ما تقوله ثابت، يتفهمه لكن لا يشاركك الرأي، وإذا شاركك فالمصيبة ستكون أكبر لأنه ليس لديك دليل على هذا! ناحية إيجابية خصوصا في عالم اليوم حيث الحرباوية سيدة الجلسات والحوارات. لكنها ناحية يراها البعض سلبية فنحن، العراقيين، تعلمنا الأخذ والرد، المشاحنة، العواطف المبتذلة والمتبادلة حد الزعل وترك النقاش.

طبعا كان أنور يفرح ويضحك ضحكا عاليا خصوصا مع أصدقاء مقربين كصالح كاظم الذي عاش معه في لايبزيج، ومؤيد وسركون، فبينهم كثير من القصص الجانبية وحكايات كركوكية عديدة. كان أنور يدهشك بتفاؤليته؛ تفاؤلية في كل شيء تتضمن مشاريع وخططا يشعر بعضنا بتعب منها.

لقد مات… وهذا ليس بالشيء الجديد فالعمر، الأمراض والغربة تداهم الواحد اثر الآخر. ولا أدري ما الفرق بين أن يرحل أنور أو سركون وأن نبقى نحن منتظرين الرحيل نفسه. غاب أنور الغساني غير أن ذكراه تبقى حاضرة في ما كتبه من قصائد باحثة عن حياة يطيب العيش فيها؛ حاضرة حضورا متواترا في ديوان المصير العراقي.

هذا اول شاعر موته لا يشجع على نثر من البكائيات وإطلاق النعوت التي تكاد تكون آخر مسمار في نعش الموصوف بها. كلا. هنا موت يثير حزنا متزنا؛ تأملا يصحّي عين العراقي بالأخص لكي يرى، يشم، ويلمس “كم هو هذا الليل” ** الذي يتربص به في كل منعطف يميل إليه.

هوامش:
* ليس هناك على الإطلاق وجود تاريخي لجماعة كركوك.. وأقصد بوجود تاريخي له نشاط مسجل وعيني ينم عن توافق مبدئي حول قضية أدبية أو سياسية، وان يكون له على الأقل وثيقة واحدة موقعة باسم “جماعة كركوك”، في مجلة، بيان أو على الأقل ان يكون لها ذكر في مقطع مكتوب في رسالة من ذلك الزمان، أو بخبر من سطر واحد في تغطية أدبية إبان الستينات. ناهيك عن أن “جماعة كركوك” عبارة صاغها الشاعر الراحل شريف الربيعي كاستهزاء من النازحين من كركوك… فبغداد ستينات القرن الماضي عرفت هجمة كتاب وشعراء وفنانين نزحوا من الأرياف والمدن الأخرى.. ومع هذا فإننا لم نطلق على حميد المطبعي، زهير الجزائري، عبدالأمير معلة، موسى كريدي، جماعة النجف” مع العلم كان لهم كل ما يبرر هذا اللقب من اجتماعات وإصدارات من بينها أهم مجلة ثقافية: “الكلمة”. في كل مدن العالم تتم اجتماعات حقيقية بين أفراد ووفق طموحات جديرة بالاحترام، ومع هذا لا يفكر واحد من هؤلاء الأفراد أن يطلقوا على لقاءات اجتماعية المنحى تسمية “جماعة”..

**: من قصيدة لأنسي الحاج

 

 أنور الغساني:في مديح النشاز والأخطاء والمزاح

 

أرفرف، على هذا الصقيع أنا الروح العراقية الراغبة في اللعب. جوسيه تارتيني (1692-1770) كان، سوية مع زارلينو ورامو، أحد مؤسسي تقنية الهارموني في الموسيقى. منذ ثلاثة قرون وضعنا في زنزانة ومضى. كان قد اكتشف في “هارمونية التوليف” الصوت الثالث بين ذبذبات نوطتين تُعزفان سوية. نعلم أيضا أنه حدث صديقه الفلكي لالاند عن حلم رآه ذات ليلة. وقد روى لالاند عن تارتيني أنه قال أن الشيطان زاره ذات ليلة في الحلم وأنه، أي تارتيني، أفلح في اقناعه بتوقيع عقد معه. وكان من نتيجة ذلك أن الشيطان أصبح في خدمة تارتيني الذي انتهز الفرصة وطلب منه أن يعزف على الكمان مقطوعة يتحقق فيها أرفع مستوى من التوافق بين عناصرها، فما كان من الشيطان إلا أن عزف له مقطوعة لم يسمع في حياته مثلا لها. لكنه عندما استيقظ من النوم وأراد أن يسجّل ما سمعه وفقا لمواضعات الهارموني وجد نفسه عاجزا عن تذكر المقطوعة. كان قد نسي كل شيء. غير أنه ظل يلح على نفسه ويحاول حتى أكمل تأليف عمل متوسط الجودة أسماه “سوناتا الشيطان”. وهكذا فإن تارتيني الأخرق بدلا من أن يترك للشيطان حرية الاختيار والخلق استغل سيطرته المؤقتة وفرض عليه أن يقدم له عملا يركد صحة نظريته في الهارموني باعتبارها الكلمة الأخيرة الموازية للمطلق في الموسيقى. يصعب علينا اليوم أن نتصور ما كان تارتيني سيتعلمه لو أنه ترك شيطانه وشأنه، أو لو أنه كان قد طلب منه عزف مقطوعة كلها نشاز. نعلم، على الأقل، أنه لو كان قد طلب ذلك فإنه كان، أي تارتيني، سيتذكر المقطوعة كاملة عند استيقاظه لأن النشاز هو الوضع الدائم للأصوات الذي ما إن نمد أكفنا حتى نمسك به. ولكننا رأيناه يسقط في ظن مؤداه أن هارمونيته ستسمق إذا تبنتها ذات الشيطان. أما عزيزي الشريد فولفكانك أماديوس موتسارت (1756-1791) فبعد سقوطه زمنا في أحابيل هارمونية تارتيني سولت له عبقريته كتابة عمل بعنوان “مداعبة موسيقية” (مسجلة تحت رقم 522 في فهرس كوشل/ Ein Musikalischer Spass, Küschelverzeichnis 522  ) سخر فيه من فوضى العازفين الجهلة. كان واحدا من أعماله الهارمونية الاستهلاكية التي أضطر إلى كتابتها لإمتاع الأغنياء الجهلة والمؤلفين الموسيقيين الضعفاء الذي سجله مادة للسخرية كان بالذات انجازه الأعظم، الكوة التي فتحها في الزنزانة حيث تركنا عزيزنا تارتيني الخبيث، فساعدنا على الهروب. موتسارت في مداعبته الموسيقية حقق صفاء كالوهم، كالألم، وبلغ بنا منتهى القدرة على الاستمتاع والمزاح. عهد ذاك، في عصر المعجزات والاعتراف اليسير بالنقص في المعرفة، في غرفته العطرة وحولها لم نفكر أبدا: هذا كل شيء. أبدا، أبدا. بل تسلينا ’كلين شاربين. وهكذا، إذا حدث واشتدت الأزمة اليوم فلدينا الأفواه والهواء والأوراق والكلمات كي نتذكر أن قضم مثل هذا السرور مناسبة فريدة بينما تستمر الملحمة على المسرح ويهيب بنا الشعر: لا، لا. ثم أن يوهان فولفكانك غوته النبيه (1749-1832) أشار فيما بعد إلى دور آخر أفيد للشيطان، بمعنى أنك إذا تحالفت مع الشيطان فإنك ستملك عالما منظما من المكاسب الكاوية المُسّرة، قد يغريك في البداية، لكنك ستفر منه بالتأكيد وتسرع بالعودة راضيا بنشاز عالمك اليومي الأصلح الذي تجد فيه، على الأقل، فرصة للتخفيف من وطأة أمراضك العقلية. ذلك النبيه غوتة أقبل على الحياة مدركا أنها أضحوكة سوداء، إلهة قد تكون فاتنة لكنها مكبلة بوجودها.
(4/9/1993)

((إيلاف))