سعد القرش

يقودك سعد القرش في كتابه “سنة أولى إخوان” إلى متاهة التنظيم السري، إذا ما بدأت في القراءة فلا تخف لأنك سوف تستعذب ذلك التيه بإرضاء نهم المغامرة واكتشاف دقائق وفك ألغاز وطلاسم لن تجد فرصة أكثر من هذه الدروب المظلمة إذا ما سرت خلف القرش وهو يحمل مصباحه منيرًا لك تضاريس وعرة وطرقات مظلمة داخل النفس الإخوانية لتتعرف على “وقائع وشهادة 369 يومًا قبل اختفاء التنظيم”.

في المتاهة الإخوانية، يتقن سعد القرش دور “المرشد” الثوري، لا المرشد العام الذي لا راد لأمره ولا معقب لإرشاده، من دون بيعة من القارئ، فقط عليك أن تسير خلفه لتكتشف أن رحلتك لن تكون في كتاب يروي الأحداث والوقائع التي عايشتها أو تابعتها عبر الشاشات أو من خلال صفحات الجرائد، يتجاوز بك مرحلة “الكتابة البلاستيكية”، كما يسمي هو المنتج الصحفي المجرد من روح الإبداع، إلى رحلة إبداعية مصورة مصحوبة بتعليق على هذا الحدث، ومشفوعة بحادثة مشابهة، وممهورة بتوقيع “القرش” كشاهد عيان، وكمثقف ثائر مدفوع بجيناته الثورية، وذكاء في كشف المتآمرين على الثورة تشكل لديه من ميادين التحرير التي لم يبرحها منذ تنفس المصريون أولى نسمات الحرية في يناير 2011، وفي النهاية أنت محظوظ لأنك ستضم بين يديك الإخوان: الجماعة، والتنظيم، والسر، والعلن، والدهاء، والتقية، والتجارة.. ستضم الإخوان من المهد (قصة النشأة وأبجديات العمالة مع البنا المؤسس)، إلى اللحد حيث ( نهاية الطريق إلى 30 يونيو).

تقمص “القرش” في رحلته (وهو الذي نال كتابه “سبع سماوات” جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة (2008-2009) من المركز العربى للأدب الجغرافى)، دور الباحث، والطبيب، والساحر، والمورخ، والمواطن، وفي كل هيئة يبدو عليها يبهرك.. عندما يتقن البحث بين سطور الفكر الإخواني، وفي كلمات وخطب كوادر التنظيم بمنهجية مثالية وحرفية في التوثيق.

كما يبهرك الرجل إذا ما قام بتعرية مريضه(الجماعة)، واستل أدواته ليبدأ مهمة تشريحيه ويضع يده على أمراض إخوانية مستعصية وعتيقة.. هنا موضع الكذب، وهنا يكمن التلون والنفاق، وفي هذا الجزء من الجسد تحاك المؤامرات ويصنع الألم، وهنا مركز السمع والطاعة العمياء.

ينقل إليك كاتبنا ما رأيته بعينك وسمعته بأذنك، من أحداث واشتباكات عشت تفاصيلها وكان فيها الإخوان طرفًا باغيًا ، فيقدمها لك، كساحر، كأن لم ترها من قبل بربط محكم دقيق وبلغة جاذبة ونفس طبيعي.

في تأريخه لسنة الإخوان الأولى والأخيرة في حكم مصر ، يرتدي “القرش” ثوب المؤرخ ، ففي كل مليونية يكون هناك، وفي كل معركة بين فسطاطي الإخوان المسلمين والشعب يكون له نصيب مفروض، ويروي لك بالتاريخ المفصل كيف ومتى ولماذا حدث ليجمع لك التاريخ القريب لتلك الحقبة في وجبة لا تفنى، ولا يغنيك عنها أرشيف الصحف ولا مقاطع الفيديو ولا الأفلام الوثائقية.

ولأنه مواطن مثقف، لم يستطع “القرش” أن يتحلل من الانحياز أو يلتزم الحياد تجاه جماعة يؤمن، كغيره ممن خرجوا إلى الميادين يهتفون بسقوط حكم المرشد، أنها تتخذ مصر “محطة” في الطريق إلى حلم الإمام المؤسس “أستاذية العالم”، حيث يتربع الإخواني على “كرسي الخلافة المزعومة”.

قد يتنافى انحياز الكاتب مع طبيعة الكتابة التاريخية أو كتابات من هذا النوع ستصير في الغد تاريخًا، لكن الرجل عالج “عدم حياده ” بـ “موضوعية شديدة”، وبرر ذلك باعترافه أنه لم يستطع أن يكون محايدًا و”لا احتمل فكرة الحياد”، وهو يرى نفسه مصنفًا من قبل الإخوان كـ “آخر” من فسطاط غير الإسلاميين.

في “سنة أولى إخوان”، تتعلم كيف يكون التمرد على الراعي.. كيف تخرج من “القطيع”.. وكيف تتحرر من ظلمات العقول وكهنوت مؤسسة السمع والطاعة. يعترف “القرش” بأنه “في أبريل 1979 وقفت في طريق كان يفترض أن ينتهي بي إلى مكتب الإرشاد، اشتريت مجلة الدعوة الشهرية الناطقة باسم جماعة الإخوان”، لتتكون لديه، “عقيدة فتى في الثالثة عشرة رأى العالم كما يريد له الإخوان مجرد فسطاطين.. مسلم ينتمي بالضرورة إلى جماعة الإخوان، وآخر مسلم لا ينتمي للإسلام الحق من وجهة نظر الإخوان”، ليكتشف الرجل في نهاية رحلته كنه القناع الإخواني “قناعًا لتوجه رأسمالي متوحش”.

حول القرش كتابه إلى ميدان التحرير والاتحادية ومصطفى محمود ومحيط المحكمة الدستورية العليا، ومدينة الإنتاج الإعلامي، ودار القضاء العالي، وكشف الجماعة وعراها، ولم يفلت أحلاف الإخوان من “قنص” الكاتب، حيث كان لهم دائمًا بالمرصاد فاضحًا التاريخ الدموي في قتل المواطن والسياسي والشرطي والقاضي.. إلى آخر قصص التصفية الجسدية المحفورة في سجل الإسلام السياسي.

كُفر الجماعة بالوطن والحدود، أخرجه القرش من بواطن الخطاب والشعار والهتاف والسلوك الإخواني، مستشهدًا بشعار “نحمل الخير لمصر”، وهو شعار يراه الكاتب “يذكرنا بخطابات نابليون حين بلغ القاهرة “شعار يشي بأنهم غير مصريين”.

في “سنة أولى إخوان”، يحدثك “القرش” عن الديمقراطية في عرف “الفاشيين الذين يرون الديمقراطية مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم لا ممارسة تتيح تداول السلطة”.

يحدثك عن السفه الطبقي باسم الإسلام.. عن فن الإخوان في استعداء مجتمع يريدون أن يحكموه وهم يرونه غريبًا عنهم، لتصل في نهاية الرحلة إلى نشوة الاستمتاع بلذة السقوط ولحظة الخلاص.

يحدثك القرش عن لعنة الثورة، والذين خانوا الشهداء وتاجروا بالدماء، واستعاروا صورًا لجثث غير مصرية لتصديرها إلى العالم عبر آلة الكذب الإخوانية التي لا تكف عن الدوران، ليثبتوا شطارتهم في التجارة والبقالة.

في “سنة أولى إخوان” يحدثك سعد القرش حديث الإمام النفري، يحدثك ” لترى.. فإن رأيت فلا حديث”.

http://gate.ahram.org.eg/News/475716.aspx