أسعد الجبوري: كل نصّ يبعث على الطمأنينة هو نصٌّ نافقٌ لا نفعَ منه

حوار: عباس ثائر
جريدة ((أخبار الأدب)) المصرية
4/7/2018 2:08:36 PM

منذ بداياته.. حاول أن يكون شاعراُ آخر. خرج من جسد الشعر، فصار بمرور الوقت عامل خرق يتدرب على تطهير النص من الغبار والفضلات، ليثبت إنه قوة شعرية لا تستمد حيويتها من الظلال والمرجعيات، وذلك لأنه أدرك مبكراً بأن الآخرين -بما فيهم شعراء ما يسمي بالحداثة- ليسوا أكثر من خزائن للتقاليد الشعرية النمطية وللتراث ولمفردات المدارس الأدبية التي عادةً ما تنم عن تلك الحبال الصوتية المتهرئة من التكرار ووظائف النقل والاستنساخ المتبادل ما بين مختلف الأجيال على الرغم من الفوارق الزمنية بينهم. لأن شعراء اليوم ممتلئون  بشعرية القرون السحيقة، فالجاهلية ما تزال قائمة في حداثة اللحظة المعاصرة بشكل قاطع.
نتحدث هنا عن أسعد الجبوري عضو اتحاد الكتاب العرب، وعضو اتحاد الكتاب الدنمركيين، عضو في الإنسكلوبيديا العالمية للشعر – بريطانيا. رئيس تحرير جريدة (طقوس) باللغتين العربية والإنجليزية، مؤسس بنك الخيال، ومدير موقع الإمبراطور الإلكتروني.
نطرح أسئلةً على شاعر المخيلة الأول وفقاً لوقائع النصوص التي تؤكدها صوره الشعرية، بما يجعله متفوقاً بامتياز، وذلك بما يوجد بترسانة خياله، ككاسر لظهر اللغة وكمفجر  لجينات الكلمات.

في المقدمة ثمة سؤال عن الشعر. هل هو روح الشاعر أم ذاته؟
ليس على الشاعر إلا أن يعترف بأن الروح سلف الذات الشعرية. هذا ما اعتقده أنا. والشاعر في أثناء الكتابة، يترك الاثنين في محرقة الكلمات من أجل أن يحقق أهداف النص بعيداً عن التأويلات المضادّة لحركة البلاغة داخل للغة.
من هنا يصبح السؤال عن الشعر كالسؤال عن الروح. عن الذات. أو عن الألغام التي تنضج في تربة اللغة.
أنت شاعرٌ مقطوعٌ بلا تراث. هكذا يطلق على كتاباتك النقادُ. ما ردّك؟
لا أعتقد بأنني أخطئ، فيما لو قلت بأن الكاتب العابر للتراث والتقليد والتناص، هو بذاته محطة وقود متخمة بالمواد القابلة للانفجار أو الاشتعال في أقل تقدير. لكن الأمر المهم، يتعلق بمن يمرّ بتلك المحطة. فليس كل عابر هو حافزٌ للاشتعال، أو محرض عليه.
هناك الألوف من المارّة وألوف الأحداث، تمر بفتيل التأليف، دون أن تؤثر فيه، كونها تكتلات أو كتل باردة، لا تملك طاقة تقود إلى الاشتعال. في مقابل ذلك، ثمة أشياء صغيرة أو أحلام كامنة، قد تحرك مخزون تلك المحطة، فتؤدي إلي تكوين تلك النار السحرية التي تؤسس لبناء نص شعري.
كل الأعمال الأدبية الأخري من روايات وقصص ومسرحيات، لا تحتاج إلى التشعيل أو الاشتعال، لأنها من منظومة الأعمال السباتية.
عندما تكتب.. هل تضع خريطةً لتدوين أفكارك. صورك؟
أنا لا أستخدم خريطة طريق لأي عمل أكتبه. أعتبر المخيلة هي الخزينة الأم لكل المجوهرات التي تتفتح في الرأس وتنمو بين طبقات النفس التي تضحي ببعض من مساحة تربتها لصالح الكتابة.
لماذا تتعدد الرؤي في بناء رواياتك، في »الحمي المسلحة»‬ و»‬ديسكولاند» و»سائق الحرب الأعمي» علي سبيل المثال؟
ذلك ليس شأني وحده. فالفكرة في الرواية هي التي تقودني إلى مجاهل غير متوقعة. وهناك يبدأ التأسيس على أفكار أخري، يمكن أن تكون معاكسة للفكرة الأولى، أو مجددة لها بطريقة ماكرة أخرى. هذا في الرواية. وإما العبارة في الشعر، فهي التي تفجرها الصور القادمة من غوغل المخيلة نحو الورق أو الكيبورد. فتتكسر الأقفاص وتمحي الحدود ويضربُ الأسلاف بالدبابات دون رأفة.
ثمة من يعتقد بأن القارئ الذي يقتحم كتبك، عادة ما يقع في ورطة. هل تكتب لتدمر القارئ مثلاً؟
الكتابة بالدرجة الأولي هي توريطٌ القارئ بأحداث، يعمل المؤلفون على استجلاب الآخرين إليها. وكل كاتب حسب قوة مغناطيسيته في عمليات التوريط. فتأليف الأعمال الأدبية، هي من وجهة نظري، ليست سوي جرائم فنية يجب المشاركة فيها. فقوة النص لا تكمن أو تكتمل إلا بغسل دماغ القارئ، وتأسيس الشكوك في وعيه الذهني.
هل تحرص على وجود طقوس معينة تخص مواقيت كتاباتك؟
طقوس الكتابة تشبه إلي حد ما تلك الطقوس التي يمر بها النائم. ثمة تشابك هائل ما بين نقطة الوعي ونقطة الحلم. بين البربرية التي تغمر الرأس ببعض الأشباح، وبين الجبال التي تنهار في الرأس في أثناء ذلك الموت المؤقت.
لذلك، فأنا أتعلم يومياً من أشباحي. من ملائكتي. من السحرّة الذين يمرون بي في أثناء تلك الغيبوبة التي هي القسم الأعظم من الكتابة. فالنهار برأيي، هو كاسحة لألغام الخيال التي نستطيع بها التفجير والخلق. النهار يهزم الكاتب على الدوام. فيما الليلُ، فهو مستودعُ الأساطير التي نعمل على اختراعها يومياً.
كتب أحد النقاد عنك يقول: لا أصدق أن أسعد يكتبُ دون مساعدة من آخرين يقيمون في الغيب. ما رأيك؟
أنا سيد مطلق في الكتابة وبأي وقت. زمن التأليف عندي مفتوح. مثلما أنا فاتح خزائن اللغة السريّة واللاعب الشرس بالكلمات وظلال الكلمات.
السّحرة الذين يقفون على أبواب اللغة. هم وحدهم من يساعدونني على تحطيم الأقفال، والتسلل إلي الطبقات الغامضة من هذا الكون. فليس بالضرورة أن تقتفي آثار كتّاب، لتؤلف نصاً. المهم هو التخلص من تلك الآثار. كنس الغبار عن الذاكرة. مقاومة التناص. التخلص من المرجعيات التي تُقَفصُ المخيلّة، وتقوم بتدمير خلاياها تباعاً. أنا لست بالقارئ النهّم. تركتُ ذلك للفئران، ممن يجتمعون تحت أغلفة الكتب، ويقرضون الكاتب والكتابة على حد سواء.
عندما يدخل القارئ في عمق تجربتك الشعرية، يحس بالحيرة والقلق وربما الضياع. ثمة ثقل بلاغي سينمائي  يطغي على نصوصك. كيف يمكنك التعبير عن تجربتك في الخلق الشعري؟
لا أعتقد أن تجربة شعرية تخلو من الحيرة أو القلق أو الضياع، وتستحق القراءة أو الحياة. فكل تجارب الشعر المهمة عبر التاريخ الأدبي، كانت تمتلك تلك المقومات. أي أن تُقلِق المقابل وتتركه حائراً بين الكلمات وربما إلي درجة تغيير نمط تفكيره، وذلك من خلال إعادة صياغته ليكون ملائماً لمخلوقات اللغة. ربما تلك مهمة الشعر السريّة. فالشاعر الأبيض يصنع من القارئ زجاجة فارغة.
الحديث عن تجربتي يبدأ من نقطة واحدة: المرور بمنازل الشعراء والهرب منها دون التفكير بالسكن أو الاستقرار داخل غرفها.
لم يتمكن الشعر من صياغة تجربتي في الداخل العراقي. كنت في مشروع البحث عن الحرية وسط ركام الظلام وهتك السيوف. فالحرية كمشروع أو خيار، كانت بالنسبة لجيلنا هي الهاجس الملح. كانت فكرة الخارج أقوي من فكرة الاستسلام  للداخل، ولكنها لم ترتق إلى فكرة أو مستوي المهجر. فلم يكن العراقيون في تاريخهم من المهاجرين أو من المهجرين. لكن تلك الفكرة، فُرضت عليهم في سنوات القمع والاضطهاد. أقصد فكرة التهجير القسري، ليستسلموا بعد ذلك  للمنفي. لقد خلقنا أدباً منفوياً بقيم واسعة وبمدارس فنية متعددة. وأستطيع القول بأن أدب المنفي الذي اشتغلنا عليه طوال سنوات الظلام والظلم والقمع والاستبداد والقتل والتشرد، سيبقي تراثاً ضخماً لا يمكن محوه أو الاستهانة به. بل هو أهم مما كُتب في الداخل العراقي في أثناء فترة الديكتاتورية، حيث النصوص الوضيعة الركيكة التي لا تحمل قيمة إبداعية سوي تصنيع الأبواق بالمدائح السوداء لشخصية الدموي صدام، تلك النصوص التي كرسّت فكرة عبادة الشخص لا تستحق سوي الرثاء.
وبدلاً من أن يقدم كتّاب الفترة الصدامية للمحاكمات، يتبوءون الآن المناصب في صحف البلاد ووسائل الإعلام والثقافة وبرلمان علي بابا.
من هنا يمكن القول إننا لم نكن فرانكفونيين أو سكسونيين بقدر ما نحن نتمتع ببلاغة المواهب المتحررة من الطغيان وصليل السيوف والغبار والدم والإرهاب، رافضين أن نكون دمي مدمجة بالهويات القاتلة التي تستلب مياه العقل وتحول الشاعر إلى حشرة علي الرصيف.
لقد ارتبطت تجربتي الأدبية المبكرة بفكرة الإعدام. أي بفكرة الإقصاء من العالم والكون. حدث لي ذلك بعد صدور حكم غيابي بإعدامي، بعدما تشبثت بالحرية كشرط مرتبط بشرط الوجود وبالكتابة.
إلي أي مدي كان المنفي مؤثراً في تكوين تجربتك؟
أنا منفاي في رأسي قبل أن يكون جغرافياً. وربما سيبقي للأبد. الجغرافيا تصابُ بالتصحر بالتجريف بالغرق أو بالتدمير. لذلك فهي تُخضع الشاعر إلي المزيد من التصليحات والتعديلات والتنقلات من تيه إلي مجهول آخر. فيما منفي الرأس، أو الرأس المنفي، فقد يعادلُ وزنهُ ثقلَ كوكب. لكن الشاعر في نهاية المطاف، يستطيعُ حملهُ علي الكتفين بفكرةٍ صغيرة.
المنفي الأدبي في حدوده الجغرافية يبقي سجلاً مفتوحاً، ولكن بشرط الاختلاف. لقد بت أخشي من كل شيء يميل إلي الطمأنينة والثابت.
هل هو الخوف من شيْء محدد ؟
لا. ليس الأمر يتعلق بالموت، بقدر ما  هو  متعلق بالسكون. النص الشعري في حقيقة الأمر الفني هو جسد بيولوجي، متي ما أصيب بالسكون أو الاستقرار، سرعان ما يتحول إلى جثة  لدّابة متعفنة  في الذهن أو على طاولة. كل نصّ يبعث على الطمأنينة في الآخر هو نصٌّ نافق لا نفعَ منه.
أهي دعوة لتحميل النصوص شحنات خاصة لإقلاق القارئ مثلاً؟
أجل. فالمهم ألا يستسلم النص ولا القارئ للغيبوبة. مقتل الكتابة فيما أعتقد يتمركز بابتعاد المؤلفين عن الخط الاستوائي لكتابة تثير وتحفز وتقود الآخرين إلى النقاط الحارقة التي لا تنتمي إلي أي عالم نظيف أو متجمد ذهنياً أو إلى أية منطقة تتمتع بالهدوء النسبي.
هل هذا ما فعلته في روايتك الرابعة »‬ديسكولاند»  التي حملت بذرة التصادم مع الغرب عبر اللاجئين والغرباء والمهاجرين وذلك عبر قيام أجنبي »‬طوروس» بانقلاب عسكري في أحدي بلدان أوروبا للوصول إلي السلطة؟ أليست تلك الفكرة بحد ذاتها خطيرة؟
روايتي  لم تتناول هذه الفكرة بالطريقة التي تحدثتَ عنها البعض. لقد تناولت الموضوع من جانب آخر تماماً. قلت أن الضغط العنصري على المهاجرين والغرباء، سيقود إلي انفجارات وعنف قد يبرر الصعود إلي السلطة وإن بواسطة الانقلاب العسكري. وما جاء في الرواية أن الحركات العنصرية وأحزاب اليمين الشوفيني المتطرف قامت باغتيال ملك بلاد »‬ديسكولاند» ليتهم الأجانب بالجريمة، وذلك بهدف تحريض الشعوب ضدهم. نحن لم نعامل الغرب بالطريقة ذاتها التي يعملون هم وفقها، سواء بالغزو أو تمتين بعض الأنظمة الشمولية أو بتدبير الانقلابات العسكرية وسواها في العالم الثالث، بقدر رغبتنا بأن ينظر الغربيون إلي قضايا المهاجرين واللاجئين السياسيين نظرة غير تلك النظرة الاحتقارية التي تصف الغرباء والمهاجرين بالشحاذين والصعاليك واللاجئين الاقتصاديين!!
ثمة ظلم وقسوة في هكذا نظرة.
لماذا الرواية؟ هل فسد رحم الشعر ولم يعد قادراً على توصيل الرسائل؟
لا. ليس الأمر هكذا. فعندما ذهبت إلى عالم السردّ، فإنما حدثت تلك النقلة بهدف ممارسة نوع من التنشيط لخلايا الرواية العربية، بعدما استفحلت أمراضٌ خطيرة في عمق هذا الجنس الأدبي.
هل ذهبت منقذاً كما تقصد؟!
لا يتعلق الأمر بمفهوم إنقاذي لفن يتعرض لبعض المخاطر، بل من أجل أحداث نقلة بالاتجاه الآخر. الاتجاه المضادّ للكلام. فالرواية لم تعد كلاماً يتساقط من أفواه السرديين أو الحكواتية، بل بات بناء لواقع أسطوري ضمن الواقع المستهلك بالفساد والعدم. فانهماك الرواية أو أي جنس أدبي آخر بالحكي أو الكتابة عن فساد الواقع وكوارثه بالطرق النمطية التي تبنتها المدارس الواقعية، لن يقود الرواية إلا إلي المحرقة. أو زجها بمنطقة موبوءة بهدف قتلها والتخلص من جفاف كتّابها.
ماذا يقول الأوروبيون عن رواياتك؟ نحن نراك تكتب عن شخوص غربية. عن وقائع لا تنتمي إلينا في الشرق. ربما لهذا لم يحفل النقاد برواياتك بالقدر الكافي. ما رأيك؟
سأقول شيئاً مهماً: الأوروبيون لا يحفلون بكاتب أجنبي إلا في حال أن تكون كتاباته مجندة لصالحهم. بعبارة أدق: أن تكون مشهوراً في الغرب، فما عليك إلا أن تكون روائياً بظلال أجنبية. لقد حازت روايتي الثانية ((الحمي المسلحة)) إعجاب المخرج الدنمركي »‬لارس فون ترايير» مخرج فيلم (راقصة في الظلام)ولكن الترجمة السيئة لتلك الرواية من العربية للغة الدنمركية فشلت بسبب عدم وجود مترجمين بارعين لنقل عمل أدبي من ذلك الطراز.
يلاحظ أنك تحاول في رواياتك تأليف عوالم غالباً ما تتجه إلى عوالم الأساطير والغرائب. لماذا التوجه نحو تلك العوالم؟ هل لأن الواقع فارغ من الأحداث العظيمة ،أم كونه بات مملاً ولا يصلح لتأليف روايات؟
ليس الأمر بهذا القدر من السوء. فالرواية العربية، ولأنها أسيرة المواضيع المستهلكة، ولا تستطيع الخروج من بئر التفكير الكلاسيكي، بحاجة إلي هزّة لتستبدل مكوناتها القديمة بكل ما يمت إلي العالم المعاصر. ليس ثمة أجمل من العوالم الافتراضية المتخيلة التي لا تمنح التكرار فرصة أخرى لقرض الرواية كقطعة خبر يابسة.
الثالوث الثقافي »‬الشعر، الرواية، الصحافة» مرايا لأسعد الجبوري. ولكن في أية مرآة ترى نفسك؟
أنا مخلوق شعري بالدرجة الأولي.. وبعد ذلك تأتي تجاربي في الحقول الأخرى. فالشعر هو رئة الزمن الأدبي.
حينما أعلنت عن ميلاد قصيدة »‬النانو»، لاقت اعتراضات حادّة، كيف تعاملت مع هذه الهجمة وردود الأفعال بشكل عام؟
لا .لا توجد اعتراضات لنمو قصيدة »‬نانو» في الجسد الثقافي، ولكن النانو جاء صدمةً حادّةً، تعرض لها كتّاب الهايكو المقلدين للشعر الجاهلي في اليابان.
قصيدة النانو تختصر المسافة بين القارئ والشعر، وتحدّ من السردّ بشكل عام، لأنها الجمرة التي شقت كثبان الرماد في الشعر العربي. علماً أنني منفتح على مختلف الأشكال الخصاصة بالكتابة الشعرية، لأن الشعر تمارين لا تنتهي. والشعر عملية غير متعلقة بالشكل أصلاً، إنما بقوة الدفع. فالمنطقة التي يتم لنص النانو اقتحامها، لا تترك خلفها سوى ذاكرة متقدة، كونها تقضي على السردّ واللغو والإنشاء والعويل اللغوي الذي لا طائل منه.
يحررُ النانو كائناتهُ من ظلاله في الشعر وفي الحب. والنانو هو أكبرُ من أحد.
هو ثاني أحد نفسهِ. وهو الراعي الأول للطيران.
ما بعد النانو. أين أصبحت قصيدة النثر في سجلك الأدبي؟
لست مسئولاً أدبياً في نادي قصيدة النثر، ولا حارساً على مقتنياتها الشعرية. ولو كان النانو من المخترعات الأجنبية، ما رأيت شاعراً ولا ناقداً عربياً، إلا وكتب الديباجات والمقالات العظيمة في مديح هذا الطراز الشعري. لكن، ولأنه من صناعة عربية، بُنيت حولها الكثير من الجدران. وأنا سعيد لأن أكتب لوحدي هذا الطراز الذي ربما لا يجرؤ شاعر على اقتحامه.
أشيع سابقاً بأن رواياتك أستبعدت من جائزة البوكر العربي، إلام توعز السبب؟
ربما لأنها تشكل اتجاهات في غير صالح أصحاب الجائزة والقائمين عليها، علماً أن دور النشر هي التي تقدمت بروايتي لتلك الجائزة، مثلما تم سرق الجائزة من روايتي الأخيرة »‬ثعابين الأرشيف» ومنح اتحاد الكتّاب الجائزة لشخص آخر.
ما رأيك بمنح البوكر في السنوات القليلة الماضية .هل منحت لمستحقيها؟
هذه الجائزة القبلية أصبحت عند العرب مثل مسلسل دعائي للتشويق. القائمة الأولي والقائمة الثانية والخ..
وهل تعدها إنجازاً مهما  في مسيرة الروائي العربي؟
الجوائز تحطيم للقيم الأدبية العليا، لأنها باتت مرتبطة بالأجندة الفاسدة التي تحاول تصنيع الآداب على ضوء سياساتها.
طقوس الجوائز غامضة. وما حدث مؤخراً بمنح نوبل للمغني ديلان، يؤكد أن نوبل قد جردّت خزائن الآداب من أهم فلزاته العظيمة في الشعر والرواية.
وكيف كانت وطأة الموضوع عليك وهل تعتقد بأن تلك الجوائز كنوبل مثلا هي غاية من غايات الأدباء؟
كوطأة انتظار غودوت. وهذا ينطبق علي كتّاب عالميين أيضاً.
بعد تجربتي المعري ودانتي بالحوار مع أهل الجنة والنار، خرقتَ الخط، وقدمت مشروعاً تحت عنوان »‬بريد السماء الافتراضي» حيث قمت باقتحام عوالم الشعراء الموتي، وإجراء حوارات مذهله معهم. كيف جري ذلك ولماذا ؟
حوارات ((بريد السماء الافتراضي)) نقطة تحوّل عظيمة في تاريخ الأدب العربي، لأنها تستعيد الشعراء الموتى من آخر الدنيا، فتضخ الدماء بجثثهم، لينبعثوا على الأرض مرة جديدة، ولكن بعد كشف عام لحسابات كل شاعر راحل. لقد أنجزت عملاً أدبياً خلّاقاً واستثنائياً عندما قمت بمطاردة الشعراء الملهمين في السموات البعيدة، ومتابعة حيواتهم هناك، وكذلك بتقديم الكشوف عن أسرارهم وأعمالهم بعد الموت. سيصدر الجزء الأول من الكتاب عن وزارة الثقافة السورية، فيما نواصل العمل علي استكمال الجزء الثاني منه راهناً.

https://adab.akhbarelyom.com/newdetails.aspx?g=8&id=440425