بين 21 آذار/مارس و30 نيسان/إبريل من كل عام تغمرني شلالات من ذكريات لا أستطيع منها فكاكاً. فالتاريخ الأول هو ميلاد شاعر الحداثة الأكبر، اللايتكرّر ولو بعد عمر طويل، نزار قباني، الذي حمل الشعر العربي إلى حداثة في متناول القاصي والداني، ممن يُحسن القراءة من العرب، حتى المستعربة منهم، وحتى من لا يُحسن سوى الاستماع الذي يُرغم على الاستيعاب.
والتاريخ الثاني هو يوم رحيل الشاعر الذي أرغَمَ، بغاية اللطف، جميع محبّي الشعر، أو أنصاف محبّيه، على العودة إلى مجموعاته الشعرية الكثار، لتَدارُك ما فاتهم منها، من يوم ناقش مجلس النواب في دمشق اقتراح محاكمة الشاعر الذي تجاوز «بعض» الخطوط الحمراء، في قصيدة تجاوزت الخطوط من جميع الألوان، قصيدة «خبز وحشيش وقمر». شاعر أقنع جميع النساء على الإعتراف بأنه «شاعر المرأة» وهو شرف لا يدّعيه، وتُهمة لا يتبرّأ منها. حاولت نساء دمشق تكريس تلك التهمة، والتفاخر بها، فخرجن أسراباً بملابس الحداد البيضاء، لاستقبال جثمان الشاعر، العائد بطائرة خاصة من لندن حيث أجريت له عملية على قلب لم يستطع الصمود أكثر ممّا صمد.
ذكرياتي عن نزار تبدأ يوم قابلته أول مرة ببغداد في أوائل ستّينات القرن الماضي في «مؤتمر الأدباء العرب». و«ما أطيب اللقيا بلا ميعاد» ولو أن تلك اللقيا كانت «في بغدادِ» ـ وعُذراً لصَرفها، كما قال شاعر العراق الأكبر، عبد الرزاق ـ وليست «في مدخل الحمراء كان لقاؤنا». أذهلني أن نجم المؤتمر كان إنساناً في غاية التواضع والإصغاء إلى محدّثه بابتسام غير مصطنع. ثم استمرت «اللقاءات» بالرسائل، وفي المؤتمرات الشعرية، حيثما كان لذلك سبيلا. وأذكر بشكل أكثر حميمية يوم جاء إلى بغداد مع أسرته الصغيرة في أواخر سبعينات القرن الماضي، هرباً من «الحويدس» في بيروت. وفي حديقة دارنا في «حي الجامعة» في العصاري كان مُنتشياً بعبير «الرازقي» الذي سمع به وتنسَّم أريجه أول مرة، وبعدها صار يتكلم عن الياسمين الدمشقي والرازقي البغدادي. وكان تواضعه واقترابه من جميع البشر صفة لم تفارقه. كان لدينا «طبّاخ» من «الآثوريين» في جبال شمال العراق، نستعين به في المناسبات. يومها كان نزار في حديقتنا ينعم بعبير الرازقي، وجيورجيس يروح ويغدو بما لذّ وطاب من أطعمته، ويسترق النظر إلى نزار ولا يجرؤ على الكلام معه، لأن لهجته العربية آثورية النغم. لكنه أسرّ إليّ أنه يقرأ شعر نزار، ويرجوني أن أحصل له من الشاعر أية قصاصة ورق عليها توقيعه. نقلتُ هذه الأمنية إلى نزار، فضحك «حتى بَدت نواجِذُه» وقال: هات لنا ورقة. فاعطيته بطاقة بريدية عليها صورة بغدادية. فكتب نزار على ظهر البطاقة بخطه الجميل: «تحية إلى جيورجيس، أحسن وأنظف طباخ ببغداد». تسلّمها المسكين ولم تُسعفه كلمات الشكر، ونزار يكرّر: أكلاتك فاخرة!
وفي أواسط الستينات كانت الشام ملاذنا الدائم في عطلة الصيف في الجامعة. وقد يسعفنا ما في الجيب، أحياناً، لعبور نقطة «المصنع» ذهاباً إلى بيروت، بعد تناول «سندويشة لَبْنِه» في مقهى «لور دكّاش» على الحدود. لم يكن نزار في بيروت يومها، بل ربما في أحد بلاد الله التي كان فيها زائراً أو سفيراً، في الصين مثلاً، يوم قال إنه سيعود بقصائد مكتوبة من أعلى الصفحة إلى أسفلها، على الطريقة الصينية!
ولكن، بداية من عام 2004 فصاعداً كانت زيارة الشام ممكنة بالنسبة للعراقي المسكين، بعد أن حذفوا من جواز السفر السوري تلك العبارة اللاتوصف: «صالح لجميع الأقطار ما عدا العراق». كان أول عمل جليل أقدمتُ عليه في تلك الزيارة الأولى، بعد غياب سنين، أني ذهبت إلى ذلك المحل الصغير «بقفا سانوية جودات الهاشمي» لأطلب «سندويشة نقانق» كان سعرها في الستينات «ربع ليرة». لم أذق مثلها في بلاد الشرق والغرب. خمنتُ أن الأسعار قد زادت، فناولت البائع «شوية فراطة» فكان جوابه: «خمس ليرات أستاز!» وأردف مستغربا: «شو، كاين بالبرازيل؟».
أما الذكريات النزارية الأهم، بين 2004 و2009، قبل سقوط «الصقيع العربي» فهي عادتي المتكررة في كل زيارة. بعد وصول الفندق، آخذ أول تاكسي إلى حدود «ميدَنة الشحم» قاصداً «عرزال» ذلك المعمِّر الدمشقي الذي جعل من عرزال الكروم «دكانِه» يبيع منها السجاير والحلويات ويدل الناس على بيت فلان وفلان لأنه «مختار الحارة». سألته أول يوم عن دار نزار قباني، فاشار بأصبعه «شَعُو» نمرة خمسة. وسار معي خطوات قليلة. ما زالت اللوحة رقم خمسة في مكانها. سألته: من يسكن في الدار اليوم؟ «ناس من بره. عجم إشتروه» هل أستطيع الدخول وتصوير «البَحرة»؟ «رِنّ الجرس.. يفتحوا». فعلاً، فتحوا. البَحرة تزهو بما حَولها من شجر برتقال وليمون. لكن صدر «الليوان» عليه صور «غير عربية ولا.. إسلامية». قال: «هدول مستأجرين فندق الأورينت تبع أيام الإفرنسيين.. طول السنة، لجماعتهم ياللي يجوا لزيارة قبر الزهراء. ما في قبر ولا زهراء… بس الحكومة بدها مصاري». خشيتُ أن أعلِّق!
ثم أذهب إلى «باب زغير» مقبرة «الباب الصغير» ويدلّني الحارس العسكري الشاب على «مثوى فقيد الشعر العربي». أقف لأقرأ الفاتحة على روح الفقيد. ويشاركني العسكري الشاب، قائلاً إنه يقرأ له الفاتحة كل صباح.
وعودتي إلى المجاميع الشعرية تدفعني الذكريات الحلوة إليها، بمناسبة وغير مناسبة. وقد أهداني عدداً من تلك المجموعات عند صدورها، مكللة بعبارات غاية في الرقة. هذا شاعر تسيل الكلمات من قلمه شعراً. ذات صباح رنّ جرس الهاتف، فسمعتُ صوتاً ناعماً في السَحَر: «فيه إلَك كتاب شعر أرسله معي أستاز نزار». هرعت فوراً لأجد نسخة من «أشهدُ أن لا امرأة إلا أنتِ». صاروا ست مجموعات اعتز بها، عدا ما اقتنيته من قبل. أرسلتُ مع الفاتنة العائدة في الغد إلى بيروت نسخة من ترجمتي مسرحية شكسبير «تيمون الأثيني». وبعد أسبوع جاءتني من نزار معلّقة في مديح ترجمتي والسؤال: هل في بلادنا «تيمون « يبذل ما يملك للأهل والأصحاب، ثم يتنكرون له؟ أرجو الا يكون… لكنه أجاب «هذا مثل أمل إبليس بالجنّة».
لقد كُتِب الكثير عن شعر نزار السياسي، شرّق فيه الكتّاب وغرّبوا. لكني أرى أن خير ما يمكن أن يقال عن الشعر/الشعر، هو إعادة قراءته بقلب يقظ. يوم صدرت «هوامش على دفتر النكسة» كانت الملح على الجرح المفتوح. لكن الكلام كان من المألوف، السهل المُمتَنِع. «مالِحَةٌ في فَمنا القصائدُ/ مالحةٌ ضفائرُ النساء/ والليل والأستار والمقاعدُ/ مالحة في فمنا الأشياء!» من استطاع، قبل نزار وبعده، أن يصوِّر المأساة بكلمات على هذه الدرجة من البساطة… القاتلة؟ شاعر يحتفي بضفائر النساء، والليل، والأستار في غرف لقاءات الحب، والمقاعد… جمعها بكلمة «الأشياء» التي غدت جميعها «مالحة». فسألني أحدُهم: لماذا مالحة؟ لأنها لم تعد «حلوة» يا فهيم! «نقعد في المساجد/ تنابلاً كُسالى/ نخمّس الأشعار أو نؤلف الأمثالا/ ونطلب النصر على عدونا/ من عنده تعالى!».
أليس هذا واقعنا العربي، الذي كان وما يزال. ونحن نلوم هذا وذاك على ما حل بنا، ولا نلوم أنفسنا، ولو أن اللوم لا يجدي نفعاً بعد «اللي صار». أما أن يظهر «بين ظهرانينا» من يغازل عدو الله وعدونا، من أجل غرض زائل، ومجدٍ زائف لم يدُم للقياصرة والأكاسرة، فهو من الظواهر العصيّة على الفهم بل الاستيعاب. والأفظع من ذلك (أفظع؟) أن تعرض تلفزيونات العالم العربي بعد كارثة حزيران، صورة «واحد أركان حرب، صدره مملوء بالأوسمة والنياشين» يصرّح، لا فُضّ فوه: «دَ حنا كنّا مستنّيهم مِ الشرق، أطابيهم جونا مل غرب!» المحروس لم يقرأ أن الحرب خُدعة، ولم يتعلم في كلّية النياشين والأوسمة سبب هزيمة المسلمين في معركة أحُد، أن خالد بن الوليد انسحب بجيش قريش من المعركة، ثم استدار حول جبل أحُد ليُفاجئ جيش المسلمين المنشغل بالغنائم والأسلاب، ويكسب المعركة. صاحبنا ورهطه، كما قال أحد العارفين، كان يسهر ليلتها ويسمع «الحب كِدَه، أهو من دَه وِدَهْ» تتكرّر مئات المرّات.

((القدس العربي))