الترجمة والاغتراب
 عمل لـ مروان قصاب باشي، 1979

افتتن المتنبي بسحر طبيعة شِعبَ بَوَّان، أثناء اختراقه قاصداً ممدوحه، وعبّر عن انبهاره في أبيات خالدة؛ منها قوله:
“مغاني الشِّعْب طيباً في المغاني ** بمنزلة الربيع من الزمان
ولكن الفتى العربيَّ فيها ** غريب الوجه واليدِ واللسان
ملاعبُ جِنَّة لو سار فيها ** سليْمان لسار بتُرجُمان”.

وبغض النظر عن روعة الأبيات، وما فيها من تلميح إلى الرغبة في عَطاء الممدوح، يُطلعنا الشاعر على معايير للاغتراب تفصح عن وعيه الفلسفي، الذي طالما نوّه به الكُتَّاب منذ القدم، والتي يُمكن اعتمادُها في تحديد تجلياته، كما يُعرِّفنا على المكابدة التي يعيشها الإنسانُ المغترب، بعيداً عن منزله ومجتمعه ولسانه، فتنكّد عليه لحظات الانتشاء بالجمال والاستمتاع به.

في الواقع، بِوُسع المُغترب أن يتغلّب على الفقر بالعمل، ويُمكنه أن ينشئ له أهلاً جدداً حيث يكون، مثلما فعل ابن بطوطة الذي تزوج وأنجب في البلاد التي حلّ بها، لكنّ غربة اللسان، التي تعوق التواصل، تُمثّل عقبةً كَأْدَاء في طريق الاندماج وخلق الألفة؛ وتحقيق الغبطة للإنسان، لأن في اغتراب اللسان اغتراباً للذات.

ولعل أسطورة برج مدينة “بابل”، التي سعى ساكنتُها إلى تشييده للتجسس على الرّب، وما تعرَّضوا له من عقاب إلهيّ؛ تَمثَّل في بلبلة ألسنتهم ومعاناتهم الشتات الأبدي، تُبرز مأساة أكبر اغتراب عاشه الإنسان.

وما الطموح البشري منذ تلك الحادثة إلى اعتماد الترجمة سوى تجلٍّ لحلم العود الأبدي وللرغبة في استعادة تلك الألفة الأولى. وإذا كانت هذه حال البشر، فإن النص المترجَم يكاد لا يختلف في شيء عنهم؛ لأنه بدوره كائن ثقافي يدخل دائرة “النفي”، على غرار الإنسان البابلي بارتحاله عن لغته، أو بالأحرى بانتزاعه من بيئته ونقله إلى موطن آخر، لِيعيش اغترابَه في أقاليم اللغاتِ، أو التشيُّؤ في إهاب لغة أخرى، حيث لا يفتأ يجتهد عبر “نفي النفي” في استعادة جوهره والالتحاق بالأصل ناشِداً يوتوبيا الاتصال بعد الانفصال.

في الحقيقة، ليس النص المترجَم ما يشكو الاغتراب، وإنما هو نعتٌ يُلحِقُه به منظِّرو الترجمة ونُقادُها. لكن هل في تغريب النص عبر ترجمته محنَةٌ له فعلاً؟ ألا تَتخلَّقُ في طيَّات الاستلاب، الذي افتُرِض وقوعه فيه، مِنحةٌ عوض محنة؟ لننتبه إلى أن النصّ الأصل لا مساس يطولهُ، لأنه يُحافظ على ذاته في لغته، وعلاوة على ذلك، فهو يضمن لنفسه بوساطَة الترجمة تداولاً جديداً وانتشاراً خارج مجاله الحيوي، ومثلما قُرِن النصُّ بالبَشَر أعلاه، فبالوسع إلحاقُ حالِه بمأثور الحديث “اغتربوا تصحوا”، وربْطُهُ بقول الإمام الشافعي:
“فإن تغرَّبَ هذا عزَّ مطلبهُ ** وإنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كالذَّهَبِ”.

وتكاد بعض نظريات علم الترجمة الذي – حسب المُنَظِّر الفرنسي أنْطْوَان بِرْمان – “يتأمل الترجمة في ذاتها، انطلاقاً من طبيعة تجربتها”، لا تختلف في شيء عن الاستشهاديْن الأخيريْن في مقاربتها لمسألة الاغتراب؛ فقد عالَجها بِرْمان من منظور نصي، في كتابه “الترجمة والحَرف أو مأوى القَصِيِّ”، حيث عارض بشدة الرَّفضَ المنهجيّ للغرابة من قِبَل المؤمنين بضرورة التدجين، وأكّد على أن الاغتراب يُواجِدُ (أي يُحايث) الترجمة.

قد يعيش النص المترجَم الألفة في الثقافة المُضيفة، لاختيار مترجِمه أنْ يُدجِّنه، باستعمال استراتيجية “التكييف”، وبإيجاده مُكافئاً طبيعيّاً قابلاً للفهم في اللغة الهدف، لكن ذلك لا يمنع من تبني مترجِم آخر استراتيجية التغريب، التي تحافظ للنص الضَّيْف على غرابته مُفرَدةً وعبارة، وتُصعِّد “مَرْئِيّتَه الثقافية”؛ لإبراز المختلِف عن وعي؛ فتكون غايةُ الاستراتيجيتيْن خدمةَ سيِّديْن؛ حَسب الاستعارة المتداوَلة لفرانز رُوزِنْفايغ، وتكون كلتاهما تتطلع إلى خلق حوار ثقافي بين اللغات والإبداعات.

وأحياناً، يكون اغتراب النص مُضاعَفاً، ومثالُه “الضروري في السياسة” لابن رشد، الذي ترجمه إلى العربية عن العبرية، بمناسبة الذكرى الثمانمئة لرحيل فيلسوف الغرب الإسلامي، أحمد شحلان، لضياع أصله، فاستعادتْه الترجمة مثلما تستعيد منتخباتُ كرة القدم أبناء مهاجريها للعب في صفوفها.

((العربي الجديد))