دأبت السينما الى الإحاطة بحياة الأدباء كمادة خصبة وملهمة للمشاهدة ، حيث نتعرف على محاولاتهم المتعثرة وخطواتهم الأولى نحو النشر، وأيضاً على حياتهم والظروف التي جعلتهم يدركون مهنة الأدب مبكراً، واختارت السينما منذ وقت طويل بعض الأدباء التي اتسمت حياتهم وفترة نبوغهم بالدراما. فكانت العديد من الأفلام التي تناولت سير الأدباء والتي ارتقت الى مصاف كلاسيكيات السينما.. مثل فيلم نيرودا للمخرج التشيلي (بابلو لارين )، أوفيلم (ترامبو) للمخرج (جاي روتش)الذي و يسرد حياة واحد من أكثر كتاب السينما موهبة في عصره “دالتون ترامبو”، وفيلم (كابوتي) للمخرج (بنيت ميلر ) عن الأديب الاميركي ترومان كابوتي صاحب رواية “إفطار عند تيفاني”، وكذلك فيلم (الساعات) لستيفن دالدري، عن جانب من حياة فرجينيا وولف.
كما خلقت السينما أيضا أدباءها، بمعنى أن هناك أفلاماً عن أدباء مفترضين في السينما مثل فيلم( الكاتب الشبح) للمخرج رومان بولانسكي، يقوم أحد أولئك الكتاب وهو لونغير أو الشبح بإعادة استئناف كتابة مذكرات رئيس الوزراء البريطاني، وفيلم (ميزري) للمخرج (روب واينر) المستوحى عن رواية بنفس الأسم للكاتب “ستيفن كينج”، وتسرد حكاية كاتب مشهور يختص بكتابة الروايات الرومانسية.
من هذا السياق يأتي فيلم (عبقري) للمخرج البريطاني مايكل جرانداج، الذي يعد أبرز أفلام التي تناولت سير الأدباء وهو الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج البريطاني مايكل جرانداج، القادم من المسرح، مقتبساًعن كتاب للكاتب سكوت بيرج يحمل عنوان «ماكس بيركنز: المحرر الأدبي العبقري»..
يتناول الفيلم عبقري سيرة ماكس بيركنز أحد أبرز الناشرين الأميركيين العالميين وهو محرر أدبي عمل صالح دار نشر أبناء تشارلز سكريبنر الشهيرة في نيويورك بفترة العشرينيات، حيث نشر لأشهر الكتاب الأميركيين أمثال إرنست هيمنغواي، وسكوت فيتزجيرالد وتوماس وولف… ويبدأ الفيلم أحداثه عندما تقع بالصدفة بين يدي بيركنز مخطوطة تصل صفحاتها لألف صفحة، مكتوبة بواسطة مجهول، ما يجعل الناشر الواعي يقتنع تمامًا أنه بصدد اكتشاف عبقرية أدبية جديدة.
يتحدث الفيلم عن شخصيتين، هما ماكسويل بيركنز (كولين فيرث) الهادئ والمنظم في عمله، والمتزوج وله خمس بنات. وشخصية توماس وولف (جود لو) شاب متهور ولكن بموهبة كبيرة، يمارس حياة بائسة مع امرأة محبطةتقوم بالدور (نيكول كيدمان). يقرر ماكسويل القيام بنشر أول كتاب للكاتب الشاب وولف، ، ولأن عمل وولف يضم خمسة آلاف صفحة لذلك تكون مهمة المحرر التصحيح والحذف وإعادة صياغة بعض الجمل..
الفيلم ينتمي لأفلام السيرة الذاتية، وهي الافلام التي غالباً ما تعرض وجهة نظر تبدو مختلفة عن السائد والمعروف، هنا في هذا الفيلم نتعرف على سيرتين وليس سيرة واحدة، فسيرة “توماس وولف” الروائي الأميركي الذي مات مبكراً، حيث ولد فى 1900 وتوفي عام 1938، ووصفته الصحف وكذلك بعض النقاد بأنه “عبقري”، وقورن في حينها بالروائي الآيرلندي جيمس جويس، وسيرة ماكسويل بيركنز المحرر الذي أعاد خلق وانتاج نصوص عبقرية وجلي مخطوطات لاستخراج المعدن البراق منها، لكتاب اصبحوا مع مرور الزمن من الخالدين. فلا يمكن أن ينسب عنوان الفيلم لأي من هذه الشخصيتين.
وفيلم “عبقري” كما في فيلم (باترسون) لجيم جارموش نقل المشاهد بسياحة في الأدب الاميركي في الثلاثاينيات فتعرفنا على همنجواي وفينزجيرالد، والعلاقة بين الأدباء في تلك الفترة فبينما ينظر همنجواي، إلى “توماس وولف” بوصفه مازال صغيراً واختفاء الصحافة به مبالغ فيه، نرى وولف يعيب على على فيتزجيرالد عدم الاستمرار في الكتابة بعد (غاتسبي العظيم).
السيناريو كان العنصر الاقوى في الفيلم حيث استطاع كاتب السيناريو جون لوغان صاحب الأفلام الشهيرة (المصارع، المخترع هوغو، سكايفل) الإحاطة بالفكرة الرئيسة للفيلم من دون استطراد، كما قدم شخصيات الفيلم وخاصة وولف و بيركنز بالكثير من العناية والاكتمال.. وكان الحوار بينها غنياً ومكتفياً، إضافة للاداء العبقري لهما.

 

((المدى))