في مقالة شبه وداعية لفيلسوف النزعة المنفعية ريتشارد رورتي (1931- 2007) Richard Rorty حملت عنوان “نار الحياة”، نشرتها مجلة “شعر” الأميركية بعيد رحيله، دعا إلى إحلال الإبداع الأدبي محلّ الفلسفة والأيديولوجيات بمختلف أنواعها، لأن في هذا الإحلال تغييراً نحو الأفضل، ولأنه يحقق للقارئ أصالة شخصيته ويحرّره من الارتهان للدارج من القول، والأفكار المسبقة، والأكثر أهمية، لأنه يزيد حساسية الإنسان ومعرفته ويجعله أكثر حكمة.

هذه النتيجة اللافتة والمفاجئة لكل من سبقت له معرفة أعمال هذا الفيلسوف الشهيرة، مثل “الفلسفة ومرآة الطبيعة” (1979)، و”الحقيقة والسياسة وما بعد الحداثة” (1997)، و”الفلسفة والأمل الاجتماعي” (1999)، وخاصة ذكريات ابتعاده عن أفلاطون واتجاهه نحو الفيلسوفين الأميركيين قطبي النزعة المنفعية وليم جيمس William James، وجون ديوي John Dewey، وتتويج كل هذا بفلسفته المنفعية الخاصة به، أي تلك التي تقيس قيماً مثل قيم الحق والخير والجمال ليس بما تحمله بحد ذاتها، بل بمدى منفعتها، لأن المهم في نظره ليس في اتّساق أفكارنا مع وقائع أساسية، بل في كونها تساعدنا على أداء مهماتنا في حياتنا العملية، وخلق مجتمع أكثر ديموقراطية.

اللافتُ للنظر أيضاً أن هذه النتيجة التي وصل إليها متأخراً، أي بعد فوات الأوان، جاءت، كما يروي، بعد بضعة أشهر من معرفته بإصابته بمرض السرطان، وخلال جلسة له تناول فيها القهوة مع أكبر أبنائه ورجل دين معمداني من أقربائه أمام مدفأة يتوهج فيها الجمر وتتلامح الظلال.

في هذه الجلسة يسأله رجل الدين عما إذا بدأت أفكاره تتجه نحو العالم الآخر، فيقول “لا”، ويسأله ابنه “حسناً.. وماذا عن الفلسفة؟”، فيقول “ولا الفلسفة”، ويضيف: “… ما كتبتُ منها وما قرأتُ، لا يبدو أن له ارتباطاً بوضعيتي.. لم أتشاجر مع مقولة أبيقور بأن الخوف من الموت ليس من العقلانية في شيء، ولا مع مقولة هايدغر أن منبع النزعة اللاهوتية محاولتنا تفادي فنائنا. لا التحرر من القلق ولا الوجود مقابل العدم بدا ذا صلة بما أنا فيه”.

وهنا يسأله ابنه: “ولكن.. أليس لأي شيء قرأته أي فائدة؟”
فيجيب باندفاع ومن دون تردد: “بلى.. الشعر”.

عند هذه النقطة بدأ الفيلسوف يسترجع سطوراً شعرية من مخزون ذاكرته، يتلوها متأنياً، كأنه يتناول حبّات كستناء قديمة من تحت الجمر على حد تعبيره ، فكان منها هذه اللقطة للشاعر والتر لاندور Walter Savage Landor:

“أُدفئ يديّ أمام نار الحياة
وهي تأفل، وأتهيأ للرحيل”.

وعلق “في هذه المنعطفات البطيئة، وتلك الجمرات المتلعثمة، وجدتُ السلوى، ورأيت أن النثر لا يمكن أن ينتج تأثيراً مثل هذا، ليس بسبب المخيلة فقط، بل والقافية والإيقاع أيضاً”.

قبل ذلك، كما جاء في مقالته، حاول وهو يتناول موضوع الرومانسية والمنفعية، إعادة صياغة أطروحة الشاعر الإنكليزي شيللي Percy Bysshe Shelley المسماة “دفاعاً عن الشعر”، فأضاف إليها:

“في قلب الرومانسية يوجد زعم بأنه لا يمكن للعقل إلا أن يسير في طرق شقتها المخيلة أولاً. من دون ذلك، لا وجود لكلمات، أو استدلال، أو مخيلة، أو كلمات جديدة، أو تقدّم أخلاقي أو فكري”.

وانتهى إلى المقابلة بين قدرة الشاعر على منحنا لغة أكثر ثراءً، وبين جهد الفيلسوف لاكتساب مدخل غير ألسني إلى الواقع الحق. ورأى أنه حتى حلم أفلاطون بمدخل من هذا النوع كان بحد ذاته منجزاً شعرياً عظيماً. ولكننا الآن أكثر قدرة على الاعتراف بمحدوديتنا، والإقرار بأننا لن نكون على تماسٍ بشيء أعظم من ذواتنا أبداً. بدلاً من ذلك، نأمل أن تكون الحياة الإنسانية مع تعاقب القرون أكثر غنى، لأن لغة الأجيال البعيدة في المستقبل ستكون لها منابع أكثر مما لدينا، وستكون مفرداتنا في نظرها مثلما كانت مفردات أسلافنا البدائيين في نظرنا.

مثل هذه الكلمات الشبيهة بوصية أخيرة تذكّر فوراً بما تحدث عنه مايكل وود Michael Wood في تقديمه لكتاب إدوارد سعيد المعنون “عن أسلوب آخر العمر” أو عن “الأسلوب بعد فوات الأوان”، وهو يكتب: “لا يضرب الموتُ مواعيد، ويمكننا أن نموت حتى ونحن مشغولين، ولكن الموت لا ينتظرنا أحياناً، ومن الممكن أن نصبح على وعي عميق بأنه ينتظر. عندئذ تتبدل نوعية الزمن كما يتبدل الضوء، لأن مواسم أخرى تشمل الحاضر بظلالها؛ الماضي المنحسر أو المتجدد، والمستقبل الذي لا يمكن قياسه في اللحظات الأخيرة، والزمن غير القابل للتخيّل في ما يتخطى الزمن. في لحظات مثل هذه نصل إلى أوضاع تمنح معنى خاصاً لما يجيء بعد فوات الأوان”.

في هذا الكتاب الذي نشر بالعربية تحت عنوان “عن الأسلوب المتأخر”، فضاعت دلالة موضوعته المقصودة، يتساءل إدوارد سعيد عما إذا كان الإنسان يزداد حكمة مع تقدمه في السن، وهل هناك مؤهلات فريدة في الرؤية والشكل يكتسبها الفنانون بسبب العمر، أو هل يكتسب فكرهم وكلامهم في نهاية حياتهم تلك اللغة الجديدة التي يسميها الأسلوب الذي يجيء متأخراً؟

ويأتي جواب ريتشارد رورتي في آخر أيامه: “أتمنى الآن لو أنني أمضيتُ المزيد من أيام حياتي مع الشعر، لو أنني استطعت تذكر واستخلاص المزيد من حبّات الكستناء القديمة وتلاوتها بعفوية لعشت حياة أكثر امتلاءً”.

هذا الجواب الذي يأتي من خارج أوساط الفنانين، لا يتحدث عن اكتساب لغة جديدة فقط، بل عن انقلاب فكري شامل، يستدير عن كل ما أنجزه من جهد فلسفي، ليدل بكل بساطة على مواطن الحكمة والنزعة الإنسانية والأصالة، وتحرّر الإنسان في المقام الأول، في الأدب الإبداعي.

/www.alaraby.co.uk