“الحِجّة السيئة” و”الواقعية المباشرة” فكرتان نقرأهما في كتاب المفكّر الأميركي جون سيرل “رؤية الأشياء كما هي: نظرية للإدراك” الصادرة ترجمته حديثاً، عن سلسلة “عالم المعرفة“، وقد أنجزها المترجم إيهاب عبد الرحيم علي.

يقدّم الكتاب قراءة شاملة حول قَصْدية تجربة الإدراك، حيث يرى سيرل (1932) أننا ندرك الأشياء والحالات مباشرة وليس فقط من خلال تمثيلاتها، مبيّناً أن ثمّة مقولة خاطئة ما تزال الفلسفة تقع فيها منذ القرن التاسع عشر بخصوص الإدراك؛ وهي “أننا لا نستطيع أن نُدرك مباشرة سوى تجاربنا الشخصانية الخاصة، لكننا لا نستطيع مطلقاً أن نُدرك الموضوعات وظروف العالم في حد ذاتها”.

ورغم أن الفكرة ما زالت مسيطرة حتى اليوم ومؤثّرة، إلا أن المؤلف يصفها بـ”الحِجّة السيئة”، ويعتبر أنها الخطأ الذي ظلّت تقع فيه النظريات الكلاسيكية في الإدراك، وأنها كانت سبباً في الخلل والالتباس الذي عرفه تاريخ فلسفة الإدراك.

يأتي كتاب سيرل في ثمانية فصول، في الأول يناقش فكرته عما يسميه “الحجّة السيئة”، وفيه يضع أيضاً ملخّصاً لنظرية القصدية، وفي الثاني يتناول “الوعي” ويتضمّن قصدية التجارب الإدراكية، وفي الثالث “تطوّر في الجدال ضد الحجة السيئة”، ثم “كيف يعمل الإدراك القصدي” من ناحية الملامح الأساسية له والمحتوى القصدي وأسبابه، أما في الفصل الخامس فيتوسّع المفكر الأميركي في تحليل طريقة عمل الإدراك القصدي، وفي الأبواب الثلاثة الأخيرة يتناول “الانفصالية” و”الإدراك اللاواعي” و”النظريات الكلاسيكية للإدراك”.

يقول الكاتب إن الأخطاء الكارثية التي هيمنت على الفلسفة الغربية في القرون الماضية قليلة، لكن أسوأها هي فكرة أن العالم مقسّم إلى نوعين من الكيانات؛ ذهنية وماديّة؛ من ذلك العقل والجسد والروح والمادّة. ويعتبر أن هذا الخطأ نتجت عنه أخطاء أخرى، لا تقل سوءاً، خاصة في فلسفة الإدراك.

بالنسبة لصاحب “التعبير والقصد” و”إعادة اكتشاف العقل”، فإن كل الفلاسفة الكبار ارتكبوا الخطأ نفسه، ويذكر منهم لوك وبيركلي وهيوم وليبنتز وسبينوزا وكانط وديكارت، إلى جانب هيغل وميل. هذا الخطأ هو أننا لا ندرك أشياء العالم وحالاته بشكل مباشر أبداً، وأن كل ما ندركه هو المحتويات الإدراكية التي في عقلنا، هذه التي يسميها ديكارت ولوك وبيركلي “أفكاراً”، بينما يُطلق عليها هيوم “انطباعات” ويرى كانط أنها “تمثّلات”، أما منظّرو القرن العشرين فيسمونها “البيانات الحسيّة” ومن هؤلاء جورج إدوارد مور وبرتراند راسل.

(العربي الجديد)