بعض دول المعسكر الشرقي ـ سابقاً ـ لم تكتف بخسارة معركتها، مع الغرب، ولم تتعلم من خطاياها، وراحت تبحث عن «ضحايا» افتراضيين لها، لتُطيل في عمرها. هكذا صرنا نسمع، من حين لآخر، عن فضائح مشبوهة، وكلاماً تغلب عليه الحساسيات، بدل المنطق، يطال مثقفين «شرقيين»، كما حصل مؤخراً مع الناقدة والمحللة النفسية جوليا كريستيفا (1941).
فقبل أسابيع، نشر موقع «اللجنة البلغارية المكلفة بأرشيف الحقبة الشيوعية» ملفاً، تضمن 160 صفحة، يتحدث عن تورط كريستيفا، في سنوات السبعينيات، مع مخابرات النظام السابق، في بلدها الأم، وقبولها بدور «مُتعاونة» تحت اسم مستعار: سابينا. نقرأ في مذكرة كتبتها المخابرات عام 1971: «هي متزوجة من فيليب سولارس (روائي فرنسي)، وجد مقربة من أوساط الفنانين». هذا الوصف المختصر والسريع، سيكون سبباً في اهتمام «الكا. جي. بي البلغاري» بها وتوريطها في ما لم تفكر فيه قط. لكن بعد عامين من ذلك، ستصدر مذكرة أخرى، جاء فيها: «هي لا تقدم سوى معلومات شفوية، غير مفيدة. وهي غير ملتزمة، ولا تحضر المواعيد المهمة». وينتهي الأمر بصرف النظر عنها.
عامان وقعت فيهما كريستيفا ضحية لعبة، لا تعرف قواعدها، وانتهت بتقرير سلبي من المخابرات عنها، لكن «العار» يتسع، والجرائد والفضائيات، وأقسام الجامعة، لم ترحمها. تشعر بأنها «متهمة» وغير قادرة على الدفاع عن نفسها. ذلك الملف «الضخم»، الذي نُشر في بلغاريا، أثار وما يزال لغطاً، يوحي بأن الناقدة متورطة حتى أنفها في الموضوع، لكن من خلال قراءة متأنية له، سنجده ملفاً عن شخصيتها، عن حياتها السابقة، عن قناعاتها وخياراتها السياسية، وليس ملفاً عن معلومات قدمتها، أو أعمال مخابراتية قامت بها.
جوليا كريستيفا سارعت في الرد على التهم المنسوبة إليها، ونشرت بياناً على موقعها الشخصي، تصف فيه ما جاء في التقرير بـ«المضحك والمُغالط». وتضيف: «لم أنتم أبداً لأي أجهزة استخباراتية، وذلك التقرير يعبر عن ممارسات شرطة في خدمة الشمولية كنت ـ دائماً ـ أدينها. لم أقدم أي خدمة لنظام كنت قد فررت منه». في عام 1965، وهي في الرابعة والعشرين من العمر، وصلت كريستيفا إلى باريس، وبدأت مسارها الأكاديمي، وأصدرت ـ تباعاً ـ كتباً مهمة (بعضها ترجم للعربية) في السيميائيات، النقد والتحليل النفسي؛ «اللغة، تلك المجهولة»، «علم النص» وغيرها. لكن في تلك اللحظة الحرجة، التي مرت بها، في الأسابيع الماضية، صارت تشعر بأن كل تاريخها الأكاديمي بات معلقاً، والاهتمام انتقل من دراسة كتاباتها، إلى التعليق عن التهمة، التي نُسبت إليها.
اتصلنا بكرازمير كلاوديوف، وهو كاتب وباحث بلغاري، ومترجم أعمال جوليا كريستيفا إلى البلغارية، ومقرب منها، فهو من مسقط رأسها «سليفان» شرق بلغاريا. كان متفاجئاً من «الضجة» التي أثارها تقرير «مُخادع» عنها.
«يجب ألا ننسى سياقات الحرب الباردة، خصوصاً في شقها المخابراتي. بعض المثقفين كانوا يُستخدمون، وهم في غفلة من أمرهم» يقول. «كريستيفا لم تكون تعلم من يقف خلف الأشخاص، الذين كانوا يتصلون بها، ثم إن سفارة بلغاريا (في باريس) لم تكن نواياها بريئة. أضف إلى ذلك أنها كانت في وضع حرج، فوالداها كانا في بلغاريا، وأهلها هناك، لهذا تجنبت الصدامية». وهو ما ذهبت إليه المعارضة البلغارية كوبرينكا تشارفينكوفا، التي صرحت بأن كريستيفا كانت «تريد فقط حماية أهلها»، كما أرادت أيضاً توفير خروج سالم لوالديها، من بلغاريا إلى فرنسا.
على هامش هذا الجدل، الذي يضع الكاتبة في موقف «المُدافعة عن نفسها»، يهمنا أن نتوقف ـ قليلاً ـ عند بعض ممارسات أنظمة شرقية قديمة تجاه مثقفيها. فقبل 15 سنة، صدرت رواية مهمة في فرنسا، بعنوان «عشيقة بريخت» لجاك بيار أمات، المُختص في تاريخ ألمانيا. الرواية تدور في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعودة برتولت بريخت (1898-1956)، إلى برلين الشرقية، قادماً إليها من منفاه الأمريكي، وكيف وظفت المخابرت، آنذاك، ممثلة مسرحية، اسمها «ماريا»، لمراقبته والتجسس عليه، مقابل أن يسمحوا لها بزيارة ابنتها في برلين الغربية، ثم كيف صار بريخت نفسه «ناقلاً» للأخبار، للمخابرات، عن طريقة عشيقته، بدون علم منه. في «عشيقة بريخت»، نقرأ كيف تحول الكاتب والمسرحي الألماني الشهير إلى متعاون مع «شتازي»(أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقاً)، في غفلة من أمره، والأغلب أنه مات بدون أن يعلم بالدور الذي فُرض عليه، فقد كان منشغلاَ بعلاقته مع الممثلة النمساوية ماريا، وهذه الأخيرة قبلت تحمل ما أُملي عليها، فقط للحصول على رخص لزيارة برلين الغربية، حيث كانت تقيم ابنتها الوحيدة، التي كانت تتداوى من الربو.
الرواية تقوم عى ثلاث شخصيات رئيسية: بريخت، ماريا والضابط هانس ترو، الذي كان يصله كل ما يكتب وكل ما يقول وكل ما يفكر فيه، وكل ما يعرفه بريخت. ثم نفهم أن سبب متابعة المخابرات لبريخت، ليس لمكانته الأدبية، ولا بسبب نصوصه وتأثيره، بل السبب هو إقامته المطولة في أمريكا، بالتالي وجبت مراقبته، والتأكد من أنه لم يفقد ولاءه للكرملين. من هذه الزاوية، توضح الرواية أن المخابرات الشرقية، لم يكن يعنيها المثقف، بقدر ما يعنيها ولاؤه لها. أن يظل تحت عينيها، ألا تفقد «السيطرة عليه»، ستسمح له بممارسة حياته، لكن «ستعاقبه» في حال ما شعرت بأنه خرج عن «طاعتها»، وهذا تقريباً ما حصل مع جوليا كريستيفا.
ما وقعت فيه صحف، في الفترة الأخيرة، هو المسارعة في التعليق على أن مجرد وجود الكاتبة، في أرشيف النظام القديم، وورود اسمها، فهذا يعــــني ـ لا محالة ـ أنها كانت «متواطئـــــة»، وكان من الأحرى التأكد أولاً مما جاء في الأرشـــيف، لندرك أنها كانت خاضعة للأمر الواقع، ومضطرة للتظـــاهر بالصبر والمهادنة، حماية لنفسها وأهلها. الكاتب والمترجم كرازمير كلاوديوف يضيف، في هذا السياق: «لحسن الحظ أن المخابرات أوردت اسمها فقط، ولم تدع أنها هي من كتبت كتبها الشهيرة». ثلاثون عاماً تقريباً مرت على نهاية حكم ثيودور توكو، الذي قاد سياسة تظهير عرقية في بلده، أو ما أطلق عليها «البلغرة»، بطرد الأقليات المسلمة خصوصاً، من البلد، وتبعاتها لم تنته، ولن تنتهي، في المستقبل القريب، فما حصل مع جوليا كريستيفا يمكن أن يحصل مع كتاب شرقيين آخرين، ليس مع من هم على قيد الحياة، بل الأموات أيضاً، فبعض الشيوعيين القدامى، لم يتقبلوا أن تكون خساراتهم فردية، بل يريدونها خسارات جماعية، يشاركهم فيها آخرون. جوليا كريستيفا نجت من النظام القديم، وكتبت في مذكراتها: «كنت ضحية الشيوعية»، وقد ورد في التقرير جملة مفاداها أن صاحبة «العجوز والذئاب»، كانت تؤمن بأن الاشتراكية السوفييتية لا يمكن تطبيقها في مجتمعات غربية، لكنها لم تنج من الأرشيف، فرغم كل ما قيل، هناك من المثقفين في بلغاريا، من يعتقد ويصرح جازماً بأنها كانت «متعاونة»، وأنها فعلت ذلك عن قناعة.

٭ كاتب جزائري

((القدس العربي))