ولد خوسيه كوسير في هافانا، عاصمة كوبا، عام 1940 لأب مُهاجر من بولاندا وأم من تشيكوسلوفاكيا. هاجر في العشرين من عمره إلي الولايات المتحدة، ودرس أدب أمريكا اللاتينية بجامعة نيويورك وتخرج فيها عام 1965، ثم حصل علي الماجستير عام 1970 من جامعة كوليدج، ثم حصل علي الدكتوراه عام 1983 من جامعة كونتي. قام بتدريس اللغة الإسبانية وأدب أمريكا اللاتينية لمدة ثلاثين عامًا، وكان قد عاد إلي بلاده واستقر بها مرة أخري عام 1997. رغم إتقانه الانجليزية، إلا أنه يكتب الشعر باللغة الإسبانية. أصدر خوسيه 63 ديوانًا شعريًا حتي الآن، وحصل علي جائزة بابلو نيرودا عام 2013، لإسهاماته الكبيرة في مجال الشعر. نُشرت أشعاره في أغلب الدوريات العالمية الكبيرة، وتُرجمت أعماله إلي سبعة لغات، وحظيت باهتمام نقدي كبير، هذا إلي جانب تناولها بالبحث في عدة رسائل ماجستير ودكتوراه. تتسم قصائده بالعمق والتعبير عن تعقيدات الذاكرة والتاريخ، والتاريخ العائلي، وتجربة الحياة بعيدًا عن الوطن. يتسم خوسيه بغزارة الإنتاج، إذ يكتب قصيدة كل يوم، وبلغ عدد القصائد التي كتبها تسعة آلاف قصيدة حتي الآن. يكتب القصيدة ثم ينساها بسرعة، ويقول إنها تُطمس تحت تراكم من القصائد في عقله.
هذه السمة هي مصدر الإلهام في ديوانه “أنيما”، إذ كتب قصيدة بعنوان “أنيما”، وبعد يومين كتب قصيدة أخري بنفس العنوان، واكتشف هذا بالصدفة، فقرر كتابة مجموعة قصائد بنفس الاسم، بل إنه قرر أن يكتب قصائد بهذا العنوان حتي وفاته. يشير العنوان إلي الروح؛ خاصة تلك التي تتعذب في الجحيم. وبعد أن انتهي من كتابة مائة وخمسين قصيدة، اختار منهم ستين قصيدة فقط لكي يصدر ديوانًا يحمل نفس العنوان. تشترك القصائد في نفس العالم والصور، وتسودها جميعًا مفردات مثل: الماء، والرماد، ونور الشمس، كما يعتمد في أغلب القصائد علي اقتباسات من الكتاب المُقدس، ويعرض لطقوس الحياة اليومية. تقتنص القصائد اللحظة الراهنة بكثافة شديدة؛ ليحتشد الحاضر بآفاق تمزج بين التجربة الحسية المُباشرة، وبين التجربة الروحية العميقة. تتشظي اللحظة وتجمع بين عدة أفعال مُتزامنة، ويحرص خوسيه علي إظهار التزامن باستخدام الأقواس: “الحصان غارق في العرق في سهول إليس، شعائر جنائزية (أعدل وضع نظارتي)..”.
يعكس التشظي علي مستوي التجربة نوعًا من التشظي اللغوي الذي ألفه الشاعر في حياته اليومية؛ إذ أنه أمريكي من أصل كوبي وزوجته أسبانية ويتعامل مع اللغة بحساسية مفرطة، ويري أن التعبير عن الحالة قد يكون عبر استدعاء أغنية لفرقة البيتلز، أو قصيدة لعذرا باوند، أو إحدي آيات الإنجيل، أو عبارات لاتينية عتيقة، أو اللغة الدارجة في شوارع هافانا. لا يتردد في استخدام أي كلمة أو عبارة توقظ شيئًا ما في الذاكرة، وتحرك الروح؛ الروح التي تشبه بوتقة حقيقية تنصهر فيها عناصر ثقافية من أمريكا اللاتينية مع عناصر ثقافية من أمريكا الشمالية، ويقوم باستدعاء المقولات التاريخية للثقافتين في قصائده. “أنيما” تشبه كولاج ثقافي مُتعدد العناصر، ومُحمل بشحنات نفسية وثقافية متنوعة من تاريخ الشمال والجنوب معًا؛ من النصوص اليونانية واللاتينية القديمة إلي أساطير الأفارقة التي حملوها معهم من أفريقيا إلي العالم الجديد، تمتزج فيها صيحات الحرب وصرخات الألم تحت وطأة الجلد بالسياط في مزارع القصب. “أنيما” هي مجموع الصراعات التاريخية التي دارت حول الكاريبي، بكل امتداداتها الجغرافية والتاريخية.
يمكن اعتبار القصائد بمثابة حنين إلي كوبا؛ جزيرة الطفولة والصبا، وعودة إلي نقطة الانطلاق الأولي بعد أن تجاوز الستين من العمر. يتحرك الشاعر علي عدة مستويات لإعادة استكشاف الماضي الشخصي والجماعي؛ إلا أن أبرز تلك المستويات هو المستوي الذهني. تعرض علينا القصائد مشاهد مُفككة ليس لها مركز واحد، بل عدة مراكز متجاورة تجعلها أشبه بلقطات تومض في عمق اللاوعي، ومن الطبيعي أن تفتقد الترابط والتماسك، وتبدو أشبه بسلسلة من الأحلام المُتتابعة.
يري عدد من النقاد أن خوسيه واحد من أبرز شعراء كوبا في الوقت الراهن، وأنه تفوق علي أبناء جيله بقدرات لغوية كبيرة، وقدرة هائلة علي التعبير عن هذا المزيج الثقافي الثري الذي تتسم به أمريكا اللاتينية، وقدرته كذلك علي التعبير عن العلاقة الإنسان بالتاريخ، وتاريخه الشخصي علي وجه الخصوص.

((أخبار الأدب))