الكاتب عقل العويط يكتب مقدمة الجزء الثاني من كتاب – بَرِيدُ السَّمَاء اِلافْتِراضيّ –

((الفراديسُ برائحة شعراء الكآبة والجنس والانتحار))

 

 

في “بريد السماء الافتراضي” هذا، يفتح الشاعر والكاتب والناقد أسعد الجبوري الأبواب الشعرية الموصدة، المتعلقة بالشعراء الراحلين الذين يضمّهم كتاب حواراته هذا، مشرّعاً إياها على الثقافة المعرفية الواسعة والمتنوّعة أولاً، ثمّ على صفحاتٍ من التاريخ الأدبي في ماضيه وراهنه، أزمنته والأمكنة، ليضع بريده تحت سقف الخيال، والحلم، والسؤال، والاحتمال، والحرية.
أرى أن ما يقوم به أسعد الجبوري في هذا الصدد، لا ينفصل عن هواجس الشعرية الكونية التي تتطلّب المثول في الهواء الطلق، حيث تتلاقى أمزجة النسائم والعواصف والغيوم، وحيث تتداخل، وتتلاقح، فيصير الإلمام بهذه الأمزجة، والاجتهاد في تبيّن مكوّناتها وخصائصها، شرطاً مضافاً إلى ما يتطلّبه الانصياع لسلطان الموهبة والحدس والرؤيا.
يمعن أسعد الجبوري في حواراته الشعرية الافتراضية، الكونية النطاق، مع شعراء كبار، معلومين ومجهولين، إمعاناً معرفياً وثقافياً وحدسياً، مطواعاً، ينمّ عن اطلاعٍ موسوعي دقيق، وعن تمرّسٍ بالشعرية العالمية، وعن ذكاءٍ وعمق وإدراك ولطافة. فهو لا يفوته جوهرٌ أساسي، مثلما لا يفوته تفصيل. وبقدر ما يلاحق الشعراء الراحلين في حيواتهم الشخصية، والعامة، كما في تجاربهم الأدبية، وعلاقاتهم بالذات والآخر والكائنات والأشياء والعالم، يعتمد الرصانة التوثيقية التي تغطّي اهتمامات هؤلاء الشعراء، وميولهم وانتماءاتهم الأدبية والنقدية، مثلما يعتمد التذكير بأهمية الخفة التي تأخذ بالحوارات إلى مطارح تأويلية في تجربة كلّ شاعر، غير متوقعة وغير منظورة.
لا يركن الجبوري في حواراته هذه، إلى منجَزٍ معرفي ونقدي. وإذا كان لا يركن، فهو، والحال هذه، لا يطمئن إلى حقيقةٍ شعرية ونقدية ثابتة، ولا يكتفي بأيّ حقيقة. كأنه يفضّل أن يبدأ تجربة التعرّف على كلّ شاعر، من جديد، معيداً استيلاد هذا الشاعر الذي يحاوره، كأنه لم يولَد من قبل، مستنبطاً منه ما لم يُستنبَط، أو ما لم يُعرَف عنه.
لا أغالي في ما أنا أزعمه عن هذه الحوارات. لقد قرأتُها كلّها، ونشرتُ قسماً منها في “النهار”. وكنتُ كلّما عكفتُ على حوارٍ للجبوري مع شاعرٍ راحل، أوروبي، أو أميركي، أو آسيوي، أو أفريقي، أو عربي، حديث أو قديم، أروح أكتشفه، كما لو أني لم أكتشفه من قبل. هذه الدهشة التي ترافق الحوارات، ليست دهشةً مفاجئة أو مجانية (على طريقة السورياليين) فحسب، بل هي دهشةٌ اكتشافية، واستكشافية، تلتقي الأغوار المنسية والمجهولة أو المهملة، فتصير هذه الأغوار المكتشفة جزءاً من التراكم المعرفي المتعلّق بصورة هذا الشاعر أو ذاك.
يستنبط الجبوري مفاتيح “أخرى” للمعرفة الحوارية، ويراكمها، فينضمّ بأسئلته وبأجوبته إلى جوقة أهل العرفان الشعري في العالم، متقمصاً أرواح هؤلاء الشعراء، وأجسادهم، وهواجسهم، وتخييلاتهم، وافتراضاتهم، وأسئلتهم، وكوابيسهم، وأحلامهم المتحققة والمجهضة على السواء.
هذا التقمّص، إنما هو تقمّصٌ معرفيّ، من شروطه الأساسية أنه ليس مفتعلاً، مصطنعاً، أو زائفاً. حتى ليملأني الاعتقاد أن مَن يطرح الأسئلة قادرٌ على إيهام القارئ بأنه يُزيل الحواجز المفترضة بين عالم الأحياء وعالم الموتى. فالشعراء الذين يحاورهم الجبوري ليسوا موتى. بل هم أمامه، أحياء يُرزَقون. ينصتون إلى أسئلته، وينصت هو إلى أجوبتهم، وكلّما حاول أحدهم الفرار أو التملّص من سؤالٍ محرج، سارع هو إلى وضعه أمام سؤالٍ آخر، إن دلّ على شيء، فعلى البداهة والتساوق والذكاء والانسجام المعرفي والنفسي بين طارح الأسئلة ومتلقّيها.
بل أكثر. يضع الجبوري نفسه في موضع كلّ شاعر، كأنه يعيشه، ويجسّده، لا في الوجود الملموس فحسب، بل خصوصاً في الوجود الشعري. وهذه مهمةٌ بالغة الدقة والأهمية. لأن ذلك ينمّ عن القدرة التواصلية، وعن التواطؤ بين السائل والمجيب. إذ ليس من السهولة في شيء أن يتحقق هذا التواصل، لأن شرطه الأول والأخير، خروج صاحب الأسئلة من حدود ذاته، ليعانق الآخر في عوالمه كلّها.
يمكنني أن أذهب إلى الأبعد، لأقول إن هذه الحوارات لا تمليها على الجبوري فروضٌ أدبية، أو صحافية، أو نشرية. إنها، على ما يتراءى لي، تعبيرٌ عن لذّة جوّانية عميقة تجتاح طارح الأسئلة لتصل إلى الشاعر المتلقّي الأسئلة ومستجيبها. وهي لذّةٌ مزدوجة، لذّة الصحافي ولذّة الشاعر، متحققةٌ، مبتهجة، جارحة، منتشية، سكرانة، وغير آبهة بما يجري من حولها. وهي، عندما تبلغ هذا المرام، فإنها تصير وليمة انخطافية، حتى لأكاد أقول صوفية.
لا يهادن الجبوري في أسئلته. لا يكتفي بالأسئلة التي تدغدغ “أنا” الشاعر، بل يستفزّ، ويناكف، ويتهم، وينتقد، ويحرّض، ويكشف عن المخبوء. وفي النتيجة يحقق المبتغى، مبتغاه هو، ومبتغى الشاعر، ومبتغى القارئ على السواء.

يسعدني أن أكتب هذا التقديم، للتعبير عن النشوة التي لطالما شعرتُ بها وأنا أقرأ تلك الحوارات، وأساهم في إيصالها إلى القارئ، داعياً قرّاء الشعر والشعراء والنقاد إلى الاشتراك في هذه الدومينو على طاولة تربطُ السماءَ بالأرض. فهي تستحق أن تكون مقامرة جماعية.

————————————————————

السيرة الذاتيّة
عقل العويط:شاعر وناقد وصحافيّ وأستاذ جامعيّ، وهو رئيس تحرير ملحق النهار الثقافيّ في بيروت. يدرّس الأدب الحديث والصحافة في جامعة القديس يوسف في بيروت. أصدر الى الآن عشر مجموعات شعريّة، وتُرجِمت قصائده الى الفرنسيّة والإنكليزيّة والإسبانيّة والإيطاليّة والألمانيّة.