قصائد للشاعرة الأميركية أدريان ريتش
عمل لماكس إرنست

ولدت أدريان ريتش في 16 أيار/ مايو 1929 في بلتيمور، ميريلاند. درست في كليّة رادكليف، تخرجت في 1951، ثم اختيرت في نفس العام من قبَل و.هـ. أودن لنيل جائزة جامعة ييل للشعراء الشباب عن مجموعتها عالَم يتغيّر. وقد كتب أودن مقدّمة ذلك الكتاب وأشاد بتكنيك ريتش الشعريّ الرّفيع، والشكلانية المنحوتة بعناية، ومضامينها التي أحسنتْ كبحَ العواطف فيها.

نمّتْ قصائد ريتش الأولى عن تأثّر واضح في الأسلوب والمضمون بفروست، ييتس، ستيفنز، وأودن نفسه.

في 1953 تزوجت من أستاذ الاقتصاد في هارفارد ألفرِد هـ. كونراد. وبعد سنتين، نشرت مجموعتها الشعرية الثانية، قاطعوّ الألماس، التي كتب عنها راندال جارل: “لا تستطيع الشّاعرة في هذه المجموعة إلا أن تلوحَ لنا كأميرةٍ في حكاية خيالية”.

غير أن صورة أميرةِ الحكاية الخيالية لن تدوم طويلًا. فبعد أن أنجبتْ ثلاثة أبناء قبل بلوغها الثلاثين، غيّرتْ ريتش بالتدريج كلًا من حياتها الشخصية وشعرِها. وكتبت خلال الستينيات عدّة مجموعات، منها لقطات من حياة كَنَّة (1963) وكُتَيِّبات (1969). تحوّل محتوى شعرها إلى الصدامية بشكل مُطّرَد- في تحرّيه موضوع دورِ المرأة في المجتمع، العنصريّة، وحرب فيتنام. وقد أظهرَ أسلوب هذه القصائد نقلةً من الأنماط الموزونة إلى الشِّعر الحُرّ. كما تأثّرتْ في ذلك الوقت بأعمال جيمس بولدوين وسيمون دي بوفوار. ومع أنها وزوجها انخرطا في صفوف حركات العدالة الاجتماعية، إلا أنها انخرطت بكلّ ما لديها في الحركة النسوية، في تقصّيها السياسات الجندرية ومآلاتها، كما ورد في عبارة لـ ريتش، في “فيتنام وسرير العاشقين،” حيث وجّهتْ أرضيتها المعرفية باتجاه قضايا اللغة، الجنس، الاضطهاد، والقوى التي ترفد الحركات الباحثة عن الانعتاق من عالَم الهيمنة الذكوريّة. وكان للقضية الفلسطينية، ومجازر إسرائيل المتكرّرة، حصّتها من كتابات ريتش وتصريحاتها وبياناتها. في عام 1970، هجرتْ ريتش زوجَها، الذي أقدمَ على الانتحار في فترة لاحقة من نفس العام.

في 1973، خلال حركات الحقوق النسويّة والمدنيّة، حرب فيتنام، وآلامها الشخصية، كتبت ريتش الغوص نحو الحطام، وهو عملٌ يحتوي على قصائد بالغة الحدّة، أهّلتها لنيل جائزة الكتاب الوطنيّ عام 1974. وقد قبلتْ ريتش الجائزة باسم كلّ النساء وتقاسمتها مع المرشّحتين الأخريين، أليس ووكر وأودري لورد.

منذ ذلك الحين نشرتْ مجموعات شعرية عديدة، منها مدرسة بين الأطلال: قصائد 2000- 2004، التي نالتْ جائزة نقّاد الكتب؛ الثعلب: قصائد 1998- 2000، النّجاة في منتصف الليل: قصائد 1995- 1998؛ حقول الجمهورية الدّاكنة: قصائد 1991- 1995؛ الأعمال الكاملة الأولى: 1950- 1970 (صدرت عام 1993)؛ أطلس العالم المعقّد: قصائد 1988- 1991: الذي وصل إلى نهائيات جائزة الكتاب الوطني؛ طاقة الزّمن: قصائد 1985-1988؛ دم، خبز وشِعر (1986) حقيقة هيكل الباب: قصائد مختارة وجديدة 1950- 1984؛ عن الأكاذيب، الأسرار، والصّمت (1979)؛ وحلم بلغةٍ شموليّة (1978). ويحتوي هذا الكتاب الذي بين أيدينا على قصائد من معظم كتبها المذكورة أعلاه.

في عام 1997، رفضتْ الميدالية الوطنية للفنون، منوِّهةً بـ “أنني لم أستطع قبول جائزة كهذه من الرئيس كلينتون أو هذا البيت الأبيض لأن الغرضَ الحقيقي للفن، كما أفهمه، لا يتّفق مع السياسات المُعيبة لهذه الإدارة”. ثم استطردتْ قائلة: “لا يعني الفن شيئًا إذا كان مجرّدَ زينةٍ وزخارف على طاولات عشاء السّلطة التي تحتجزه كرهينة”.

في نفس العام، تلقّتْ ريتش جائزة أكاديمية والاس ستيفنز لبراعتها المؤكّدة والبارزة في فنّ الشعر.

تعيش الآن في شمال كاليفورنيا. 

محاورة

تجلسُ وقد أسندتْ رأسَها بيدٍ، اليدُ

الأخرى تقلّبُ خاتَمًا عتيقًا تحت الضّوء

وعلى مدى ساعاتٍ تشظى حديثُنا

مثل مطرٍ على شاشات النّوافذ

حسَّ آبٍ والبرقَ القصيَّ

أنهضُ، ألأعدَّ الشّايَ، أعودُ

ينظرُ كلٌّ منّا إلى الآخر

ثم تبادرُ هي بالقول (وهذا هو الموقفُ الذي أعيشُه

المرّةَ بعد المرّة)- تقولُ: لا أعرفُ

إن كان الجنسُ وهمًا

لا أعرفُ

ما كنتُه عندما قمتُ بأشياءَ كهذه

أو ما قلتُ إني كنتُه

أو إذا شئتُ أن ألمسَ حقيقةَ

ما قد قرأتُ عنه

أو مَن كان برفقتي في الواقع هناك

أو إذا كنتُ توصّلتُ، حتى في ذلك الحين

إلى أن ثمّة ارتيابًا كان يلفُّ هذه الأشياء

نخلصُ إلى أن سمفونيّة بتهوفن التاسعة
رسالة جنسيّة في نهاية الأمر

رجلٌ يعيشُ رُهابَ العِنَّةِ

أو العقمِ، دون أن يدرك الفرقَ

رجلٌ يحاولُ أن يقولَ شيئًا

يعوي من العجز الجنسيّ

موسيقى روحٍ

في أقصى عزلتِها

من نَفَقِ الأنا يصرخُ في وجه الغبطةِ

موسيقا بلا شبحِ امرئٍ

آخرَ في تضاعيفِها، موسيقا

تَجْهَدُ أن تقولَ

ما لا يريدُ الرّجلُ

أن يبوحَ به، بل سيُبقيَه لو استطاع

مُكمَّمًا وموثَقًا ومَسُوْطًا بأوتارِ الغبطةِ

حيث كلّ شيءٍ صمتٌ

ثمَّ خبطةُ قبضةٍ داميةٍ على

طاولةٍ متشقّقة

دلـتـا

إذا كنتَ أخذتَ هذا الرّكام من ماضيَّ

تنبشه بغيةَ كِسراتٍ قد يقيّض لك بيعها

فاعلمْ بأنني قد أوغلتُ منذ زمنٍ طويل

في الانتقال عمقًا إلى جوهر السؤال

إذا كنتَ تحسب أنه يمكنك الإحاطةَ بي، فكِّر بالأمر أكثر:

حكايتي تتدفّقُ في أكثرَ من اتّجاه

تنهضُ دلتا من حوضِ النّهر

وهي تفردُ أصابعها الخمس

ملاحظات أخيرة

لن تكون مسألة يسيرة، ولن تكلفك الكثير

ستأخذُ بعض الوقت، وستأخذ كلَّ تفكيرك

ستحتلّ كلَّ قلبك، ستحتل كلَّ أنفاسك

ستكون قصيرة الأمد، ولن تكون يسيرة

ستمَسُّ ضلوعك، ستحتل كلَّ قلبك

لن يطوْلَ أمدُها، وستشغل جلَّ فكرك

كما المدينةُ مشغولة، كما الفراشُ مشغول

ستأخذُ كلَّ لحمِك، ولن تكون يسيرة

أنتَ مُقْبِلٌ إلينا نحن الذين لا نستطيع أن نصمدَ أمامك

مقبلٌ إلينا نحن الذين لم نَشأْ أن نصمد أمامك

أنتَ الذي تقاسُمنا أجزاءً منّا في أماكنَ لم نخترْها

ثم تذهبُ بعيدًا آخذًا أجزاءً من حيواتنا

ستكون قصيرة، ستأخذُ كل أنفاسك

لن تكون يسيرةً، ستغدو مشيئَتَك

في تلك السّنوات

في هذه السنوات، سيقول النّاسُ، فقدنا مدلولَ

معنى نحن، معنى أنت

وجدنا أنّ ذواتَنا

قد تقزّمتْ إلى أنا

ليصبحَ الأمرُ برُمَّتِه

سخيفًا، فظيعًا، مريرًا:

كنّا نسعى لأن نعيشَ حياةً شخصيّة

و، نعم، تلك كانت الحياة الوحيدة

التي احتملنا أن نشهدَها

لكنّ طيورَ الظّلامِ العميمِ للتّاريخ زعقَتْ ثم فزعتْ

إلى طقسِنا الشخصيّ

كانتْ تقصدُ أمكنةً أخرى لولا أنّ مناقيرَها وقوادمَها اندفعَتْ

على امتداد الشّاطئ، عبر سُتُرِ الضّباب

حيث وقَفْنا، ونحن نقولُ (أنا)

غـزل

على قيد الحياة من أخمص القدمين حتى فروة الرّأس أمام مرآةِ النافذةِ السّوداء.

مطرُ الشّتاء الأوّلُ ــــــــــ ساعاتِ الصباحِ الوجيزة للغاية.

فلتَعُدْ إلى الغزلِ إذًا ــــــــ ماذا ستفعلُ هناك؟

لطالما كان نبضُ الحياةِ أقسى من السّطور.

هل تتذكّرُ الجدائلَ التي تقافزتْ من عينٍ إلى عين؟

اللسانَ الذي بلغَ كلَّ المواضعِ، متلفِّظًا بكلّ الأجزاء؟

كلُّ شيء هناك قُدَّ على هيئة رغبة.

صرخةُ المُخيّلة هي صرخةٌ جنسيّة.

أشيلُ جسدي معي أنّى حللتُ.

في أجماتِ التّجريد رَشَحَ جلديَ الدّمَ.

كانتِ الحياةُ على الدّوامِ أكثر طغيانًا… لم يستطع النّقّادُ أن يفهموها.

تقولُ الذّاكرةُ إنّ الموسيقى أبدًا سبقتِ الكلمات.