الحوار المتمدن-العدد: 5881 – 2018 / 5 / 23 – 00:57 
المحور: الادب والفن 

فاديا الخشن كاتبة تميزت بالحضور الجمالي المستمر طوال سنوات ليست بالقصيرة، فأسست لها مكانة متميزة وسط خضم تلاقي الثقافات العالمية المختلفة، حيث العولمة الثقافية، وصراع الحضارات، والبحث عن الهوية الوطنية، والخصوصية التراثية، وعاشت هذا الصراع، وكما اسلفت احتفظت بخصوصيتها وتميزها ورغم ان المشروع الشعري يبقى يتنامى ولايكتمل، فهو تيه بين التخييل والواقع، بين المرئي واللامرئي، بين الحسي واللاحسي وغيرها من المتضادات والمتناقضات الحياتية الاخرى، فالكاتبة الخشن تدرك، انها تعيش في بناء ثقافي معقد، ترتبط معه في علاقات معقدة، وهنا اخذت توظف حالة التهذيب والبحث عن الصفة الانسانية، وهنا تكمن قيمة المثقف في الانتاج والتوظيف وتكوينه (لأفكار ومبادئ تتسق مع ما يؤمن به، وتراعي خصوصية مجتمعه وتراثه، فالفعل الحقيقي والبناء للمثقف يتمحور حول إنتاجيته ومساهمته في تكوين الذات المجتمعية كحالة واحديه، لها ماضيها ومنهجها الذي تؤمن به في تسيير وجودها ويتلاءم مع عقيدتها. ينتقل المثقف من مرحلة إلى أخرى بالضرورة في إطار بحثه عن تعقيدات المجتمع الذي يقيم فيه وينتمي إليه، من مرحلة التشخيص للإشكالات القائمة وهي عملية معقدة تستلزم دراسات إنثروبولوجية وتاريخية ذات منهجية علمية دقيقة، إلى مرحلة تقديم الحلول لذلك التعقيد “أي الإنتاج الفكري الذي سيتأتى كنتاج للدراسات التشخيصية، باعتبار التشخيص لوحده ليس علاجاً شاملاً ولا يقدم إلا نصف الحل.)، والحقيقة اسوق هذه المقدمة، لاني اطلعت على الكثير من كتابات فاديا الخشن، لكني اخذت مثالي نص (كلّي فضاءات فاين اقيم جسوري؟؟)، كونه ترك اثرا في نفسي، فمن عتبته الاولى، اي العنوان اثار الكثير، فمثلت الشاعرة الخشن نفسها بالفضاءات، اي ماتحمله من رؤى وافكار وطروحات وسط هذه العولمة والصراعات، ثم طرحت تساؤلاتها أين اقيم جسوري؟، فهذا النص احتشد بالكثير من المعاني المولدة من خلال طرح اسئلة متناسلة، تتوالد وسط كلمات اشتهاءات متعددة، بيد انها تعيش مجاعة، تستجدي المضاجعة الاكثر خصوبة .. كلّي فضاءات فاين اقيم جسوري؟؟ ، فاي فضاءات واي جسور؟، ثم تقول قلبي … تاركة نقاط قابلة للمليء، مما شكل عدة اسئلة متخفية !! وخطابها للاخر : انا الصاعدة .. الصعود حركة واحتشاد وازدحام، هل جئت لحبي .. اذن اترك لشجري جسورا ولكأسي حريرا ومدارات!! دلالة ايها الاخر لاتستطيع اللحاق بي مهما دبرت من مكيدات اللحاق والصعود، حتى ولو تركت جسورا لشجري الممتد عبر فضاءات الخيلاء الانثوي في داخلي .. دلالة قولها الاخر الزاعقة فيه “الأنا” : أنا التي عرفتُ/أن للقلب شفاهاً تشدو/وللعين آفاقاً/لاتسقطُ عنها الأغنيةُ…فهي تتسلح بالمعرفة، تتسلح بالتجربة، تتسلح بالانوثة العصية، انها هي، تتصاعد داخلها رغبات الانثى، غير انها … كهمهمات العطرِ/مجنحةً أغلي كساعةِ الصدر/لا يبعثر شَعري لهاثُ الحب .. اي اني صعبة المراس، كمهرة لم يركبها اي فارس، الا ذلك الذي تدرب وفهم شعابي ولاحت له علامات دالة للتمدد والقدرة على المطاوعة والصبر وفنون الفروسية .. ثم تختتم ايضا بسؤال بعد ان تستعرض افاق مسافات الحب بقولها : وما ممنْ يدّبُ العسلُ في سلاسل دمي./الوقتُ زنادٌ/واليدُ وعدٌ بالاشباع./والعينُ هجرةٌ قسرية وأنا كلي فضاءاتٌ/فأين أقيمُ جسوري ؟، وهنا تلتئم التجربة الشخصية الذاتية، والتجربة الثقافية، التي اصبحت ميالة للبحث عن الجمال والحب، واحترام الذات اولا، ثم احترام الاخر .. أنا الصاعدةُ/بقوةِ جذر تكعيبي/إلى فضاءات اللغةِ والحب .. وتقدم “اناها” في ساحات الحب، التي تحتاج للآخر بكل تأكيد بوصف الآخر(مقابلاً حيوياً منتجا، وإن النظرة إلى ((الآخر)) حضاريا وثقافيا تعتمد بالدرجة الأولى على طبيعة ((الأنا)) الناظرة وكيفيتها وحساسية مكوناتها، لذا فإن ((الآخر)) يتجلى في مرآة ((الأنا)) استنادا إلى طبيعة العلاقة التي يؤلفها جدل التفاعل أو الحوار أو الصدام بينهما، وربما لا وجود لأنا فاعلة وقادرة على الحضور المنتج من دون آخر مناظر ومواز لها يحرّضها على التمظهر والوجود والفعل والتعبير عن الذات)، وبهذا قد ازعم اني توصلت الى بعض من معان قصيدة الشاعرة فاديا الخشن، التي تحمل الكثير…