* بوهيميتي

( هذه ليست فانتازيا أدبية، ولكن رامبو يرسم هنا صورة لمعاناته الحقيقية حيث كان هكذا فعلا مابين السادسة عشرة وحتى العشرين) ( مثاليا: كان يرتدي معطفا قديما مستعملا لدرجة أن ذلك المعطف توقف عن أن يكون حقيقة بل صار شيئا مثاليا بعيدا عن الواقع الملموس)

” معطفي هو الآخر صار مثالياً
تحت السماء يا ربة الشعر أسير مخلصاً لكِ
وآهٍٍ آه . كم من حب رائع به حلمتُ.

سروالي الوحيد به ثقب هائل
كنت في جولاتي مثل الصغير الحالم “عقلة الأصبع”
أفرفط القوافي ، وكان مقامي في ” الدب الأكير”
وكان لنجوم سمائي حفيف جميل

طالما أصغيت إلى حفيفها وأنا جالس على حافة الطريق
في تلك الأماسي من سبتمبر كنت أستشعر
قطرات الندى على جبيني كخمر العافية

في الظلال الوهمية كنت أنظم أشعاري
أما قيثاري: فكنت أجذب شيئا طريا من حذائي الجريح
وأتكئ بقدمي على قلبي… ” …

تحدثنا سيرته ، تلك التي مثل القرنفل الحامض ، بأنه كان مولعا جدا – حد الشغف – بالتجارة ، مهووسا ليكون في النجاح فيها ، فلم يكن منذ البدء في فتنة الشعر ، وأن كان في الحلم به ، ينطوي علي ولع جارح بشغل التجارة والأنشغال بها عما سواها ، بركوب دروبها الوعرة والدخول في مغامراتها الجسورة ، التي ساقته – بمحض أرادته – متسكعا في الملأ ، متصلفا ومشردا ، مرة إلي قبرص وأخري إلي مصر وإلي فهرر في الحبشة ثم إلي عدن التي مكث بها عشر سنوات تقريبا ، ثم سرعان ما مات فيها ! رامبو تاقت نفسه أن يكون رائيا في عصره ، في كنف حناياه و … يري ، تماما كما قال في كتابه ” رسالة الرائي ” : ( كن رائيا … عليك أن تكون رائيا ) ! ظلت شقيقته الجميلة ” إيزابيل ” لفترات طويلة ترفض وجهه الشعري من حياته القصيرة اليانعة ، لأنها كانت تري فيه – في الشعر – الشر والأنحراف واللعنة … وبالمقابل ، ظلت – بمثابرة مثيرة – تكشف من حياته أستارا فتري منها ما يعزز قناعاتها بالشاعر فيه ، ذلك النابه ذو الرؤيات ، صاحب المسعي المبهر في الحياة لأجل النجاح ، متصالحا مع الشعر حد القداسة وذو أقدار عاليات في الحياة ! مسكونة بهذه الرؤيا الحائرة / الحارقة عن شقيقها الشاعر السماوي ، هي التي ظلت تحجب – بقصدية غريبة – وجه الشاعر فيه ، وترفض أن تنشر أعماله الشعرية بعد وفاته ، مثلما فعلت مع قصائده عالية القيمة والثراء : ( مناولات أولي / قرفصات / الشر ) … إيزابيلا كانت تقول أن الشيطان هو من ألهمها أياه ، ليس الله ! … كانت محقة ، فليس الله من يلهم الشعراء العظام أشعارهم علي أية حال … ! لعلها – وهي التي رافقته لحظات حياته الأخيرة في مرضه وفاته – قد بدأت أخيرا تتعرف علي قيمته الشعرية وأبداعه الكبير ، لكن بعد وفاته بعشرات السنين حين نشر ” لويس بيركون ” مقالا عنه بجانب نشره قصيدتاه ( المنذهلون / و قرفصاءات ) ، ومن بعد ، حصل صديقه الأثير الشاعر ” بول فيرلين ” بعد جهد كثير علي حق نشر أعماله الشعرية الكاملة العام 1895 بموافقة خطية من إيزابيلا وتضمنت : ( المركب السكران / فصل في الجحيم / إشراقات ) ، ومن بعد ، أيضا ، عد رامبو من أكبر خمسة شعراء في فرنسا ، ومن بين أميز شعراء القرن العشرين قاطبة ، وترجمت أعماله إلي جميع اللغات الحية في عصرنا ، وأصبحت له في الشعر سلالة عصية علي الأندثار ، بل نراها ، تتوهج في خميرة الشعر علي مر الحقب والأزمان … تلك هي سلالة صعاليك الشعر السماويون ، الهامشيون والمغامرون فيه ، في شسوعاته التي لا تحد ، حاملو ألويته البراقة الداعية إلي التدمير والتشويش والمشاكسة ، بأستمطار اللعنات وألقائها جلية عارية تحت أضواء ساطعة ، تتلوي في رقصة الأفعي وأشراق الملائكة السماويون ، بقصد صفاء الرؤيا المحرقة ، مثلما الأرض – أم الناس – حين تطرح عنها حملها بولادات غريبة حارة ، وتبدو بهية في جمال فتنتها الباذخة من بعد … هذه السلالة ، بمواكبها الدفاقة بالرؤي المحرقات وظمأ المعرفة وعطشها ، والتوق المدهش بحنانه الثر الرحيم للجديد الغريب ، هي الآن ، تطلع بيننا – كما الفسائل – في شعرنا ، فتأخذ ملامحا تقتص من التجارة والتجار ، لكنها – بذات غرائبيتها الصارمة – تجد بعض عذر لإيزابيل إذ أفاقت ، أخيرا ، لشعريته التي كانت ، وظلت ، هي نبع قداسته في الحياة ، ليست التجارة ، فالتجارة لا تعرف لها في حياة الناس شرافة ولا قداسة ، ولا قيما نبيلة يعول عليها عند سلالات الشعر الناهضة بأعباء الدروب ، بوعورتها وخشونتها ، وبآمالها وأشواقها في الغد الآتي الجميل ! في ظني ، تلك هي مآثرة رامبو العجيبة ، بثها وديعة حية يانعة في روح الشعر ، إنخطافات مشعة ، مفضوحة وعارية إلي أقصي حدود الجنون ، ورؤيا محرقة ، تواقة للإستشراف والنهوض ، ليس نهوضا فحسب ، بل تحليقا في السماوات العلا ( مع الغرانيق العلا يا صاحب الأخوات ) و … رغبة ، تحرق باللهب اللذيذ ، الجسد والرؤيا معا ، لتكون هي بذاتها في الكشف الفاضح والمغامرة الفاتنة و اللغة البهيجة – تلك الصبية الأليفة الرحيمة في حنان جنونها – أن تكون في صحبتها ، تدثرها بغلالاتها الشفيفة ، فلا تغطيها لتحجب فتنتها ، فتزينها بالحلي من المعاني والصور المدهشات حد الجنون والولع ال ينادي في الملأ من الناس : هيا ، إلي الأعالي وإلي العلا ، حيث ال هنااااك ، هو وحده المهد ، مهد الجميلات ، جميلات الحياة الفاتنات !
تلك ، إذن ، لغته ، لغة السلالة ، وبعضها الكثير هو الآن في البزوغ و … في الشروق ، مزهوا بالمواجد كلها ، في طلوعها الباذخ في دنيا الناس ، في دنيا الشعر التي هي قمر حياتهم أينما ولوا وجوههم ! فيه الغموض الكثيف الملغز ، وفيه الشاعرية في توهجها النبيل ، وفيه روح المغامرة والمغايرة ، ياااااااااااه ، ” المغايرة ” ، ها أني قد قلتها الآن ، تلك هي سمته التي وسمته بأوضح الملامح فتنة وعذوبة وجاذبية ، المغايرة هي ، إذن ، هي صبية الشعر الجميلة في دلال وجودها ، فكن – أيها الشاعر/ ة ، مغايرا ، كن مغايرا لتري !
وصفه بول فيرلين بالشاعر الملعون ، فيرلين هو أول من أطلق عليه هذه التسمية في كتاب له عنه بذات العنوان ” الشاعر الملعون ” ، فقد رآه هكذا في الشعر ، ملعون رحيم غريب ومدهش . أدولف ريبه جعله أسطورة حين قال عنه : ” آرتو رامبو لا وجود له ، آرتو رامبو أسطورة ” ، وجعله هنري ميلر في كتابه ” زمن القتلة ” ملعونا أيضا ، أما بول كلوديل فأعتبره وعمده قديسا ممتلئا بوهج ديني وبأشراقات سماها ” صوفية ” فجعله في ( المنزلة بين المنزلتين ) ، منزلة هي بين الملاك والشيطان ، يهرول في حياته بينهما في سماوات العالم ! أما جون كوكتو فقد تناوله في محاضرة له بجامعة أكسفورد فوصفه بأنه : ” شاعر ذو عزلة مخيفة ، ولعنة منذ الولادة ومرض في الروح ” !
في شارلفيل مسقط رأسه في الريف الفرنسي ، حيث كان يعيش مع أمه المهووسة بالتدين ، وأبوه الذي كان رقيبا في الجيش الفرنسي وأنفصل مبكرا عن والدته … وشقيقه الأكبر وشقيقتاه فيتالي وإيزابيل ، في هذا الريف الموحي بالإلهام ، هناك ظهرت عليه ، وتجلت للعيان في من حوله إشارات وعلامات اللعنة والتمرد والتجديف ، لا … ، لم يكن قد رأي الإله ولا عرفه وقتذاك ، فتمرد عليه بما ينبغي أن يكون عليه تمرد عبقري مجنون غريب الأطوار مثله … وفي تلك البيئة كانت نزواته ورعشات جنونه ولعناته وتمرده تبزغ كلها فتورده إلي شروق شعره الملعون وجنونه ، فكتب ” فصل في الجحيم ” ، لكنه – وهذه من العلامات – حين ذهب من بعد إلي باريس أهتم كثيرا ب ” الكومونة ” ، كانت لا شك ستغير مسار تمرده ولعناته إلي وجهة أخري مهمة ، لكن شغفه المسرف بالرحيل والتشرد أقصياه عن وهجها الذي جذب إليه كبار شعراء وكتاب وفنانو عصره ، فتنكب معانيها ومضامينها وقيمها ودلالاتها ، فمضي عنها فقصد بلجيكا حيث كتب هناك قصائده المدمرة ، فكتب هذيانته وهو يردد : ” بعض الدمار ضروري ” ، ثم تطلع – فياللغرابة – إلي إختفاء المؤسسات الأجتماعية ، فلم يعد يراها ضرورية في حياة المجتمع ، وتلك ، كما نظن ، أحدي شطحاته الشيطانية من رؤاه ! كتب مرة لإيزابيل : ” أنظر إلي ، قبعة ومعطف وقبضتاي في جيوبي … هذا يكفي ! ” ، ثم وقع رسالته هكذا ” ” عديم القلب ” ، فياله من ملعون مجنون هذا العبقري الشيطاني الميول !
نعم ، رامبو كان مثليا ، علاقته كانت مع أعظم وأنبه شعراء فرنسا : بول فيرلين ، كانا في كنف الشعر و … جسديهما ، حين يحدث ذلك الإلتئام تحل اللعنة ، فيكون التمرد صارخا بجرس عال ، ويكون التجديف في البحار عميقة الغور وفي سحرها ، و في الشعر ، في بريقه العالي الشفيف … تلك ما كانت عليه حالتهما ، في نداءات الجسد وهذيانات الشعر المترفه ، كانا في مراتب القداسة والكشف وعري الصفات ، يغطيهما ويكشفهما للملأ هسيس الشعر ورعشات الجسد و … جنون الرؤيات ، مكثا هكذا حتي رحل – فجأة – رامبو عن تلك العوالم الغرائبية بفتنتها الباذخة تاركا صفيه وخله بول فيرلين في المحنة من حياته كلها ، وفي هذيان الشعر ولهيبه ، لكنه أبدا لم يكن فراقا للشعر في سمة الجنون واللعنات ، لكنه فراق أيضا علي أية حال !
في صباح يوم الثلاثاء ، عند الساعة العاشرة توفي رامبو في المستشفي في مارسيليا أثر عودته لتوه من عدن والحبشة ، حيث كان يشتغل علي تجارته بينهما ، كان مصابا بسرطان العظم / الزهري ، وإلتهاب الغشاء المصلي لركبته ، في 20/2/1891 كان محمولا علي محفة ، وساقه المتورمة مربوطة إلي عنقه ، فأدخل إلي المستشفي حيث سرعان ما بترو ساقه في 25/5/1891 … لم يكن وقتها قد تجاوز السابعة والثلاثين بعد ، وطوال فترة مرضه المرعبة تلك لم يكن مؤمنا كما تمنته وصورته إيزابيل ، بل كان مجدفا عظيما ، رغم إن إيزابيل – التي لا أعتد كثيرا بقولها هنا – قد ذكرت أنه في أخريات أيامه أخذ يستغيث بالمسيح و … يصلي ، ويكرر أحيانا بالعربية التي يتقنها : ” الله كريم ” و ” عسي أن يتم الله إرادته ” ، تلك كانت أمانيها في أن يكون شقيقها الشاعر الملعون مؤمنا بصورة ما ، وأن كانت أستغاثة أخيرة و أمنية ، فلم أطمئن لقولها أنها تحسرت لعدم تسجيل هذياناته الأخيرة تلك ، فقد بدت لها ذات جمال وفتنة ، فأضافت أنه كان يهذي بشحنات بضاعته إلي عدن وبفواتير صفقات العاج !
دفن رامبو في مقبرة شارلفيل في مسقط رأسه ، ولم يسير خلف مراسم جنازته الفقيرة سوي أمه وشقيقته إيزابيل ، ولم يصلي عليه أحد أستنادا للطقوس الكاثوليكية … كانت شاهدة القبر تشير إلي : ” قبر التاجر جان آرتو رامبو ” ! بعد سبعا وخمسين عاما من وفاته أستبدلت بشاهدة نحاسية مكتوب عليها :
( هنا
10 تشرين الثاني / نوفمبر 1891
عند رجوعه من عدن
الشاعر
جان آرتو رامبو
واجه نهاية
مغامراته الدنيوية ) …

تأخر كثيرا ، إذن ، إعلان الشاعر … لكن التاجر قد أزيح عن الشاهد ، ليبقي في الخلود وفي ضمير العصر ، رامبو الشاعر ، الذي عاش الفتنة في الشعر وجعله في ذاكرته ورؤاه وهجا مضيئا في الخلود ، ذهب التاجر في البياض ، وبقي في الخلود الشعر !

(الحوار المتمدن)