ريشارد كابوشتشينسكي ترجمة: أجنيشكا بيوتروفسكا

عبور الحدود
قبل أن يواصل هيرودوت رحلاته متسلقا المسارات الصخرية، ومبحرا بالسفينة في البحار، وممتطيا الخيل في براري آسيا، قبل أن يلتقي بالسكوثيين غير الموثوق فيهم، ويكتشف عجائب بابل ويسبر أغوار أسرار النيل، قبل أن يتعرف علي المئات من الأماكن أخري، ويري آلاف الأشياء التي لا تصدق، سوف يظهر للحظة في محاضرة عن اليونان القديمة التي تلقيها الأستاذة »بييجونسكي ماوفيست»‬ مرتين في الأسبوع لطلاب التاريخ في السنة الأولي في جامعة وارسو.
سيظهر وسيختفي علي الفور.
سيختفي فورا وتماما إلي درجة أنني الآن، عندما أتصفح بعد سنوات ملاحظاتي في هذه المحاضرات، لا أجد اسمه فيها. هناك إسخيلوس، وبريكليس، صافو، وسقراط، هيرقليطس، وأفلاطون، لكن لا يوجد هيرودوت. علي الرغم من أننا كنا ندون هذه الملاحظات بعناية، كانت هي مصدرنا الوحيد للمعرفة: انتهت الحرب قبل خمس سنوات فقط، وقعت المدينة في حالة خراب، التهمت النيران المكتبات، لذا لم يكن لدينا كتب دراسية، ولا أي كتب عموما.
الأستاذة لها صوت هادئ، ناعم وذو وتيرة ثابتة. عيناها الداكنتان المنتبهتان تنظران إلينا من خلال العدسات السميكة باهتمام واضح. تجلس خلف منضدة عالية وتواجه مئات الشباب، معظمهم لم يكن لديهم أدني فكرة أن سولون كان عظيما، لم يعرفوا من أين جاء يأس أنتيغون ولم يستطيعوا تفسير كيف استطاع ثميستوكليس أن يستدرج الفرس إلي فخ في سالامينا.
في الحقيقة حتي لم نكن نعرف جيدا أين توجد اليونان أو أن البلد صاحب هذا الاسم كان له ماض فريد لا يصدق يستحق أن يتم دراسته في الجامعة. كنا أطفال الحرب، أثناء الحرب كانت المدارس الثانوية مغلقة ولكن أحيانا في المدن الكبيرة يتصادف أن تجد فصولا تعليمية سرية، إلا إنه هنا، في هذه القاعة، كان أغلب الحضور فتيان وفتيات من القري النائية والبلدات الصغيرة، غير واسعي الاطلاع وضعاف التعليم. كان العام 1951، تم الالتحاق بالجامعة بدون امتحانات للقبول، لأنه كانت النقطة الأهم هي نوعية العائلة التي نشأ فيها الشخص – أبناء العمال والفلاحين كانت لديهم فرص أعلي في أن تسجل أسماؤهم في دفاتر الالتحاق.
كانت المقاعد طويلة، مهيئة لجلوس عدد من الطلاب. جلسنا محشورين عليها، كان هناك نقص في عدد المقاعد. علي يساري كان زميلي ز. – فلاح متحفظ كتوم من قرية بالقرب من »‬ردومسكو»، والتي، كما قال لي ذات مرة، يحتفظون في البيوت بقطعة من السجق المجفف لكي تستخدم كعلاج للأطفال في حالة المرض. – هل تعتقد أن ذلك يفيد؟ – سألت بتشكك. – نعم، بالتأكيد – أجاب مقتنعا ثم غاب في صمته من جديد. علي يميني جلس و. النحيف ذو الوجه الضيق المقوس.كان يتأوه بألم عندما يتغير الجو لأنه، كما اعترف لي ذات مرة، تلقي رصاصة في ركبته أصابته خلال معركة في الغابة. ولكن من كانوا الذين يقاتلون هناك ومن الذي أطلق النار علي من، تلك هي الأشياء التي لم يشأ أن يخبرني بها. كان يوجد بيننا بعض الطلاب من عائلات أرقي. كان هؤلاء مهندمين، ملابسهم جميلة والفتيات يرتدين أحذية بكعوب عالية. إلا أنهم كانوا استثناءات صارخة، ظواهر نادرة – الأقاليم الفقيرة الغليظة كانت مهيمنة: المعاطف المجعدة من بواقي الجيش، السترات المرقعة والفساتين من أقمشة البياضات.
>>>
أطلعتنا أيضا الأستاذة علي صور التماثيل الأثرية والرسومات الأغريقية علي الزهريات البرونزية – بأجسادهم الجميلة المثالية ووجوههم النبيلة المستطيلة ذات الملامح الدقيقة. انتموا إلي عالم أسطوري غير معروف. كان عالم الشمس والفضة، الدافئ والمشرق، الملئ بأنصاف الالهة الميثولوجيين النحيلين والحوريات الراقصات. لم نكن نعرف كيف نتعامل معه. نظر ز. إلي هذه الصور صامتا بكآبة. أما و. بوجه مكشر تحسس ركبته المتوجعة. نظر الآخرون بعناية، ولكن بلا مبالاة، غير قادرين علي أن يتخيلوا ذلك الواقع النائي غير الحقيقي. لم يكن هناك حاجة لانتظار ظهور أشخاص في المستقبل الذين سيعلنون صدام الحضارات. لقد كان هذا الصدام يحدث منذ فترة طويلة، مرتين في الأسبوع، في هذه القاعة، حيث تعلمت أنه عاش ذات مرة في زمن سابق يوناني اسمه هيرودوت.
لم أكن أعرف أي شيء عن حياته أو أنه قد ترك لنا كتابه الشهير. أيضا لم نتمكن آنذاك من قراءة هذا الكتاب بعنوان »‬تاريخ»، لأنه في ذلك الوقت كانت ترجمته البولندية محفوظة في داخل خزانة مغلقة. في الحقيقة تمت ترجمة »‬تاريخ» في منتصف الأربعينات من القرن العشرين عن طريق الأستاذ »‬سيفيرين حامر» وقدمه للنشر في دار نشر »‬القارئ». لم أكن قادرا علي تأكيد هذه التفاصيل، لأن جميع الوثائق قد فقدت، لكن الناشر أرسل نص الترجمة في خريف 1951 إلي الكتابة في المطبعة لتصفيف الحروف.
إذا لم يكن هناك أي معوقات، فإن الكتاب المفروض أن يظهر في عام 1952، وأن نجده في أيدينا نحن الطلاب ونحن ندرس التاريخ القديم. إنما ذلك لم يحدث،  لأنه تم إيقاف طباعة الكتاب فجأة. لا توجد وسيلة اليوم لتحديد من الذي أصدر ذلك القرار. الرقابة؟ أظن ذلك، ولكنني لا أعرف بالضبط. يكفي القول بأن الكتاب لم يُطبع إلا بعد ثلاث سنوات – في نهاية عام 1954 وظهر في المكتبات في عام 1955.
يمكنك تخمين سبب التأخير بين إرسال النص إلي المطبعة وظهور »‬تاريخ» في المكتبات. تتزامن هذه الفترة الفاصلة مع الفترة التي تسبق وفاة ستالين والوقت الذي يليها مباشرة. وصل كتاب هيرودوت إلي المطبعة، عندما بدأت المحطات الإذاعية الغربية الحديث حول مرض ستالين الخطير. لم يعرف الناس التفاصيل، ولكن خشوا من موجة جديدة للإرهاب وفضلوا الاحتجاب عن الأنظار، وألا يخاطروا أو أن يعطوا أحدا أي ذريعة، وأن يتمهلوا. كانت الأجواء عصيبة. ضاعفت الرقابة من يقظتها.
لكن هيرودوت؟ وكتابه الذي كُتب منذ ألفين وخمسمائة سنة؟ يالعجب – نعم. نعم، لأن هوس التلميحات هيمن آنذاك وسيطر علي كل تفكيرنا، وعلي طريقتنا في النظر والقراءة تماما. كل كلمة كانت لها ارتباط في ذهننا مع شيء آخر، كان لكل كلمة معني مزدوج، أساس مزيف، أهمية خفية، احتوت كل كلمة علي شيء مشفر سري ومخبأ بمكر. لا شيء كان كما هو في الواقع أو بمعناه الحرفي ولا لبس فيه،  لأنه من وراء كل شيء، كل إيماءة وكلمة ظهرت تلميحة رمزية، حدقت عين تغمز بشكل تآمري. الإنسان الذي كتب كان من الصعب عليه الوصول للإنسان الذي يقرأ ليس فقط لأن الرقابة كانت قادرة علي مصادرة النص في الطريق، ولكن أيضا لأنه عندما وصل النص أخيرا إلي متلقيه، قرأ الاخير شيئا مختلفا تماما عما كان مكتوبا بجلاء، قرأ وسأل نفسه باستمرار: – ما هو الشيء الذي أراد الكاتب حقيقة أن يقوله لي؟
>>>
كما ذكرت، ظهر »‬تاريخ» لهيرودوت في المكتبات في سنة 1955. لقد مرت سنتان منذ وفاة ستالين. أصبح الجو أكثر دفئا، تنفس الناس بحرية أكثر. ظهرت رواية لإيليا ايرنبورغ منذ فترة قليلة وقد أعطي عنوانها اسم لهذه الحقبة الجديدة التي تبدأ الآن – الدفء. بدا أن الأدب هو كل شيء في هذه الفترة. مد الناس أيديهم إليه ليستمدوا القوة للحياة، ويتلقوا الإرشاد والإلهام.
تخرجت من الجامعة وبدأت العمل في صحيفة. يطلق عليها »‬راية الشباب». كنت مراسلا مبتدئا وكانت مهمتي أن أتابع الرسائل المرسلة إلي قسم التحرير. الراسلون اشتكوا من الظلم والفقر، وأن الدولة أخذت بقرتهم الأخيرة أو أن قريتهم لا تزال الكهرباء لم تصل إليها. خففت الرقابة وكان مسموحا بأن تكتب، علي سبيل المثال، أنه في قرية »‬خودوف» يوجد متجر، لكن رفوفه دائما فارغة، لا يمكنك شراء أي شيء منه. اعتمد تحسن الوضع علي أنه عندما كان ستالين علي قيد الحياة، كان ممنوعا أن يُكتب أن أي متجر فارغ – كان المفروض بأن تكون كلها ممتلئة بشكل جيد ومتخمة بالبضائع. تنقلت بمشقة من قرية إلي قرية، ومن بلدة إلي أخري بعربة تجرها الدواب أو بحافلة متهالكة، لأن السيارات الخاصة كانت نادرة، وحتي الدراجة لم تكن سهلة المنال.
قادني أحيانا طريقي إلي القري الحدودية. بيد أن ذلك كان نادر الحدوث. كلما اقتربنا من الحدود فإن الأرض تكون فارغة، ويلتقي الشخص بعدد أقل وأقل من الناس. زاد هذا الفراغ من غموض هذه الأماكن، وأيضا أثارت انتباهي حقيقة أنه في المناطق الحدودية يسود الصمت. اجتذبني وآثارني هذا الغموض وهذا الصمت. كما شعرت بإغراء لأن أري ما عداها، علي الجانب الآخر. تساءلت ماذا يمكننا أن نختبر بعد عبور الحدود. ماذا سنشعر؟ ماذا سنفكر؟ لا بد أنها ستكون لحظة عاطفية عظيمة، مثيرة، وعصبية. علي الجانب الآخر – كيف تبدو  الأمور؟ بالتأكيد – هي مختلفة. ولكن ماذا تعني »‬مختلفة»؟ ما هو شكلها؟ ماذا تشبه؟ قد لا تشبه أي شيء أعرفه، وبالتالي هي غير مفهومة، لا يمكن تصورها؟ إذن، في الأساس، فان رغبتي التي طاردتني وأغوتني وعذبتني، كانت متواضعة عموما، كنت أرغب في شيء واحد – في اللحظة، في الفعل، الحقيقة البسيطة لعبور الحدود. أن أعبر الحدود وأن أعود فورا، إن ذلك كما كنت أفكر، كان سيكون كافيا لي تماما، كان سيشبع جوعي النفسي الشديد للغاية الذي لا يمكن تفسيره.
ولكن كيف يمكن أن أفعل ذلك؟ لا أحد من زملائي في المدرسة والجامعة قد سافر إلي الخارج أبدا. إذا كان لأي شخص علاقة بأي أحد في الخارج، فهو يفضل ألا يتباهي بذلك. حتي أنا شخصيا كنت غاضبا من نفسي بسبب هذا الأغواء الغريب الذي لم يتركني ولو للحظة.
في يوما ما التقيت في ردهة قسم التحرير برئيسة التحرير. كانت امرأة شقراء قوية البنية وشديدة الحسن، بشعر كثيف مصفف إلي الجانب. كان اسمها »‬إيرينا تاروفسكي». قالت لي شيئا بخصوص مقالاتي الأخيرة، ثم سألتني عن خططي للمستقبل القريب. ذكرت بعض القري، حيث كان علي أن أذهب والاعمال التي كانت تنتظرني هناك، ثم استجمعت شجاعتي وقلت: – يوما ما أود جدا أن أسافر إلي الخارج. – إلي الخارج؟ – قالت مستغربة ومرعوبة قليلا، لأن السفر إلي الخارج لم يكن شيئا معتادا في ذلك الوقت. – إلي أين؟ لماذا؟ – سألت. – فكرت في تشيكوسلوفاكيا – رددت. لأنني لم أكن أجرؤ أبدا علي أن أقول باريس أو لندن، لا، لم يثيرا اهتمامي لم أحاول حتي أن أتخيلهما، أردت فقط »‬عبور الحدود» إلي مكان ما، بغض النظر عن نوع الحدود، لأنه ما كان المهم بالنسبة لي، لم يكن هو الهدف ولا الغاية والنهاية، بل كان الفعل الغامض والسامي، لعبور الحدود.
لقد مر عام علي هذا الحديث. رن الهاتف في غرفة المراسلين. دعتني الرئيسة إليها. – تعرف – قالت وأنا واقف أمام مكتبها – سنرسلك. سوف تذهب إلي الهند.
كان رد فعلي الأول هو الذهول. ومباشرة بعد ذلك – الذعر: لا أعلم شيئا عن الهند. كنت أبحث في ذهني بشكل محموم عن بعض الروابط والصور والأسماء. لم أجد: لم أعرف أي شيء عن الهند. (نشأت فكرة رحلتي الي الهند من حقيقة أن قبل بضعة أشهر، زار بولندا أول رئيس وزراء لدولة خارج الاتحاد السوفيتي، زعيم الهند جواهر لال نهرو. تم تأسيس الاتصالات الأولي. كانت تقاريري المفروض أن تقرب ذلك البلد البعيد).
في نهاية هذه المحادثة، التي علمت خلالها بأنني سأخرج إلي العالم، مددت »‬تاروفسكي» بيدها إلي خزانة، وأخرجت منها كتابا وقالت وهي تعطيه لي: – خذ، هدية للطريق. كان كتابا ضخما بغلاف مقوي، مغطي بقماش أصفر. قرأت في المقدمة اسم المؤلف والعنوان المنقوشين بحروف ذهبية: هيرودوت. »‬تاريخ».
المنظر من المئذنة
الجدل بين هيرودوت ومواطنيه ليس حول حقيقة وجود الآلهة (إن الاغريقي ربما لم يستطع أن يتصور العالم دون أولئك الكائنات العليا)، بل حول من منهما استعار من الآخر أسماءه وصفاته. ادعي الإغريق أن آلهتهم جزء من عالمهم المحلي ونشأوا منه، في حين أن هيرودوت كان يحاول أن يثبت أن البانثيون الخاص بهم بأكمله، أو علي الأقل جزء أساسي منه، قد أخذوه من المصريين.
وهنا، من أجل تعزيز رؤيته، فإنه حسب تقديره يصل إلي حجة لا تقاوم – حجة الزمن، الأسبقية والعمر: يسأل أي ثقافة هي الأقدم، اليونانية أم المصرية؟ ويجيب فورا: عندما أتي قبلي الكاتب هيكاتايوس إلي طيبة قدم شجرة عائلته متضمنة خمسة عشر جيلا و الجيل السادس عشر ارتبط بإله، لكن كهنة زيوس تعاملوا معه كما تعاملوا معي، أنا الذي لم أقدم نسبي. أخذوني إلي داخل المعبد، الذي كان كبيرا، وأروني إياه وأحصوا عدد التماثيل الخشبية العملاقة حتي عدد 345 (توضيح – هكتايوس يوناني، والتماثيل مصرية وكل منها ترمز الي جيل واحد). انتبهوا أيها الاغريق، يبدو أن هيرودوت يقول، إن نسبنا يعود بالكاد إلي خمسة عشر جيلا سابقا، أما نسب المصريين – يعود إلي ثلاث مئة وخمسة وأربعين جيلا. إذن من الذي يفترض أنه استعار الآلهة من الاخر، إذا لم نكن نحن الذين استعرنا من المصريين الاقدم منا بكثير؟ ولكي يجعل مواطنيه مدركين بشكل أوضح للفجوة الزمنية التاريخية التي تفصل بين البلدين، يستفيض: والآن ثلاث مائة من الأجيال البشرية تساوي عشرة آلاف سنة، لأن ثلاثة من الأجيال البشرية هي مائة سنة. ويذكر رأي الكهنة المصريين، أنه في ذلك الوقت لم يظهر أي إله جديد في شكل إنسان. هكذا، يبدو أن هيرودوت يختتم، الآلهة الذين نعتبرهم خاصين بنا، كانوا موجودين في مصر منذ أكثر من عشرة آلاف سنة!
ولكن إذا افترضنا أن هيرودوت علي حق، وأنه ليست فقط الآلهة، ولكن الثقافة بأكملها جاءت إلي اليونان (أي إلي أوروبا) من مصر (يعني من أفريقيا)، بالتالي سيكون ممكنا أن تُطرح الحجة عن الجذور غير الأوروبية للثقافة الأوروبية (علاوة علي ذلك يدور جدال حول هذه القضية منذ ألفين وخمسمائة سنة وهو نزاع يطفح بالأيدولوجيا والعواطف). بدلا من أن ندخل الآن في حقل ألغام خطير، دعونا ننتبه لشيء واحد: في عالم هيرودوت، حيث هناك العديد من الثقافات والحضارات بجانب بعضها البعض، العلاقات بينها علاقات متنوعة جدا: نلاحظ مواقف تكون فيها حضارة ما في صدام مع الأخري، ولكن في الوقت نفسه هناك حضارات تحافظ علي علاقات التبادل والامتنان المشترك، والتي تثري بعضها البعض. وأكثر من ذلك، هناك حضارات تحاربت سابقا، واليوم تتعاون مع بعضها البعض، لمجرد أن تجد نفسها غدا، ربما، مرة أخري في حالة حرب. باختصار، فإن التعددية الثقافية للعالم هي في تقدير هيرودوت نسيج حيوي نابض حيث لا شيء يبقي علي حاله المعروف والمحدد للأبد إنما يتحول باستمرار، ويتغير، ويخلق علاقات وسياقات جديدة.
نحن في العام 1960 عندما أري النيل للمرة الأولي. أولا، في المساء، عندما تقترب الطائرة من القاهرة. من علي الارتفاع يشبه النهر في هذه الساعة جذع أسود، لامع متفرع، تحيط به أكاليل أضواء الشوارع وزهور الميادين لهذه المدينة الضخمة والمزدحمة.
في تلك الحقبة كانت القاهرة هي مركز حركات التحرر للعالم الثالث، ويعيش هنا الكثير من الناس الذين غدا سيكونون رؤساء للدول الجديدة. الأحزاب من مختلف أنحاء أفريقيا وآسيا المناهضة للاستعمار مقراتها هنا.
القاهرة هي أيضا عاصمة الجمهورية العربية المتحدة تم تأسيسها قبل عامين (نتيجة لاتحاد مصر وسوريا)، ويرأسها عقيد عمره 42 عاما، جمال عبد الناصر – مصري طويل كبير الحجم، شخصية مسيطرة وذات جاذبية. في عام 1952 أطاح ناصر، وعمره أربعة وثلاثين عاما،  بالملك فاروق، وهو بدوره بعد أربع سنوات، بكونه رئيس الدولة، أصبح قائد مصر. كان له لفترة طويلة معارضة داخلية قوية: حارب ضده الشيوعيون من جهة ومن جهة أخري الإخوان المسلمون – منظمة الأصوليين والإرهابيين المتآمرة. احتفظ ناصر بالكثير من قوات الشرطة في مواجهة القوتين.
استيقظت في الصباح لكي أذهب إلي وسط المدينة الذي كان علي مبعدة. كنت أقيم في فندق في حي الزمالك، حي الطبقة الوسطي، غني إلي حد ما، بُني في الأساس للأجانب، ولكن الآن هو مأهول من قبل أشخاص مختلفين جدا. بما أنني عرفت بأن حقيبتي سوف يتم تفتيشها في الفندق، قررت أن أخرج منها زجاجة بيرة بيلسنر تشيكية فارغة وأرميها في الطريق (في ذلك الوقت ناصر، وهو مسلم متحمس، قاد حملة مكافحة للكحول). أخفيت الزجاجة في كيس ورقي رمادي وخرجت به إلي الشارع. علي الرغم من أن الوقت كان مازال في الصباح، فإن الجو قد صار شديد الحرارة والرطوبة.
بحثت عن سلة للمهملات. ولكن، بينما أنا التفت حولي، التقيت بنظر حارس يجلس علي كرسي أمام الباب الذي خرجت للتو منه. راقبني. أوه،  فكرت، لن أرمي الزجاجة أمام عينه، لأنه سينظر بعد ذلك إلي السلة، وسيجدها ثم سيبلغ شرطة الفندق. ذهبت أبعد قليلا ورأيت صندوقا فارغا. كنت علي وشك أن أرمي فيه زجاجتي، حين رأيت رجلين يرتديان جلابيب بيضاء طويلة. تحدثا مع بعضهما البعض، ولكن في الوقت نفسه بدآ يتفحصاني. لا، لم أتمكن من رمي الزجاجة أمامهما، إنهما سيرياها بالتأكيد، وعلاوة علي ذلك، فإن الصندق لا يصلح لرمي القمامة. لم أتوقف واستمريت في المشي، حتي رأيت سلة، ولكن ماذا في ذلك، بما أنني لاحظت أنه في الجانب، عند البوابة، جلس شخص عربي ونظر إلي بعناية. لا، لا، قلت لنفسي، لا يمكني أن أخاطر، أنه ينظر إلي بشكل مريب جدا. لذا مشيت كأن شيئا لم يحدث وأنا أمسك بالكيس فيه الزجاجة.
لاحقا كان هناك تقاطع،  وقف في وسطه رجل شرطة بعصا وصافرة، وعند إحدي الزوايا جلس شخص ما علي كرسي ونظر نحوي. لاحظت أنه لديه عين واحدة فقط، ولكن هذه العين كانت تحدق في وجهي بإصرار لدرجة أنني شعرت بعدم ارتياح، وحتي إنني بدأت أخشي من أنه سيطلب مني أن أريه ما أحمله في الكيس. أسرعت الخطي لأختفي عن مدي بصره، وفعلت ذلك بحماسة أكثر لأنني رأيت سلة قمامة تتلاعب مثل السراب في الأفق أمامي. للأسف، بالقرب من السلة، في ظل شجرة هزيلة، جلس رجل مسن، وحدق في وجهي.
الآن انعطف الطريق، ولكن بعد الانعطاف كان الوضع كما هو. لم أتمكن من أن أتخلص من الزجاجة في أي مكان، لأنه حينما أنظر حولي، أصطدم في كل مكان بنظر شخص ما تجاهي. كانت السيارات تنطلق في الطريق، الحمير تجر العربات المشحونة بالبضائع، قطيع الجمال الصغير يتمشي متصلبا وكأنه يمشي علي أرجل خشبية ولكن كل ذلك بدا كأنه يحدث في الخلفية، خارج مني أنا الذي كنت أسير طوال الوقت تحت سيطرة نظرات أناس غرباء، الذين كانوا يقفون ويجلسون (في معظم الأحيان)، ويتجولون ويتحدثون ويشاهدون ماذا كنت أفعل. زاد اضطرابي وعرقت بغزارة، تشبع الكيس الورقي بالماء، كنت أخشي أن تنزلق الزجاجة منه وتنكسر علي الرصيف مثيرة للمزيد من الانتباه في الشارع. حقيقة لم أكن أدري ماذا أفعل، لذا عدت إلي الفندق وأخفيت الزجاجة في حقيبتي.
لم أخرج بها مرة أخري إلا في الليل. الليل كان أفضل. قذفتها في سلة ما، وذهبت للنوم مستريحا.
الآن، بينما أنا أتجول في المدينة، بدأت أتفحص الشوارع. كانت جميعها لديها عيون وآذان. هنا بواب ما، هناك حارس، بجوارهما جسم غير متحرك علي كرسي شاطيء، وعلي مبعدة قليلا شخص يقف ساكنا وينظر. العديد من هؤلاء لا يفعلون أي شيء محدد، ولكن أبصارهم تشكل شبكة المراقبة تتقاطع وتتسق بأحكام وتغطي مساحة الشارع بأكمله، بحيث لا يمكن أن يحدث أي شئ دون أن يتم متابعته وملاحظته. ملاحظته والإبلاغ عنه.
الموضوع مشوق – ناس زائدين عن الحاجة في خدمة قوة غاشمة. المجتمع المتطور والمحدد والمنظم هو مجموعة من الأدوار المعينة والمحددة بشكل واضح، ذلك لا يمكن أن يقال عن جزء كبير من سكان المدن في العالم الثالث. أحياءهم بالكامل مليئة بعنصر غير متشكل، مائع، يفتقر إلي التصنيف الواضح والمكانة والموقع والهدف. يتمكن هؤلاء الناس في أي لحظة، ولأي سبب من الأسباب من تشكيل تجمع، حشد، تجمهر، لديه رأي في كل شيء، ولديه وقت لكل شيء، إنه يحب أن يشارك في شيء وأن يعني شيئا، ولكن لا أحد يلتفت إليه ولا أحد يحتاجه.
جميع الديكتاتوريات تنمو علي حساب هذه الحمم البركانية الخاملة. حتي أنها لا تحتاج أن تحتفظ بجيش مكلف من ضباط الشرطة يعملون بدوام كامل. يكفي أن يصل لأولئك الذين يسعون إلي أي شيء في حياتهم. أن يمنحهم شعورا بأنه يمكنهم أن يكونوا مفيدين، أن شخص ما يعتمد عليهم، أنه تم الانتباه إليهم ويمكنهم أن يكون لهم معني.
فوائد هذه العلاقة متبادلة: شخص من الشارع يشعر بأنه جزء من السلطة، بأنه شخص كبير ومهم، وبالإضافة إلي ذلك، أنه عادة ما يؤنبه ضميره بسبب بعض السرقات الصغيرة، والمشاجرات، والاحتيالات، فإنه الآن يكتسب إحساسا مريحا بالحصانة، في حين أن السلطة تجد فيه »‬عميل ميداني» رخيص، وفي الواقع مجاني بل متحمس وموجود في كل مكان. في بعض الأحيان، من الصعب حتي أن نطلق عليه عميلا. لأنه مجرد شخص يريد أن يلفت انتباه السلطة ويتأكد من أنه مرئي، يحاول أن يجذب الأنظار إليه وهو دائما علي استعداد لتقديم خدماته.
مرة عندما خرجت من الفندق إلي الشارع أوقفني واحد من هؤلاء الناس (خمنت بأنه كان من »‬هؤلاء» بما أنه دائما كان واقفا في نفس المكان، المفروض بأن تلك هي منطقته) وقال لي أن أتبعه – سيريني مسجدا قديما. عموما أنا ساذج جدا وأعتبر أن الشك ليس علامة علي الفطنة ولكنه سوء في الخلق، والحقيقة فإن فكرة أن عميل سري يقترح علي زيارة مسجد بدلا من أن يطلب مني أن أذهب معه إلي قسم البوليس، جعلتني مرتاحا للغاية بل وحتي أسعدتني إلي درجة أنني وافقت دون تردد. كان مهذبا، مرتديا بزة أنيقة وتكلم الإنجليزية بشكل جيد. وقال إن اسمه أحمد. – وأنا اسمي ريشارد، ولكن ناديني ريتشارد، سيكون ذلك أسهل بالنسبة لك.
أولا، مشينا. ثم ركبنا حافلة لمدة طويلة. نزلنا. نحن الان في منطقة قديمة – الشوارع الضيقة الصغيرة، الأزقة المسدودة، الساحات الصغيرة الزوايا الضيقة، الجدران المنحنية، الممرات المحشورة، الأسوار الطينية البنية المائلة إلي الرمادية، الأسقف المعدنية المموجة. أي شخص يدخل إلي هنا بدون مرشد، فإنه لن يستطيع أن يخرج. أبواب في الجدران فقط من وقت لآخر، لكنها مغلقة، مقفلة تماما. المكان مهجور. أحيانا تمر امرأة مثل طيف، مجموعة من الأطفال تظهر، ولكن الصغار يتلاشون فورا وهم مرعوبون من صيحات أحمد.
هكذا وصلنا إلي أبواب معدنية ضخمة حيث أحمد دق دقات بترتيب مميز. من الداخل صوت زحف صنادل، ثم يدوي شخللة مفتاح في القفل. يفتح لنا حارس ذو عمر ومظهر غير محدد ويتبادل بضع كلمات مع أحمد. يقودنا عبر فناء صغير مغلق إلي باب المئذنة الغارق تحت مستوي الأرض. الباب مفتوح، وكلا رجلين يومئان إلي بالدخول. ساد في الداخل ظلام كثيف، ولكن أستطيع أن أري الخطوط العامة للسلالم المتعرجة تجري علي طول الجدار الداخلي للمئذنة التي يشبه شكلها مدخنة مصنع كبيرة. إذا نظرنا إلي أعلي سنري نقطة ضوء وهي تبدو من مكاننا كأنها نجمة شاحبة نائية – إنها السماء.
‏We go! – يعلن أحمد بصوت يجمع بين التشجيع والأمر وقد قال لي سابقا أنني سأري من قمة المئذنة القاهرة كلها. – Great view!. لنتحرك. منذ البداية تبدو الأمور سيئة. السلالم ضيقة للغاية وزلقة لأنها مغطاة بالرمال والجص. ولكن الأسوأ من ذلك أنه لا يوجد درابزين، ولا مقابض، ولا مشابك، ولا حبال، لا شيء يمكن التشبث به.
حسنا – نصعد.
لا زلنا نصعد.
أهم شيء – لا تنظر إلي الأسفل. لا إلي الأسفل ولا إلي الأعلي. انظر فقط أمامك، إلي أقرب نقطة، الدرجة التي علي مستوي بصرك. من اجل تعطيل الخيال حيث أن الخيال دائما ما يثير الخوف. كان سينفعني بعض اليوغا، نوع من التانترا والنيرفانا، الكرمان أو الموكشا، شيء سيسمح بألا تفكر، تحس، تكون.
حسنا – نصعد.
لا زلنا نصعد.
المكان مظلم وضيق. منحدر ومتعرج. من هنا، من علي أعلي المئذنة، عندما يكون المسجد مفتوحا، يدعو المؤذن المؤمنين للصلاة خمس مرات في اليوم. هي نداءات مطولة في شكل غناء، أحيانا جميل جدا – سامي، مؤثر ورومانتيكي. غير أنه لا شيء يدل علي أن هذه المئذنة قد استعملت من قبل أي أحد. كانت مكانا مهجورا منذ سنوات، معبأة برائحة العفن والغبار القديم.
لا أعرف إذا كان ذلك بسبب المجهود أم بسبب القلق الغامض المتنامي، فقد بدأت أشعر بالتعب وتثاقلت خطواتي بوضوح، وبدأ أحمد يتعجلني.
‏- Up! Up! – ولأنه كان يسير خلفي، فقد منعني من أي فرصة للتراجع والانسحاب والفرار. لم أتمكن من أن أعود وأتجاوزه – هناك علي الجانب كانت الهاوية. حسنا، لا يوجد مفر، فكرت، لا يسعنا إلا أن نستمر في الصعود.
نصعد ولا نزال نصعد.
كانت السلالم مرتفعة وخطيرة بدون درابزين أو مقابض لدرجة أن أي تحرك مفاجئ لأي واحد منا كان كفيل بسقوط كلانا بضعة طوابق إلي الأسفل. كنا متحدين في عناق متناقض بغير تلامس، إذا لمس أيا منا الاخر، بالتأكيد كان سيطير وراءه.
لكن هذا الترتيب المتناسق تغير لاحقا إلي غير صالحي. هناك في نهاية السلالم، في الأعلي تماما، شرفة صغيرة وضيقة تطوق المئذنة – مكان للمؤذن. عادة ما تكون محاطة بحاجز من القرميد أو الحديد. يبدو أن هذا الحاجز كان معدنيا، وأصابه الصدئ وانفصل بعد قرون عديدة، لأن هذا النتوء الضيق في الجدار لم تكن له حماية. دفعني أحمد إلي الخارج بلطف، وهو مازال واقفا علي السلالم مستندا بأمان إلي الفجوة في الجدار، قال:
‏- Give me your money.
كات نقودي في جيب بنطالي، وكنت أخشي أن أي حركة حتي ولو بسيطة مثل محاولة الوصول إليها ستجعلني اغطس إلي الأسفل. لاحظ أحمد ترددي، وكرر ولكن هذه المرة بنبرة أكثر حدة:
‏- Give me your money!
وضعت يدي في جيبي وبحرص كبير وببطء جدا جدا أخرجت منه محفظتي وأنا أنظر إلي السماء، لمجرد ألا أنظر إلي أسفل. أخذها دون أن ينبس بكلمة واحدة، استدار وبدأ في النزول.
الآن الجزء الأكثر صعوبة كان كل سنتيمتر في الطريق من الشرفة الكشوفة وصولا الي أول درجة من السلالم – مسافة أقل من متر واحد. ثم عذاب النزول إلي الأسفل علي ساقين مرهقتين ثقيلتين، مشلولتين وكأنهما مسمرتين إلي الجدار.
الحارس فتح لي الباب، بينما الأطفال – أفضل مرشدين في هذه الأزقة – قادوني إلي سيارة أجرة.
اقمت في الزمالك لبضعة أيام لاحقة. مشيت إلي وسط المدينة من نفس الشارع. كنت ألتقي بأحمد كل يوم. دائما واقفا في نفس المكان وهو يحرس منطقته.
كان ينظر إلي دون أي انفعالات علي وجهه، كما لو أننا لم نلتق ببعضنا البعض أبدا.
وأنا نظرت إليه أيضا، أعتقد كان ذلك أيضا بدون أي انفعالات، وكما لو أننا لم نلتق ببعضنا البعض أبدا.

الصحراء والبحر
أنحي جانبا الحرب اليونانية الفارسية لبعض الوقت بما فيها من مسيرات لا نهاية لها للقوات الهمجية ومجادلات اليونانيين المشاكسين حول من هو الأهم بينهم وقيادة من فيهم ينبغي أن يعترف بها، لأن سفير الجزائر »‬جودي» اتصل بي للتو قائلا إن »‬ربما يجدر بنا أن نلتقي». عادة ما تخبئ عبارة »‬ربما يجدر بنا أن نلتقي» نوع من الوعد، شيء مشجع ما، أمر يستحق الاهتمام والانتباه الدقيق. إنها كأن يقول لك أحد: قابلني، لدي شيء لك، لن تندم”.
كان لدي جودي مكان إقامة رائع – فيلا بيضاء عليلة النسيم، بُنيت علي طراز العمارة المغاربية القديمة الفخم وتم تشييدها بطريقة تجعل الظل يقع في كل مكان، حتي في الأماكن التي من المفروض منطقيا أن يكون فيها ضوء الشمس الساطع. جلسنا في الحديقة، من وراء السور المرتفع كان يجيئنا صوت المحيط. كان وقت المد واندفعت من مكان ما في أعماق البحر، من خارج الأفق، موجات هائلة كانت تتكسر بالقرب منا لأن الفيلا تقع مباشرة عند الماء، علي شاطئ صخري منخفض.
أثناء لقائنا تحدثنا عن كل شيء، ولكن ليس عن أي شيء مهم، حتي أنني في لحظة ما بدأت أسأل نفسي لماذا دعاني إلي منزله، ثم فجأة قال:
– أعتقد أنه يجدر بك ان تشد الرحال إلي الجزائر. ربما تجد هناك ما يثير اهتمامك الآن. إذا اردت، سأعطيك تأشيرة.
فوجئت مما قاله. كان العام 1965 وفي الجزائر لم يحدث أي شيء ذو أهمية. استقلت الدولة منذ ثلاث سنوات، ترأسها شاب ذكي مدعوم شعبيا – أحمد بن بلا.
لم يرد جودي أن يقول لي أكثر من ذلك، ولأن توقيت صلاة العشاء قد اقترب ولكونه مسلم، أخرج للتو مسبحته وبدأ في تحريك خرزها الزمردي بأصابعه، حتي أنني أدركت بأنه جاء وقت المغادرة. وقعت في معضلة. إذا اتجهت إلي الوطن للحصول علي تصريح بالرحلة، سيبدأون في طرح أسئلة – لماذا، لأي غرض، ما هو السبب، إلي آخره. في حين أنني لم تكن لدي أية فكرة لماذا يفترض علي أن أذهب إلي هناك. ومن جهة أخري، كان التجوال عبر نصف أفريقيا وبلا سبب يعتبر عصيانا كبيرا، بالالتفات الي الخسائر مالية، حيث أنني كنت أعمل في وكالة أنباء تحسب كل مليم ولا بد من تبرير أقل إنفاق باسهاب.
ولكن بسبب الطريقة التي قدم لي بها جودي اقتراحه، وفي لهجة صوته المشجعة، كان هناك شيئا مقنعا جدا، وحتي – به إصرار، قررت أن أخاطر وأسافر. طرت من دار السلام عبر بانغي، وفورت لامي وأغاديس، وفي هذه الطرق الملاحية الجوية تكون الطائرات صغيرة وبطيئة وحتي في أقصي ارتفاع لطيرانها تكون منخفضة، بالتالي الطريق فوق الصحراء يكون مليئا بمناظر ساحرة – أما ملونة بالبهجة، أو كئيبة قاتمة بشكل رتيب، رغم أنه ستظهر هناك فجأة، علي النقيض، في وسط وحشة مقمرة واحة خضراء ومكتظة بالسكان.
كان مطار الجزائر فارغا ومغلقا. إلا أن طائرتنا سمح لها بالهبوط لأنها كانت تنتمي إلي الخطوط الداخلية. أحاط بها علي الفور جنود يرتدون الأزياء المموهة الرمادية والخضراء ورافقونا – عدد من الركاب – إلي مبني زجاجي. لم تكن مراجعة جوازات السفر شاقة وكان الجنود مهذبين، علي الرغم من أنهم كانوا قليلي الكلام. قالوا فقط إنه حدث انقلاب بالليل،  »‬تم عزل الطاغية»، واستولت هيئة الأركان العامة علي السلطة. – الطاغية – أردت أن أسأل؟ أي طاغية؟ رأيت بن بلا قبل عامين في أديس أبابا وبدا رجلا مهذبا بل وحتي لطيفا.
المدينة كبيرة ومشمسة، تمتد علي الخليج علي نحو واسع وبشكل متدرّج. لا بد من الصعود أو النزول باستمرار. شوارع أنيقة فرنسية وشوارع مكتظة عربية. يسود مزيج بحر متوسطي في العمارة والملابس والعادات. كل شيء يتلألأ، يفوح بالرائحة، يسكر ويرهق. كل شيء يثير الاهتمام، يجذب ويسحر، لكنه أيضا يبعث علي القلق. إذا شعرت بالتعب، يمكنك الجلوس علي واحدة من مئات المقاهي العربية أو الفرنسية. يمكنك أن تتناول الطعام في واحدة من مئات من الحانات أو المطاعم. بما أن البحر قريب، فإنه ملئ بالأسماك وبثراء لا حصر له من المأكولات البحرية – القشريات، ذوات الصدفتين، رأسيات القدم، الأخطبوط والمحار.
لكن الجزائر هي في المقام الأول مكان للالتقاء والتعايش المتبادل لثقافتين – المسيحية والعربية. تاريخ هذا التعايش هو تاريخ المدينة (التي، علاوة علي ذلك، لا تزال لديها حقبة طويلة فيما قبل التاريخ – الفينيقية واليونانية والرومانية). من يتمشي،  إما في ظل كنيسة، أو مسجد، فإنه يدرك باستمرار الحد الفاصل بين هاتين المنطقتين.
مثلا – وسط المدينة. جزءه العربي يطلق عليه قصبة. يُدخل إليها من خلال الصعود علي سلالم واسعة، وحجرية، تعد بالعشرات. لكن المشكلة ليست في السلالم، بل في الغرابة التي يزداد الإحساس بها كلما تعمقنا في أركان القصبة. لكن هل نحن فعلا ننظر ونتعمق في الأركان؟ أم بالأحري، نحاول أن نعبر في أسرع وقت ممكن، أن نحرر أنفسنا من احساس بالحرج، لأننا نمشي ونحن نلاحظ العشرات من أزواج العيون الثابتة التي تحدق فينا من كل صوب باهتمام ملح؟ أم ربما نحن مجرد نتصور ذلك؟ ربما نكون مفرطي الحساسية؟ لكن لماذا نكون مفرطي الحساسية في القصبة بالتحديد؟ لماذا نكون غير مبالين إذا حدق فينا أحد في شارع فرنسي؟ لماذا لا يزعجنا هذا في شارع فرنسي علي عكس الحال في القصبة يضايقنا؟ بعد كل شيء فإن كل العيون متشابهة، كما هو حال التحديق، إلا أننا نتعامل مع كلتا الحالتين علي محمل مختلف تماما.
عندما نعبر القصبة أخيرا ونجد أنفسنا في حي فرنسي، فإنه ليس بالضرورة أننا سنتنفس الصعداء بارتياح، ولكن بالتأكيد سوف نشعر بخفة أكثر، بطمأنينة واسترخاء أكثر. ولماذا لا نستطيع السيطرة علي هذه الاحساسات والعواطف المستترة أو حتي اللاواعية؟ علي مدار آلاف السنين وفي كل العالم – لم نستطع؟
الأجنبي الذي وصل معي في نفس اليوم إلي الجزائر، لم يكن سيدرك بأنه في الليلة السابقة قد وقع هنا مثل هذا الحدث الهام وهو الانقلاب، وبأن بن بيلا المشهور عالميا تمت تنحيته وحل محله شخص غير معروف بالنسبة للجميع و – كما سيتضح – ضابط منكمش علي ذاته وقليل الكلام، قائد الجيش – هواري بومدين. تم تنفيذ العملية بأكملها ليلا، بعيدا عن مركز المدينة، في منطقة سكنية مخصوصة معروفة باسم »‬حيدرة»، في ذلك الجزء الذي تحتله الحكومة والجنرالات، وهو غير سهل الوصول للمارة العاديين.
لم تُسمع طلقات نار أو انفجارات في المدينة نفسها، لم تكن هناك دبابات في الشوارع ومسيرات للجيش. في الصباح الناس كعادتهم تمشوا أو ركبوا للعمل، أصحاب الدكاكين فتحوا محلاتهم، الباعة فتحوا أكشاكهم، بينما النوادل دعوا المارة للقهوة الصباحية. البوابين رشوا الشوارع بالماء ليعطوا المدينة قليلا من الرطوبة المفيدة قبل مجيء حرارة الظهيرة اليومية. الحافلات زأرت بشدة وهي تحاول أن تصعد إلي شارع شاهق ما.
طيلة الوقت كنت مكتئبا وغاضبا من جودي. لماذا حثني علي هذه الرحلة؟ لماذا جئت إلي هنا؟ ماذا سأكتب من هنا؟ كيف سأبرر وصولي؟ وأنا مغموم، رأيت فجأة في شارع محمد الخامس حشد يتشكل. هرعت إلي هناك. للأسف كان هؤلاء مجرد مارة يحدقون ببلاهة نحو مشاجرة لسائقين اصطدما ببعضهما عند التقاطع. في الطرف الآخر من الشارع رأيت تجمع الآخر. وهرولت أيضا إلي هناك. لكنهم كانوا مجرد الناس ينتظرون بصبر فتح مكتب البريد. كان دفتر ملاحظاتي فارغا، بدون أي حدث.
لكنني بدأت أدرك هنا، في الجزائر، بعد عدة سنوات من عملي كمراسل، بأنني أسير في الطريق الخطأ. طريق السعي للحصول علي صور مذهلة، وتوهم أنه يمكن من خلال الصورة أن نتملص من محاولة فهم أعمق للعالم، وأنه لا يمكن تفسيره إلا من خلال ذلك الشيء الذي أرادت أن تظهره لنا في ساعات تشنجاتها المتقطعة، عندما تهتز من الطلقات والانفجارات وتنغمس في النيران والدخان، الغبار ورائحة الاحتراق وكل شيء يتحول إلي حطام يجلس عليه اليائسون المنحنيون فوق جثت أقربائهم.
ولكن كيف حدثت هذاه المأساة؟ عن ماذا تعبر مشاهد الدمار الممتلئة بالصراخ والدم؟ أي قوي داخلية غير مرئية وقادرة أدت إليها؟ هل هذه المشاهد نهاية أم بداية شيئا ما، نذير للتوترات والصراعات المقبلة؟ ومن الذي سوف يتابعها؟ نحن المراسلون والصحفيون – لا. ما أن يبدأ دفن القتلي في موقع الحادث، ويزال حطام السيارات المحروقة ويكنس الزجاج المتناثر من شوارع، فأننا سنحزم حقائبنا وسنغادر، إلي حيث تحترق السيارات، ويكسر الزجاج في الفاترينات ويدفن الضحايا في القبور.
ألا يمكن تدمير ذلك التنميط، تجاوز هذه السلسلة من الصور ومحاولة الوصول إلي العمق؟ ولأنني غير قادر علي الكتابة عن الدبابات وعن السيارات المحترقة والمتاجر المحطمة حيث لم أر شيئا من ذلك، وبما أنني أردت أن أبرر رحلتي غير المصرح بها، شرعت في البحث عن خلفية الانقلاب ودوافعه الأساسية، وتحديد ما يكمن وراءه وماذا يعني، أي أن أتحاور، أشاهد الناس والمكان، وأن أقرأ – باختصار محاولة لفهم أي شيء.
حينها فقط رأيت الجزائر باعتبارها واحدة من أكثر الأماكن سحرا ودراماتيكية في العالم. لقد تقاطع علي هذه المساحة الصغيرة من المدينة الجميلة المزدحمة صراعان كبيران للعالم المعاصر: أولهما – بين المسيحية والإسلام (الذي يعبر عنه هنا صدام فرنسا الاستعمارية مع الجزائر المستعمرة)، والثاني – الذي ازدادت حدته علي الفور بعد رحيل الفرنسيين والحصول علي الاستقلال – صراع في قلب الإسلام ذاته – بين تياره المفتوح، التحاوري، ويمكنني أن أقول -تيار البحر المتوسط، وبين تيار مغلق، مولود من الشعور بالشك والارتباك تجاه العالم الحديث مستغلا التكنولوجيا ومبادئ التنظيم الحديثة، تيار الأصوليين الذين يعتبرون الدفاع عن العقيدة والعادات شرط لوجودهم أنفسهم، والهوية الوحيدة لهم.
الجزائر، التي كان منبتها في وقت هيرودوت قرية لصيد الأسماك ثم ميناء للسفن الفينيقية واليونانية، تواجه البحر، ولكن علي الظهير الآخر من المدينة، وراءه مباشرة،  تبدأ منطقة صحراوية ضخمة تسمي »‬بليدة»، وهي أرض تابعة لشعوب يعتنقون قوانين الاسلام القديم المغلق. يمكننا أن نتحدث في الجزائر عن وجود نوعين من الإسلام – واحد الذي يسمونه إسلام الصحراء، والثاني الذي يعرّف بإسلام النهر (أو البحر). الأول هو الدين الذي يمارسه القبائل الرحالة العدوانية التي تكافح من أجل النجاة والبقاء علي قيد الحياة في بيئة أكثر عدائية للإنسان وهي الصحراء، والإسلام الثاني – إسلام النهر (أو البحر) – هو إيمان التجار، الباعة المتجولين، ناس الطريق والسوق، حيث يكون الانفتاح والحلول الوسط والمقايضة بالنسبة لهم ليست مجرد مسألة أرباح تجارية، بل شرط ضروري للوجود ذاته.
تحت الاستعمار اتحد هذان التياران من خلال عدو مشترك، ولكن بعد ذلك حدث الصدام.
كان بن بيلا رجل البحر المتوسط، تربي علي الثقافة الفرنسية، بعقل متفتح وخلق توافقي، سماه الفرنسيون المحليون في أحاديثهم مسلم النهر والبحر. بومدين، علي العكس، كان قائد الجيش الذي قاتل لسنوات في الصحراء، وكانت قواعده ومعسكراته هناك، جند عساكره من هناك واستفاد من دعم ومساعدة البدو وسكان الواحات والجبال الصحراوية.
اختلف كلا الرجلين حتي في مظهرهما. كان بن بيلا دائما مهندما، أنيقا، رفيع الخلق، مهذبا، وبشوشا. عندما ظهر بوميدين بعد أيام قليلة من الانقلاب لأول مرة علي الملأ، بدا وكأنه سائق دبابة قد نزل لتوه من مركبته المدفونة في رمال الصحراء. حتي أنه حاول أن يبتسم، ولكن كان من الواضح أنه لم ينجح في ذلك، لم يكن ذلك من طبيعته.
في الجزائر رأيت لأول مرة البحر الأبيض المتوسط. رأيته عن كثب، كان يمكنني أن أغمس يدي في داخله وأشعر بلمسته. لم يكن من الضروري أن أسأل عن الطريق، كنت أعرف أنه بمجرد أن أبدأ في النزول سوف أصل أخيرا إلي البحر. بالإضافة إلي ذلك، كان من الممكن رؤيته عن بعد، كما لو أنه كان موجودا في كل مكان متألقا من وراء البيوت المختلفة وظاهرا في نهاية الشوارع المنحدرة.
في الأسفل جدا كانت منطقة الميناء، بصفوف من المقاهي الخشبية البسيطة تفوح منها رائحة السمك والنبيذ والقهوة. ولكن هبات الرياح كانت محملة قبل كل شيء برائحة البحر اللاذعة – انتعاش خفيف ومهدئ.
لم أكن أبدا في مكان حيث الطبيعة طيبة تجاه الإنسان إلي هذه الدرجة. لأنها هناك منحت كل شيء دفعة واحدة – الشمس وبرودة النسيم وصفاء الجو وفضية البحر. ربما بدا لي البحر مألوفا جدا لأنني قرأت عنه كثيرا. كانت في أمواجه الناعمة صفاء وهدوء وشيء مثل دعوة للسفر والتجربة. يشعر الشخص برغبة شديدة في الانضمام لهذين الصيادين اللذين انطلقا للصيد وهما يقلعان بالمركب الآن.
عدت إلي دار السلام، ولكنني لم أجد جودي. قالوا لي أنه استدعي إلي الجزائر، وأظن لأنه كان أحد المشاركين في المؤامرة المنتصرة – فإن تلك النقلةكانت تعني ترقية. علي أية حال، لم يعد إلي هنا أبدا. كما أنني لم ألتق به مرة أخري، لذا لم أتمكن من أن أشكره علي أنه شجعني علي هذه الرحلة. كان الانقلاب العسكري في الجزائر بداية لمجموعة وسلسلة كاملة من الانقلابات المماثلة والتي لربع قرن قادم أهلكت دول ما بعد الاستعمار الشابة في القارة. اتضح أن تلك الدول منذ البداية ضعيفة، وبقت العديد منها علي حالتها حتي يومنا هذا.
وعموما، بفضل هذه الرحلة وقفت لأول مرة علي شاطئ البحر الأبيض المتوسط. وبدا لي أنه منذ تلك اللحظة فهمت هيرودوت بشكل أحسن قليلا. تفكيره، وفضوله، وكيف رأي العالم.

((أخبار الأدب))