“اللغة المقنَّعة” يقدم أجيالا شعرية أهملها النقد، والشاعر والسلطة كلاهما يحتال على الآخر.

السياب كتب شعرا ونازك الملائكة انشغلت بالتنظير

 

 

على مدى أحد عشر فصلا يناقش كتاب “اللغة المقنَّعة” للناقد ناظم عودة الشعر العراقي الحديث، مقدما الكثير من الآراء حول موضوعات خلافية فيه، كأهمية وقوف الشاعر مع قضايا شعبه حتى لو كلفه ذلك التضحية بقيم جمالية، وقيم فنية، باستخدامه الترميز اللغوي، لتمرير مواقف مغايرة لما تراه السلطة صحيحا وواجبا. وكذلك الريادة الشعرية للشعر الحر بين شعراء كنازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وخلافات الأجيال الشعرية التالية، التي كتبت قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.

شعراء وشعراء

تناول الكتاب، الصادر عن دار كنوز المعرفة بالأردن، فترة تاريخية مفصليّة في تاريخ الشعر العراقي لثلاثة أجيال شعرية، وأزاح اللثام عن لغة الشعراء العراقيين المقنَّعة في شعرهم، منذ خمسينات القرن الماضي وإلى يومنا الحالي. فيما اعتذر الناقد لكون النماذج المطروحة في كتابه هي مما توفر له من مصادر عن موضوعه، كونه يعيش بعيدا عن بلاده ومكتبته ومصادره.

من المقولات الشائعة التي تداولها نقاد الشعر  أن الشعراء الأقل موهبة، هم الأكثر شهرة في الحياة، وعندما يموت أحد هؤلاء سيتوقف ذكره بعكس الشعراء الأُصلاء، الذين تبدأ شهرتهم الحقيقية بعد الموت.

ويبطل العجب من هذه المقولة عندما نعرف أن الشعراء الأقل موهبة أكثر احتكاكا بغيرهم. تجدهم حاضرين في كل مناسبة وهم أهل إدارة جيدين للترويج عن أنفسهم وشعرهم. وتجد شعرهم منشورا في مجلات السلطة، وفي ملفات شعراء المعارضة. فليس غريبا أن يكتب النقد عن بعض النماذج من الشعراء، الذين لم يكونوا بالمستوى والنضج الشعري المقبول في ذلك الوقت.

الشاعر والسلطة كلاهما يراقب الآخر ويتقنّع، فيما يخلف هذا الصراع ركاما من الكلمات، وهذه سنة الأدب على مر العصور

وقسم من هؤلاء كانوا أصحاب كتابات مباشرة لا تقنّع فيها. وكلما قرأ القارئ، المُلّم بأدب وأسماء الشعراء في العراق، فصلا فيه اسم ونصوص لواحد من هؤلاء شعر بمشاعر القطة الجائعة، التي يقدم لها المُخلّل كطعام. في حين وللأسف يترك النقد الجاد شعراء آخرين أحقّ، وأجدر بالدراسة، كون شمولهم في دائرة البحث قد يعطي أسبابا معرفيّة حقيقية لانزواء الشعر العراقي في هامشه الحالي الضيق، وفقدانه ريادته الشعرية السابقة، كما في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي.

ومن الشعراء العراقيين، الذين خرجوا عن دائرة بحث الكاتب، ولهم الكثير من النماذج الشعرية، التي ينطبق عليها استعمال شعرائها “اللغة المقنَّعة” يذكر الناقد الشعراء سعدي يوسف، بلند الحيدري، محمود البريكان، عبدالرزاق حسن، زكي الجابر، كاظم نعمة التميمي، حسين عبداللطيف، عبدالخالق محمود، أديب كمال الدين، عيسى الياسري وغيرهم.

ويواصل بحثه حول شعراء آخرين مثل بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، عبدالوهاب البياتي، سامي مهدي، فاضل العزاوي، باسم المرعبي، صادق الصائغ، عقيل علي، خالد جابر يوسف، شاكر لعيبي، خزعل الماجدي، محمد تركي النصار، عدنان الصائغ، زاهر الجيزاني، ياسين طه حافظ، حسن النصار، حسين علي يونس وغيرهم.

لكي نبعد الغموض الشعري كتسمية عن مباحث الكتاب، الذي رأى فيه بعض النقاد إضافة جمالية للقصيدة الحديثة، هو الغموض المقصود من الشاعر، لإعطاء القصيدة مدلولات جديدة يضيفها القارئ للقصيدة، وليس للغموض أي علاقة بترميز اللغة، الذي قصده عودة في كتابه، ولكن في العديد من الفقرات التي جاءت في الكتاب سيذهب ذهن القارئ إلى ربط اللغة المقنَّعة التي ترد في بعض قصائد الشعراء بمسألة الغموض الشعري الجمالي. وكنا نأمل من الباحث بفقرات مضافة إلى المتن توضح الفرق بين التسميتين لمنع اللّبس.

بحث نقاط خلافية
بحث نقاط خلافية

ترميز اللغة

تناول الناقد مقدمة ديوان “أساطير” للسياب، معتبرا أنّ المزاج النقدي ما بين شاكر السياب ونازك الملائكة مختلف، فهو بخلافها لم ينشغل بالتنظير لحركة الشعر الحرّ، وإنما ظلّ منشغلا بتأمل حياته المأساوية، والنظر إليها من خلال النص. ولكن في الحقيقة إن مقدمة ديوان أساطير جاءت كتنظير لمسألة الشعر الحرّ، ورؤية مركزة للشاعر حول الموضوع، لأنَّه لم يكن معنيا بغير النص بينما كانت الملائكة أستاذة جامعية، حرصت على التنظير أكثر من كتابة النص الشعري بفعل أستاذيتها الجامعية.

وفسر عودة ماذا يعني بـ”اللغة المقنَّعة” بقوله “من الناحية النظرية، حيثما وجدت المراقبة، فسيكون ثمة ترميز للغة الشعرية، اصطلحنا عليه: اللغة المقنّعة”.

واعتبر أن هناك نشاطين لهذه الثيمة: نشاط الترميز، أي نظام الشفرة المقنَّعة. ونشاط الفهم أو إدراك شفرة ذلك الترميز، وهو ما تقوم به عين المراقبة، أي عين السلطة.

والنشاطان يحركهما غرض واحد: هو الحفاظ على النوع، نوع السلطة، ونوع الخطاب، وهكذا ستكون، موسومة بطابع الصراع، كلاهما يحتال على الآخر، كلاهما يراقب الآخر، كلاهما يتخفى “يتقنّع” ويحترز، فيما سيخلف هذا الصراع ركاما من الكلمات، وهذه سنة الأدب على مر العصور.

وتحدث الكاتب عن الخطاب الضمني في النصوص، كما في المرويات التاريخية لدى العرب. إذْ كان التلاعب بالسرد قاعدة طاغية في نظام تلك المرويات. كما تناول عودة قصائد من التراث الأموي، كقصائد ابن قيس الرقيات الزبيري، الذي اصطنع أسلوب الغزل السياسي أوما يسمى بـ”الغزل الكيدي” للنيل من الأمويين.

وتطرق الناقد كذلك إلى التراث النثري في فترة الخلافة العباسية وبعدها، كحكايات كليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة، والنصوص النثرية التي تكتب عادة في ظل توتر العلاقة بين الكاتب والسلطة بمختلف أنواعها. كما في مقامات بديع الزمان الهمذاني.

وتناول الناقد كذلك عددا من قصائد شعراء عراقيين حداثيين متتبعا ثيمة التقنيع مثل ما هو الأمر في قصيدة “سائق القاطرة” لعلي نوير، وهكذا مع بقية الشعراء الذين
اختارهم الباحث في كتابه لوضع اللغة المقنَّعة في شعر كل واحد منهم تحت المجهر النقدي.