■ علم الآثار علم قائم بذاته، وهو يُعنى من بين ما يُعنى به؛ ترميم الماضي وما فسد من آثاره وتفرق؛ بعلاجها وصيانتها. وله فروع مثل الكيمياء والجيولوجيا وغيرهما؛ لأنه يتعلق بمواد عضوية وغير عضوية من منسوجات وأخشاب وبردي وفخار وزجاج ونقوش ومعادن مثل الذهب والفضة والبرونز والحديد وغيرها.
وأقدر أن شعرنا القديم يحتاج إلى مثل هذا الترميم، عسى أن نعيد ترتيب علاقتنا به، ولا نأخذ بالمسلمات والسمعيات المقررة؛ كلما تعلق الأمر بشفويته أو كتابته. والحق أن العرب القدماء أتوا صنيعا كهذا، ولعلهم سبقوا المحدثين في تدوين الشعر على أسس علمية؛ ثم كان علم الحديث وما هو من باب الجَرح والتعديل، موردا سائغا «للرواة المصححين» يأخذون منه ما ناسب رواية الشعر، ومت إليها بما هو حظها منه وذريعتها إليه، وإن لم يأخذوا في كل الروايات بمنهج المحدثين الصارم في تحقيق السند وتدقيق المتن، بل نجدهم يسلسلون أسانيدهم تارة، ويضيقون بها أحيانا، ويثبتون صيغ الأداء ووجوه التحمل في مواضع ويغفلونها إغفالا يكاد يكون تاما في أخرى. فنقف من ذلك كله على طرق ومناهج في رواية الشعر العربي ما نكاد نطمئن إليها، حتى تساورنا من أمر اضطرابها واختلافها ريبة غير يسيرة. ولا يذهبن بنا الظن بعيدا فنتوهم أن بميسورنا أن نجلوها كاملة غير منقوصة، فنرأب صدعا في نص القصائد التي حملتها الروايات المختلفة، ونسد ثلمة، أو نسترد الأصل في جزئياته وتفاصيله. فهذا مطلب لا ريب، بعيد المنال. قد نهمل رواية مجهولة ونسترسل إلى أخرى منسوبة موثقة، وقد ننحي الضعيفة ونبقي الأقوى فنفترض عليها شتى الافتراضات، ونثق بعض الثقة من أن أمورها تسير على أصول من المنطق والتعليل؛ ولكننا حتى في هذه الحال لن نظفر إلا بنص مضطرب قلق. وليس لنا إزاء ذلك إلا أن نتقبل النص كما صنعه رواته ومدونوه. لكن ربما استطعنا بالنسبة إلى بعض القصائد التي تُروى روايات عديدة أن نعيد الترتيب الأصلي للأبيات وأن نفرز المنحولات، وأن نسترد الصورة القديمة بوجه عام. أما في التفاصيل فلن نستطيع أبدا أن نتجاوز الرواية المنقولة. والمتواتر في الدراسات الجاهلية عند العرب والمستشرقين، أن الرواية الشفهية في ثقافة ما قبل الإسلام وفي الثقافة العربية عامة جزء من الشعر، لا ينفصل عنه ولا يفارقه. فقد اتخذها شعراء الجاهلية ذريعة من ذرائع ذيوع القصيدة ووسيلة من وسائل نشرها. على أن الكتابة «لم تكن شيئا نادرا في بلاد العرب كما يفترض عامة، ذلك أننا حين نقرأ أشعار الشعراء التي وصلت إلينا، فإننا نجد فيها مرار إشارات إلى الكتابة… كما نجد أن فن الكتابة بلغ درجة معينة من الكمال، وأنه كان لدى الشعراء إحساس بجمال الكتابة المزوقة». كما يقول المستشرق الألماني فريتس كرنكوف (1872/ 1953).
٭ ٭ ٭
أقف في هذا المقال على نص منقوش هو على ما أرجح بيت ونصف بيت، وليس بيتيْن؛ وقد يكون من أقدم ما دون العرب من شعر يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد. على أن الذين حققوا هذا الشعر أو رمموه من مستشرقين وحتى من العرب، لم يحالفهم التوفيق في نقله موزونا، كما جاء في أصله. وهذا الشعر جاء في نقش عين عبدات النبطي في صحراء النقب جنوب فلسطين، وأنا أستأنس في هذا الصدد، بدراسة سعد الدين أبو الحب خاصة، على الرغم مما شابها من أخطاء لغوية من حيث الصياغة العربية؛ مما أشير إليه لاحقا. وأول من عالج هذا النقش هو إبراهام نقب أستاذ علوم الآثار في الجامعة العبرية في القدس عام 1986 وذكر أنه نقش اكتشف عام 1979 في النقب في عين عبدات، وهي مدينة نبطية كانت تجاذب البتراء مكانتها، وكان لها شأن منذ بنائها في القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن السابع ميلادي. ولا يعنيني في هذا السياق أن أخوض في هذه التفاصيل التاريخية، وإنما يعنيني هذا الشعر الذي جاء منقوشا في خمسة أشطر (وليس أسطر أو سطور كما جاء في الدراسة المذكورة)؛ وكتب الأول والثاني والثالث والسادس وهو توقيع، بالآرامية، وأما الرابع والخامس فكتبا بالعربية النبطية. وفي رسالة ناصر الدين الأسد «مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية» إشارات دقيقة إلى النقوش النبطية على قلتها، وإلى الوثائق التاريخية الجاهلية والإسلامية، خاصة الجانب الخطي المتصل بصورة الحروف وأشكالها. وقد بين أن الخط العربي الخالي من النقط والإعجام مشتق من الخط النبطي، وأن العرب كتبوا به قبل الإسلام بقرون.
ساق المستشرقون (مقال ج.أ. بلمي منشور عام 1990، ومقال روبارت. ج. هويلاند عام 2001) أكثر من «تخريج» للأصل العربي النبطي، ومع ذلك ظل هذا الأصل منغمسا في الشبهات، ويكاد لا يصله بالشعر العربي وزنٌ أو إيقاع، فضلا عن اختلال لغته. ولعل مرد ذلك إلى عدم وضوح الخط النبطي وخلوه من النقط والإعجام، أو سوء فهم للأصل، أو النقل الخاطئ. من ذلك مثلا هذا «التخريج»:
«فيفعل [الإله عبدات] لا فدي ولا أثر فكان إن يبغنا الموت لا أبغه
فكان أن أراد جرح لا يُردِنا»
وقد عدل أبو الحب قراءة المستشرق بلمي، وساق تخريجه على النحو الآتي:
فيفعل لا فِدًا ولا أثرا / فكان هنا يَبْغِنا
الموتُ لا أبغَه/ أدَدُ جرحٌ لا يرْدِنا
والغريب أن يقول إن قراءته هذه منسجمة شعريا ونحويا، والحق ليس فيها شيء من هذا؛ إذ الصواب لغة» يبغينا» وليس «يبغِنا»، و«لا أبغيهِ» وليس «لا أبغَهُ»، و«يرْدينا» وليس «يرْدِنا»؛ فقد كان هذا يستقيم له لو استخدم صيغة الشرط، وجعل ترتيب الفعل الثاني أي الجواب من ترتيب الفعل الأول.
هذا الشعر يمكن أن يُحمل على الدعاء بحسن الذكر، يتوجه به إلى الإله عبدات شخص يُدعى «جرهم إلهي» أو هو تعويذة. ويفترض بلمي أن هذا الرجل أو الشاعر على ما نؤْثِر، أصيب بجرح؛ ثم نجا من الموت، فأقام صنما لإلهه، ونقش هذا الشعر. والمسوغ لذلك لفظ «الفدا» أو»الفدى» أو»الفدي»، وهي مصادر فدى، وكانت العرب تريد به الدعاء والتحبب والثناء. وقد يعزز من وجاهة هذا الطرح لفظ «أثر» في النص المنقوش، والهمزة والثاء والراء لها ثلاثة أصول كما يقول ابن فارس في «مقاييس اللغة»: تقديم الشيء، وذكر الشيء ورسم الشيء. والمعنى الأول»التقديم» والمقصود به»التقدِمة» في السياق الذي نحن به، هو الذي يناسب تماما لفظ»فدا» أو»فدي» أو»فدية»:
«وعندما يقصدنا الموت لا تدعْه يقصدني، وعندما يصيبُ مرضٌ أو جرح، لا تدعْه يصيبنا».
والأقرب إلى الظن أن مدار هذا الشعر على فكرة الموت المحتوم الذي لا ترده فدية ولا إثرة، إذ هو يطلبنا جميعا ويبلغنا جميعا.
إلا أن سعد الدين أبو الحب ذكر في خاتمة مقاله أنه عرض قراءته على ثلاثة شعراء عراقيين معروفين: سعدي يوسف الذي رجح أن البيتين على البحر البسيط، وليس الطويل كما يقول المستشرق بلمي؛ وعبد الرزاق عبد الواحد الذي قال إنه كلام غير موزون، وصلاح عواد الذي رجح أنه شعر منظوم على الرجز؛ وإن لم ينفِ احتمال البحر الطويل. وقد أخذت كل هذا بالاعتبار، وراعيت معنى الدعاء في هذا الشعر مثلما راعيت أن يكون المعنى غير الدعاء، وهذا الشعر أشبه بتميمة أو رقية. حاولت كل هذا وأنا أقوم بتخريج هذا الشعر وترميمه، بمزيج من الحدس والمعرفة بالشعر العربي القديم والجاهلي خاصة وهو أم العربية؛ مفترضا على هذا النقش هذين «التخريجين»، وقد أدرتهما على البحرين البسيط والسريع، وهو الأقرب من بين كل البحور إلى الرجز. وسعيت قدر المستطاع إلى أن تكون مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها؛ لأن من سمات العربية أن أصوات الحروف تجري على سمت الأحداث المعبرة عنها، حذوًا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث بعبارة ابن جني.
وأولهما على السريع:
لا فديةٌ للموتِ أو إثْرةٌ/ والموتَ لا نبغِي وإنْ يَبغِنا
إذْ دَادَ جرحٌ بي ولمْ يُرْدِنا
والثاني على البسيط:
عبْداتُ يفعل لا فديًا ولا أثَرا/ ويمنعُ الموتَ كان الموتُ يَبغينا
إذْ دادَ جرح وكاد الجرحُ يُرْدِينا
٭ ٭ ٭
يقول الجاحظ: «وأما الشعر فحديث الميلاد، صغير السن.. فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام خمسين ومئة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمئتي عام». ولكن نقش عين عبدات وربما غيره، ينفي قول الجاحظ وغير الجاحظ، فالشعر العربي قديم الميلاد؛ بل أقدم مما نتصور بكثير، بل يجعلنا نُنسب أحكامنا ما تعلق الأمر بشفويته وكتابته.

٭ كاتب تونسي

(القدس العربي)