أغادير ـ «القدس العربي» من عبد اللطيف الوراري:

أحيا الشاعر الأمريكي مايكل روتنبرغ أواسط الشهر الجاري (مايو/أيار) لقاءات شعرية في مدينة أغادير وضواحيها (جنوب المغرب)، فقرأ مع شعراء المدينة بلغات تعبيرهم العربية والأمازيغية والفرنسية والإنكليزية، والتقى بطلبة إحدى الثانويات الذين حاوروه بشأن الشعر ووظيفته والجدوى منه، وجدد دعوته إلى شعر جديد يدافع عن التغيير والتعبير عن روح العصر الذي نعيشه، ولم تفته الفرصة أن ينتقد دونالد ترامب وسياساته الحمقاء، راغبًا في هجرة الولايات المتحدة إلى كندا، أو أي بلد آخر فيه ديمقراطية، كما في قصيدته «ربما أرغب في الذهاب إلى كندا» التي منها:

«وداعًا أيتها الولايات المتحدة الأمريكية. أهلًا فنلندا! أو ربما أريد أن أذهب إلى كندا..
أنا مفعم بالنشاط وقد خرجت للتوّ من الوطنية. تعبت من خيبة الأمل والأذى. أحتاج إلى رؤية أكبر للعالم».
وفي «قصيدة مهداة إلى ميتكو» يخاطب الإنسان المنبوذ الذي حاصرته سماء ملبدة بأدخنة الحرب ومتاريس الطغيان، ويتخذ من الكلب رمزًا للتكنية عن الجنون البشري وضياع المعنى والقيم: «مازال الكلب ينبح/ ولكن لا يمكن القول ما يعتقده بالضبط/ هل ذاك تنين أم حضارة تحترق على الشاطئ؟/ لا أستطيع أن أتكهن بالطريق الذي يسلكه الشعر/ أهو يتجه نحو بوابة الدخول أو الخروج؟».

باروديا ساخرة

كما في قصائد أخرى من ديوانه «حبس لأجلٍ غير مُسمّى: قصة كلب»، الذي آثر أن يقرأ منه مايكل روتنبرغ، ثمة شعريّة لاقطة وساخرة ترصد في حركاتها المهمل في حياتنا اليومية وتفاصيلها المكتظّة والباردة في آن، والعابرة للآفاق والمحيطات. ولهذا، يحتشد الديوان بعشرات الكلمات والملفوظات من كلّ فنّ وعلم، من الذرة إلى البكتيريا والطفيليات، مرورًا بأسماء الدول والعواصم والمدن، والغابات، والنباتات، ومشاهير الأعلام، والفنون، والحيوانات، والنسب والرموز الرياضية، ومنتوجات الصناعة الجديدة التي تغرق المجتمع الاستهلاكي في أتونها.
وهكذا تُداخل الدوالّ بعضها بعضًا بكيفيّة تضع المعنى خارج كلّ حساب مُتوقّع في العملية الشعرية، وهو ما يجعل النصوص، داخل المجموعة، تنطوي على مفارقات بناء الدلالة، في علاقتها بأزمة تشيُّؤ الموضوع، وانشطار الذات وتصدُّع فهمها للغيرية التي تعكسها بنى الملفوظ كيفما اتفق. لقد جعل روتنبرغ ذاته بمسافات واضحة ممّا ترصده، وحدّ من انفعالاتها، فبدا البعد العاطفي أو الغنائي في نصوص المجموعة شبه معدم، مقابل الرفع من وتيرة السرد شبه المنطقي والميكانيكي الذي يتيح التهويل من تفاصيل صغيرة ومبتذلة حينًا، ومفكّكة ومبتورة حينًا آخر، في أتون اللعبة الإبداعية للخيال:
لكن داخل هذا اللعب اللغوي والتسريد المملّ لأشياء تبدو تافهة وغير منطقية، ثمّة استراتيجية يتقصّدها الشاعر، وهي نقد العالم المعاصر بروح ثوريّة مُفارقة لا تهادن، فنجده يُبطّن شعره نقدًا مفارقًا ولَوْذعيًّا للنظام الأمريكي، وهوى الرأسمالية المتوحشة، وقيم الاستهلاك الجماهيري، والنازيين الجدد في إسرائيل، ومواضعات العلاقات الدولية التي تكرّس الجهل والتبعية، والربيع العربي الذي تآمرت عليه قوى ثورية ورجعية في آن.

من أجل التغيير

إذا كان الديوان يطفح بمتواليات فانتازية وسيريالية لا يمكن أن نخطئها، فإنّ ذلك لا يفقدنا الشعور بأنّ هذا شعر روتنبرغ يستمدّ قوّته وروحه من معاناة الإنسان وآلامه، ليس من أجل أن ينصب نفسه سرادق عزاء لمعزّين مفترضين ومُملّين، بل من أجل إيقاظ الوعي الأممي الذي طالما وقع تحت خدر الأيديولوجيّات المتطرفة، للتغيير والثورة. فالديوان، إذن، يمكن أن يُقرأ كقصيدة أو معلّقة طويلة تنبثق من تيار الوعي الكامن لدى الشاعر بضرورة التغيير، والأمل في التغيير، آجلًا أم عاجلًا.
لكن من المهمّ أن نلفت إلى أنّ روتنبرغ يصوغ جملته الشعرية الخاصة به: جملة بصريّة باروديّة ومحدودبة، من نتاج خبرته الشخصية، ووعيه الحدّي بالعالم المحسوس، وثقافته الفلسفية النافذة، ومقروئيته النابهة لأعمال والت ويتمان، وجيمس جويس، وألن غينسبرغ وغيره من شعراء جيل الإيقاع الاستثنائي. وداخل هذا كلّه، تتنوّع صيغ الجملة وطرق كتابتها التي تسترفدها من أساليب المونتاج والمونولوغ والتبئير والتفضئة، ومن ملفوظات الكتابة الاعترافية، وهو يصل القصائد بتقنيّات الكتابة عند شعراء ما بعد الحداثة.
وتجدر الإشارة إلى أن مايكل روتنبرغ ليس شاعرًا وحسب، بل هو كاتب أغانٍ ورئيس تحرير مجلة «بيغ بريدج» وناشرها على الإنترنت، والشريك المؤسس لحركة الشعر العالمي المعروفة بـ «100 ألف شاعر من أجل التغيير»، تشغله الأسئلة التي يطرحها الفرد عن تجربته الشخصية في محاولتها لإعادة تدوين وبناء السمات الأدائية في الشعر الأمريكي الجديد. وهذا ما أشار إليه الناقد الأمريكي دايل سميث بقوله: «إنّ مايكل روتنبرغ ساهم في صياغة مشهد الشعر الأمريكي باعتباره مُحرّرًا ومُدافعًا عن التجديد في الشعر الأمريكي». لهذا يصحُّ أن نعتبر شعر مايكل روتنبرغ يندرج ضمن توجُّهٍ جديدٍ من التزام الشعر الأمريكي المعاصر الذي ينصب اهتمامه على إبراز قيم إنسانية عادلة يتقاسمها مع الشعوب المضطهدة في معاناتها المريرة اليوم مع الطغيان والاستبداد، في كلّ مكان من العالم.
قصيدتان:
«قـصـيـدة مـهــداة إلى ميـتـكـو»
(1)
اليوم، عندما ننزل
أنا وزيغي
إلى المحيط
سوف نرسل إليك: قصيدة،
بعض الأشرطة الجامحة،
روح لامرئية،
وطيور محلقة في السماء
عبر مياه من الكروم
(2)
سوف ننتظر
ردك المثقل بالصمت
سنبحث عن لفظ جامع لكل المعاني
وعالم يسوده السلام
(3)
سنركب عائدين
فوق آلات مدمرة ومشرقة
من بلدان أوروبية نامية
(4)
أنا مجرد قرْدٍ بحريٍّ
ولدت وترعرعت
في ولاية فلوريدا
(5)
تعلمت كيف أداعب
حياتي السائلة
وها هو القمر الآن
يجذبني إليه
(6)
إني أعاني
أثقل وجودي بتفكيري
الذي لا ينتهي على طرفي نقيض
وما المصير؟ ما الميلاد؟
صحيح أن المحيط
يمدنا بالقوة
يخبرنا بأن الكون
الذي يدور باستمرار
لا ينتمي إلينا
مهما حاولنا اغتياله
(7)
سلطة لا يحكمها إله
موجات مصنوعة من الكروم
لهيب من وهج الشمس
يرهق جبيني
(8)
زيغي يتوقف فجأة عن النبش في الرمل
ينبح على الغراب الملون بالأزرق والأسود
أرسل ندائي من الصخرة العالقة
على شاطئ من الأصداف
(9)
سأجن إذا ما عشت فوق جزيرة
المحن محاطة ببحر من الأزرق
وآفاق من الياقوت
(10)
أخطط لغد أكون فيه أكثر انشغالًا
لكنني لا أستطيع نسيان المحيط
(11)
يمكنك أن تتحرّق شوقًا الى جزيرة أخرى
لكن أيًّا كان ذلك الشي الذي تتخيله
فأنا لا أستطيع أن أصفه:
ترمس،
شوك،
أو شوفان بري.
(12)
سراب
ما يكون؟ ولكن أعتقد بأنّي أراه إذ هو شيء
خيال
منقوش على صفحة سماء زئبقية
أنا الآن أنتظر انفجارا
(13)
هذه ليست سنة مبشرة للطغاة
سماء نحاسية
تمتدُّ فوق ميدان التحرير
هنا تأتي تلك الفكرة المدمرة
تلك العملة التي أرسلتها بعيدا
على رقعة منفسحة
لتقرأها يا متكو
(14)
غيوم الغاز المسيل للدموع
تحوم فوق ميدان التحرير
تعود مقيدة ومنفعلة
لاصطدامها بأرض خشنة
كفانا من الاستعباد
(15)
رجال ونساء، فتيان وفتيات
بأيديهم حجارة
يا سيدي امنحهم ما يطلبونه
لا تنتظر الإذن من القيادات العامة
لا تنتظر الإذن من دار الأوبرا
عش طويلًا دون سندات التأمين!
(16)
مازال الكلب ينبح!
ولكن لا يمكن القول ما يعتقده بالضبط
هل ذاك تنين أم حضارة تحترق على الشاطئ؟
لا أستطيع أن أتكهن بالطريق الذي يسلكه الشعر
أهو يتجه نحو بوابة الدخول أو الخروج؟
(17)
موجة تليها موجة تتعقبها موجة أخرى
موجة نائمة
مد العالم السفلي يغمر كل شيء ويلفظ الفضة
على شواطئ مدمرة وسماء معذبة
(18)
سألت غرير كاليفورنيا
وأنا عائد إلى المنزل
هل وجدت هذا الحلم مُسلّيًا؟
صاغ رده في قالب من الخبث
هل يكمن الظرف الإنساني في الترفيه فقط؟
(19)
سألت الغرير
عن ألاعيب السياسة
والاستعارات النحاسية
المتدلية من السماوات
مثل مسيح هاندل!
(20)
لا يوجد أي ردّ !
هذا ليس حيوانًا داجنًا !
أيها الأخ من قارة كبرى أخرى
وراء حمى كارثية متلألئة
إن الرغوة والضوء يغمران قدمي
واحتكاكات الماموث تتراكم على أحجار ماموثية
(21)
يا إخواني المقدونيين!
نزلت إلى المحيط اليوم
كانت السماء والشمس والمياه
تخطف الأبصار
وكانت الكروم رائعة
وكدت أن أقع
في شباك الضوء والعزلة
فلم أستطع التفكير في أي شيء آخر.

«ربما أرغب في الذهاب إلى كندا»

وداعًا أيتها الولايات المتحدة الأمريكية. أهلا فنلندا! أو ربما أريد أن أذهب إلى كندا..
أنا مفعم بالنشاط وقد خرجت للتوّ من الوطنية. تعبت من خيبة الأمل والأذى. أحتاج إلى رؤية أكبر للعالم.
آه يا سمسرة! دعه يذهب، دعه يذهب! كلبي زيغي ينام في الشمس. كل شيء سوف يتحقق هنا في الوطن الأم. لا. هناك 17 بلدًا أكثر ديمقراطية من هذا البلد. أريد أن أذهب إلى هناك!
ذاك سيكون الشيء الأكثر شجاعة وسخاءً إذا قمت به. أهاجر! سأصوت للديمقراطية في وقت مازلت أمتلك فيه فرصة التصويت. سيكون الأمر تمامًا مثل الذهاب إلى أمريكا. ولكن بالعودة الى الماضي عندما قدر لأمريكا أن تكون أمريكا. مرحبا بالسويد! سآكل سندويتش الهوتدوغ مع بطاطس مهروسة والخردل والكاتشب في محطة القطار. سأحصل على فتاة شقراء جميلة!
لا يهم أين أوجد ما دمت حرًّا. أهلًا بأفضل الديمقراطيات! النرويج وأيسلندا وهولندا والدنمارك ونيوزيلندا وسويسرا ولوكسمبورغ، أستراليا وكندا وأيسلندا وألمانيا والنمسا وإسبانيا. مالطا، اليابان. تاباس، سمك مملح، الغزل الأمريكي والكنغر، فوندو، تيمبورا، غابات كبرى والأضواء الشمالية.
أهلا بليونارد كوهين، أنا في طريقي إليك! الرعاية الصحية وحرية التعبير والحقوق المدنية! وماذا عن المعدل الإجمالي للسعادة الوطنية؟ معدل الصحة البدنية والعقلية والروحية!
الولايات المتحدة تحتل المركز 150! خلف كوستاريكا، جمهورية الدومينيك وفيتنام. أجل، أحلف باسم المسيح أن الناس أكثر سعادة في المملكة العربية السعودية! وما هي الدولة الأشد خضرة؟ الولايات المتحدة تحتل المركز 39.
خلف سويسرا والسويد والنرويج وفنلندا وكوستاريكا، السحالي، بروميلياد، الببغاوات والأفاعي السامة ولسامباو التشا تشا. النمسا، نيوزيلندا، لاتفيا، كولومبيا، فرنسا، وأيسلندا، بيورك، الحدوق والبولوك والهلبوت والأربيان.
كندا وألمانيا، ليديرهوزن، المملكة المتحدة وسلوفينيا والنقانق السلوفينية، فطيرة التفاح، اليخني والفطائر تعلوها الشوكولاته، ليتوانيا وسلوفاكيا والبرتغال وأستونيا وكرواتيا واليابان، إكوادور، المجر، إيطاليا. وسيوبينو فافا، والأدغال والكمأة البيضاء وجبن بارما الطازج. «ماييستا» للدوشيو ديبويننسيكان في متحف أوبرا دومو بسيينا. والدنمارك وماليزيا وألبانيا وروسيا وتشيلي وروبرتو ماتا، فطيرة بينو مملوءة بقطع اللحم والبصل وزيت الزيتون، والزبيب وقطعة بيض مغلى.
كابرنيت سوفينيون وبابلو نيرودا وإسبانيا، لوركا، دون كيشوت، لكسمبورغ، بنما، جمهورية الدومينيك، أيرلندا والبرازيل هــــدف!! أوروغواى، جورجيا، الأرجنتين، تطهير المياه، انخفاض انبعاثات الكربون والكبريت… تحيا أنهار الجليد والشلالات والشعاب المرجانية والمروج المزهرة، والمنغروف، والمضايق البحرية!
قبل فوات الأوان. ماذا أنتظـــر؟ عليّ أن أقوم بما هــــو صحيح (بالنســــبة لي). إنه الشيء الذي يجب عليّ القيام به من وجهة نظر الأمريكي! يجب عليّ الخروج من هنا. ليصعد الجميع من أجل ديمقراطية خضراء سعيدة! هذا ما أتصوره. وهذا ما اخترت!

٭ ترجمة: الحبيب الواعي